• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

المقالات

الازدواجية اللغوية

الازدواجية اللغوية (علي تعوينات)

إعداد علي تعوينات

نظرا لكون الطفل البربري يعيش ظاهرة الازدواجية (الثنائية) اللغوية بين لهجته واللغة العربية من جهة، وبين هذه الأخيرة واللغة الفرنسية من جهة أخرى، فإننا نتناول فيما يلي بعض مفاهيم الازدواجية اللغوية.
مفاهيم الازدواجية اللغوية: ونذكر ثلاث فئات من المفاهيم حسب ما يلي:
1. الازدواجية تعني اتقان اللغة الثانية كاللغة الأولى: ويرى هذا الرأي كل من بلومفيلد (Bloomfield 1935) ومارتيني (A.Martinet 1970) وبيزييه (Beziers) وفان أوفرباك (Van Overback عن فيتوري 1983) . وليوبولد (Leopold) (عن دو غريف وباسل (De Grève وPassel 1973) .
2. الازدواجية هي الحصول على أدنى مهارة في اللغة الثانية: يعتقد هذا الاعتقاد مكنامارا (Mac Namara 1967). وبين هذين المفهومين المغاليين، توجد مجموعة معاني أخرى وسطية للمفهوم، ونذكر تعريف تيتون (سابق) كمثال. فهو يرى في الازدواجية " قدرة الفرد على التعبير بلغة ثانية مع احترام المفاهيم والبنيات الخاصة بهذه اللغة دون اللجوء إلى الترجمة بلغته الأولى".
3. الازدواجية هي عدم كون الفرد أحادي اللغة: تؤكد هذا الرأي جان مارتينيه (Martinet J 1980) في تعريف لِ هوغان (Haugen) حيث تقول: "الازدواجية اللغوية هي حالة كل الأفراد الذين يشتركون في صفة عدم كونهم أحاديي اللغة ". كما يحدد أوكامبس (Aucamps عن تيتون) الازدواجية اللغوية: "بالحالة التي تتواجد فيها لغتان حيتان جنبا إلى جنب، حيث تستعمل كل لغة من قبل جماعة وطنية تمثل نسبة هامة من المجتمع".
إذا أردنا مقارنة مفاهيم الازدواجية اللغوية من حيث أوجه الاختلاف وأوجه الاتفاق يمكننا أن نميز بين ثلاثة أنواع منها:
1. المفاهيم التي تأسست على ملاحظة ظواهر الازدواجية اللغوية ونتائجها، وهي تعاريف وصفية.
2. والمفاهيم التي تستند على توقع نتائج ومفاهيم الازدواجية وهي تعاريف معيارية.
3. والمفاهيم التي تستند على الاعتقاد بأن ظواهر الازدواجية معقدة ومتنوعة لكي توضع في إطار مشترك وموحد، ونظرا لاعتبارات منهجية، فإنه من الضروري إيجاد مفهوم عملي محدد. فهذه المفاهيم غير دقيقة وصعبة التطبيق، فهي لا تبين بدقة معنى: "المتكلم الأصلي"، وهي كفاءة متنوعة جدا داخل مجتمع أحادي اللغة. ولا معنى "مهارة دنيا في اللغة الثانية "، ولا احترام المفاهيم والبنيات المتعلقة باللغة. فهل يمكن مثلا إقصاء الفرد الذي يتميز بكفاءة عالية في اللغة الثانية، دون أن يتصف بالفصيح أي الأصلي بسبب نغمته الأجنبية، عن هذه اللغة؟ أو كيف يمكن مراقبة عدم تدخل اللغة الأولى في اللغة الثانية؟ ومن جهة أخرى فإن هذه التعاريف لا تتناول إلا جانبا واحدا من الازدواجية، وهو كفاءة الفرد في اللغة الثانية. انطلاقا من هذه الملاحظات يمكن قبول مفهوم أوكامبس (Aucamps) رغم كونه وصفي، لأنه يطابق وضعية الطفل البربري المتمدرس، والذي يستعمل لغته (لهجته) المحلية خارج المدرسة، بينما يستعمل اللغة العربية داخلها، أو عندما يضطر لاستعمالها أو الاستماع للمتكلم بها.
يستند كل مفهوم من المفاهيم السابقة الى نوع من أنواع الازدواجية التالية:
1 الازدواجية اللغوية التكميلية: وفيها تستخدم اللغة الأولى مثل اللغة الثانية، وكل واحدة ذات مرجع ثقافي خاص بها. ويخص هذا النوع من الازدواجية الطفل الذي ينشأ على لغتين أصليتين غير متصارعتين.
