• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

المقالات

الازدواجية اللغوية والثقافية في الجزائر

الازدواجية اللغوية والثقافية في الجزائر

إعداد ع. تعوينات

 I.الازدواجية اللغوية والثقافية والطبقات الاجتماعية واللغة:

       1. الازدواجية اللغوية:

      إن الحياة المعاصرة تفرض على الفرد أن يكون متشبعا بأكثر من لغة واحدة حتى يتمكن من التفتح على العالم وثقافاته، وتكنولوجياته، فنجد أن معظم دول العالم قد أدرجت ولو لغة ثانية إما في المرحلة الإعدادية أو خلال المرحلة الابتدائية كما هو الحال بالنسبة للجزائر، نظرا للاعتقاد السائد حول أهميتها في وقت مبكر كما جاء به "تيتون":"bilinguisme précoce"، حيث  أشار إلى إمكانية شروع الطفل في تعلم لغة ثانية منذ سن الحضانة، وأكّد "بنفيلد" رأيه مشيرا إلى مرونة أعصاب الدماغ أثناء هذه السن، وأضاف بأن التدريب المبكر على أصوات هذه اللغة يساعد أعضاء الصوت على التكيف معها، وبالتالي تفادي الوقوع في مشكلات قد تخلقها الازدواجية فيما بعد، فنموه الذهني يكون في نفس الوقت بنفس إيقاع سير نموه اللغوي في كلتا اللغتين اللتين يمتلك.

 2. مفاهيم الازدواجية اللغوية:

       ليس لها مفهوم محدد بسبب غياب أدوات القياس، ولذلك تم تحديدها وفق نوع النشاط اللغوي الممارس، فنجد وجهات النظر التالية:

        أ.الازدواجية اللغوية تعني إتقان اللغة الثانية كاللغة الأولى:

       نعرفها بقول"مارتيني" المتمثل في كون مزدوج اللغة يمارس استعمال لغتين وطنيتين بنفس  الكفاءة. وإن كل لغة من لغتي المزدوج تصبح أداة لحمل فكرته، ووسيلة لتمثيل العالم المحيط به (أي أنه يملك أداتين للتفكير ونظاميين ثقافيين).

       ب.الازدواجية اللغوية هي معرفة أدنى كفاءة في اللغة الثانية:

       يقول"تيتون" أنها القدرة على التعبير بلغة ثانية مع احترام المفاهيم والبنيات الخاصة بها، دون اللجوء إلى ترجمة باللغة الأم.

       ج.الازدواجية هي عدم كون الفرد أحادي اللغة:

        يَحُدُّ "أوكامبس" الازدواجية اللغوية بالحالة التي تتواجد فيها لغتان جنبا إلى جنب حيث تستعمل كل لغة من طرف جماعة وطنية تمثل نسبة هامة من المجتمع، وهذا ما ينطبق على وضعية الطفل الأمازيغي المتمرس، الذي يستعمل اللغة المحلية خارج المدرسة بينما يستعمل اللغة العربية داخلها أو عند ضرورة استعمالها.

 3. أشكال الازدواجية:

        حسب علاقة النظامين اللغويين الأول والثاني بالنظاميين الثقافيين الأصلي والأجنبي نجد 3 أنواع من الازدواجية اللغوية:

        أ.الازدواجية اللغوية التكميلية (le bilinguisme additif):

        تُستخدَم اللغة الأولى مثل اللغة الثانية وكل واحدة ذات مرجع ثقافي خاص بها.

لغة  أولى               ثقافة  أولى

 لغة ثانية              ثقافة ثانية      { له سجلين لغويين وثقافيين، ولا يوجد تداخل بينهما.

