• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

المقالات

مرجعية الأسرة والتلفزيون (تقديم أ. د. التيجاني بالطاهر)

مرجعية الأسرة والتلفزيون (تقديم أ. د. التيجاني بالطاهر)

 المقدّمة:

 تعد الأسرة الخلية الأولى للمجتمع، والمدرسة الأولي للفرد، التي تقع عليها مسؤولية تكوين شخصيته. وتمثل إحدى أهم المؤسّسات الاجتماعية التي تساهم بقدر كبير في تنشئة الأفراد منذ الولادة. وتمثل الأسرة مصدر ضبط اجتماعي لسلوك الأفراد، وأدوارهم الاجتماعية، لذلك وجب على الدولة وضع استراتيجية لتنظيمها، وتوفير الشروط المادية والمعنوية التي تسهل لها القيام بمهمّتها التنشئوية على أحسن وجه. وانطلاقا من ذلك تستطيع وضع خطتها الخاصة لتنشئة الأفراد وإعدادهم إعدادا مناسبا للنهوض بمجتمعهم وتنميته من كافة الجوانب.

تنطلق إشكالية هذا البحث من الأسرة كقيمة مرجعية للدفاع عن كيانها، واسترداد وظيفتها الأساسية المتمثلة في التنشئة الاجتماعية،التي كاد التلفزيون أن يأخذها منها، وذلك عن طريق وضع استراتيجة محكمة لتكوين شخصية الفرد في كل مراحل حياته. وللتحقق من انشغالنا بفكرة استحواذ التلفزيون على مرجعية الأسرة لحضوره الدائم في البيت. ولذلك أردنا الوقوف على ذلك من خلال وضع الفرضية التالية: لقد حلّ التلفزيون محل الأسرة في القيام بوظيفة التنشئة الاجتماعية في المجتمع الجزائري.

وكان إجراء هذه الدراسة الميدانية في أكثر من 13 ولاية جزائرية للوقوف على مدى تأثير التلفزيون على مرجعية الأسرة الجزائرية، واستحواذه على وظيفتها التنشئوية. وتكونت العينة العشوائية التي اخترناها لهذه الدراسة من أكثر من 500أسرة جزائرية، وكان ذلك بواسطة التقنيات العلمية للبحث من ملاحظة ومقابلة، وأهمها الاستمارة التي تتكوّن من ثلاثة أسئلة. أعطتنا نتائج هذه الأخيرة مدى أهمية الأسرة كقيمة اجتماعية يجلها المجتمع، وأبرزت لنا خطورة التلفزيون كوسيلة إعلامية تنافس الأسرة في وظيفة التنشئة الاجتماعية.

 

مرجعية الأسرة :

إنّ الفرد لا يخضع لسلطان جماعة أخرى سابقة للأسرة، لذلك فإن عملية تزويد الفرد خاصة الطفل بالعادات والتقاليد التي ينشدها المجتمع، والتي تتم في محيط الأسرة تكون عميقة الأثر. وتمثل الوسط المرجعي الذي يقوم بتلك العملية عن طريق التفاعلات والخبرات التي يحصل عليها الفرد من الجماعة التي ينتمي إليها. وتمثل الأسرة كجماعة أولية المحور الأساسي لتحقيق الإرضاء والإشباع النفسي، كما تعد المسئولة عن إبراز الطبيعة الإنسانية، فهي مهد الأخلاقيات، وتصلح كأداة ضبط اجتماعي لما لها من قدرة فائقة على معاقبة الفرد على الانحراف ومكافأته على الامتثال.

ويعرض لنا هذا البحث الأسرة كمؤسّسة تزود الطفل في سنواته الأولى بمختلف الخبرات. وتتحدد مكانة الفرد في المجتمع بصفة أساسية بواسطة ثقافة الأسرة ومكانتها، وتعتبر الأسرة في كل المجتمعات أكثر الجماعات تماسكا.لذلك تتيسر فيها عمليات الاتصال وتنشط عملية انتقال العادات والاتجاهات. ويتناول مجموعة من تعاريف بعض العلماء الذين درسوا الأسرة، مع ذكر أشكالها وبعض وظائفها خاصّة التّنشئة الاجتماعيّة الوظيفة الأساسية الأسرة كمرسّخ للقيم الاجتماعيّة، والأسرة الجزائرية بين الماضي والحاضر.

تعريف الأسرة وأشكالها وخصائصها ووظائفها:

1-تعريف الأسرة:

تعني الأسرة لغة أهل الرجل وعشيرته، وهي الجماعة التي يربطها أمر مشترك وجمعها أسر(محمد عاطف غيث، 1979، ص177). يبين لنا هذا التعريف أن الأسرة عبارة عن مجموعة من الأفراد يربطهم قاسم مشترك، وهذا القاسم يمكن أن يتمثل في رابطة الدم أو الزواج أو القرابة أو الصداقة أو غيرها.ويرى الباحث الألماني ماكيفر: " إن الأسرة جماعة تعرف على أساس العلاقات الجنسية المستمرة على نحو يسمح بإنجاب الأطفال ورعايتهم"(الباشا محمد الكافي، 1992، ص93).

يركز هذا التعريف على الناحية الجنسية في تكوين الأسرة يعني أنها تقوم على أساس بيولوجي جنسي لا غير، ونفهم من هذا التعريف وجهة النظر الغربية التي تقر بتكوين الأسرة دون زواج. ويعطينا أحد أشكال الأسرة في المجتمع الغربي. ويعرفها الباحث (كنكرلي ديفيس ) بأنها " جماعة من الأفراد تربطها روابط دموية وعلاقات اجتماعية قوية "(دينكين ميتشيل، 1986، ص97). يركز هذان التعريفان على رابطة الدم في تكوين الأسرة دون الدخول في تحديد العلاقة بين أفراد الأسرة.

وتأتينا وجهة نظر الباحث (روبرت لوي) التي تقر أهمية الزواج في تكوين الأسرة ويظهر ذلك في قوله" أن الأسرة هي الوحدة الاجتماعية القائمة علـى الزواج "(منصور عبد المجيد سيد أحمد،1987،ص30). وهذا يعني تطور نظرة المجتمع الغربي إلى تنظيم الأسرة والاعتراف بأن أساس استقرار المجتمع يقوم على استقرار الأسرة، وأفضل استقرار لها يكون عن طريق الزواج. وينظر الباحث محمد لبيب النجيحي إلى الأسرة بأنها " البيئة الاجتماعية الأولى التي يبدأ فيها الطفل بتكوين ذاته والتعرف على نفسه عن طريق عملية الأخذ والعطاء، والتعامل بينه وبين أعضائها، وفي هذه البيئة الاجتماعية يتلقى الطفل أول إحساس بما يجب وبما لا يجب القيام به من الأعمال, التي إذا قام بها تلقى المديح، والأعمال الأخرى التي إذا قام بها تلقى الذم والاستهزاء "(محمد لبيب النجيحي،1971،ص88). يبين لنا هذا الباحث أن الأسرة هي المحيط الأول الذي يتلقى فيه الفرد مبادئ التربية والتنشئة الاجتماعية، ويأخذ منها مبادئه وقيمه التي توجه مسيرته الاجتماعية في شتى ميادين الحياة في المستقبل. ويأتي الباحث محمود حسن ليؤكد ما جاء في التعريفين السابقين بقوله: "الأسرة هي الوحدة الأساسية للنمو والخبرة، والنجاح والفشل، وهي كذلك الوحدة الأساسية للصحة والمرض"(محمود حسن، 1967،ص3).  لقد جمع هذا التعريف ما ورد في التعريفين السابقين، لأنه يرى أن الأسرة تغرس في الأفراد بذور القوة والضعف والنجاح والفشل، وبذور المحبة و الكراهية والنشاط والكسل، وتعد ميزانا للصحة والمرض في المجتمع .فإن كانت الأسرة تعطي تربية صالحة لأبنائها ومناسبة للمجتمع الذي تعيش فيه، فإن المجتمع سيصلح بذلك، وإذا أعطت العكس فإن المجتمع سيعمه الفساد. وذلك لأن الأسرة تكوّن النسيج الأساسي وتمثل الخلية الأولى للمجتمع، وعلى أساسها يتوازن المجتمع أو يفقد توازنه.

أما التعريف الإسلامي الذي ورد في كتاب الباحثة هبة رؤوف   فيرى أن " الأسرة وحدة أساسية من وحدات المعمار الكوني، وبناء أساسيا من أبنية المجتمع الإسلامي يتضافر مع الأبنية الأخرى في تحقيق مقاصد الاستخلاف (هبة رؤوف عزة،1995،ص178)". ويعني هذا التعريف أن الأسرة نظام أساسي وبنية مهمة يستند عليها المجتمع المسلم، تساعد الأنظمة الأخرى في بنائه وتطويره في إطار العادات والتقاليد والتعاليم الإسلامية، إن لم نقل هي القلب النابض للمجتمع، وذلك بهدف تدعيم الدين الإسلامي، وجعل الفرد المسلم خير خلف لخير سلف، وتحضيره للاستخلاف الصالح القوي في مجتمعنا. ويقول في نفس السياق الباحث الجزائري بوتفنوشت في تعريفه للأسرة أن " الأسرة الجزائرية وحدة اجتماعية حيث أنّ الأبناء والأحفاد لا يتركون الأسرة الأم، ويشكلون أسرا زوجية صغيرة تابعة للعائلة الأم ويعيشون تحت سقف واحد "(Boutefnouchet,Mustapha.1982,p.30-31).

نستخلص من التعريفين السابقين أن الأسرة تمثل الخلية الأساسية في المجتمع، لاسيما المجتمع العربي المسلم، لأنها تزود الفرد بكل المقومات التي تجعل منه فردا يعمل على تأييد وتطوير مجتمعه والنهوض به لإخراجه من التخلف، خاصة الوقوف في وجه الهجوم الغربي الشرس على الإسلام. وذلك ليدعم وجود العالم الإسلامي وتجسيد قوته المعنوية التي تجعله يكتسب القوة المادية لمواجهة الإرهاب الغربي بكل أنواعه، هذا ما يبرزه لنا التعريف الإسلامي للأسرة. أما التعريف الثاني فيبرز لنا الشكل الأساسي في مجتمعنا الجزائري ومجتمعاتنا العربية المتمثل في الأسرة الممتدة أو العائلة التي تضم مجموعة أسر نووية أو غيرها من أشكال الأسرة في المجتمعات الغربية. وتمتد إلى الجمع بين أفرادها أجيال مختلفة وشتى أنواع القرابة. وتؤكد على أساس قيام الأسرة على الزواج، الذي ينظم المجتمع بإلحاق الأطفال بآبائهم دون غموض.  ومن شروطها العيش في بيت واحد أو في بيوت متجاورة .

وخلاصة القول نجد أنّ التعاريف السابقة تعزي تكوين الأسرة إلى أربعة أسس تتمثل في العلاقة الجنسية، والصداقة، والقرابة، والزواج. ويعني لنا الزّواج الرباط الديني والقانوني الذي ينظم العلاقة بين الرجل والمرأة ويعطيها الشرعية التي يعترف بها المجتمع.