2 الثنائية اللغوية (Diglossie) : لتمييز الثنائية اللغوية استند فيرغوسون (Ferguson 1959) إلى معيارين متباينين، أولهما يتمثل في "التنافس بين شكلين لغويين ينتميان إلى نفس اللغة، وثانيهما يتمثل في وجود وضع لغوي مختلف عن الشكلين المذكورين، حيث نجد أحد النوعين يختص بالاستعمالات اليومية للغة، والثاني يفرض نفسه كمعيار رسميّ في المدارس، وفي المحاكم والصحافة والجيش".
ويميل اللغويون لتعيين، تحت عبارة الثنائية اللغوية، حسب دابن (Daben 1994) " وضعية اجتماعية/ لغوية حيث توظف لهجتان بتنافس في وضع اجتماعي وثقافي متباين، أحدهما معتبر محليا وهو شكل لغوي مكتسب أوليا ومستخدم في الحياة اليومية، والثاني يمثل اللغة التي تستعمل في بعض الظروف ومفروضة من قبل الذين يمثلون السلطة.
3 الازدواجية اللغوية غير المتزنة أو شبه الازدواجية: في هذه الحالة إذا استخدمت اللغة الأولى أو اللغة الثانية فإن ذلك يؤدي إلى الاستخدام المتزامن للمرجعين الثقافيين أيضا. نجد في هذه الوضعية تداخلات دائمة ومتصارعة بين الأنظمة الرمزية، حتى ولو كان هذا الصراع بعيدا عن وعي الفرد المتكلم. ويحمل في نفس الوقت رسالتين مختلفتين تبينان انتماءهما المضعف، حيث تجعلان الفرد لا يستطيع أن يتموضع ثقافيا بصفة واضحة. وزيادة عن الغموض في الهوية الثقافية، فإن الظاهرة تغطي إشكالية السيطرة التي تتضح في عدم إتقان أي من النظامين اللغويين. وحتى اللغة الأولى التي بإمكانها أن تقوم بوظيفة مضعفة: "الأداتية والرمزية "، لا تتمكن من ذلك لأنها أصبحت لغة مسودة. كما لا تتمكن اللغة الثانية هي الأخرى من القيام بالوظيفة الرمزية، حتى وإن كانت سائدة وبالتالي تصبح اللغتان فاقدتين لوظيفة التبليغ.
شكل الازدواجية اللغوية المقابلة للمناطق البربرية:
منذ اليوم الذي يدخل فيه الطفل البربري المدرسة، وهو يشرع في مجابهة وضعية الازدواجية اللغوية بالمعنى الحقيقي. إلا أن اللغة العربية ليست أجنبية بالمعنى الذي يفهمه الغريب. فهي لغة المسجد والإدارة والإعلام. وأكثر من هذا فهي لغة المدرسة ولغة السلطة، إضافة إلى وجود ما يقرب من 43% من المفردات البربرية مقتبسة من اللغة العربية، حسب دراسات أوروبية (د. كوهين D.Cohen 1973) (1) وهي لغة الثقافة الجزائرية عامة ومنها البربرية رغم وجود بعض العناصر الخصوصية في هذه المناطق فالازدواجية الحادثة من تمدرس الأطفال البربر تتوافق والازدواجية غير المتزنة، حيث اللغة الأولى (اللهجة) تسيطر على الوضع طول مدة الحياة ما قبل المدرسية والمدرسية فهذا الطفل الذي يخضع إلى ظاهرة الازدواجية اللغوية (عربية/بربرية) قبل أن يكتسب لغته كاملة، ويتعلم المواد الدراسية الأخرى بنفس اللغة التي لم يتعلمها بعد،؛ وهنا سوف لن يبقى الوضع سليما، إذ أن مشكلات سوء التكيف والتخلف الدراسيين ... ستطرح لا محالة. وقبل اكتساب لغة المدرسة باعتبارها اللغة الأولى حسب السياسة التربوية، فإن لغة جديدة، وهي الفرنسية، تضاف ابتداء من السنة الرابعة إلى المنهاج. مما يفرض عليه وضعية التعدد اللغوي دون أن يكتسب أيا منها اكتسابا طبيعيا.
