• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

المقالات

التثاقف السلبي والهوية والشخصية

التثاقف السلبي والهوية والشخصية (علي تعوينات)

الهوية تعني الكينونة الخاصة بفرد أو مجتمع بعينه تصف خصوصياته التي غالبا ما تختلف في المضمون عن غيره كفرد أو كمجتمع، حتى وإن كان الجانب الشكلي متشابها، مثل مصطلح القيم الذي يوجد لدى كل فرد ومجتمع لكن مضمونه متنوع حسب البيئة التي ظهرت فيها وشروط وأسباب ظهورها.  

  1. الهويةفياللغة: يعني مصطلح “الهوية” الذات والأصل والانتماء والمرجعية.

وهي مأخوذة من كلمة “هو” أي جوهر الشيء وحقيقته أي هوية الشيء تعني ثوابته وأيضا مبادئه،

  1.  الهويةفيالاصطلاح: تعرف “الهوية” على أنها الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق أي تلك الصفة والثابتة والذات التي لا تتبدل ولا تتأثر ولا تسمح لغيرها من الهويات أن تصبح مكانها أو تكون نقيضا لها، فالهوية تبقى قائمة مادامت الذات قائمة وعلى قيد الحياة، وهذه الميزات هي التي تميز الأمم عن بعضها البعض والتي تعبر عن شخصيتها وحضارتها ووجودها.

معنىالهويةالثقافية

المقصود بالهوية الثقافية تلك المبادئ الأصلية السامية والذاتية النابعة من الأفراد أو الشعوب، وتلك ركائز الإنسان التي تمثل كيانه الشخصي الروحي والمادي بتفاعل صورتي هذا الكيان، لإثبات هوية أو شخصية الفرد أو المجتمع أو الشعوب، بحيث يحس ويشعر كل فرد بانتمائه الأصلي لمجتمع ما، يخصصه ويميزه عن باقي المجتمعات الأخرى. والهوية الثقافية تمثل كل الجوانب الحياتية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحضارية والمستقبلية، لأعضاء الجماعة الموحدة التي ينتمي إليها الأفراد بالحس والشعور الانتمائي لها.

-     أسسالهويةالثقافية وهي:

أولا-الإنسان بحيث يعتبر الإنسان هو المعنى بالهوية الثقافية، وهو المعني بهذه الحياة، وهو محور وأساس الهوية الثقافية، لا غيره من الكائنات الحية الأخرى.

ثانيا -التوازنفيالشخصية أي ذلك التوازن المادي والروحي للأفراد وللشعوب، بحيث يكون اعتدال وتوازن كفيل بالحفاظ على الحياة الطبيعية للفرد، دون تغليب حياة المادة على حياة الروح، لكيلا يكون هناك خلل في الشخصية أو في الذات، احتياطا لعدم تغليب كفة لكفة أخرى، بتغذية الإنسان ماديا بالأكل وروحيا بالمعتقد.

ثالثا-الإيمانالحقيقي بالانتماء للمجتمع في كل جوانب خصوصياته.

عناصرالهويةالثقافية

متمثلة في: العقيدة واللغة والتراث الثقافي المتمثل في التاريخ الحضاري والأعراف والعادات والقيم والأدب والفنون وطريقة التفكير، وهي عناصر تعمل القوات العالمية المناهضة للشعوب وخاصة الإسلامية منها على فسخها ومحوها بتعويضها بتلك التي تنشرها هي بمختلف الوسائل التقنية وأهمها التلفزة والأنترنيت.

وسائلومضامين التثاقف الإكراهي:

  1.  التقدم التكنولوجي والتقني في مجال الاتصالات، بحيث هذا التقدم أدى إلى سيطرة وهيمنة هوية غربية فردية أحادية على شعوب العالم في هوياتهم وخصوصياتهم، نتيجة التقريب بين الهويات الثقافية وغلبة الهوية التي تمتلك الأساليب للتأثير على هوية الغير.
  2. الفضائيات، حيث تقوم الفضائيات بدور كبير في الحياة الثقافية للشعوب من خلال الأقمار الصناعية والتليفزيون، بحيث أصبحت توجه حتى الأسرة وأفراد العائلة الواحدة، ولعل صاحب الفضائيات الكبرى هو من سيسيطر على الهويات الأخرى بفرض سيطرة هويته الثقافية.
  3. شبكة الانترنيت، أصبحت هذه الشبكة وسيلة هامة للتثاقف المفروض، بما تحمله هذه الشبكة من معلومات وأفلام وصور وأفكار ثقافية تطيح بمعالم الهوية الثقافية الخاصة بالشعوب والأفراد، خاصة تلك الثقافة المادية التي تسيطر على الشبكة، والإطاحة بالأخلاق الفاضلة من خلال المواقع الإباحية، إضافة إلى الدعاية السلبية التي من شأنها قلب الوضع الثقافي والسياسي للبلدان بتغيير وجهة الرأي العام وإقامة النزاعات بين الشعوب.
  4. وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة، وهي تلك الجرائد والصحف اليومية والإذاعات السمعية وما لها من تبليغ فكري ثقافي معين بالتأثير على الهوية الثقافية للشعوب، خاصة بسيطرة الغرب عليه، بالإطاحة بعالمية الثقافة وخصوصية الأمم.
  5. القوة والفرض والضغط، يعد أسلوب الفرض بالقوة وبالضغط أساس سير التثاقف المفروض، تصدير البرامج التربوية ووجوب تطبيقها على الشعوب خاصة منها الشعوب الفقيرة.

التثاقف الإيجابي والسلبي:

تتأسس حياة الإنسان على منظومات قيمية ومعرفية ومنهجية، تعد ترجمة واعية مقصودة لتساؤلات الواقع وما يفرضه على وعي البشر من تحديات وإكراهات، فيعمدون إلى الإجابة عن تلكم التساؤلات بوحي من تفاعلاتهم مع العناصر الأساسية التي شكلت وجودهم التاريخي والحضاري، من مرجعيات عقدية، وإبداعات فكرية ومنهجية وفنية قانونية قد نشأوا عليها؛ فيتولد لديهم فهم خاص لبيئتهم نتج انطلاقا من حاجاتهم الخاصة وسلوك متفرد، وانتظام حياتي يعكس رؤيتهم النوعية ويلخص خبراتهم، وهذا ما يمكننا نعته بالثقافة التي تضبط للفرد فعله وحركته وتفكيره حسب ما تقتضيه الجماعة التي ينتمي إليها والمجتمع الذي يعيش فيه. وتتمايز المجتمعات، بناء على ما تقدم، حسب نوع المنطلقات التي تتخذها لنفسها، تجاوبًا مع النهايات والغايات التي تسعى لبلوغها.

يعتبر نقل ثقافة أجنبية إلى ثقافة أصيلة بالطريقة السلمية والمقبولة من قبل المجتمع المستقبل تثاقفا إيجابيا، إذ أن أعضاء الثقافة المستقبلة يعتبرون ذلك إثراءا لثقافتهم ورقيهم وتطورهم، فينتج عن ذلك انسجام وتوافق مما يجعلهم يدمجون عناصر الثقافة الجديدة بعناصر ثقافتهم فتتكاملان، ويمكن أن يكون المثال على ذلك رسوخ الدين الإسلامي في مختلف ربوع العالم ومنها شمال افريقيا.

التثاقف السلبي: أما إذا انتقلت ثقافة أجنبية إلى الأصيلة بالقوة والإكراه والتسلط والضغط فيكون تثاقفا سلبيا، وينتج عنه المسلوبية والاغتراب عن الهوية والذات والإكراه، والرفض ومقاومة ومحاربة من قبل المجتمع المستقبل، ومنها ثقافة المستعمر للمجتمعات المستعمرة، ومن أهم خصائصه:

 الاستلاب، والمسلوبية:

يعد الاستلاب من المفاهيم الملازمة للصلات الثقافية أو التثاقف، وكذلك حالته المسلوبية، ووجهها الثاني الاغتراب؛ بمعنى أن الكيانات المختلفة قد يعمل بعضها على طمس الآخر ومحوه، بقصد الامتداد فيه، وتحويله إلى عنصر ضمن سياق النوع الخاص، وتذويبه في بوتقة الهوية الكلية المزعومة، أو تدجينه، وتركه هائمًا كيفما اتُفق، دون التفات إلى خطورة ذلك على المستوى التاريخي والحضاري للمجتمع المغلوب. فالمجتمعات الغالبة قد تعمل على استقطاب المجتمعات الأضعف وإدخالها، في دوامة الابتلاع لخصوصيات الآخرين، فينتهي بها الوضع، إلى اضطراب مفهوم الذات وتقديرها، والتحول إلى الآخر حتى ولو كان الأمر شكليا، لكن بغير رجعة أو عودة، ونذكر في هذا السياق، ما قرره ابن خلدون منذ قرون حينما قال: " أن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب، في شعاره وزيه ونحلته، وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك؛ أن النفس أبدًا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها، حصل اعتقادًا، فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به، وذلك هو الاقتداء أو لما تراه، والله أعلم.

