• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

المقالات

التفاؤل والتشاؤم

التفاؤل والتشاؤم

 عندما تلبي حاجات الفرد يشعر بالتفاؤل ويقبل على الحياة بهمة ومثابرة ويحقق توافقه النفسي، أما إذا فشل يشعر بخيبة الأمل وينعكس سلبا عليه بنظرة تشاؤمية أمام شتى المواقف، ويجب الإشارة إلى أن هناك جدلا بين العلماء فيما يتعلق بمفهومي التفاؤل والتشاؤم وذلك من حيث التعريف، وفيما يلي نذكر بعض التعاريف التي حاولت التمييز بين المفهومين:

1/ تعريف التفاؤل والتشاؤم:

1-1- تعريف التفاؤل:

        تشير منظمة الصحة العالمية (2004): إلى أن التفاؤل هو عملية نفسية إرادية تولد أفكارا ومشاعر للرضا والتحمل والثقة بالنفس، وهو عكس التشاؤم الذي يميز الجوانب السلبية للأحداث فقط مما يستنزف طاقة المرء ويشعره بالضعف والنقص في نشاطه. (يزيد، 2014، ص 143)

ويعرفه قاموس "اكسفورد" للغة الإنجليزية: أنه تلك النزعة التي تنظر إلى الجانب المشوق من الأوضاع وتوقع أفضل النتائج والتفاؤل يشكل دافعية قوية كما يعتبر أحد أحجار زاوية النجاح. (مصطفى حجازي، 2012، ص 114)

        عرفه تايجر Tiger: التفاؤل هو ذلك الدافع البيولوجي الذي يحافظ على بقاء الإنسان وأنه مجموعة من الأفعال أو السلوكيات التي تولد للفرد القدرة للتغلب على المشاكل والصعوبات التي تواجهه. (الأنصاري، 1998،  ص14)

تعريف 1984 Stipek: التفاؤل هو توقعات ذاتية إيجابية لدى الفرد عن مستقبله الشخصي. (Stipek, 1981)

        تعريف Smith 1983: يعتبر التفاؤل عاملا لبقاء الإنسان ومن خلاله يمكن التنبؤ بالمستقبل وبالأفكار الخاصة بالتطور الاجتماعي والاقتصادي، كما يساعد الأفراد على فهم أهدافهم المحددة وطرق التغلب على الصعوبات التي تواجههم. (Smith, 1983)

        تعريف 1981 Seligmane: التفاؤل عبارة عن تركيبة من الموهبة المعقولة مع القدرة على الاستمرار في مواجهة الهزيمة للوصول إلى النجاح.(جولمان دانيال، 2000، ص132)

        تعريف 1989 Scheier et Carver: التفاؤل هو النظرة الإيجابية والإقبال على الحياة والاعتقاد بإمكانية تحقيق الرغبات في المستقبل. (Scheier et Carver, 1989)

        تعريف 1992 Marschal et all: التفاؤل هو استعداد شخصي يتوقع فيه الفرد منحى إيجابي للأحداث. (Marschal et all, 1992)

        وقد عرف الأنصاري بدر محمد 1998: التفاؤل على أنه نظرة استبشار نحو المستقبل تجعل الفرد يتوقع الأفضل وينتظر حدوث الخير ويرنو إلى النجاح ويستبعد ما خلا ذلك. (الأنصاري، 1998، ص 15)

كما عرف إسماعيل أحمد محمد السيد 2001: التفاؤل استعداد انفعالي ومعرفي، ونزعة للاعتقاد أو الاستجابة انفعاليا اتجاه الآخرين وتجاه المواقف وتوقع نتائج مستقبلية جيدة. (إسماعيل أحمد محمد السيد، 2001، ص51)

        أما دمبر وصفه(Dember, 1989): بأنه استعداد شخصي لدى الفرد يجعله يدرك الأشياء من حوله بطريقة إيجابية. (السليم، 2006، ص 29)

        وعرف باندورا (Bandura): كل من التفاؤل والتشاؤم يمكن للفرد أن يكتسبهما من خلال التقليد والمحاكاة لسلوك الآخرين متى توفر الدافع. (السليم، 2006، ص 27)