يمكن أن نستخلص من هذا أن الطفل مزوّد تكوينيا بقدرة على تعلم أو اكتساب لغة أو أكثر، وذلك مهما كان بلده أو وسطه أو طبقته الاجتماعية الاقتصادية أو الثقافية؛ وأن أي عجز في إمكانيته اللغوية يتحمّل مسؤوليته من يحيط به ومن يشرف على أمور التربية والتعليم؛ حيث ينبغي للمدرسة أن تقوم بمهامها الخاصة بالعدالة في التربية عامة، وفي تعويض كل نقص قد يتسبب فيه الوسط العائلي أو الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها هذا الطفل. إلا أن المدرسة لا تعمل على تعويض هذه النقائص فحسب، وإنما تُوسّع الهوة أكثر كلما ارتقى الطفل في سلمه التعليمي، بين الذين تحابيهم والذين تنبذهم.
لهذا نرى أنه من الضروري أن يأخذ النظام التربوي فكرة العدالة في الانطلاق في التعليم بعين الاعتبار، وذلك بإعطاء الفرص المناسبة لكل طفل في أن يتعلم لغة المدرسة، حسب الظروف التي يعيش فيها وحسب إمكانياته الخاصة، مع تخصيص الإطار الكفء في المناطق التي تتطلب دراية كبيرة بمشكلات تعلم اللغات، خاصة إذا كانت لغة المدرسة تختلف عن اللغة الأولى للطفل.
2. الازدواجية الثقافية والتثاقف:
إن فرض الاستعمار الفرنسي نفسه بشتى الطرق على الشعوب المغاربية عامة وعلى الشعب الجزائري خاصة قد أدى إلى تغيير عميق في مكوّناته الاجتماعية والثقافية (وحتى العقائدية) ؛ إلا أن ما تبقى من الزوايا في بعض الأرياف وفي الجنوب وما استنهضته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد أدى إلى تخليد ما كانت الجزائر عليه بالرغم من احتكاك وتداخل الثقافتين العربية والفرنسية، وتصارع كل من التعليمين العربي والفرنسي قد أنشأ وضعية تصارعية بين عامة الشعب، والتي امتدت إلى الاستقلال ومازالت باقية إلى اليوم.
ويمكن القول أن الظاهرة الاستعمارية قد جعلت الفرد الجزائري " في ميدان معركة حيث يواجه عالَمان ثقافيان". فإذا كانت الثقافة العربية الإسلامية قد أنشأت هوية الشعوب المغاربية عامة، وكان لها قدرة إدماج هذه الشعوب وبالتالي تقبلها بكل رضى واطمئنان. فإن المستعمر" فرض ثقافته وأراد أن يدمج فيها هذه الشعوب بقوة. وكان يقصد من ذلك ابتلاعها وإدماجها في الشعوب المستعمرة (بكسر الراء) ، مما جعل السياسيين ورجال الدين يقاومون هذا التوجه الاستعماري المفروض مقاومة عنيفة بالبندقية والقلم ".
الازدواجية الثقافية وصراع الثقافات:
"إن وعي الشباب بالاختلال الموجود بين الثقافتين العربية الإسلامية من جهة والغربية من جهة أخرى، قد أظهر وُلوعا مفرطا تجاه الثقافة الغربية المعتبرة كوسيلة وحيدة للرقي الاجتماعي والثقافي من ناحية، وقد أخذ موقف المنسلخ عن الثقافة العربية الإسلامية من ناحية أخرى، التي اعتُبرت متخلّفة ". (فيتوري 1983) وفي "الحقيقة أن الأمر لا يتعلق بالصراع بين ثقافتين فحسب، وإنما الأمر يتعلق بتمزق الشخصية التي وجدت نفسها بين العصرنة (المبهرة) والتقليد (القديم) . وقد ساهمت المدرسة في تشكيل هذه الوضعيات التوترية، باعتبارها مصدر الناشر والموزع للتثاقف (acculturation) . وانطلاقا من تفتح المدرسة على العالم المعاصر من خلال الازدواجية الثقافية التي تعد إحدى خصائصها، لا تعمل إلا على تدعيم أوضاع التوتر التي يعاني منها الشباب، لأن التأقلم مع الثقافة العصرية يتولد عنه حاجات جديدة، ليس على المستوى الذهني فحسب ولكن بصفة أخص على المستوى الانفعالي أيضا ". ولهذا نتساءل: هل ينبغي أن يكون كل من الجو الاجتماعي والجو المدرسي ملائمين؟ وهل يمكن للتربويين الواعين بهذه الأوضاع، أن يحققوا هذا التأقلم للشباب مع الثقافة المزدوجة دون إحداث تمزق عميق أو تشويه أو تحريف للثقافات؟
إن التثاقف يتطلب " التأثير المستمر والثقيل الذي تقوم به ثقافة مسيطرة على ثقافة مسيطر عليها والتي لا تتمكن من التخلص من هذه السيطرة، هذا التأثير الذي أدى إلى تحوّلات عميقة في الثقافة المسيطر عليها، وذلك تبعا لدرجة مقاومة هذه الأخيرة. ويظهر أثر هذه التحوّلات على بنيات المجتمع وعلى الأفراد ظهورا صريحا؛ علما بأن الثقافة تحدد طرق الانتظام الاجتماعي، وتساهم في التعريف بأهم مكونات الوسط الذي يسلك فيه الفرد كما أن استقرار وانسجام الوسط الثقافي من شروط تكامل الشخصية ".