        ب.الثنائية اللغوية (la diglossie):

        يميل اللغويون لتعيين تحت عبارة الثنائية اللغوية وضعية سوسيو-لغوية، حيث تُوَضَّح بتنافس لهجتان ذات وضع اجتماعي ثقافي متباين إحداهما معتبرة محليا ويعني شكلا لغويا مكتسبا أوليا ومستخدما في الحياة اليومية، والثاني يمثل اللغة التي تستعمل في بعض الظروف ومفروضة من قبل الذين يمثلون السلطة. ويمكن لهذه الثنائية اللغوية أن لا تمس  إلاّ جزءاً فقط من الطائفة المعنية، ويمكن أن ينقلب على المستوى المتطرف من السلم الاجتماعي، أولئك الذين لا يحسنون إلا اللغة المحلية، والذين يحسون لغة النفوذ والسلطة فقط وأحادي اللغة، والذين يعيشون ضمن طائفة أحادية اللغة، لكنهم يمثلون لغة ثانية اكتسبوها أثناء طفولتهم أو في المدرسة، ومعناه أنهم لا يستفيدون ولا  يستخدمون النظامين اللغويين المحلي والرسمي.

         ج. الازدواجية اللغوية الناقصة أو شبه الازدواجية (le bilinguisme soustractif):

        الثقافتان الأصلية والثانية تتدخلان دائما في استعمال سواء اللغة الأصلية والثانية دون وعي، وتتضح في عدم إتقان أي من النظاميين اللغويين.

    لغة  أصلية                                 ثقافة أصلية

     لغة ثانية                                 ثقافة  ثانية

 4. الازدواجية  اللغوية في المغرب العربي:

        قدم "أحمد معتصم" دراسة  تحت عنوان "الازدواجية  اللغوية المتوحشة" بيّن من خلالها فشل الازدواجية  في  المغرب العربي، وأشار إلى أنها رغم غناها فهي لا تتعدى الأشكال الأكاديمية المعروفة، مسلطا  الضوء بذلك على الطفل المغاربي مع كل صعوباته في التعلم مقترحا وضعه في مركز اهتمام  المسؤولين، والقصد من ذلك عدم  وضعه في خانة الصراع القائم بين اللغة العربية الفصحى كلغة أمّ والفرنسية كلغة عالمية، مشيرا بذلك إلى قضية  التثاقف من بابها الاستعماري والفعل البيداغوجي الممارس من قبل الأستاذ الأجنبي الذي غايته ترسيخ الثقافة الغربية في نفوس وعقول التلاميذ المغاربة. 

5. شكل الازدواجية اللغوية المقابلة  للمناطق الأمازيغية:

        إضافة إلى كل ما ذكر عن الازدواجية اللغوية نجد المشكلة أكثر تعقيدا عند الطفل الأمازيغي كونه لا يعرف اللغة العربية الفصحى التي يبدأ التعلم بها من أول يوم يدخل فيه المدرسة، فهي رغم عدم غرابتها عنه لأنها لغة المسجد والراديو والسلطة، إلا أنه يواجه مشاكل كونه لا يتقنها، وهذا المشكل يتفاقم لديه كونه يتعلم لغة أجنبية  أخرى بعد فترة غير كافية لترسيخ اللغة العربية لديه، وهنا تظهر إشكالية التعدد اللغوي دون اكتساب أي من اللغات.

6. فوائد الازدواجية اللغوية:

       يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "من تعلم لغة قوم أمن شرهم" وهي:

    .تساعد على النمو الفكري، وتستعجل نمو بعض المهارات الذهنية والاستعدادات العقلية، وبالتالي تسمح بالمرونة في المجالات اللفظية والإدراكية عند الازدواجي.

    .تعلم اللغات العالمية يخدم المصالح الاجتماعية والثقافية والسياسية نظرا لترابطها وتشابكها خاصة في عصرنا الحالي.

    .تعلم اللغات يشكل قسما من ثقافة التلميذ العامة ومن إعداده للحياة، بالتالي تعطيه بعدا عالميا زيادة على البعد العائلي والوطني.

    .قدرة أعضاء النطق على أداء مختلف الأصوات الموجودة في لغات العالم خلال السن المبكر.كلما طال مرور الزمن على استعمال عادة ما قويت هذه  العادة وتمكنت في النفس( عامل التكرار  وارتباطه  بعامل الزمن).