ويُعتقد أن أول محدد لمفهوم الاستلاب والاغتراب هو ابن خلدون، واستعمل له دالاً هو التقليد، الذي يحضر في ثناياه، الحضور والغياب، والوعي واللاوعي، وهذا يفسر جدلية الاستلاب، فهو حضور حال التقليد، وغياب بتقمص الآخر وأخذ عوائده، وهو وعي بقصد إفنائه بلا وعي؛ لأن من نتائج التلاقي تلاشي الآخر، سعيًا لذاك ورغبة من الغالب. وهناك جدلية في الصلة بين الاستلاب والاغتراب، فمن أستُلب، اغترب. "فالإنسان الذي استسلم للتقليد، في العادات والأذواق، وبصورة عامة في تقليد ما يكتظ به عالم أشياء شيده غيره، يصبح في المجال النظري مقلدًا للأفكار التي صاغتها تجارب وخبرات غيره. فمفهوم الاستلاب، جذب الآخرين، إلى شرطيات الخصوصية، والعمل على التدريج والتدقيق، في طمس معالم هوياتهم، ومحوها، واحتوائها، بابتلاعها، بآليات أنتجتها الثقافة السالبة، ثم إنتاجها وفق مقاييس ذاتية خاصة، تؤول مع الوقت إلى فسخ المستقل، وجعله تكرارًا للمركز وتقليدًا له.

فمفهوم الاغتراب/ الاستلاب في المعنى الفلسفي الذي يفيد، غياب الشيء أو الشخص، عن فضائه الخاص، وتحوله إلى حالة أخرى، غير ما كان عليه، فيفقد الذات وقد يصير حتى غير الآخر. أما المسلوبية فهي نتاج الاستلاب الواعي، وهي حالة تورث اتباعًا، يأخذ بمجاميع الحياة وبأنظمتها، وفق طريقة الآخر وأسلوبه، وهي تختلف عن الاستلاب، في قلة الحساسية، واختفاء الوعي شبه التام، لعلة التراكم المورث المألوف، الذي ينتهي إلى إساغة الأمر، وعدم استهجانه، فيصير الوضع الناشئ مألوفًا، تُنظم الحياة وشؤونها على سمته، وكأنه العادي، وكل ما يزايل ذلك من قبيل الخطر المهدد، وإذا شئنا التعرف على منبت المسلوبية، ننظر إلى الاستلاب، ومقابله المسلوب.

فالاستلاب يعني وعي+ أدوات = نتيجة مقصودة، أما المسلوبية فتعني نتيجة = لا وعي+ أدوات.

-      الانكفاء على الذات والتوجس من الآخر:

لقد بيّن روجيه غارودي، في كتابه الإرهاب الغربي، بتوضيحه مقاصد الغرب القديمة نحو غيره إذ يقول: "طريق الهيمنة الذي أخذ اليوم اسم العولمة، أضحى ممهدًا جدًا، وهذا الطريق يضرب بجذوره إلى آلاف السنين منذ أسطورة الشعب المختار، التي بررت إبادة الآخرين، حتى الإمبراطورية الرومانية، التي ادعت أنها تضم في حدودها كل العالم المعروف آنذاك، وهذا ما سمته أوروبا بالحضارة، كما لو كان ذلك حكرًا عليها، لكي تعطي الشرعية لاستعباد واستعمار الشعوب الأخرى، أما قادة الولايات المتحدة الأمريكية، فقد جعلوا مهمتهم هي قيادة العالم، لإقامة نوع من العولمة، أي نظام وحيد خاضع لما أسماه أحد منظريها بقانون السوق.