2-أشكال الأسرة وخصائصها: تتضمّن الأسرة عدّة أشكال موجودة في شتّى المجتمعات مهما كانت طبيعتها ويوجد شكلان أساسيان يتمثّلان في الأسرة الممتدة أو ما يسميه الجزائريون العائلة، وهي الأسرة كبيرة الحجم .والأسرة النووية أو الأسرة الصغيرة التي يعتبرها علماء الاجتماع نواة المجتمع. ولكل شكل خصائص معينة تميزه.ويضيف الباحثون نوعا آخر من الأسرة يطلقون عليه الأسرة المركبة.نحاول إلقاء الضوء على خصائص الأشكال المذكورة من الأسرة. و يرى بعض الباحثين أن هناك نوع آخر من الأسرة معقد التركيبة فوصفوه بأنه عبارة عن "نموذج أسري يقوم على نظام تعدد الزوجات لزوج واحد وإخوة غير أشقاء، مما ينشئ في هذه الأسرة أنماطا مختلفة من العلاقات الاجتماعية، التي تدور بين الأخوة والأخوات غير الأشقاء والزوج وأبناء زوجته أو الزوجة وأبناء زوجها "(محمد عاطف غيث،1979،م س).إن تركيبة هذا الشكل من الأسرة لا يخرج عن تركيبة الأسرة الممتدة بخصائصها لذلك فنحن لا نرى أنها تختلف عن الأسرة الممتدة في علاقاتها وخصائصها، لذلك نرى أن يدخل هذا الشكل تحت شكل الأسرة الممتدة ولا يذكر منفصلا عنها.

خصائص الأسرة الممتدة:

     وهذا الشكل أكثر شيوعا في المجتمعات الإنسانية القديمة من غيرها، ويعرفه باحثو علم الاجتماع بأنه "تجمع لبعض الأسر النووية المستقلة استقلالا داخليا، داخل إطار الأسرة الكبيرة، وتضم بذلك أجيالا. "(بن زياني محفوظ،2000-2001، ص50) ويرى آخرون أنها تتكون من عدد من الأسرة الصغيرة التي تربطها علاقة قرابة أو صداقة ويكون القاسم المشترك للأسرة الممتدة المسكن الواحد.

‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‍1) الإقامة المشتركة في منزل واحد أو في منازل متجاورة .

2) كثرة عددها .

3) استمرار الأنماط الأساسية للروابط العشائرية.

4)توجد درجة تفاعل وتواصل عالية بين أفرادها غير خاضعة للمصالح المادية.

5) تقوم بوظائف عديدة تربوية واقتصادية واجتماعية يشترك فيها جميع أفرادها، وتشيع فيها الروح الجماعية(بن زياني محفوظ، المرجع السابق، ص.نفسها). بعد أن عرضنا خصائص الأسرة الممتدة ننتقل إلى الأسرة المركبة كما يصفها الباحثون.

خصائص الأسـرة النـووية: أطلق الباحثون هذا الاسم على الأسرة الصغيرة باعتبارها النواة التي يتكون منها المجتمع وغالبا ما تطلق هذه التسمية على الأسرة الزواجية الصغيرة التي تتكون من الأب والأم وأطفالها فقط. وهذا تبعا للتعريف التالي لهذا الشكل من الأسرة حيث يرى الباحث( آجلن) أنه نموذج أسري "يتكون من الزوج والزوجة وأطفالها المباشرين، المستقلين معيشيا واقتصاديا ومكانيا عن الأسرة الممتدة. ويتمثل هذا الاستقلال في مصادر الدخل والإنفاق، وفي جميع أوجه الحياة المعيشية من مأكل ومشرب، ويتمثل هذا الاستقلال في وجود والدي الزوج على قيد الحياة ويقيمون في نفس القرية "(أحمد زايد وآخرون،ط1،ب ت،269).كان ظهور هذا النوع من الأسر بعد دخول الصناعة وتحول المجتمعات من مجتمعات زراعية إلى مجتمعات صناعية، مما جعل الأسرة تأخذ طابعا صناعيا يكسبها خصائص تميزها عن الأسرة الممتدة، تتمثّل فيما يلي:

1- صغر الحجم.

2- التمتع بالتّجربة الفردية والتنافس، وتحرّرها من القيود الأسرية السائدة في الأسرة الممتدة.

3- يهتم أفرادها بمظاهر الحضارة من الكماليات.

4- تخضع علاقات القرابة فيها إلى عملية انتقائية إرادية.

5- يقتصر الترويح فيها على التلفزيون.

6- تتميز بانتشار الفراغ بين الزوجين المؤدي للانفصال.

7- الغياب شبه الكلي لتوجيه الأبناء وتثقيف الصغار نتيجة عمل الأبوين(بن زياني محفوظ، مرجع سابق، ص51).

وظـائف الأسـرة:

تقوم الأسرة بوظائف عديدة لصالح المجتمع من خلال القيام بتلقين الأطفال وتربيتهم بطريقة تجعلهم ينهضون بمجتمعهم ويعملون على رقيه. وقد تكون أداة لهدم المجتمع، وذلك حسب الطريقة التي تنتهجها في تنشئة الأجيال وتتلخص تلك الوظائف في وظيفة الإعجاب.والوظيفة الاقتصادية، ووظيفة التنشئة الاجتماعية، وكذلك وظيفة التعاون وتقييم العمل، وسنقتصر على الوظيفة التنشئوية.

وظيفة التّنشئة الاجتماعيّة: تساهم الأسرة إلى جانب المؤسّسات الأخرى المختلفة في عملية التنشئة التي هي عبارة عن تلقين الفرد قيم ومفاهيم ومقاييس مجتمعه التي تحيط به فيصبح مؤهلا لأخذ مجموعة من الأدوار تظهر نمط سلوكه اليومي الذي يقوم به. فتجعل الأسرة الأفراد مرتبطين " بتراثهم الاجتماعي الذي يتوارثونه جيلا بعد جيل، فينشأ الفرد مخلصا لعادات أسرته وتقاليدها إلى جانب تعلّمه المشاركة الاجتماعية"(مصطفى الخشاب،1985، 248). وبذلك يكتسب الفرد خبرات معينة وأخلاقيات سامية تساعده على الاندماج الاجتماعي. إلا أننا نلاحظ أن وظيفتا التنشئة الاجتماعية والتعليم لم تصبحا من اختصاص الأسرة وحدها، لكن مساهمة الدولة أضحت واضحة في ذلك بفتح المدارس في كل المستويات، وهي بذلك تكمل مهمة الأسرة.

ويظهر ذلك في مساعدتها في وظائف التعليم والتكوين والتربية، حيث تفرض الدولة التعليم الإجباري على جميع أطفال المجتمع في المراحل الأولى منه، وتتيح لهم فرص الدّخول أو الحصول على مناصب في التكوين المهني حسب اهتمام الدولة في سياستها الحديثة الخاصّة بقطاع التكوين المهني، وإصلاح المنظومة التربوية. وأثرت التحوّلات الاقتصادية في الدول النفطية مثل الإمارات العربية المتحدة، والدول التي تحولت من الاقتصاد الموجه ودخلت اقتصاد السوق مثل الجزائر، على الأسرة بشكل ملحوظ حيث نجم على ذلك انشغال الأب عن الأسرة وانخراط الأمّ في متاهات الرفاهية، واعتمادها على الخادمة في تسيير شؤون البيت، وعلى التلفزيون في التّربية والترفيه على الأطفال، ونتج عن ذلك عدد من المشكلات لدى الجيل الجديد، فانعكس ذلك على الصحة النفسية للشباب، كما انعكس بشكل واضح في المستوى الدراسي للطلاب في الدول العربية حيث نلاحظ استقالة الأسرة أو الأهل من تربية أبنائهم استقالة تامة، وهذا أدى إلى تأثر الوظيفة التنشئوية للأسرة.

والملاحظة العامة التي يمكن أن نبديها حول وظائف الأسرة، أنّ الوظائف المذكورة أساسية، وهذا لا يعني انه لا توجد وظائف أخرى للأسرة، حيث تجدها تقوم بوظائف أخرى لا تقل أهمية عما ذكرناه مثل وظيفة الاستقرار والإشباع العاطفي والتماسك الاجتماعي وغيرها. إلا أننا نلاحظ أنّ الوظائف المذكورة أصبحت مقسّمة بين الأسرة والدولة، ولم تعد تنفرد بها الأسرة كما كانت سابقا، لكن تدخل الدولة في تلك الوظائف كالحماية التي أصبحت من اختصاص القانون والتعليم الذي أصبح من اختصاص المدرسة...أدّى إلى تغير اجتماعي في وظيفة الأسرة وبناءها، التي أصبحت قاسما مشتركا بينهما، كل منهما يساهم بدوره (الأسرة – الدولة) بالرغم من أن الوظيفة بصفة عامة كما يقول عنها( براون Brawn ): "هي الجزء الذي يلعبه البناء من أجل تماسك الكل الاجتماعي" (عبد المعطي وآخرون،1986، ص112).

الأسرة مرسّخ للقيم الاجتماعية :

إنّ الأسرة من مصادر ومرسّخات القيم السائدة لأنها تشكل وحدة إنتاجية للقيم الاجتماعية التي تتصل اتصالا مباشرا بالحياة الأسرية. لذلك فهي تشكل الفرد حسب الاتجاه السائد في المجتمع الذي تعيش فيه أو عكسه تبعا للظروف المحيطة بها. حيث تفرض على الفرد التمسك بالقيم التي تتبناها لمقاومة الضغوط الخارجية الصارمة. حيث تنمي قيمة فرض النفس أو التأكيد على الذات لدى الفرد والاعتماد عن النفس لخدمة المجتمع، وكذلك تعد مصدرا لقيم أخرى مثل الطاعة والانتماء والأمومة والأبوة والأخوة والشرف والعفة والتكاتف(حليم بركات، 1985، pليتعامل بها وفق الطريقة التي تلقاها بها أو عكسها حسب الظّروف التي تطبع حياته. وتقول الباحثة نفيسة زردومي في هذا الصدد: "منذ السنوات الأولى لوجود الطفل داخل الأسرة ترسخ فيه العوامل التي تطبع تربيته بطابع تقليدي "  (Zerdoumi,N.1982, p39). تعني الباحثة بحديثها أن الأسرة هي مصدر القيم والتصرفات التي يتبناها الفرد منذ صغره لأنها المحيط الأول الذي ينشأ ويحتك به الطفل. وبالتالي تغرس فيه القيم التي تتبنّاها حتى وإن كان رافضا لها حسب اعتقادنا لأنّها مع مرور الوقت تظهر حتى في حديثه.

 كما يرى المفكّر( دور خايم) أن الفرد يتبنى قيم الأسرة التي ينشأ فيها وكل عاداتها وتقاليدها وبالتالي تطبعه بطابعها الخاص وذلك حسب قوله أن الفرد: "يكتسب لغته ودينه وعاداته وتقاليده ومقاييسه وطموحاته من الجماعة أو من الجماعات التي يحتك بها ويتعامل معها. واكتسابه لهذه الظواهر والتجارب الاجتماعية يكون من خلال عمليات التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها من العائلة والمدرسة والمجتمع المحلّي. ومصادر التنشئة الاجتماعية هذه تصب في عروقه أخلاقيات وقيم ومقاييس ومثل المجتمع، حيث تتجسد عنده شخصية المجتمع الكبير ويكون ممثلا له تمثيلا حقيقيا "(إحسان محمد الحسن،1988، ص 102). و خلاصة القول حسبما سبق أن الأسرة تعد مصدرا أساسيا للقيم الاجتماعية، التي تغرسها في الفرد الذي يغرسها بدوره في الأجيال اللاحقة ويتصرف على أساسها في خدمة المجتمع أو تغييره حسب ما تهدف إليه تلك القيم. ويكون ذلك عن طريق التّنشئة الاجتماعيّة، الوظيفة الرّئيسة لها.