  7. الازدواجية اللغوية وخزن المفاهيم: هنا نجد ثلاث أنواع من الازدواجيين على المستوى الدلالي:

         أ. الازدواجي المتزن (المسيطر على لغتين معا): وهو الذي يملك نظامين دلاليين منفصلين وكل واحد له ارتباطات خاصة به(بين الدال و المدلول)، حيث يملك الفرد نظامين من المفاهيم واحد لكل لغة، مما يسمح له بسهولة الاتصال مع أفراد اللغة الأولى و أفراد اللغة الثانية، إلا أن هذا النوع لا ينطبق مع أيّ من المناطق الأمازيغية ولهذا نضعه جانبا.

        ب. الازدواجي المركّب: يملك نظاما متّحدا أو مدموجا، فيسلك سلوك المتحدّث الأصلي في أيّ من اللّغتين، نظرا لكون الوحدات الدّلالية تمثل اتّحادا لوحدات اللغتين، ولا يكون لديه سوى نظام واحد حيث الارتباطات تمثل خليط النظامين اللّغويّين. ففي هذا النوع، نجد الطفل يتذبذب بين إسناد المفاهيم إلى لغته الأصليّة واللغة الثانية، وهذه حالة الأمازيغ المتواجدين في حدود جغرافية و لغوية مع الناطقين بالعربية و المتمكّنين جزئيّا من اللغة العربية.

         ج. الازدواجي غير المتزن: يتكلّم اللغة الأمّ كالأصلي ولكنّه يرجع إلى لغته الأصليّة فيما يخص الدلالة عند تحدّثه بلغة ثانية لأنه يستعين بها وبنظامها اللغوي والدلالي؛ فهو لا يملك إلا نظاما لغويا واحدا هو نظام لغته الأم، ولكن اللغة الأخرى تستعمل عادة بواسطة الترجمة، والمشكلة هنا تظهر عندما تكون هناك فكرة يمكن أن تُستحضر بلفظة واحدة في اللغة الأم، بينما تتطلب موازنة معنويّة بواسطة عدة ألفاظ في اللغة الأخرى، أي يُترجم عناصر لغة إلى أخرى. وهذه الظاهرة منتشرة لدى الأطفال الأمازيغ المتمدرسين الذين يعيشون في المناطق التي تستعمل اللغة العربية في الحديث اليومي.

        هذا يعني أنّ له مخزن دلالي واحد فقط يستعمله في كلا اللغتين، والتخزين يتناول نفس الأسلوب في اللغة الأولى والثانية.

   أ. الازدواجي المتزن       مخزن دلالي 1   وهما مرتبطين بشكل مختلف مع المفاهيم(خبرات، معارف مكتسبة).

                                مخزن دلالي 2

   ب. الازدواجي المركب        نظام لغوي واحد مدموج.

    ج. الازدواجي غير المتزن       نظام لغوي واحد (هو نظام لغته الأم).

                                                                                                                                                        II.الازدواجية الثقافية والتثاقف:

 

         بالرغم من فرض الاستعمار الفرنسي نفسه وثقافته بشتّى الطرق على الشعوب المغاربيّة عامّة والشعب الجزائري خاصة، إلا أنّ هذا الأخير استطاع المحافظة على قِيَمه العقائديّة وثقافته بالرغم من احتكاك الثقافتين وتصارع اللغتين، وهذا بفضل ما تبقّى من الزوايا وما استنهضته جمعية العلماء المسلمين.

       1.تداخل الثقافات والتثاقف:

          يرى "مارك ريتشل" بأنه عندما تتواجه ثقافتان وتُداخِل إحداهما الأخرى، فإنهما تستجيبان وتتغيّران تبعا لخصوصيات كل منهما، و الشروط التي يتمّ فيها هذا التداخل. ويمكن أن يُحدِِثَ ذلك تغيّرات عميقة و سريعة في شكليْ طائفتين متجاورتين، و إن تاريخ الثقافة العربية الإسلامية يُعدّ أوضح الأمثلة في هذا السياق.