        أما تايلور (Taylor): فيعرف التفاؤل بأنه نزعة تفاؤلية تشير إلى توقع عام للنتائج على أنها إيجابية أكثر من كونها سلبية على أن تكون سمة ثابتة نسبيا. (أبو الديار، 2010، ص 64)

        كما يعرفه (Snyder): أنه اعتقادك بأنك تملك الإرادة والوسيلة لتحقيق أهدافك مهما كانت المواقف الضاغطة والنكسات. (جولمان، 1996، ص 129)

        التفاؤل هو بناء معرفي يشمل المعتقدات حول تجارب المرء، وهو توقعات إيجابية حول المستقبل. (Margarete etVolbarth, 2006, p31)

        وتعرف الباحثة التفاؤل على أنه: موقف عاقل يتخذه الذهن وتتبناه الإرادة فتعزز النظرة الإيجابية للذات ولفعالية الذات وتحقق توافقه النفسي.

التنبؤ بتوقعات إيجابية في ضوء الأمل يفتح آفاق الرؤى والمساعي الإيجابية ذات طاقة دافعة للعمل وللتدبر في مواجهة الصعاب.

و فيما يلي نستعرض بعض التعاريف التي تناولت مفهوم التشاؤم كالآتي:

1-2- التشاؤم Pissimism:

        تمايزت التعاريف التي تناولت التشاؤم، فقد عرفه كل من بما يلي:

عرفه مارشال وآخرون (Marshall, et al, 1992): بأنه استعداد أو سمة كامنة داخل الفرد تؤدي إلى التوقع السلبي. (نقلا عن: محيسن، 2012، ص 58)

        بدر الأنصاري (1998): بأنه توقع سلبي للأحداث القادمة، يجعل الفرد ينتظر حدوث الأسوأ ويتوقع الشر والفشل وخيبة الأمل، ويستبعد ما عداه. (الأنصاري، 1998، ص 16)

        عرفه (Showers) أنه: حصر الفرد اهتمامه بالاحتمالات السلبية للأحداث المستقبلية مما قد يدفع الأفراد إلى التحرك بهدف منع هذه الأهداف من الوقوع. (اليجوفي، الأنصاري، 2005،ص313)

التشاؤم طبع ذهني يعود على صاحبه بالشقاء، ويضعضع همته ويفتت عزيمته فيعيش ميتا. (حجازي، 2001، ص 44)

 تعرفه مايسة شكري (1999): بأنه توقع سلبي للأحداث يجعل الفرد ينتظر حدوث الأسوأ ويتوقع الشر والفشل ويرتبط هذا بالمتغيرات المرضية غير السوية وغير المرغوب فيها. (مايسة شكري، 1999، ص 388)

وتعرفه الباحثة: على أنه توقعات سلبية تتيح التنبؤ بالفشل في ظل اليأس تعكس نظرة تشاؤمية كنتيجة أمام مختلف المواقف الصعبة.

ويقول زكرومان (Zuekeraman, 1991): إن كل أشكال علم النفس المرضي تتضمن حساسية متأثرة وراثيا، وخبرات حياة ضاغطة التي تكون فعالة في ظهور بعض الاضطرابات تكون أعراضها بارزة. فالتفاؤل والتشاؤم سمتان معرفيتان مهمتان في كثير من الاضطرابات وأن هناك قابلية ذات قيمة للتفاؤل والتشاؤم قد تكون سبب لترابط الخواص المعرفية بخواص الشخصية، كالتفاؤل بالانبساط والتشاؤم بالانطواء، حيث يرى كوليفان (1994): أن التفاؤل والتشاؤم سمات تتيح التنبؤ بالصحة النفسية ومستوى فعالية الذات. (أحمد حمزة، 2012، ص 55)

2/ صفات المتفائلين و المتشائمين:

2-1- صفات المتفائلين:

تشير دراسة (صبحي، 2001) إلى أن الشخصية المتفائلة تتميز بأنها:

1-      تقدر الأمور والظروف تقديرا سليما.