وخلاصة القول بعد أن تعرضنا لأساليب التنشئة الاجتماعية المباشرة و غير مباشرة إلا أننا نرى أنه على الأسرة استخدام أساليب التوجيه بعقلانية بطريقة الجرعة في تربية الأفراد سواء كانوا صغارا أو كبارا، وذلك باستخدام اللباقة عند التطبيق، والابتعاد عن المغالاة في ذلك لأن كل شيء زاد عن حده انقلب إلى ضده، حتى ولو كان حسنا، لأن ذلك يؤدي إلى فقدان التوازن في الحياة.  و إذا فقد التوازن لا نستطيع أن نحكم بنجاعة التنشئة الاجتماعية، وتوفيق الأسرة في أداء وظيفتها الأساسية. وهذا قد يؤدّي بها إلى ترسيخ الآفات بدل القيم لدى الأفراد، ممّا يؤدّي إلى الفوضى والضّبابية الاجتماعيّة، من خلال قلب سلّم القيم والخلط بين الآفات التي تتقمّص شكل القيم والقيم الحقيقيّة للمجتمع. وهذا ما يجعلنا نعرض أوضاع الأسرة الجزائريّة في الماضي والحاضر.

الأسرة الجزائرية بين الماضي والحاضر:

        استخلصنا من التّعريفات السّابقة للأسرة وأشكالها ووظائفها، أنّ كلّ ذلك ينطبق على المجتمع الجزائري مثل باقي المجتمعات الأخرى. حيث يتضمّن كافّة الأشكال والوظائف المذكورة آنفا. وكانت الأسرة الجزائريّة ذات طابع ريفي يعود إلى أصل المجتمع الجزائري، حيث كانت هذه الأخيرة تنتمي إلى العرش الّذي يجمع مجموعة كبيرة من القبائل، وتجمع كلّ قبيلة مجموعة من الأسر، تتآزر فيما بينها لحماية الأسرة والفرد إذا ما لحق بهما ضيم. وهذه الطّبيعة الرّيفيّة لمجتمعنا، جعلته يعتمد على الأسرة الممتدّة أو العائلة، قبل دخول الصّناعة والتّكنولوجيا، وتأثير الهجرة بشتّى أنواعها سواء الهجرة من الرّيف إلى المدينة أو الهجرة إلى الخارج خاصّة فرنسا. الشيء الّذي أدّى إلى تقلّص هذه الأخيرة إلى النّمط النّووي المنتشر في المجتمعات الغربية(ثريا التجاني, 1998، ص 49-50). وكانت السلطة والمسؤوليات  الخارجيّة تقع على عاتق الرّجل، وتقتصر مسؤولية المرأة على تربية الأطفال وتسيير الشّؤون الدّاخليّة للبيت.

        وترى بعض الدّراسات أنّ حركة النّزوح الريفي إلى المدينة، جعلت الأسرة الجزائريّة تفقد شكلها الأصلي كأسرة ممتدّة يصل عدد أفرادها إلى أكثر من أربعين فردا. وتتّجه نحو شكل الأسرة النّوويّة، مع الإشارة إلى تميّز هذه الأخيرة بكثرة الإنجاب، حيث يتراوح متوسّط عدد أفرادها بين خمسة وسبعة أفراد، مع احتفاظها بوظائف الأسرة الممتدّة. وهكذا توضّح لدينا بعد الاستقلال بداية تبلور أسرة جزائريّة تجمع بين خصائص الأسرة النّوويّة، ووظائف الأسرة الممتدّة، وهو ما أطلق عليه البعض اسم الأسرة المركّبة. وتغيّرت الأسرة الجزائريّة تبعا للمراحل الّتي مرّ بها المجتمع الجزائري من حيث البناء. لأنّ الفرد في المدينة يعمل في المؤسّسات الصّناعيّة والتّجاريّة، على أساس القدرة والكفاءة دون اعتبار للجنس أو السّلالة أو القرابة كما هو الحال في الرّيف. وذلك ما يسمح للأسرة بالانتقال العمودي في السّلّم الاجتماعي والاقتصادي من الأسفل إلى الأعلى والعكس. كما يمكّنها من الانتقال الأفقي بتغيير إقامتها من منطقة جغرافية إلى أخرى، تبعا لفرص العمل المتاحة. وذلك عوض الارتباط بقطعة أرض واحدة والعمل في مجال واحد (الزّراعة). وهذا بدوره جعل الأسرة الجزائريّة تنزع نحو الفرديّة، ومن ثمّ تقلّص حجمها من أسرة ممتدّة متعدّدة الأجيال، إلى أسرة نوويّة محدودة العدد، تضمّ في الأغلب الزّوج والزّوجة والأبناء الصّغار. وما يدعّم هذا الاتّجاه ظاهرة الزّواج من خارج الأسرة، الّتي كانت تمنعها الأسرة الممتدّة.

        وأثّر تغيير بناء الأسرة الجزائريّة على بعض وظائفها، فأصبحت السلطة فيها بعد الاستقلال مرتبطة بالوضع الاقتصادي والمركز الاجتماعي والسياسي والعلمي والإداري، بعد أن كانت مرتبطة بالقيم والعادات والتّقاليد، وغالبا ما تكون لكبار السّنّ من الذّكور. كما تغيّر مركز المرأة، بحيث لم تعد السلطة في تسيير شؤون الأسرة مركّزة في يد الرّجل، لغيابه عن البيت لفترات طويلة، وبالتّالي تحوّلت هذه السّلطة إلى المرأة، خاصّة بعد خروجها إلى العمل، الّذي أعطاها الاستقلاليّة الاقتصاديّة التي حثّ عليها الإسلام قبل ذلك( محمد السويدي، 1990، ص89-91).

       نستخلص ممّا سبق أهمّيّة الأسرة في المجتمع الجزائري كمرجع، دافع عليه في السّابق وحافظ عليه في الحاضر. وذلك من خلال القوانين الدوليّة والوطنيّة التي تعتني بها، من أجل حمايتها من التّدهور الّذي تعرّضت له في الفترة الأخيرة، بسبب تزعزع القيم في مجتمعنا، والخلط بين قيمه وقيم الأنظمة الغربية التّي طبّقت عليه دون تمحيصها وتكييفها مع طبيعته. ونتعرّض فيما يلي إلى الوضع الحالي للأسرة الجزائريّة.

أثر التّلفزيون في مرجعية الأسرة الجزائرية

 يتناول هذا البحث مدى تأثير التّلفزيون في مرجعية الأسرة الجزائرية. وذلك من خلال بثّه لبرامج مؤثّرة حول الأسرة، ودوره في تغيير القيم الأسريّة المدروسة. وأشكال هذا التّغيير ومداه، وتأثير المحيط على الأسرة ودور هذه الأخيرة في تنظيم مشاهدة الأفراد للتّلفزيون. ويتناول الجدول التّالي العلاقة بين المتغيّر التّابع مدى عرض التّلفزيون الجزائري لبرامج الأسرة، ونوع البرامج المؤثّرة في أسر العيّنة المدروسة، والمتغيّر المستقلّ المنطقة. وذلك من خلال الإجابة عل السؤال الأوّل (1) من الاستمارة.

 1- مدى عرض التّلفزيون الجزائري برامج حول الأسرة:

 س1: توزيع مجموع أسر العيّنة حسب متغيّري مدى عرض التلفزيون الجزائري لبرامج الأسرة ونوع البرامج المؤثرة في الأفراد والمنطقة.

                 المـــنطقة                                   

 الإجــــابة

شرق

غرب

وسط

جنوب

المجموع

ك

%

ك

%

ك

%

ك

%

ك

%

نعــــــم

 

برامج تربوية

48

21.3

25

17.5

30

23.1

18

17.3

121

20.1

برامج التفكك الأسري

47

20.9

38

26.6

42

32.3

25

24.0

152

25.2

برامج تدفعك إلى تكوين أسرة حسب ميولك

14

6.2

10

7.0

13

10.0

2

1.9

39

6.5

لا

89

39.6

52

36.4

27

20.0

45

43.3

213

35.4

لا أدري

27

12.0

18

12.6

18

13.8

14

13.5

77

12.8

المجموع

225

100

143

100

130

100

104

100

602

100

 الجدول رقم (1)

 بيّن لنا حساب كا² لنتائج الجدول السّابق، التي بلغت قيمتها الجدوليّة 23.04، وقيمتها المحسوبة 0.027 بدرجة حرّيّة 12، الدّلالة الإحصائيّة على أنّ الفروق بين فئات المنطقة حقيقيّة، وأنّ التّوزيع يعود بنسبة 99% إلى علاقة سببيّة بين المتغيّرات، وأنّ نسبة الشّكّ لا تتعدى1%. وهذا ما يؤكّد لنا العلاقة السببية بين متغيّري مدى عرض التّلفزيون الجزائري لبرامج الأسرة ونوع البرامج المؤثّرة في الأفراد، والمنطقة. وذلك من خلال أصناف الإجابة على السّؤال الأوّل(1)، هل تعرض القناة الوطنيّة برامج حول الأسرة، وإذا كانت الإجابة نعم ما نوع البرامج التي تؤثّر فيك؟

أ- بيّن لنا الاتّجاه العامّ للجدول السّابق أنّ أكبر نسبة 51.8% لصنف الإجابة (نعم)، موزّعة حسب أنواع البرامج المؤثرة في الأفراد، إلى نسبة 25.2% لنوع برامج التّفكّك الأسري، تلتها نسبة 20.1% لنوع البرامج التّربويّة، ثمّ نسبة 6.5% لنوع برامج تدفعك إلى تكوين أسرة حسب ميولك.

-         أمّا صنف الإجابة (لا) فكان بنسبة 35.4% من مجموع أسر العيّنة المدروسة، التي ترى أنّ القناة الوطنية لا تهتمّ بعرض برامج حول الأسرة، ولا يوجد فيها برامج مؤثّرة. تلتها نسبة 12.8% لصنف لا أدري، وبالرّغم من انخفاض هذه النسبة إلاّ أنّ دلالتها الاجتماعيّة كبيرة، تبيّن لنا عدم اكتراث قسم لا بأس به من أسر العيّنة بمشاهدة القناة الوطنيّة لأسباب معينة.

ب- وبالمواظبة على الاتّجاه العامّ لهذا الجدول، نلاحظ توزيع النسب العامّة لأصناف الإجابة حسب فئات المنطقة. وجدنا النسبة العامّة نعم التي تضمّ أنواع البرامج المؤثّرة، موزّعة فيما يخص نوع برامج التّفكّك الأسري إلى أكبر نسبة 32.3% لفئة وسط، تلتها نسبة 26.6% لفئة غرب، ثمّ نسبة 24% لفئة جنوب، وأقلّ نسبة 20.9% لفئة شرق.

عند قراءة هذه النتائج حسب تدرّج النسب الواردة في كل فئة من فئات المنطقة حول برامج التّفكّك الأسري التي تعتبرها أسر العيّنة من البرامج المؤثّرة، التي تعرضها القناة الوطنية، وهناك أسباب أدّت إلى هذا التّدرّج حسب مناطق الوطن. حيث كانت أكبر نسبة لفئة وسط تلتها نسبة أقلّ لفئة غرب، وكان ذلك لأنّ هاتين المنطقتين تعانيان من ظاهرة التّفكّك الأسري، وتفتقر إلى شيء من المحافظة أكثر من المناطق الأخرى. وهذا ما جعلنا نتكلّم على تأثير ظاهرة المحافظة في بعض المناطق دون أخرى في المجتمع الجزائري، ولهذا أسبابه التّاريخيّة والاقتصاديّة، والاجتماعية والسياسية والجغرافية.