وفي هذا الصدد يرى رالف لينتون (R.Linton 1965) : أن " فردا يعيش في مجتمع ذو ثقافة مستقرة نسبيا، يرى شخصيته في صيرورة متكاملة ومنسجمة كلما كبر وتقدم في السن. فالفرد الذي يجد نفسه في هذه الحالة يكون سعيدا أكثر من ذلك الذي يرى نفسه مرغما على ملاحظة نماذج من السلوكيات الظاهرية التي تتباين مع الأنظمة القيمية المواقفية التي نشأ عليها من خلال خبراته الأولى، ونتيجة هذا التباين تتضح أكثر عند أولئك الأفراد الذين بدأوا حياتهم في إطار ثقافة معينة ثم حاولوا التكيف فيما بعد مع ثقافة جديدة.
في هذه الشروط الثقافية قد يتمكن الفرد من التعلم كيف يتصرف أو حتى يفكر في إطار الثقافة الجديدة " إلا أن ما يصعب عليه تعلمه هو أن يشعر ضمنها بما يشعر به في ثقافته الأصلية. فكلما وجد نفسه أمام قرار ينبغي أن يتخذه إلا ويكتشف أنه يعوزه نظام المرجعية الثابت، كما تغيب عنه الموجهات التي تكون عند الفرد الأصيل في هذه الثقافة ". ويصرّح مارك ريشل (M.Richelle 1960) " إذا كان تكامل الشخصية تابعا أساسا لوسط ثقافي معين، فإن أي تغيّر قد يحدث في نظام هذه الثقافة يكون تكامل الشخصية معنيا بشكل مباشر". وتؤكد س. حسن الساعاتي (1983) العلاقة بين الثقافة والشخصية بقولها: " ... فكما أن الفرد يولد داخل مجتمع ما فهو يولد أيضا داخل ثقافة خاصة تشكّل شخصيته".
هذا " التصور للعلاقة بين الشخصية والثقافة يؤدي عموما إلى الاستنتاج بأن كل وضعية تثاقف تقود بالتعريف إلى تفكك الشخصيات التي تعيش هذا التثاقف، وأنها تحمل في طياتها اختلالات وتشوّهات مرَضية. إذا كانت هذه القاعدة عامة فقد يحق لنا اعتبار ظاهرة التثاقف كاختلال للنظام الثقافي، أي كمرض حقيقي يصيب الثقافة ".