2-      تتعامل مع الآخرين بمودة وثقة.

3-      تقبل على الحياة بأمل وسرور.

4-      تتميز بالاتزان الانفعالي.

5-      تتعلق بالأمل عند تخطيطها للمستقبل.

6-      تواجه المشكلات بمرونة وتعمل على حلها.

7-      تثابر لمواجهة ما يصعب عليها من الأمور والمواقف.

8-      تشارك بفعالية في المجالات التي تخدم المجتمع.

9-      لا تميل إلى استعادة ما يؤلمها من ذكريات سابقة.

2-2- صفات المتشائمين:

أكدت دراسة (صبحي، 2001) على أن الشخصية المتشائمة تتصف بأنها:

1-      عاجزة على الاندماج والتفاعل مع الجماعة.

2-      تميل إلى تضخم الأمور أكثر مما ينبغي.

3-      لا تستطيع مواجهة المشكلات.

4-      تحاول دائما استرجاع ما يؤلمها من ذكريات وأحداث.

5-      لا تحب المرح.

6-      قدرتها على تحمل الإحباط ضعيفة.

7-      لا تثق بالآخرين وتعاملهم بشك وخوف.

8-      المستقبل بالنسبة لها مظلم.

وعلى الرغم من الآثار السلبية التي يتركها التشاؤم على شخصية الفرد، يرى (الأنصاري، 2002) أن التشاؤم يمكن أن يقوم بالوظائف التالية:

1-      يهيئ الفرد أو يعده لمواجهة الأحداث السيئة، وبالتالي يعد التشاؤم إستراتيجية تهدف إلى حماية الذات.

2-      يزيد من جهود الفرد لكي يعزز أداءه الجيد، ويدعمه ويدفعه إلى تجنب الأحداث السيئة الناتجة عن تعرضه لخبرة فاشلة. (سوزان، 2011، ص 77)

3/ المفاهيم المتعلقة بالتفاؤل والتشاؤم:

3-1- المفاهيم المتعلقة بالتفاؤل:

3-1-1- التفاؤل غير الواقعي:

        يعرف واينشتاين (Weinstein, 1980) التفاؤل غير الواقعي بأنه اعتقاد الفرد بأن الأحداث السلبية يقل احتمال حدوثها له، واعتقاده بان الحوادث الإيجابية يزداد اختمال حدوثها له مقارنة بغيره، ولا يتضمن النظرة المملوءة بالأمل فقط وإنما أيضا الوقوع في الخطأ عند إطلاق الأحكام.

        ويفرق الأنصاري (2001) بين التفاؤل والتفاؤل غير الواقعي وذلك في تعريفه للتفاؤل بأنه: نظرة استبشار نحو المستقبل، تجعل الفرد يتوقع الأفضل، وينتظر حدوث الخير، ويرنو إلى النجاح ويستبعد ماخلا ذلك، في حين يكون التفاؤل غير الواقعي اعتقاد الفرد بقدرته على التفاؤل إزاء الأحداث دون مبررات منطقية، حيث يتوقع الفرد غالبا حدوث الأشياء الإيجابية أكثر مما يحدث في الواقع ويتوقع حدوث السلبية أقل مما يحدث في الواقع مما يؤدي إلى نتائج غير متوقعة تعرضه للمخاطر، فعلى سبيل المثال؛ إذا توقع المتشائم الدافعي أن أدائه سيكون ضعيفا في اختبار ما، فإنه سيميل إلى بذل جهد أكبر للاستعداد له، وبالتالي سيحقق النجاح بدلا من الفشل، أما المتفائل غير الواقعي إذا توقع النجاح دون بذل الجهد الكافي فسوف يفشل.

        في حين تؤكد دراسة ياماواكي وفيك وتشانز Yamawaki, Tschanz, & Feick (2004) على أنه وعلى الرغم من أهمية الدور الذي يلعبه التشاؤم الدفاعي للفرد إلا أن الاستخدام طويل المدى لهذه الإستراتيجية قد يؤثر على أداء الفرد، وذلك لان التوجهات السلبية المتكررة تنعكس بالسلب على أداء الفرد وتجعله عرضه للقلق، والاكتئاب، وعدم الرضا عن الحياة.