- حيث وجدنا أكبر نسبة في منطقة الوسط، لأنّها تعاني أكثر من التّفكّك الأسري، بسبب موقعها الجغرافي لأنّ لها منافذ على البحر تجعلها على اتّصال دائم بدول العالم على اختلاف أنواعها . وكذلك لأنّها تضمّ العاصمة السياسية، ممّا يجعلها على اتّصال دائم بجنسيات وأنظمة مختلفة، ويترتّب على ذلك ارتباطها بعلاقات سياسية واقتصاديّة بتلك الدّول، وبالتّالي يؤثّر ذلك على أنظمتها الاجتماعيّة والدّينيّة. إذن فهذه النّسبة طبيعيّة، تليها نسبة أقل أيضا في منطقة الغرب لموقعها الجغرافي المحاذي لدولة أجنبيّة، والمبادلات التّجارية عن طريق البر والبحر. ونسمع دائما ونرى في التلفزيون عن ظاهرة الحرّاقة، التي تعني هرب الشباب الجزائري الذي يبحث عن العمل وحياة الرفاهية، الذي غالبا ما ينتهي بمآس، وإذا نجا من الموت لا يدري ما ينتظره من الغربة والهوان في البلدان الغربيّة. وهذا سبب أساسي للتّفكك الأسري جعل هذه المنطقة تهتمّ بهذا النّوع من البرامج.

- وتلتها منطقة الجنوب، وهي أكثر محافظة لكن بدأت ظاهرة التّفكّك الأسري تتّسرّب إليها، من خلال تفتّحها على العالم الغربي بدخول السّيّاح الأجانب إليها. وتعتبر هذه المنطقة أكثر مناطق الوطن محافظة، لأنّها معزولة جغرافيا عن المناطق الأخرى، وكانت في العهدين العثماني والاستعماري منطقة عسكريّة لم يختلط فيها الأهالي بالأجانب، ولا بالجيش الفرنسي لمعاداتهم له وخوفهم منه. ذلك ما جعل المنطقة تحافظ على دينها ولغتها وعاداتها وتقاليدها أكثر من المناطق الأخرى. وأحرزت منطقة الشرق على أقلّ نسبة في اهتمامها بعرض القناة الوطنيّة لبرامج التّفكك الأسري، لأنّها منطقة محافظة أيضا، ويرجع ذلك لأنّه ليس لها حدود مع دول أجنبيّة، لكن تحدّها دول عربيّة. والسبب الأهم أنّها مهد المقاومة والثّورة التّحريريّة، لأنّها منطقة جبليّة صعب على المستعمر استمرار احتلال الجزائر بسببها. ذلك ما جعلها ترفض الاختلاط بالمحتلّ الأجنبي وتحاربه، لذلك كانت المحافظة فيها على الدّين واللّغة والتّقاليد أكثر نوعا ما من بعض المناطق الأخرى. ممّا جعل هذه النسبة من هذه الفئة تهتمّ بمشاهدة التّلفزيون الجزائري، وتلاحظ عرضه لبرامج التّفكك الأسري، التي تهتمّ بإصلاح الأسرة. لكن انخفاض نسبة هاتين المنطقتين في هذا الصنف من الإجابة ربما لأنّ معاناتهما من هذه المشكلة أقل حدّة من المناطق الأخرى، بسبب ظاهرة المحافظة عموما والمحافظة على كيان الأسرة خصوصا.

- أمّا تأثير البرامج التربويّة في أسر العيّنة فقد حاز على أكبر نسبة 23.1% في منطقة الوسط، وهي تقرّ بعرض القناة الوطنيّة لهذا النوع من البرامج، أنّ لها تأثير كبير على أفراد المجتمع الجزائري. وذلك لحاجة هذه المنطقة إلى مثل هذا النّوع من البرامج، لاختلاط الأمور على أهلها بفعل الاحتكاك الكبير بدول مختلفة في أنظمتها التّربويّة. وبالتّالي فهذه الفئة  تبحث عن النظام التربوي الذي يناسبها، وعلى هذا الأساس تتابع البرامج التربوية في القناة الوطنيّة. كما تقرّ نسبة أقلّ 21.3% من فئة الشّرق بعرض هذه الأخيرة لهذا النوع من البرامج، التي تتابعها عن كثب، وترى مجموعة من أسر العيّنة أنّها استفادت من هذه البرامج كثيرا. وانخفضت النسبة لتتشابه في منطقتي غرب وجنوب على التّوالي، في 17.5% و17.3%. وهذا يعني أنّه لا يوجد اختلاف بين المنطقتين في الاهتمام بعرض القناة الوطنيّة للبرامج التّربويّة، وهذا ما يؤكّد لنا إنّها تعرض برامج تربويّة مؤثّرة فعلا. ويبين لنا تقارب نسب كافة فئات المنطقة عرض القناة الوطنيّة برامج تربويّة جيّدة، ونستنتج من ذلك أنّ التّربية تعدّ إحدى القيم الأسرية التي تمثّل إحدى وظائفها السّامية.

- أمّا النسبة العامّة لنوع برامج تدفعك إلى تكوين أسرة حسب ميولك، فكانت موزّعة إلى أكبر نسبة 10% لفئة وسط، تلتها نسبة 7% لفئة غرب، وانخفضت النّسبة إلى 6.2% لفئة شرق، ثمّ نسبة 1.9% لمنطقة جنوب. وهذه النّسب طبيعيّة ومطابقة للواقع، حيث كانت النسب الأكبر في منطقتي الوسط والغرب، لأنّ احتكاكهما بالثّقافات الأخرى أكثر من المناطق الأخرى للأسباب المذكورة آنفا. أمّا انخفاض النسب في منطقتي شرق وجنوب، فيعود إلى ظاهرة المحافظة التي تسيطر على هاتين المنطقتين أكثر من سابقتيهما. هذا فيما يخصّ أصناف الإجابة نعم.

-  وكانت النّسبة العامّة لصنف الإجابة (لا)، موزّعة إلى أكبر نسبة 43.3% لفئة جنوب، تلتها نسبة 39.1% لفئة شرق، ثمّ نسبة 36.4% لفئة غرب، وأقل نسبة 20.0% لفئة وسط. وهذا التّدرّج بين الفئات في النسب مطابق للواقع، ويعود للأسباب التي ذكرناها سابقا. حيث كانت أكبر نسبتين لفئتي جنوب وشرق على التّوالي بسبب ظاهرة المحافظة، حيث كان الرّأي الغالب فيهما بعدم عرض القناة الوطنيّة لبرامج مؤثّرة حول الأسرة. وذلك بالرّغم من نسبة 51.8% لصنف الإجابة نعم، لأنّ أسر العيّنة المدروسة التي أجابت (لا) ترى أنّ هذه البرامج الخاصّة بالأسرة التي تبثّها القناة الوطنيّة، لا ترضي طموحهم ولا تتماشى مع عادات وتقاليد مجتمعنا، وهي غير موجّهة إلى إصلاح الأسرة الجزائريّة، لكنها تحاول تغييرها لتتقمّص النّمط الغربي. وهذا يؤكّد لنا التّباين بين مناطق الوطن في اعتبار القناة الوطنية لا تعرض برامج حول الأسرة، تؤثّر في توجيه المجتمع توجيها إيجابيا نحو الحفاظ على تركيبة الأسرة الجزائرية، وتدعيمها بعرض برامج لتطويرها وإصلاحها.

- أمّا النسبة العامّة لصنف الإجابة لا أدري، فكانت موزّعة إلى نسب متشابهة ومتقاربة عند كافّة فئات المنطقة، حيث تشابهت فئتا وسط وجنوب على التّوالي في نسبتي 13.8% و13.5%، كما تشابهت فئتا غرب وشرق على التّوالي، في نسبتي 12.6% و12%. وبالرّغم من انخفاض هذه النسبة العامّة، لكنّها تظهر لنا من خلال توزيعها بين فئات المنطقة بنسب متشابهة ومتقاربة إعراض قسم لا يستهان به من أسر العينة عن مشاهدة برامج القناة الوطنيّة.

 والنتيجة الفرعيّة التّي توصّلنا إليها من خلال نسب صنفي الإجابة لا و لا أدري في مختلف مناطق الوطن، أنّ هذه الشّريحة من أسر العيّنة التي تمثّل جزءا من المجتمع الجزائري، تري أنّ نوع البرامج التي يعرضها التّلفزيون الجزائري، لا تمثّل النمط المناسب الذي يمكن أن تقتدي به الأسرة في المجتمع الجزائري. ولا يعكس الصّورة الحقيقيّة للأسرة الجزائريّة. وهذا ما أدّى إلى إعراض قسم لا بأس به من المبحوثين عن مشاهدة برامج القناة الوطنيّة.

والنتيجة العامّة لهذا الجدول إيجابية بتحفّظ، حيث جاءت إجابات المبحوثين بنعم بنسبة 51.8% من مجموع العيّنة وجاءت نسبة صنفي لا، ولا أدري 48.2%. وهذا يعني أنّ الإجابة على هذا السّؤال الّذي له علاقة قويّة بالفرضيّة، أنّ هناك من يشاهد القناة الوطنية، ويستفيد من نوعيّة برامجها أكثر ممّن لا يشاهدها، لكنّنا نأخذ هذه النتيجة بتحفّظ لتقارب النّسبتين.

نحاول الإشارة إلى الأولوية بين أنواع البرامج في صنف الإجابة نعم والعلاقة بينها وبين المتغيّر المستقلّ المنطقة، حيث أخذ نوع برامج التّفكّك الأسري التّرتيب الأوّل 25.2% من مجموع أفراد العيّنة في صنف الإجابة نعم. تلاه نوع برامج تربويّة في الرّتبة الثّانية بنسبة 20.1%، ثمّ نوع برامج تدفعك إلى تكوين أسرة حسب ميولك، في الرّتبة الثّالثة في صنف الإجابة نعم. نستنتج من ذلك تقديم أسر العيّنة المدروسة الّذين أجابوا بهذا الصّنف، نوع برامج التّفكّك الأسري. ويعني ذلك أنّ المجتمع يعاني من هذه الآفة الفتّاكة، المترتبة على المشاكل الاجتماعية التي يعاني منها مثل ارتفاع نسبة الطّلاق، والتشرّد وجنوح الأحداث والجريمة بأنواعها المختلفة وغير ذلك من الآفات الاجتماعية المترتبة عليها. وهذا يعني أنّ المجتمع يرغب في القضاء أو الحدّ من ذلك.

 وفضّل المبحوثون بعد ذلك نوع برامج تربوية، وهذا يؤكّد لنا رغبة المجتمع في تربية  مناسبة لأبنائه، والسبب في مجيء التربية بعد حدوث التّفكّك لأن الآفة موجودة ونحن نبحث عن حلّ للقضاء عليها، ونرى الحل في التربية الجيدة. ويأتي في الرّتبة الثّالثة والأخيرة نوع برامج تدفع الفرد إلى تكوين أسرة حسب ميوله، لأنّه لا يمكن تحقيق ذلك إلاّ بعد تشخيص آفة التّفكّك الأسري وإيجاد حلول لها، بواسطة التّربية المناسبة. بعد ذلك يمكننا الوصول إلى اختيار نموذج الأسرة التي نريد تكوينها. وهذا يجعلنا نقول أنّ استقرار المجتمع لا يتحقّق إلاّ عن طريق محاربة الآفات الاجتماعية للحدّ من تأثيرها عليه، لأنّه لا يمكن لأيّ مجتمع أن يخلو من الآفات تماما وإلاّ فقد توازنه. ويكون الحدّ من ذلك باستخدام طرق تربوية مناسبة وناجعة لمصلحة المجتمع.