الازدواجية الثقافية والازدواجية اللغوية والتثاقف في نظر كلود لفيس ستروس (C.Levi-Strauss 1958) : "اللغة هي في آن واحد فعل ثقافي في غاية الجودة وهي بواسطتها تنشأ وتنبني كل أشكال الحياة الاجتماعية وتصبح ذات ديمومة ". ونستوضح مع فيتوري هذه المقولة بما يلي: إذا ما طبقت هذه المقولة على الحقيقة المغاربية فإنها تسمح بالوعي بعمق الآثار التي نجمت وتنجم عن التثاقف على لغة الأفراد. إذ يكفي مد الأذن في أروقة المدارس وفي الأماكن العامة لمعرفة حالة التلف الذي توجد فيه لغة هؤلاء الناس. وقد ساهم التمدرس والازدواجيتان اللغوية والثقافية في تكريس ذلك؛ فهذا الخليط اللغوي بين العربية والفرنسية يترجم بجلاء الغموض الذي أنجزه التثاقف. فمنذ حلول الاستعمار إلى يومنا هذا ولغة طلبة الجامعة أو التلاميذ في المدارس أو حتى العوام لا تخلو جملة يتلفظون بها من مفردتين فرنسيتين مكيَفتين، هذا عن من يدرس بالعربية فماذا يقال عن الذين درسوا في المعاهد العليا الفرنسية وعن الناطقين بالبربرية؟ [نحن نؤكد]
الثقافة وتعدد اللغات:
إن النفوذ إلى ثقافة ما يتطلب بالضرورة التحكم في اللغة المطابقة لها. لكن بعد أن تأمل فيرنيتش (Weinreich 1973) في العلاقة لغة / ثقافة صرّح قائلا: "لو أن التواصل قد حُصر في حدود الطوائف اللغوية فسيكون في الإنسانية عدد من الثقافات المتنوعة الذي يماثل عدد اللغات. وهذا الأمر غير منطقي، فوجود التشابهات الثقافية المدهشة بين أقطار ذات لغات مختلفة اختلافا كبيرا لدليل على أن التواصل يمكن، بل ويجب أن يحدث بحيث يتعدى الحدود اللغوية ". وحسب فيرنيتش دائما فالثقافة لا تحدد بالضرورة اللغة نظرا لكون التشابه الثقافي يمكن أن يتأقلم بالتنوع اللغوي.
وإذا كان هذا الأمر حقيقة فإن بعض الشروط ينبغي أن تتوفّر لقبول هذا الافتراض: كأن تكون اللغات التي تلتقي في نفس الثقافة تنتمي إلى نفس العائلة اللغوية مثلا، أو أن اللغة الأولى واللغة الثانية قد تعيشتا دون صراع أو رفض أو نبذ، أو أن تكون الثقافة التي تلتقي فيها لغتان أو أكثر ثراء وأوسع أفقا، بحيث يطمح متحدثو هاتين اللغتين إلى تشرّب هذه الثقافة دون أية عقدة أو شعور بالنقص. والشرط الثالث الذي يمكن إضافته يكمن في عدم تصارع العقيدة مع أيٍ من اللغات المتواجدة في نفس الثقافة التي تحتوي هذه العقيدة. هذه الشروط تنطبق على كل من العربية والبربرية بصفة الأولى لغة العقيدة (لكن التثاقف قد كوّن مشكلات أدت الى التراجع عن قبول العربية من قبل الناطقين بالبربرية خاصة الحاملين للثقافة الفرنسية والفقراء إلى الدين واللغة العربية) مما جعلنا نبحث الموضوع وآثاره على الأطفال المتمدرسين وبصفتنا ننتمي الى هذه الشريحة من المجتمع الجزائري ونغار على لغة الضاد والقرآن.
ويرى كل من هامرز (Hamers) وبلان (Blanc) (1983) "أن الطفل عندما يدخل المدرسة يكون قد استخدم لغته من قبل، من خلال مختلف الوظائف (التواصلية والعاطفية ثم تدريجيا الوظيفة المعرفية) . فإذا كانت هذه الوظائف المعرفية قد نمت نسبيا نموا ناقصا وأن المدرسة تستثير الطفل على تنميتها وتطويرها من خلال لغة أخرى فإن ذلك يُحدث نوعا من الانقطاع المجحف لنموه المعرفي. وعكس ذلك إذا كان الطفل قد دخل المدرسة بنمو لغوي تام في اللغة الأولى، وأن هذه الأخيرة مقيّمة ومعتبرة في كل من العائلة والمدرسة فلن تكون لديه عقبات لاكتساب لغة ثانية في المدرسة ". ومن هنا طالبنا بأن يُلحق أبناء الناطقين بغير العربية بالتعليم ما قبل المدرسي من أجل تحضيرهم لتعلم اللغة العربية بشكل سليم.
وحسب روندال (Rondal وآخرون 1983) فالطفل يسهل عليه أن ينتمي انتماء ثقافيا مضعفا إذا كانت الطائفة التي ينتمي إليها تتقبل هذه الفكرة مما لو كانت ترفضها. فالصراع الناتج عن التمييز اللغوي بين العربية والبربرية قد يمدد إلى المجال الثقافي، رغم انتماء هذه الأخيرة إلى أسرة الثقافة العربية الإسلامية منذ أكثر من سبعة قرون. فالطلب الذي كان ملحا للاعتراف بالأمازيغية أسبابه سياسية لكن جذوره تمتد إلى أسباب ثقافية.

 

أرسلها إلى صديق