        3-1-2- التفاؤل الدفاعي:

        يرى سانا (Sanna, 1999) أن التشاؤم الدفاعي يعد إستراتيجية فعالة يستخدمها الفرد بغرض التكيف مع موقف معين؛ وخاصة في المواقف الأكاديمية مثل الاستعداد للامتحان، وأن هذه الإستراتيجية لا يتم استخدامها من قبل المتشائمين فقط، وإنما يستطيع أن يستخدمها أي فرد كوسيلة لحماية الذات عندما يكون النجاح غير مؤكد.

3-1-3- التفاؤل الفعال:

يؤكد مور More على أن التفاؤل يعد جزءا أساسيا في حياة الفرد الانفعالية، و أننا إذا أردنا أن نعيش حياة نشطة فعالة فعلينا أن نبتعد عن التشاؤم وأن نحل مكانه تفاؤلا منطقيا نشطا، ولكي يكون الفرد متفائلا فعالا فإن ذلك يتطلب أكثر من مجرد توقعه لأفضل النتائج؛ إذا عليه أن يتبنى الاتجاهات الإيجابية المتفائلة، وأن يؤمن بقدرتها على التأثير بإيجابية في تفكيره، وسلوكه، و إنجازاته، وفي شعوره بالسعادة. (More, 1992).

ويطلق مور (1992) على هذا الشكل من التفاؤل "التفاؤل الفعال" ويعرفه بأنه: اتجاه بنّاء نشط ذو قوة دافعة تعمل على إيجاد الشروط الملائمة للنجاح من خلال التركيز على الفرص المتوفرة والاحتمالات الممكنة، ويساعد التفاؤل الفعال –وفقا لمور- على تفسير الخبرات تفسيرا إيجابيا، ويؤدي إلى نتائج إيجابية لهذه الخبرات، ويساعد على التغلب على المشكلات والصعوبات التي تواجهه عوضا عن الهروب منها وذلك من خلال استخدام التفكير المنطقي والإيجابي. (سوزان بن عبد العزيز، 2011، ص ص 78-79)

        ويحدد مور (More, 2005) اثنتي عشر سمة يمكن أن تميز المتفائل الفعال، هي:

1-     يركز على ما يريد إنجازه مؤكدا على أوجه الحياة الإيجابية، كما يركز على الأفكار والأحداث والتفسيرات التي تكون سببا في سعادته.

2-     لا يشكو أو يتذمر من التحديات ويعتبرها فرصا لتحقيق إنجازات بناءه.

3-     يستخدم التفكير الإيداعي عند حله للمشكلات التي تواجهه، ونادرا ما يلجأ إلى الحلول التقليدية.

4-     يشعر بقدرته على تحقيق ما يريد، وينظر إلى نجاح الآخرين على أنه يزوده بنماذج إيجابية يمكنه التعلم منها.

5-     يتميز بحس الدعابة، والابتعاد عن الجمود الفكري.

6-     يوظف المنطق لإيجاد الطرق المناسبة لتقييم الأهداف والعمل على تحقيقها، بدلا من أن ينساق للمخاوف والأفكار اللاعقلانية.

7-     يجتهد من أجل تحسين صورته الذاتية أمام نفسه، وذلك من خلال محاولاته الدائمة للتطور والسعي نحو الأفضل.

8-     يميل إلى الخوض في المخاطر محسوبة العواقب بهدف تحقيق ما يصبو إليه.

9-     يثق بذاته وقدرته، فالثقة بالذات تشعر الفرد بالقدرة على المثابرة، وتدفعه للمحاولة المستمرة لمقاومة العقبات.

10-      يشعر بأنه يستحق النجاح والسعادة، وهذا ما يدفعه نحو القيام بمحاولات هادفة لتحسين حياته.

11-      يتحمل المسؤولية، ويدرك أن الأهداف التي يصبو إليها يمكن تحقيقها من خلال بذل الجهد والاعتماد على النفس.