نستخلص من خلال الاتّجاه العام  للجدول السابق في مدى عرض التّلفزيون الجزائري لبرامج مؤثّرة حول الأسرة، حيث كانت نسبة صنف الإجابة نعم مرتفعة بالمقارنة إلى نسبة الأصناف الأخرى للإجابة. وهذا يعطينا فكرة عن اهتمام التّلفزيون الجزائري بالأسرة، وبالتّالي نستنتج الارتباط الوثيق بين هذا السّؤال والفرضيّة المطروحة. ولعب ذلك دورا في جعل التّلفزيون يكاد يحل محلّ الأسرة في القيام بوظيفة التّنشئة الاجتماعيّة. ويوضّح لنا الجدول التّالي العلاقة بين المتغيّر التّابع مدى حدوث وأشكال التّغيير الّذي أدخلته مشاهدة التّلفزيون على القيم الأسريّة المذكورة، المتعلّق بالسّؤال الثاني(2) من الاستمارة، والمتغيّر المستقل السّنّ.

 2- مدى وأشكال التّغيير، الذي أحدثته المشاهدة في القيم الأسريّة المدروسة:

 يتناول هذا القسم من البحث قضية التّغيير الذي أدخلته مشاهدة التلفزيون على القيم الأسرية المتمثّلة في عمليات اختيار الزّوج(ة)، وتربية الأطفال والتّضامن الأسري. كما يتناول أنواع هذا التغيير، وذلك حسب أصناف الإجابات المتحصّل عليها من أسر العيّنة المدروسة، على السّؤال المطروح.

 س2:توزيع مجموع أسر العيّنة حسب متغيّري مدى ونوع التغيير الذي أحدثته مشاهدة القناة في القيم الأسرية المدروسة و السن.

                  السّن

 

الإجابة

10-15سنة

16-26سنة

27-42سنة

43-58سنة

59سنة           فأكثر

المجموع

ك

%

ك

%

ك

%

ك

%

ك

%

ك

%

لم يغير التلفزيون هذه القيم

1

1.7

10

4.4

11

6.3

6

6.2

1

2.4

29

4.8

لقد غير التلفزيون هذه القيم

3

5.0

15

6.6

9

5.1

6

6.2

2

4.8

35

5.8

التغيير إيجابي

19

31.7

58

25.6

48

27.3

25

25.8

23

54.8

173

28.7

التغيير سلبي

8

13.3

61

26.9

35

19.9

21

21.6

6

14.3

131

21.8

تغيير سلبي وإيجابي في نفس الوقت

3

5.0

10

4.4

14

8.0

9

9.3

1

2.4

37

6.1

أخرى

5

8.3

10

4.4

9

5.1

6

6.2

2

4.8

32

5.3

لا أدري

2

3.3

 

 

 

 

 

 

 

 

2

0.3

دون إيجابة

19

31.7

63

27.8

50

28.4

24

24.7

7

16.7

163

27.1

المجموع

60

100

227

100

176

100

97

100

42

100

602

100

       

الجدول رقم(2)

بيّن لنا حساب كا² لنتائج الجدول السّابق، التي بلغت قيمتها الجدوليّة 47.70، وقيمتها المحسوبة 0.012، بدرجة حرّيّة 28، الدّلالة الإحصائيّة على أنّ الفروق بين فئات السّنّ حقيقية، وأنّ التّوزيع يعود بنسبة 99% إلى علاقة سببية أو حتميّة بين المتغيّرات، وأنّ نسبة الشّكّ لا تتعدّى 1%. وهذا ما يؤكّد لنا العلاقة السّببيّة بين متغيّري مدى ونوع التغيير الذي أدخلته مشاهدة التّلفزيون على القيم الأسريّة المدروسة، والسّنّ. وذلك من خلال أصناف الإجابة على السّؤال الثّاني (2) ، هل ترى أنّ التّلفزيون قد غيّر القيم الأسريّة في مجتمعنا؟ المتمثّلة في عمليّة اختيار الزّوج(ة)، وتربية الأطفال، وعمليّة التّضامن بين أفراد الأسرة. إذا اخترت بعضها وضّح لنا كيف ذلك؟

ا- بيّن لنا الاتّجاه العام لهذا الجدول أصناف الإجابة، موزّعة إلى نسبة 28.7% لصنف(تغيير إيجابي)، تلتها نسبة 27.1% لصنف (دون إجابة)، وانخفضت النسبة إلى 21.8% لصنف (تغيير سلبي)، ثمّ نسبة 6.1% لصنف (تغيير إيجابي وآخر سلبي في آن واحد)، وتشابهت نسبتا 5.8% و5.3% لصنفي(غيّر التّلفزيون في هذه القيم) و(أخرى) على التّوالي. اقتربت منها نسبة 4.8% لصنف(لم يغيّر التلفزيون هذه القيم)، وكانت أقلّ نسبة 0.3% لصنف الإجابة(لا أدري).

ب- وبالمواظبة على الاتّجاه العام لهذا الجدول، نلاحظ توزيع أصناف الإجابة حسب فئات السّنّ. إذ وجدنا النسبة العامّة لصنف تغيير إيجابي، موزّعة إلى أكبر نسبة 54.8% لفئة كبار السّنّ(59 سنة فأكثر). هذه الفئة التي ترى أنّ التّغيير الذي أحدثه التّلفزيون إيجابي، مقارنة بما عاشته هذه الفئة قبل انتشاره، وبالتّالي اعتبرت الأشياء الحديثة التي لم تكن موجودة من قبل، من تطوّر تكنولوجي وحضاري، وثقافات وعادات جديدة لم تسمع عنها من قبل، تغييرا إيجابيا تجاوبت معه. لأنّه سهّل سبل الحياة وأعطاها لونا جديدا أفضل ممّا كانت عليه. تلتها نسبة 31.7% لفئة أطفال (10- 15 سنة)، والأطفال شغوفون بكلّ شيء يرونه يعتبرونه جديدا، يستحقّ الاكتشاف لأنّهم في مقتبل العمر، خاصّة إغراءات الصّورة والصّوت الّتي تعطي الأشياء ألوانا برّاقة تجلبهم، كالرّسوم المتحرّكة والألعاب الّتي لم يعتدها الأطفال في محيطهم الأسري والاجتماعي. وانخفضت النسبة إلى 27.3% لفئة الشّباب(2)(27- 42 سنة)، هذه الفئة التي تمثّل زهرة العمر، والتي بلغت درجة من النّضج تسمح لها بإحداث التوازن بين السلبيات والإيجابيات، لكنّها تغضّ الطرف عن السلبيات في معظم الأحيان لتحقيق مآربها. وتشابهت فئتا كهول(43- 58 سنة) والشباب(1)(16- 26 سنة)، في نسبتي 25.8% و25.6%. والسبب في هذه الإجابة إعجاب نسبة من فئة الكهول، وانبهار نسبة من فئة الشباب التي تضم المراهقين بالتّطوّر التّكنولوجي، التي ترى أنّ التلفزيون يوسّع آفاقها المعرفيّة، ويملأ وقت فراغها.

- وكانت النّسبة العامّة لصنف دون إجابة، موزّعة إلى أكبر نسبة 31.7% لفئة أطفال، والسبب في ذلك أنّ قسما من هذه الفئة لم يصل إلى درجة التمييز بين إحداث التلفزيون للتغيير وعدم إحداثه للتّغيير في المجتمع. أو لم يفهم السؤال لأنّ القائم بملء الاستمارة   لم يشرح له السّؤال بطريقة بسيطة يفهمها. تلتها نسبة 28.4% لفئة الشباب(2)، اقتربت منها نسبة 27.8% لفئة الشّباب(1)، ثمّ نسبة 24.7% لفئة كهول، وانخفضت النسبة إلى 16.7% لفئة كبار السّنّ. ويبرز لنا هذا الصنف من الإجابة نسبة التّحفظ عند جميع فئات السّنّ، التي لها أسباب مختلفة نذكر منها عدم فهم السّؤال، والتّخوّف من إبداء الرأي لأسباب اجتماعية  تربوية أو نفسيّة، والازدراء بالموضوع.

- كما كانت النّسبة العامّة لصنف الإجابة تغيير سلبي، موزّعة إلى أكبر نسبة 26.9% لفئة الشّباب(1)، تلتها نسبة 21.6% لفئة كهول، وانخفضت النّسبة إلى 19.9% لفئة الشّباب(2)، ثمّ نسبة 14.3% عند فئة كبار السّنّ، اقتربت منها أقلّ نسبة 13.3% لفئة الأطفال. تدلّ إجابة كلّ الفئات بنسب متقاربة، على هذا الصّنف من الإجابة على وجود تأثيرات سلبيّة للتّلفزيون سنذكرها لاحقا.

- وتوزّعت النسبة العامّة لصنف الإجابة تغيير سلبي وإيجابي في الوقت نفسه، إلى أكبر نسبة 9.3% لفئة كهول، تلتها نسبة 8% لفئة الشّباب(2)، ثمّ نسبة 5% لفئة أطفال، اقتربت منها نسبة 4.4% لفئة الشباب(1)، ثمّ أقلّ نسبة 2.4%. ويدلّ هذا التّدرّج في النسب بين الفئات ، على أنّ الاهتمام بقضايا المجتمع لاسيّما قضيّة التّغيّر الاجتماعي، الذي تحدثه وسائل الإعلام أقواها التّلفزيون، كان أكثر عند فئتي كهول والشّباب(2)، ثم ّيقلّ شيئا فشيئا عند الفئات الباقية.

- كما توزّعت النّسبة العامّة لصنف الإجابة لقد غيّر التّلفزيون هذه القيم، إلى نسبتين متشابهتين 6.6% و6.2% لفئتي الشّباب(1) وكهول، اقتربت منهما نسبتان متشابهتان 5.1% و5%، لفئتي الشّباب(2) وأطفال. ثمّ اقتربت منهما أقل ّنسبة 4.8% لفئة كبار السّنّ. وكانت نسب إجابات الفئات متشابهة ومتقاربة جدّا، بسبب ملاحظة هؤلاء لوجود التغيير دون معرفة أسبابه، لأنّ وتيرته كانت سريعة أذهلت البعض، ممّا جعلهم لا يعطون نوع هذا التّغيير.

- وكانت النسبة العامّة لصنف الإجابة أخرى، موزّعة إلى أكبر نسبة 8.3% لفئة أطفال، تلتها نسبة 6.2% لفئة كهول، اقتربت منها نسبة 5.1% لفئة الشّباب(2)، وتشابهت فئتا كبار السّنّ والشّباب(1) في نسبتي 4.8% و4.4%.

- أمّا النّسبة العامّة لصنف الإجابة لم يغير التّلفزيون هذه القيم، فكانت موزّعة إلى نسبتين متشابهتين 6.3% و6.2%، لفئتي الشّباب(2) وكهول على التّوالي. وانخفضت النسبة حتّى وصلت 4.4% عند فئة الشّباب(1)، ثمّ نسبة 2.4% لفئة كبار السّنّ، اقتربت منها أقلّ نسبة 1.5% لفئة أطفال. وتوزّعت النسبة العامّة لصنف الإجابة لا أدري، إلى نسبة 3.3% لفئة أطفال، وانعدم هذا الصّنف عند الفئات الأخرى. ونحن نرى أنّ سبب تشابه نسب فئتي الشباب(2) وكهول في صنف عدم التغيير، يعود إلى تقارب السنّ والأفكار، وربّما المحيط الاجتماعي الذي تعيشان فيه. واقتصر صنف لا أدري على فئة الأطفال، ويعني ذلك أنّ نسبة قليلة من هذه الفئة لم تفهم السّؤال، وهذا لا يؤثّر على النتائج العامّة للبحث.