      2.الازدواجيّة الثقافية وصراع الثقافات:

          يتعلق الأمر هنا بتمزق الشخصية التي وجدت نفسها بين العصرنة المُبهِرة و التقليد القديم؛ وقد ساهمت المدرسة في تشكيل هذه الوضعيات التوتريّة باعتبارها المصدر الناشر و الموزِّع للتثاقف، لأن التأقلم مع الثقافة العصرية يتولّد عنه حاجات جديدة ليس على المستوى الذهني فقط بل على المستوى الانفعالي بصفة أخص.

          وإن "فيتوري" يَعتبِرُ ظهور بعض أشكال الذهنيّات ذات الأصل الغربي التي تنبُذُها التربية الأصليّة قد يتسبب في الشعور بالإحباط عند الشباب الذين هم من أصل الوسط التقليدي، وهذا يُمكِن أن يُؤدي إلى احتقارهم لوسطهم بتقاليده وثقافته ومُعتقداته أيضا.

     3.التثاقف ومرض الثقافات:

          أهم ما نتطرق إليه في هذا العنصر هو طابع الشخصية وعلاقته بنمط الثقافة التي تخضع له هذه الشخصية، أي أن الشخصية مرآة تعكس صورة الثقافة، وكما يقول "داوسن": "إن الشخصية ممثلة للثقافة التي نشأت بها" بمعنى أن أيّ وجود لنسق اللاتكامل للشخصية في حالة التثاقف ينتج عنه قلق وسلوك ضال. وفي هذا الصدد تؤكد "الساعاتي" على العلاقة بين الثقافة والشخصية بقولها: " فكما أن الفرد يولد داخل مجتمع ما فهو يولد أيضا داخل ثقافة خاصة تُشكّل الشخصية".

          فالثقافة هي الإطار الأساسي و الوسط الذي تنمو فيه الشخصية وتترعرع، فهي التي تؤثر في أفكاره ومعتقداته ومعلوماته ومهاراته وخبراته ودوافعه وطرق التعبير عن انفعالاته ورغباته، كما تُحدّد القيم والمعايير التي يسترشد بها، وتفرض عليه التقاليد التي يتمسّك بها. وإن التثاقف يؤدي إلى تفكك الشخصيات وإلى ظهور اختلالات وتشوهات مَرَضِيَّة، بذلك يمكننا اعتبار هذه الظاهرة كمرض حقيقي يُخِلّ بالثقافة.

      4.الازدواجية الثقافية والازدواجية اللغوية والتثاقف:

           اللغة هي في آنٍ واحد فِعل ثقافي في غاية الجودة وبواسطتها تنشأ وتُبْنى كل أشكال الحياة الاجتماعية، وتُصبِحُ ذات ديمومة، هذا حسب "ليفي ستروس"، وبتدقيق الملاحظة في لغة الأفراد في المدارس وحتى في الأماكن العامّة، نجدها عبارة عن خليط لغوي بين العربية والفرنسي، وهذا ما يُترجِم الغموض الذي أنجزه التثاقف، فالازدواجية الثقافية لثقافتين متباينتين تتّضح عند جميع الشعوب المغاربية: الأولى محافظة وذات نماذج جامدة منذ قرون، والأخرى حُرّة وفردا نية وفي تطوّر مستمِرّ وتتناقضان في عِدّة سلوكات واضحة.

      5.مشكلة التفكّك الثقافي:

           تنعكس الطبيعة والدرجة والجوّ الذي يتمّ فيه تداخُل الثقافات على شخصية الأفراد، فإذا كان الرسوخ في الثقافتين عميقا ومُتأصِّلاً، يكون الانتقال من إحدى اللغتين إلى الأخرى ومن إحدى الثقافتين إلى الأخرى بصفة غريزية دون الشعور بأيّ تفكك، مثال ذلك تَقبُّل سكان إفريقيا الإسلام، حيث يشعر الفرد بالراحة في كلا السياقين الثقافيين، ونجد العكس فيما يتعلق باللغة الفرنسية، فقد سعت فرنسا إلى ترسيخ الازدواجية الثقافية في أوساط السكان الأصليين بالقوة، وفي الوقت ذاته تُغذيهم الرفض والمُعارضة اللذان سُجِّلا في إطار المقاومة، وبعد الاستقلال ظهرت سلبيات هذه السياسة المُتناقِضة الشباب الذين تفككوا ثقافيا وأصبحوا يشعرون بأنهم أجانب عن الثقافة العربية الإسلامية وعن السياق الثقافي و النموذج الفرنسي.