12-      ينجذب إلى الأفراد المتفائلين، وذلك في إطار بحثه عمن يشجعه، ويدعمه، ويبعث في نفسه الثقة. (More, 2005)

3-2 -المفاهيم المتعلقة بالتشاؤم: و منها نذكر:

3-2-1- التشاؤم غي الواقعي:

        قدم هذا المفهوم من طرف كل من "دولينسكي وزويزا"(1987) Dolinski & Zawisza، حيث عرفوه على أنه "اعتقاد الفرد بأن الأحداث السيئة يمكن أن تحدث له بدرجة أكبر من حدوثها للآخرين ويذكرون أن كل فرد يواجه حتما خطرا في أن يصبح ضحية لحادث أو لمرض مستعص غير قابل للشفاء.

3-2-2- التشاؤم الدفاعي:

        استخدم هذا المصطلح في منتصف الثمانينات من قبل "فرون وكنتور" (1986) Voren & Gantor ويعرفه بأنه: "نزعة لدى الأفراد إلى التوقع السيئ للأحداث المستقبلية عليهم"، ورغم أن هؤلاء الأفراد يعترفون بأن أداءهم كان جيدا في مواقف مشابهة في الماضي، كما أن هؤلاء الأفراد يتخذون دائما موقف الشخص المدافع عن التشاؤم، أي أن الفرد الذي يعتنق التشاؤم مذهبا ومنهجا في سلوكه لا يبدو وأنهم يعانون من ضعف قدراتهم أو في مستوى أدائهم نتيجة لاتجاههم السلبي هذا. (بدر محمد الأنصاري، 1998، ص30)

        كما اختلف الباحثون حول كون التشاؤم الدفاعي يقدم وظائف إيجابية للناس الذين يستخدمونها، وهذا الافتراض يناقض الأبحاث التي يرتبط فيها التشاؤم بنتائج سلبية ويختلف التشاؤم الدفاعي عن التفاؤل والتشاؤم ،على الرغم من أن التشاؤم الدفاعي يرتبط بسمة التفاؤل حتى أنه يقاس باختبار التوجه نحو الحياة إلا أن هذه الارتباطات ليست عالية بما يكفي.

        وتشير "تروم وكنتور" Norem & cantor (2001) إلى أن المتشائمين دفاعيا لا يبدو عليهم الضعف في قدراتهم، أو في مستوى أدائهم نتيجة لاتجاههم السلبي هذا، وغالبا ما يكون أدائهم في الواقع على مستوى جيد ولكن من المحتمل أن ينخفض مستوى أدائهم في بعض الأعمال وتزداد حدة ومدة مشاعر القلق نتيجة لنظرتهم المتشائمة إلى الأمور، ومن الناحية النظرية يتحفز التشاؤم الدفاعي بالحاجة إلى إدارة القلق، ومما يؤيد ذلك دراستها التي قامت بها، إذ أظهرت ارتباط التشاؤم الدفاعي سلبيا بعامل الانبساطية والوداعة والانفتاح على الخبرة والتفاؤل، بينما إرتبط بشكل موجب مع عامل العصابية والقلق وإعاقة الذات. (هيلة سليم عبد الله، 2006، ص 56)

        وهذا ما اكدت عليه كذلك دراسة "ياماواكي، فيكند وتشانز" (2004) Yamawaki. Feickand & Tschanz   ،على أنه وعلى الرغم من أهمية الدور الذي يلعبه التشاؤم الدفاعي للفرد، إلا أن الاستخدام طويل المدى لهذه الإستراتيجية قد يؤثر على أداء الفرد وذلك لان التوجهات السلبية المتكررة تنعكس بالسلب على أداء الفرد، وتجعله عرضة للقلق والاكتئاب، وعدم الرضا عن الحياة. (سوزان بن عبد العزيز، 2011، ص 71).