        نستخلص من نتائج الجدول السّابق في الإجابة على السّؤال المطروح، الذي يتعلق بفرضيّة قيمة الأسرة، الذي نحاول من خلالها معرفة مدى التّغيير وأنواعه الذي أحدثه التلفزيون، في  القيم الأسريّة المتمثّلة في عمليات اختيار الزّوج(ة)، وتربية الأطفال والتّضامن الأسري. ثمانية أصناف من الإجابة تتمثّل في: أنّ التلفزيون لم يغيّر هذه القيم.  لقد غيّر التلفزيون هذه القيم. تغيير إيجابي.  تغيير سلبي.  تغيير سلبي وإيجابي في الوقت نفسه. أخرى. لا أدري. دون إجابة. وحاولنا على هذا الأساس أن نعرض بعض الإجابات الواردة في استمارات بعض المبحوثين، تفسّر بعض أسباب ورود هذه الأصناف من الإجابة.

1-  قال أحد المبحوثين فيما يخصّ الصّنف الأوّل من الإجابة: لم يغيّر التّلفزيون هذه القيم، لأنّ هناك آلاف الرّسائل الإعلاميّة التي تتهاطل على المتلقّي من وسائل الإعلام الأخرى، يدخل ضمنها التّلفزيون بنسبة قليلة، هذا عن التّلفزيون عامّة. أمّا عن التلفزيون الجزائري فقد أجاب مبحوث آخر: أنّ التلفزيون الجزائري لم يغيّر هذه القيم لأنّ برامجه إمّا متفسّخة، وإمّا تقليديّة متخلّفة.

2- وعلّق مبحوث على الصنف الثّاني من الإجابة بقوله: إنّ للتّلفزيون تأثير بعيد المدى، لأنّه يؤثّر ولو بصفة بطيئة على أفراد المجتمع خاصّة المراهقين، ويشكّل طريقة تفكير جيل المستقبل، لكنّه لم يذكر نوع التّغيير.

3- وأجاب أحد المبحوثين عن الصّنف الثّالث من الإجابة فقال: لقد غيّر التّلفزيون إيجابيا في القيم الأسريّة المذكورة، وذلك بتطوّر العقليات وتنويرها من حيث اختيار الزوج(ة)، وتربية الأطفال بطريقة عصريّة حديثة، كما جعل الأفراد يتضامنون فيما بينهم، من خلال ما تبثّه القناة الوطنيّة من برامج تكرّس التّضامن الأسري مثل حصّة وكلّ شيء ممكن.

4- وعلّق بعض المبحوثين من خلال إجاباتهم على الصّنف الرّابع من الإجابة، المتمثل في التّغيير السّلبي، أنّ اختيار الزّوج(ة)أصبح حسب مقاييس المسلسلات المدبلجة من مال وجاه، دون المقاييس المتعارف عليها في المجتمع الجزائري. كما أثّر سلبا في تربية الأطفال من خلال  تركهم لوقت طويل أمام التّلفزيون، الذي أصبح المربي الوحيد لهم. هذا الأخير الذي قتل روح المطالعة عند الأطفال، وقضى على قيم المحافظة والحياء بين الوالدين والأبناء. أمّا قيمة التّضامن الأسري فقد ضعفت إلى حدّ التّلاشي، لانعدام التّفاعل بين أفراد الأسرة، الذين يجتمعون كثيرا أمام التّلفزيون، لكنها اجتماعات شكليّة لأنّ هدفها الاهتمام بما يشاهدونه في التّلفزيون، وليست من أجل مناقشة القضايا الجوهريّة التي تهمّ الأسرة.

5- وجاء على لسان أحد المبحوثين في إجابته على الصّنف الخامس، تغيير إيجابي وسلبي في الوقت نفسه: لقد غيّر التّلفزيون في عمليّة تربية الأطفال سلبا في شغلهم على دراستهم، وإيجابا من حيث إضافة المعارف للأطفال وذويهم. كما أثّر سلبا في عمليّة التّضامن الأسري، من ناحية مستوى استقبال الأفراد لمضمون البرامج التي تعرض مشاهد العنف، والنزعة المادّيّة...الخ. وإيجابا من حيث مضامين الأفلام والبرامج التي تحثّ على التّضامن بين الأفراد، مثل حصص وكلّ شيء ممكن، وفتاوى على الهوى. وأجاب آخر بأنّ التّلفزيون أثّر سلبا على عمليّة اختيار الزّوج(ة)، باستبعاد الوالدين تماما من هذا الاختيار، وإقامة مراسيم الزّواج على الطّريقة الغربية. وأثّر إيجابا من حيث الحرّيّة التي أصبح يتمتّع بها الرّجل والمرأة في اختيار شريك الحياة.

6- وتعكس لنا إحدى إجابات الصّنف السّادس أخرى، التي تتضمّن تأثير التّطوّر التّكنولوجي في قيم المجتمع. حيث قال أحد المبحوثين: يرجع التّغيير إلى التّطوّر التّكنولوجي والعلمي الّذي حدث في المجتمع الجزائري، الذي غيّر القيم الاجتماعيّة الروحية التي عرفها المجتمع، والتي حلّت محلّها قيم مادّيّة جديدة.

استخلصنا ممّا سبق العلاقة التي تربط بين هذا السّؤال والفرضية المطروحة، التي تظهر في مدى تأثير التّلفزيون في إحداث تغيير في القيم الأسريّة المدروسة، وأنواع هذا التّغيير الذي ظهر من خلال أصناف إجابات المبحوثين على هذا السّؤال. تلك الإجابات التي أبرزت لنا العلاقة بينها وبين الفرضية التي عرفنا من خلالها، أنّ الأسرة في مجتمعنا أصبحت مغلوبة على أمرها، من خلال المدّ الإعلامي والسرعة الفائقة في تهاطل المعلومات على أفراد المجتمع، بما في ذلك كيان الأسرة الذي أصبح مهدّدا بالزّوال، بسبب تدخّل مؤسّسات أخرى في القيام ببعض وظائفها. حيث أصبحت هذه الأخيرة لا تستطيع القيام بكلّ وظائفها، خاصّة التّلفزيون الّذي أصبح يتدخّل في تربية الأطفال والرّاشدين، ويتحكّم في تنشئتهم الاجتماعيّة، التي تمثّل إحدى الوظائف الأساسيّة للأسرة. وهكذا نستطيع القول أنّ علاقة هذا السّؤال بالفرضيّة، تكمن في تحقيق جزء منها يتمثّل في تأثير التّلفزيون في تغيير القيم الأسريّة المدروسة سلبا وإيجابا. ويبين لنا الجدول التالي توزيع إجابات المبحوثين حسب مدى تعويض مشاهدة التلفزيون لجلسات الأسرة ومتغير المنطقة، الّذي يتعلق بالسّؤال الثالث(3(.

3- مدى تعويض التلفزيون لجلسات الأسرة.

يتناول هذا القسم مدى تأثير مشاهدة التلفزيون وتعويضها لجلسات الأسرة، واتخاذها بديلا لهذه الأخيرة. وذلك حسب أصناف الإجابة المتحصل عليها من أفراد العينة المدروسة على السؤال المتعلق بهذا الموضوع.

 

س3: توزيع أسر العينة حسب متغيري مدى تعويض مشاهدة التلفزيون لجلسات الأسرة والمنطقة

 

                                  المنطقة

الإجابة

شرق

غرب

وسط

جنوب

المجموع

ك

%

ك

%

ك

%

ك

%

ك

%

نعــــــم

التلفزيون يجعلك تفكر بطريقة أفضل

5

2.2

 

 

7

5.4

 

 

12

2.0

التلفزيون يحررك من الأفكار التي تفرضها عليك الأسرة

18

8.0

4

2.8

6

4.6

2

1.9

30

5.0

التلفزيون يوسع آفاقك المعرفية

8

3.6

 

 

5

3.8

 

 

13

2.2

أخرى

2

0.9

1

0.7

3

2.3

 

 

6

1.0

لا

التلفزيون يشعرك بالعزلة

12

5.3

10

7.0

6

4.6

9

8.7

37

6.1

جلسات الأسرة أهم من مشاهدة التلفزيون

139

61.8

95

66.4

89

68.5

69

66.3

392

65.1

التلفزيون يعرض قضايا بعيدة عن الواقع الاجتماعي للأسرة

30

13.3

29

20.3

4

3.1

20

19.2

83

13.8

أخرى

6

2.7

3

2.1

1

0.8

4

3.8

14

2.3

أحيـــــــــــــــــــــــانا

5

2.2

1

0.7

9

6.9

 

 

15

2.5

المجمـــــــــــــــــــوع

225

100

143

100

130

100

104

100

602

100

 

الجدول (3)

 

ا-يبين لنا الجدول السابق مدى تعويض المشاهدة التلفزيونية لجلسات الأسرة حسب متغير المنطقة، بدلالة إحصائية تبلغ0.000 تحت درجة حرية24، ويعطينا الاتجاه العام للجدول نتائج تؤكد لنا أنه بالرغم من تأثير مشاهدة التلفزيون على الأفراد إلا أنها لا يمكن أن تعوض الأسرة أو تكون بديلا لها، وذلك من خلال السؤال الثالث (3): هل تعوّضك مشاهدة التلفزيون عن جلسات الأسرة؟ إذا كانت الإجابة نعــم أو أحيانا، لماذا؟ وإذا كانت الإجابة لا، لماذا؟

وشمل صنف الإجابة (لا) أكبر نسبة 87.3% من أفراد العينة وتتوزع هذه النسبة على الخيارات الخاصة بهذا الصنف إلى نسبة 65.1% خاصة بخيار (جلسات الأسرة أهم من مشاهدة التلفزيون), تليها نسبة13.8% تخص خيار(التلفزيون يعرض قضايا بعيدة عن الواقع الاجتماعي للأسرة. ثم نسبة 6.1% خصّت خيار (التلفزيون يشعرك بالعزلة). وجاءت إجابات أخرى بنسبة 2.3%، ومن أمثلة الإجابة في صنف أخرى نعرض قول أحد المبحوثين، لأن جلسات الأسرة تساعد على ترابطها وتحاور أفرادها وتعاونهم. وجاء على لسان مبحوث آخر، لأن التلفزيون وسيلة لسد الفراغ بالرغم ممّا يقدمه لنا من أخبار وأفكار مفيدة. وقال آخر: لأن التلفاز يصبح حاجزا لالتحام الأسرة واجتماعها.

ويأتي صنف الإجابة بنعم بنسبة10.2% موزعة على خيارات هذا الصنف من الإجابة، وكانت أكبر نسبة فيه تبلغ 5% خاصة بخيار(التلفزيون يحررك من الأفكار التي تفرضها عليك الأسرة)، تليها نسبة2.2% الخاصة بخيار (التلفزيون يوسع آفاقك المعرفية)، أما نسبة2% الخاصة بخيار (التلفزيون يجعلك تفكر بطريقة أفضل)، فتشبه سابقتها، و تتضاءل هذه النسبة لتصل 1% خاصة بصنف الإجابة أخرى. ويأتي صنف الإجابة (أحيانا) بنسبة 2.5%. وعندما نضيف هذه النسبة إلى نسبة صنف الإجابة (نعم) تصبح النسبة 12.7% لأن أحيانا تعني نعم لكن بصفة غير متواصلة.

ب-1- أما توزيع أصناف الإجابة على فئات العينة المدروسة الخاصة بكل منطقة من مناطق الوطن، فوجدنا أكبر نسبة68.5% في منطقة الوسط خيار( جلسات الأسرة أهم من مشاهدة التلفزيون)، تليها نسبة منطقتي الغرب والجنوب 66.4% و 66.3% وهما متشابهتان إلى حد كبير، ثم تتناقص هذه النسبة لتصبح 61.8%. ونجد في هذه النسب تقارب و تشابه بين كافة مناطق الوطن، وهذا ما يؤكد لنا أن لجلسات الأسرة قيمة جليلة لها مكانة قوية في المجتمع الجزائري، لا يمكن أن تعوضها مشاهدة التلفزيون.