فالثقافة الغربية المسيطرة، منذ خمسة قرون، والتي تعتبر نفسها المصدر الوحيد الخلاق للقيم، والمحور الفريد للمبادرة الحضارية والتاريخية، تقوم على ثلاث مسلمات للحداثة:

  1. مسلمة آدم سميث في العلاقات الإنسانية القائلة: عندما يعمل كل منا في سبيل منفعته الخاصة، فهو بهذا يساهم في تحقيق المنفعة العامة.
  2. مسلمة ديكارت في علاقتنا مع الوجود، التي تجعلنا (تجعلهم) أسياد الطبيعة وملاك الوجود.
  3. مسلمة فاوست في علاقتنا المستقبلية، فقد كتب الأديب المسرحي مارلو في مسلمة فاوست الأولى: أيها الإنسان، تحول بفضل عقلك القوي إلى إله وإلى سيد ومولى كل عناصر الكون ماديها وبشريها، وخذ منه ما تقدر عليه، ولا تأبه للآخرين، فإنهم طوع بنانك، فالغربي سيد العالم بما فيه، وليس في مكنة أحد أن يناقش، فمنفعتنا منفعتهم، فكل الواقع يمر من خلالنا، نحن منتجو الحقيقة، ومعيارها، وإذا أراد الآخرون سبيل النماء، فدربهم نحن، فهم قصر لا يملكون من أنفسهم، أقل مما نحوزه منهم، وكذلك كل العالم. بهذا ينعدم التثاقف، وإن عملت له قرونًا، باعتبار ذاتية المنطلق والغاية.

-       عولمة الذات وتنميط الآخر:

تعد العولمة ذاتها من أخطر موانع التثاقف الإيجابي، فهي عمليةَ تعميم وفرض لنموذج الحياة الغربية، بكامل أبعادها؛ الأيديولوجية والاجتماعية والنفسية والأخلاقية، وكونها أسلوب المعيشة وطريقة التفكير ونمط الذوق والحساسية الجمالية والآفاق والجانب السياسي والناحية الاقتصادية والأحلام والمشاعر...إلخ؛ أي النموذج الحضاري الغربي والرؤية الكونية الغربية، إذ تعم أرجاء العالم إلى أبعد نقطة ممكنة ومتاحة، وغير متاحة، إذا لزم، وهي إضافة إلى ما سبق، عملية ابتلاع للعالم بثقافاته واعراقه وخصوصياته، ثم إعادة إنتاجه وفق منظور مادي رأسمالي سلعي شيئي لا روح فيه ولا كينونة ولا شخصية.

وتتخذ عملية التعميم ركائز ودعامات متنوعة ومتداخلة يعد الغزو الثقافي أحدها، إذ لا يزال الغرب يذكر بأنه حامل لرسالة حضارية إلى العالم، رسالة مفادها تحضر أمم العالم وشعوبه، وإخراجه من ضيق منظوماتها الحياتية وضحالته إلى سعة الأسلوب الغربي، وهكذا كانت دعوى الاستعمار، "الاستدمار" على حد قول مولود قاسم رحمه الله، والتنصير والاستشراق. والأمر ذاته مع العولمة الآن، وبالأحرى القولبة والتعليب بماركة مُأَمركة.

 

 

 

 

 

 

المراجع

-       الساعاتي ،سامية حسن (1983) الثقافة والشخصيّة، دار النهضة بيروت .‏

-       الغامري، محمد حسن (1989) المدخل الثقافي في دراسة الشخصيّة، المكتب الجامعي الحديث، الاسكندرية .‏

-       محمد غنيم، سيّد (1997) سيكولوجية الشخصيّة، دار النهضة العربية، القاهرة .‏

-       مجموعة من الكتّاب (1997) نظرية الثقافة، ترجمة : علي الصاوي، عالم المعرفة (223)، الكويت .‏

-       المصري، علي (1990) نظرية الشخصيّة، المؤسّسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت.‏

-       وصفي، عاطف (1975) الثقافة والشخصيّة، دار المعارف بمصر .

-       مالك بن نبي،(1987)، مشكلة الثقافة، ت: عبد الصبور شاهين، الجزائر، دار الفكر، ط 04،.

-       لي شريعتي، (2006)، تاريخ الحضارة، ت: حسين نصري، بيروت، دار الأمير، ط1.

-       ابن خلدون، (د ت) تاريخ ابن خلدون، السعودية، بيت الأفكار الدولية.

-        مويل هنتغتون، (د ت) الغرب متفرد وليس متكررًا، القاهرة، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق.

-       روجيه غارودي، (2004)، الإرهاب الغربي، ترجمة: داليا الطوخي وآخرون، القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، ط01، ج01.

 

 

أرسلها إلى صديق