          وحسب ما ورد عن"الساعاتي" فإن هؤلاء الأفراد لا يقتنعون بالقانون كرادع كافي، ولا بالدين كرابط قويّ، فتسلل الشك إلى كل القيم والمُثُلْ، وأصبح هناك تناقض بين ما يُمارس وما يُدرّس، وتنوعت الآراء وتعدّدت الاتجاهات، وطغت الحضارة بمادّيتها على ما كان سائدا من قيم روحيّة أخذت في الضعف والزوال.

      6.الثقافة وتعدد اللغات:

      يرى "فينريتش" (Weinreich) أن نفس الثقافة يُمكن أن تتواجد في عدة لغات، فاللغة لا تُحدِّد الثقافة وإنما الثقافة هي التي تتنوع مع التنوع اللغوي.

      بالمقابل يقول "فيردودت" (Verdoodt) أن نفس اللغة يمكن أن تلتقي في عدة ثقافات، مع تحقق أحد الشرطين المُتمثلين في كون اللغة الأم قد تعايشت واللغة الثانية دون صراع أو نبذ أو رفض، أو أن تكون الثقافة التي تلتقي فيها اللغات أكثر ثراءً وأوسع أفقا فيتم تبنيها دون صراع مع العقيدة التي تنتمي إليها تلك اللغات.

                                                       العربية

      .الثقافة الإسلامية تشمل كلا الثقافتين

                                                       الأمازيغية

      7.الأنماط الثقافية ونماذج التعلم:

      إن النظام التعليمي الذي يتبنى الازدواجية اللغوية ينبغي أن يُدرك أن أنظمة القيم تختلف من مجتمع لآخر (خاصة إذا كانت هذه المجتمعات متباعدة جغرافيا وعقائديا وإيديولوجيا).

      بالنسبة لمجتمعاتنا، فإن الأغراض الأساسية من التربية تتمثل في تكوين الفرد الوطني المسلم الذي يمتثل لتعاليم دينه، ويكون فردا مبدعا لتحويل بيئته حسب احتياجاته وحاجات مجتمعه، ولهذا فليس من السهل تبني نموذج ثقافي أو نظام لغوي لمجتمع مغاير والعمل على نشره في إطار نظام تربوي شامل، وحسب"كومنس"(Cummins) فإنه من الأفضل في الوسط المدرسي(مزدوج أو أحادي اللغة) البدء بنشاطات ذات سياقات مُعتمِدة على خبرات التلاميذ المُكتسبةِ خارج المدرسة، ويقترح فرضيتين للنجاح أو الفشل في حالة ازدواجي اللغة:

      .فرضية العتبة التي تنص على وجود عتبة للكفاءة في اللغة الأولى، ودون هذه العتبة يكون الطفل في خطر مواجهة التخلف اللغوي،

      .أمّا الفرضية الثانية فتتمثل في ربط نمو الكفاءات في اللغة الثانية بمستوى الكفاءة في اللغة الأم عند بداية التعلم، (أي أن الانطلاقة تكون من مستوى الكفاءات في اللغة الأولى).

      وتفترض أيضا أن القدرات المُكتسبة أثناء اكتساب اللغة الأولى تُكوِّن كفاءة مُشترَكة تحتيّة قابلة للتحويل على الموضوعات الممكن تعلُّمها مستقبلا باللغة الثانية.

      إن منهاج تعلم اللغة العربية يُهمِل مكتسبات المتعلم السابقة (منهاج الطورين الأول والثاني) إهمالا شبه تام سواء عن تعلق الأمر بالمكتسبات اللغوية أو المعرفية، كما أن النظام التربوي لا يعترف بخصوصيات الناطقة بالأمازيغية حسب ورودها في الخريطة الجغرافية، وقد تسبب ذلك في صعوبات تعلم اللغة عند تمدرُس أولئك الأطفال، لذلك تم إعداد قائمة من المفردات باللغة الأمازيغية والمُقتَبسة من العربية قصد تضييق بين المُتعلمين الناطقين بالعربية والناطقين بالأمازيغية على حدّ سواء.