2-أما صنف الإجابة التلفزيون يعرض قضايا بعيدة عن الواقع الاجتماعي للأسرة فقد أحرز على نسبتين متقاربتين20.3% و19.2% في منطقتي الغرب والجنوب على التوالي. و يدل ذلك على أن ما يعرضه التلفزيون سواء في القنوات الأجنبية أوفي القناة الوطنية، ليس مناسبا للمجتمع الجزائري، بحيث يغرق أفراد المجتمع في الخيال، هذا حسب إجابات المبحوثين الذين أجابوا (لا) حسب هذا الخيار. وتتناقص هذه النسب إلى13.3% في منطقة الشرق، ثم تتضاءل هذه النسبة إلى3.1% في منطقة الوسط. وتتباعد هاتين النسبتين في المنطقتين، حيث نجد أن نسبة الشرق تتشابه مع نسبة مجموع المناطق في الخيار المذكور، وهي تدل على  تذمرها من برامج التلفزيون التي تبتعد عن الواقع الذي تعيشه المنطقة. وتقل هذه النسبة في منطقة الوسط، لأنها لا تعتبر أن التلفزيون بعيد جدا عن الواقع الذي تعيشه لاختلاطها الكبير والدائم بالثقافات الأجنبية من خلال السياسة والاقتصاد.

3-وتأتي أكبر نسبة8.7% في منطقة الجنوب من مجموع أفراد العينة الذين أجابوا (لا) الخاصة بخيار التلفزيون يشعرك بالعزل. وتقترب منها نسبة7% في منطقة الغرب. ثم تأتي نسبة5.3% في منطقة الشرق، وتقترب منها نسبة 4.6% في منطقة الوسط.

4-أما صنف الإجابة أخرى فأكبر نسبة فيه3.8% جاءت في منطقة الجنوب، تلتها نسبتان متشابهتان2.7% و 2.1% في منطقتي الشرق و الغرب على التوالي. وتأتي أقل نسبة لهذا الخيار0.8% في منطقة الوسط.

5-وتتوزع نسبة10.2% الخاصة بصنف الإجابة(نعم) على خيارات هذا الصنف، بدءا بأكبر نسبة5% أحرز عليها خيار(التلفزيون يحررك من الأفكار التي تفرضها عليك الأسرة)، التي توزعت بدورها حسب مناطق الوطن بنسبة 8%  لمنطقة الشرق، وتناقصت هذه النسبة لتصل إلى4.6%  لمنطقة الوسط، ثم نسبة2.8% لمنطقة الغرب، وتضاءلت هذه النسبة إلى 1.9% لمنطقة الجنوب.

6-أما خيار ( التلفزيون يوسع آفاقك المعرفية) الذي أحرز نسبة2.2% من مجموع إجابات أفراد العينة الذين أجابوا بنعم، تتوزع  هذه النسبة حسب مناطق الوطن بنسبتي 3.8% و3.6% في منطقتي الوسط والشرق على التوالي، ونسبة لا شيء في كلّ من منطقتي الغرب والجنوب. ونلاحظ تشابها كبيرا في كل مناطق الوطن في نسب الإجابات التي ترى أن التلفزيون يوسع الآفاق المعرفية للفرد. أما خيار أخرى في صنف الإجابة نعم فقد أحرز على نسبة2.3% تتوزع حسب مناطق الوطن إلى نسبة3.8% من منطقة الجنوب تليها نسبة 2.7% في منطقة الشرق، ثم نسبة2.1% في منطقة الغرب وتأتي أقل نسبة0.8% في منطقة الوسط.

7-أما صنف الإجابة أحيانا الذي أحرز على نسبة 2.2% فكانت موزّعة على مناطق الوطن بالتدريج إلى نسبة6.9% في منطقة الوسط، تليها نسبة2.2% في منطقة الشرق، ثم نسبة0.7% في منطقة الغرب، ثم نسبة لاشيء في منطقة الجنوب.

نستخلص من صنف الإجابة (لا) من حيث ترتيب الخيارات لدى أفراد العينة المدروسة عموما. تقديم خيار جلسات الأسرة أهم من مشاهدة التلفزيون وإعطائه المرتبة الأولى بإحرازه نسبة65.1% من مجموع أسر العينة المدروسة وهذا يعني أن الأغلبية العظمى من المبحوثين تقدم جلسات الأسرة عن مشاهدة التلفزيون، وهذا ما يؤكد لنا تقديس المجتمع الجزائري لقيمة الأسرة وسهره للمحافظة على تماسكها. وإعطاء المرتبة الثانية لخيار التلفزيون يعرض قضايا بعيدة عن الواقع الاجتماعي للأسرة بنسبة13.8% من مجموع أفراد العينة المدروسة وهذا يعني أن معظم ما يعرضه التلفزيون سواء في القنوات الأجنبية أوفي القناة الوطنية، لا يتطابق مع الواقع الذي يعيشه المجتمع الجزائري. وهذا يعني أن التلفزيون هدفه تجاري بالدرجة الأولى، يعمل على استقطاب الجماهير بعرض إعلانات، وإغراء الأطفال والكبار بعرض أشياء خيالية لا يمكن أن تتحقق على أرض الواقع. أو يعرض واقعا مزيفا يجعل الأفراد يتسابقون إليه دون تفكير. ويأتي خيار( التلفزيون يشعرك بالعزلة) في الرتبة الثالثة بنسبة6.1% من مجموع إجابات أفراد العينة المدروسة، في المرتبة الرابعة و الأخيرة. وهذا يؤكد لنا النتيجة التي تقول أن المشاهدة التلفزيونية لا تعوض الأسرة، وذلك من خلال إحراز هذا الخيار على أكبر نسبة. وهذا يجعلنا نقول أن العلاقة بين هذا السؤال والفرضية المطروحة علاقة طبيعية، من خلال نتائج صنف الإجابة (لا) في نفي تعويض المشاهدة لجلسات الأسرة، لشريحة كبيرة من أفراد العينة المدروسة. وهذا ما يؤكد لنا أن الأسرة من القيم التي لا يمكن لمجتمعنا التخلي عنها، مهما كانت الضغوط والتناقضات التي يتعرض لها المجتمع الجزائري، ومهما تباينت آراء التيارات التي يتضمنها هذا المجتمع. وهذا الترتيب يعطينا فكرة عن تمسك المجتمع الجزائري بمؤسسة الأسرة.

-أما الفئة التي أجابت نعم لتعويض مشاهدة التلفزيون لجلسات الأسرة، الذي أحرز على نسبة10.2% ، وبالرغم من ضعف هذه النسبة، فإن لها دلالة اجتماعية كبيرة. وتوزعت هذه النسبة على خيارات الإجابة التي أعطت الرتبة  الأولى للخيار الثاني(التلفزيون يحررك من الأفكار التي تفرضها عليك الأسرة)، والرتبة الثانية للخيار الثالث (التلفزيون يوسع آفاقك المعرفية)، والرتبة الثالثة للخيار الأول( التلفزيون يجعلك تفكر بطريقة أفضل)، والرتبة الرابعة والأخيرة لخيار أخرى. وتؤكد لنا هذه الإجابات وترتيب الخيارات بهذه الطريقة، أنه توجد شريحة من المجتمع الجزائري ترى أن مشاهدة التلفزيون تعوضها وتغنيها عن جلسات الأسرة. وهذه الشريحة تمثل الأشخاص الذين يفتقدون دفء الأسرة الحقيقية، لأنهم يعيشون داخل أسرة مفككة، لا ترضي طموحهم الذي يودون تحقيقه من خلال قيام هذه الأسرة بوظائفها المنوطة بها. وهم الأشخاص الذين عصفت أو تكاد تعصف بهم الآفات الاجتماعية، من خلال عجز الأسرة عن القيام بوظائفها، خاصة وظيفة التنشئة الاجتماعية.

 وقد لاحظنا ذلك من خلال إجابات بعض المبحوثين في صنف أخرى. حيث قال أحدهم: حتى توجد هذه الأسرة. وأجاب آخر لأنّ المشاهدة تخلصني من المشاكل بين أفراد الأسرة كالشجار والشتم وغير ذلك. وأجاب آخر جلسات الأسرة نادرة جدا أومنعدمة. وجاء ترتيب خيار التلفزيون يحررك من الأفكار التي تفرضها عليك الأسرة في الرتبة الأولى، لان المجتمع الجزائري يعاني من قضية التفكير التقليدي لدى بعض فئاته، التي ترفض التفتح على الثقافات الأخرى، والتعامل بعقلانية مع الأفكار المناقضة لفكرها، ولا تحاول التوفيق بين أفكارها وأفكار الفئات الأخرى. لكنها تحاول السيطرة بأفكارها في جعل الأسرة الجزائرية تسير حسب ما تريده. وبالتالي يكون تضييق الخناق على أفراد المجتمع بفرض هذه الفئة أفكارها على الفئات الأخرى، ذلك ما جعل شريحة من المبحوثين تجد الخلاص في مشاهدة التلفزيون التي تعطيها أفكارا غير تلك المفروضة عليها من قبل أسرتها، التي قد تؤدّي حتى إلى الانفصال عن الأسرة، وتأخذ سبلا أخرى في حياتها بعيدا عن الأسرة التي انفصلت عنها. وغالبا ما يكوّن ذلك عقدا لدى الأفراد فيرفضون أفكار الأسرة الأصلية جملة وتفصيلا، ويتجهون إلى البحث عن طريقة أخرى للحياة حتى ولو كانت مناقضة تماما لواقع مجتمعهم. وقد يكون ذلك أيضا لمعاناة بعض الأفراد من الظلم بسبب الأفكار التي تفرضها عليهم أسرهم، خاصة في حالات الزواج ضد رغبتهم. وحالات عدم إعطاء الفرصة للمرأة في التعليم والعمل خارج البيت وغير ذلك.

        نستخلص ممّا سبق أنّ الاتّجاه العامّ لهذا الجدول، يعطينا فكرة حول أهمّيّة الأسرة لدى أفراد المجتمع كقيمة اجتماعيّة يقدّسونها، من خلال النسبة العالية 65.1% الّتي أحرز عليها صنف الإجابة جلسات الأسرة أهمّ من مشاهدة التّلفزيون. وهذا ما جعلنا نؤكّد على قدسيّة الأسرة مهما كان نوعها في المجتمع الجزائري، وأنّ التّلفزيون لا يمكنه تعويض الأسرة عند معظم أفراد المجتمع الجزائري. وذلك مهما كانت قوّة تأثيره سلبا أو إيجابا على المجتمع، بحيث تبقى قيمة الأسرة الدّعامة الأساسيّة لدى أفراد المجتمع الجزائري، يتسارعون إلى تحقيقها والمحافظة عليها.

نستنتج مما سبق أن ظروف المجتمع تؤثر في الأسرة وتجعلها تلعب دورا ايجابيا أو سلبيا في تربية الأطفال، صانعي المستقبل. والمحيط الذي تعيش فيه هذه الأسرة يجعلها تستقبل مختلف النشاطات والوسائل التي تدعم دورها أو تضعفه، و يعد التلفزيون من بين وسائل الإعلام التي أصبحت تتصدّر هذا المحيط و لها تأثير قوي على نظام الأسرة.

استراتيجية الأسرة في تنظيم مشاهدة الفرد للتلفزيون:

للأسرة وظائف عديدة على رأسها وظيفة التنشئة الاجتماعية، التي تسمى التربية عندما تكون موجهة إلى الأطفال، وتدعى تنشئة عندما توجه إلى الكبار حسب رأينا. ويرى بعض الباحثين أن للأسرة دورها المتميز في تربية النشء الصغير، وأن التنمية الأسرية عملية مستمرة، لكنها قد تغير أسلوبها حسب مراحل النشأة التي يمر بها الطفل. وللقدوة الأسرية الصالحة أثرها في عبور الطفل من مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة، ثم مرحلة الشباب، وهو يتمتع بصحة نفسية ممتازة، وشخصية قوية متكاملة. كما يقتدي الطفل بالمثل الذي يجده أمامه من أفراد أسرته، ومن والديه، فيما يخص البرامج التي تشاهد في التلفزيون. ويكون لذلك أهمية كبيرة من حيث الانطباعات التي تخلفها لدى الطفل، حيث نجد أن الأولياء الذين بلغوا درجة عليا من الثقافة أو التعليم، غالبا ما يشاهدون التلفزيون لمدة أقصر، ويميل أطفالهم إلى المشاهدة لمدة أقصر من غيرهم. وينطبق هذا على الأسر المتوسطة، التي يسعى أفرادها نحو تحسين المستوى الاقتصادي، عن طريق العمل. حيث يميل أطفالها إلى مشاهدة التلفزيون لمدة أقصر من نظرائهم، في الأسر الغنية التي لا تتأثر بهذا الاتجاه. ونجد أطفال الطبقة العامة، يشاهدون التلفزيون أكثر من نظرائهم في الطبقات الأخرى، لكن لكل قاعدة شواذ، لأننا قد نجد في بعض الأحيان  العكس( محمد عبد العزيز الباهلي،1990، ص31).

وقد يكون تأثير التلفزيون سلبيا على أفراد الأسرة، خاصة الأطفال، لأنه قد يعمل من خلال برامجه على تفكيك الأسرة كما يقول احد الباحثين:"لعب التلفزيون دورا مهما في تفكيك الأسرة الأمريكية، من خلال تأثيره في العلاقات الأسرية، وتسهيله انسحاب الأبوين من القيام بدور فعال في التنشئة الاجتماعية لأطفالهم، وفي حلوله محلّ الطقوس الأسرية والمناسبات الخاصة، إلا أن التلفزيون لم يكن طبعا العامل المشترك الوحيد، بل ربما لم يكن أهم العوامل. فهناك عوامل أخري ساهمت في ذلك كالارتفاع المطرد في معدل الطلاق، وزيادة عدد الأمهات العاملات، والضعف التدريجي للأسرة الممتدة ، وتفكك جماعات الجيرة والمجتمعات المحلية"(ماري وين، 1999، ص167).

ويؤكد لنا كلام الباحث تجربة واقعية نلمسها في مجتمعنا الجزائري، حيث أصبح أفراد المجتمع صغارا وكبارا، يقلدون ما يرونه في التلفزيون، حيث أصبح الشباب يحاول التقليد حتى في مراسيم الزواج وعاداته التي أصبح معظمها على النمط الغربي، كما لمسنا تأثير بعض الإشهارات التي تعرضها القناة الوطنية مثل إشهاري(دانون)و(كريم ديسير) الذين يؤثران على الطفل سلبيا، حيث يعلمه الأول آفة السرقة من خلال تسلل الطفل إلى الثلاجة من اجل الوصول إلى ما يريده من وراء والديه، أما الثاني فيعلمهم الاستهتار بشهر رمضان، والإعراض عن الصوم من خلال العبارة التي يقولها مقدم الإشهار وهو يأكل المنتوج (هاهو رمضان نتاعكم) باستهزاء وسخرية لاذعة. وآخر يعلمه عدم احترام الوالدين من خلال ادعاء الوالد انه لم يشرب المشروب من الثلاجة، و رؤيته في الشاشة بعد ذلك يشرب هذا المشروب. وآخر يعلمه الكذب حين يرن الهاتف ويأمر الأب الطفل بالرد أن الأب غير موجود بالرغم من وجوده. ماذا يفكر هذا الطفل؟ كما يؤثر إدمان مشاهدة التلفزيون على التحصيل الدراسي للأطفال بصورة سلبية

الخاتمة

           نختم بحثنا بالنتائج التي توصل إليها البحث، واقتراح بعض الحلول والتوصيات التي نرى أنها قد تساعد الأسرة الجزائرية على الاحتفاظ أو استرجاع مرجعيتها بمنع التلفزيون من الاستيلاء على وظيفتها الأساسية. وأسفرت تلك النتائج على تحقيق الفرضية المطروحة التي تقرّ بعجز الأسرة على القيام ببعض وظائفها، وحلول التلفزيون محلها في القيام بوظيفة التنشئة الاجتماعية. وذلك من خلال النتائج العامة للإجابة على الأسئلة المطروحة، وذلك لارتفاع نسبة الإجابة نعم بالمقارنة إلى نسبة الأصناف الأخرى من الإجابة في الجدول الأوّل. وهذا يعطينا فكرة عن اهتمام التلفزيون الجزائري بالأسرة، وبالتالي نستنتج الارتباط الوثيق بين السؤال الأوّل وبين الفرضية المطروحة. الذي لعب دورا مهما في جعل التلفزيون يكاد يحل محل الأسرة في القيام بوظيفة التنشئة الاجتماعية.

        كما استخلصنا من الاتجاه العام للجدول الثاني ، مدى تأثير التلفزيون في إحداث تغيير في القيم الأسرية المدروسة، وذلك من خلال أصناف الإجابة الخاصة بالتغيير التي فاقت نسبتها مجتمعة نسب الأصناف الأخرى للإجابة. تلك الإجابات التي أبرزت العلاقة بينها وبين الفرضية التي عرفنا من خلالها أن الأسرة في مجتمعنا أصبحت مغلوبة على أمرها، من خلال السرعة الفائقة لتهاطل المعلومات على أفراد المجتمع بما فيها كيان الأسرة الذي أصبح مهددا بالزوال بسبب تدخل مؤسسات أخرى في القيام ببعض وظائفها، خاصة التلفزيون، الذي أصبح يتدخل في تربية الأطفال، والراشدين، ويتحكم في تنشئتهم الاجتماعية، التي تمثل إحدى الوظائف الأساسية للأسرة. وهكذا نستطيع القول أن علاقة هذا السؤال بالفرضية، تكمن في تحقيق جزء منها يتمثل في تأثير التلفزيون في تغيير القيم الأسرية المدروسة سلبيا وايجابيا.

          واستنتجنا من الاتجاه العام للجدول الخاص بالسؤال الثالث، أهمية الأسرة لدى أفراد المجتمع الذين يقدسونها من خلال النسبة العالية65.1% التي أحرز عليها صنف الإجابة، جلسات الأسرة أهم من مشاهدة التلفزيون. وهذا ما جعلنا نتأكد من قيمة الأسرة في المجتمع الجزائري مهما كان نوعها، وان التلفزيون لا يمكنه تعويض الأسرة مهما كان تأثيره قويا. بحيث تبقى الأسرة الدعامة الأساسية والهدف الذي يسارع أفراد المجتمع إلى تحقيقه والمحافظة عليه.

والنتيجة العامة لهذا البحث أن الفرضية المطروحة قد تحققت تماما، من حيث اهتمام التلفزيون بالأسرة والتغيير الذي أحدثه فيها، وذلك تدعيما للأسرة كقيمة في المجتمع الجزائري يهتم بها اهتماما منقطع النظير. لأنه حل محلها في بعض الوظائف خاصة وظيفة التنشئة الاجتماعية، وذلك لتأثير مشاهدة التلفزيون على الكبار والصغار إلى حد الإدمان.

         وتتمثل الاقتراحات أو الحلول التي تمكن الأسرة في اعتقادنا من الانتصار على وسائل الإعلام خاصة التلفزيون، فيما يلي:

1-      أن تضع الدولة استراتيجية لتنمية الأسرة بتوفير الظروف المادية، والمعنوية التي تكمن في سياسة تعليمية وتربوية ملائمة للمبادئ والثوابت الوطنية.

2-      أن ترسم الأسرة خطة تربوية لأبنائها، بداية من تخطيط المشاريع التي تعتزم القيام بها: مثل تنظيم الإنجاب، والتحضير المادي والمعنوي للأفراد، وتربيتهم بطريقة تمكّنهم من التّأقلم مع كلّ الأحوال الإيجابية منها والسيئة، حتّى يستطيعون مقاومة المشاكل والصعوبات التي تعترضهم في الحياة.

3-      التوعية الدائمة للأفراد صغارا وكبارا بدورهم الفعال وأهمّيتهم القصوى في تنمية وتطوير مجتمعنا إلى الأحسن. كذلك توعيتهم بأهميّة عامل الوقت، وتثمين العمل مهما كان نوعه، وعدم احتقار الحرف والمهن الصغيرة. وغرس قيم الوطنية والتديّن لدى الأفراد خاصة الأطفال، لأنّهم بناة المستقبل.

 

 

 

 

 

 

 

 

قائمة الراجع

المراجع العربية:

1-               إحسان محمد الحسن، المدخل إلى علم الاجتماع، دار الطليعة، بيرؤت 1988.

2-               أحمد زايد وآخرون، الأسرة والطفولة، ط1، دار المعرفة الجامعية، مصر(ب ت).

3-               الباشا محمد الكافي، معجم عربي حديث، ط1، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، لبنان 1992.

4-               بن زياني محفوظ، الأسرة والوعي التربوي، تصور وتعامل الأسرة مع المدرسة، رسالة ماجستير، جامعة الجـزائـر 2000-2001.

5-               ثريا التجاني، القصة الشعبية في منطقة وادي سوف، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر 1995.

6-               حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر(بحث استطلاعي اجتماعي)، ط2، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت1985.

7-               دينكين ميتشيل، معجم علم الاجتماع، ترجمة إحسان محمد حسن، ط6، دار الطليعة، بيروت1986.

8-               عبد المعطي وآخرون، في النظرية المعاصرة في علم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية 1986.

9-               ماري وين،الأطفال والإدمان التلفزيوني، ترجمة عبد الفتاح الصبحي،المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،الكويت1999.

10-          محمد عاطف غيث، قاموس علم الاجتماع، الهيئة العامة المصرية للكتاب، مصر 1979.

11-          محمد لبيب النجيمي، الأسس الاجتماعية للتربية، ط4، مكتبة الأنجلو المصرية، مصر1971.

12-          محمد السويدي، مفاهيم علم الاجتماع الثقافي ومصطلحاته، ط1، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر1991.

13-          محمد السويدي، مقدّمة في دراسة المجتمع الجزائري(تحليل سوسيولوجي لأهم مظاهر التغيير في المجتمع الجزائري)، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر1990.

14-          محمد عبد العزيز الباهلي، التلفزيون والمجتمع، ط1، مكتبة المسار، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة 1990.

15-          محمود حسن، الأسرة ومشكلاتها، دار المعارف، مصر1967.

16-          مصطفى الخشاب، دراسات في علم الاجتماع العائلي، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت1985.

17-          منصور عبد المجيد سيد أحمد، دور الأسرة كأداة للضغط الاجتماعي في المجتمع العربي، دار النشر العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض1987.

18-          هبة رؤوف عزة، المرأة والعمل السياسي، ط1، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الولايات المتحدة الأمريكية1995.

Ouvrages:

1- Mustapha Boutefnouchet, la famille algerienne, son évolution et ses caractéristiques, sned, alger, 1982.

2- Zardoumi Nafissa, enfant d'hier, l'éducation de l'enfant en milieu traditionnel algérien, François Maspéro, Paris 1982.  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أرسلها إلى صديق