      8.الثقافة وتعلم لغة ثانية:

      إذا كان الفرد المُتحدِّث خاضعا من خلال حديثه لوسطه النفسي الاجتماعي، والثقافي، ولتربيته وتأثيراتها، وكذا لخبراته المُكتسبة في نفس هذا الوسط، فإن كل هذه العوامل تنعكس على ذهن الطفل عندما يُحاول بناء فكرته باللغة الثانية، بحيث أن كلاّ من  اللغة والكلام يحمل بصمة وعلامة الآثار النفسية والاجتماعية والثقافية على المُتحَدِّث.

      فالفرد لا يعي هويته الثقافية إلا انطلاقا من تعرفه على الجماعات الثقافية المُتميزة داخل وخارج مجتمعه، وذلك ما حدث في المناطق الأمازيغية ما بين 1988-1994، حيث طالبوا بهويتهم الثقافية والاعتراف بلغتهم التي توصلوا إلى تحقيقها بعد عناء كبير، وكان هذا سببا كافيا من أسباب رفض هؤلاء اللغة العربية. لذلك لابد من مراعاة الجانب النفسي-الاجتماعي لديهم حيث أنهم لا يحققون توازنهم إلا عند إدراكهم لقيمتهم كطائفة مُعترف بها دون التمييز بينها وبين غيرها. فاللغة والثقافة العربية قد عاشت كلغة أداتية في ميادين كثيرة، كالإدارة والدين والتقاليد الإسلامية قبل وأثناء الاحتلال الفرنسي؛ ولكن بالنسبة للأمازيغيين المشكل يكمن في محاولة النظام السياسي دمجهم في بوتقة شعب واحد مُوحَّد هو الشعب الجزائري العربي المسلم.

      وقد بينت البحوث الإمبريقية أن الطفل لا يُنَمِّي المستويات الوظيفية الاجتماعية واللغوية للكلام إلا إذا كان هناك شكل ملائم وتام للسلوك اللغوي في محيطه الحيوي الذي يتخذه كنموذج.

      9.الدراسات حول المفردات اللغوية والبنيات النحوية واللغة عامة:

        أ.الدراسات حول المفردات اللغوية: ربطت دراسات أمريكية عديدة بين الطبقة الاجتماعية الاقتصادية وبين الكفاءة في فهم واستعمال المفردات اللغوية، وكذا مجال المفهوميّة. ولكن لقد تمكن "كوستيلو" (Costello) و"علي" (Ali) في 1971 من خلال إجراءات منهجية للدراسات السابقة من إثبات أنه بتوليفة أطفال الطبقة الفقيرة على أساليب الاختبارات المطبقة في مجالات الفهم والتعرف واستعمال المفردات، فإنهم يتوصلون إلى تحقيق نتائج أحسن من التي يحصلون عليها بدون توليفة. ويساندهما "اسبيري" (Esperet) في النتيجة القائلة بأن أبناء الطبقة الراقية يتعوّدون على التنوع المفرداتي في بيئتهم ولذلك يحصلون على نتائج أحسن من أولئك الفقراء الذين يستعملون ألفاظا سهلة وبسيطة.

      ب.الدراسات التي تناولت البنيات النحوية: أكّدت "باريزون" تَفَوُّقَ الأطفال المنتمين إلى الأوساط الاجتماعية-الاقتصادية الميسورة في فهم القضايا النحوية وبنية اللغة (علما أنه لا يوجد هناك تدخُّل لِلَّّهَجَاتْ) ويُرجع السبب إلى أن إنشاء البنيات اللغوية يبدأ بشكل واضح منذ سن الرابعة، وأنها تبقى فقيرة عند أبناء الأوساط الفقيرة، وحسنة عند أبناء الأوساط المتوسِّطة، وحسنة جدًّا عند أبناء الأوساط الميسورة.

      بالمُقابل، "سالزنجر"(Salzinger) وآخرون في 1967 أن الأطفال السُّودْ من الطبقة الفقيرة يستعملون نفس البنيات النحوية المستعملة من طرف أبناء الطبقة المتوسطة البيض في الذاكرة قصيرة المدى، وفد بقيت هذه النتيجة ثابتة من 3 إلى 6 سنوات، وهنا يتّضح أن هناك بنيات أساسية مُكتسبة في كل الأوساط.

       ج.الدراسات الشاملة حول اللغة: شكل الخطاب يمكن أن يُعرف من خلال العبارات والكلمات المختارة وفقاللموضوع المُتَحدَّثِ حوله ويتأثر بطبيعة المُخاطَب، فقد يتطلب موضوع الرسالة مراقبة من المُتكلِّم وانتقاءً صارما للمفردات، أو عدم المبالاة بالمفردات في وضعية عادية مألوفة، فالمتكلم يتصرف ويتحكم في هذه التغيرات اللغوية لأنه يُتقِن عدّة سجلاّت لغوية يوظفها وفقا للدور الاجتماعي الذي يلعبه.

     10.اللغة والطبقة الاجتماعية:

      حسب اختبار "بيرنشتاين"(Bernstein) فإن التلاميذ المنحدرين من الأوساط الشعبية يواجهون عائقا لغويا نوعيا ناتجا عن لغتهم، وأكّد أن السند اللغوي يتباين حسب العائلات، خاصة من خلال الدور الذي أُعطِي لها في التربية.

      ويؤكّد على وجود علاقة تأثير متباين ومتبادل بين شكل الخطاب المتعلّم والسلوك اللغوي للطفل، فاللغة الشفهية هي الوسيلة الهامة التي يستبطن من خلالها الطفل الفوائد الاجتماعية، وتباين هذه الأخيرة من وسط اجتماعي لآخر يسبب فروقا كبيرة تتولد بين الأطفال المنتمين إليها قبل دخولهم إلى المدرسة.

      يؤكد الباحث "دوتش"(Deutsch) على وجود سلسلة من الظروف ذات اتجاه واحد وهي: الطبقة الاجتماعية، المستوى اللغوي، القدرة المدرسية، والعائد المدرسي؛ كما يتأكد عدم وجود فروق بين الأطفال بسبب الطبقة الاجتماعية من حيث فهم التراكيب النحوية والمفردات من خلال دراسة "دومنيكو"(Domenico) على أطفال حضانات مختلفة، ويقول بان لديهم نفس القدرات (متساوية تقريبا) في عُمر 3 سنوات وأن البيئة والتحضير الأسري يتدخل فيها إيجابيا أو سلبيا.

       11.الوضعية التواصلية واللغة:

      لقد عُرفت الوضعية التواصلية بمجموعة من الواجبات والسلوكات الغير لغوية والشبه اللغوية (اختيار الكلمة المناسبة، قول كلمة محددة التي يرى الفرد بأنها تتوافق والوضعية التي يكون الفرد بصددها دون غيرها...) التي يمكن أن تتداخل مع الوسط والزمن الذي يُنتِج فيه الفرد خطابه.

       فمن أعمال عديدة لاحظ "لابو" التغيرات الكبيرة التي تحدث للغة لدى نفس الفرد، فهو يعتبر أسلوب كل متكلِّم يتغيّر وفق العلاقة المتواجدة بين المُتخاطبين، الوضع الاجتماعي، وموضوع الكلام أو المناقشة والسياق عموماً.

       في الأخير يمكن القول أن الطفل مزوّد تكوينيا بقدرة على تعلّم أو اكتساب لغة أو أكثر مهما كانت بيئته وطبيعته الاجتماعية أو الثقافية، وأنّ أيّ عجز يُلاقيهِ يتحمّله من يُحيط به ومن يُشرِف على تعليمه وتربيته، حيث يتوجب على المدرسة القيام بمهامها الخاصة بالعدالة في التربية عامةً وفي تعويض كل نقص يصدر بسبب محيط الطفل ولا يكون الطفل مسؤولا عنه.

 

أرسلها إلى صديق