4/ النظريات المفسرة لمفهومي التفاؤل والتشاؤم:

        ينظر علماء نفس الشخصية إلى التفاؤل والتشاؤم بوصفهما خلفية عامة تحيط بالحالة النفسية العامة للفرد، وتؤثر هذه الحالة أيما تأثير على سلوك الفرد وتوقعاته بالنسبة للحاضر والمستقبل فهو أميل إلى التفاؤل أو يغلب عليه التشاؤم مع درجات بينية كثيرة بينهما بطبيعة الحال، وتعتمد وجهة النظر هذه على أن التفاؤل والتشاؤم سمتان ثابتتان ثباتا نسبيا في شخصية الفرد ولهذا المنحى أهمية و وزنه في دراسة التفاؤل والتشاؤم، ولذلك برزت العديد من الآراء النظرية التي سعت إلى تفسير هذا التأثير وهذا الارتباط ومن بينها نذكر:

4-1- نظرية التحليل النفسي:

        يرى Freud أن التفاؤل هو القاعدة العامة للحياة وأن التشاؤم لا يقع في حياة الفرد إلا إذا تكونت لديه عقدة نفسية، ويعتبر الفرد متفائلا إذا لم يقع في حياته حادث يجعل نشوة العقدة النفسية لديه أمرا ممكنا ولو حدث العكس لتحول إلى شخصية متشائمة، ومعنى ذلك أن الفرد قد يكون متفائلا جدا إزاء أحد الموضوعات أو المواقف فتقع حادثة مفاجئة له تجعله متشائما جدا من هذا الموضوع ذاته، ويقصد بذلك الحالات التي تثير التفاؤل والتشاؤم والتي تكون مؤقتة وسريعة الزوال غالبا.

        كما اعتبر Freud أن منشأ التفاؤل والتشاؤم من المرحلة الفمية، وذكر أن هناك سمات وأنماط شخصية فمية مرتبطة بتلك المرحلة ناتجة عن عملية التثبيت عند هذه المرحلة والتي ترجع إلى التدليل أو الإفراط في الإشباع أو إلى الإحباط والحرمان.

        ويتفق Erikson مع Freud في أن المرحلة الفمية الحسية قد تشكل لدى الرضيع الإحساس بالثقة الأساسية أو الإحساس بعدم الثقة والذي بدوره سيظل المصدر الذاتي لكل من الأمل والتفاؤل، أو اليأس والتشاؤم خلال بقية الحياة فعندما تستجيب الأم لجوع الطفل بالتغذية المناسبة والعطف يتعلم بعض الارتباطات بين حاجته والعالم الخارجي وهذا الشعور الأولي بالثقة، أما إذا ما أهملت الأم احتياجات ولديها فإنه يتولد لديه ما اسماه Erikson بالشك، وإذا ما كان المعدل السيكولوجي بين هذين المتغيرين (الثقة وعدم الثقة) كبيرا لصالح الشك فمعنى هذا؛ أن الأنا في خطر، وقد يؤدي بالطفل إلى عدم التكيف فيما بعد والاتصاف بالتشاؤم، بينما يتحقق العكس إذا كانت درجة الثقة أقوى فإن الطفل يتعلم رؤية العالم بتفاؤل وأمل، وتمتع الأنا بهذه الإيجابية وتكيفها يساعد على النمو خلال بقية حياته. (عبد الله، 2008، ص 52)

4-2- النظرية المعرفية:

        شكلت نظرة (Greanwald 1980) للتفاؤل نقطة تحول لدى الباحثين، فقد شبه الطبيعة الإنسانية بنظام كلي يتمثل بالنظر إلى الذات كتنظيم معرفي يتعلق بتاريخ الفرد وهويته.

        أما Snyder فيرى أن التفاؤل يحتوي على عنصر يسمى التخطيط والذي يقوم على حقائق منطقية مجردة والتي تتضمن نوعا من النشاط المعرفي، في حين يرى 2003 Andreu أن المتفائلين يميلون للتركيز على المعلومات ذات العلاقة القوية بالشخصية فيكونون أكثر إقتناعا بالرسائل الإيجابية المتعلقة بالشخصية وأقل إقتناعا بالمعلومات السلبية، ولعل أهم الدراسات التي تؤكد علاقة التفاؤل بالجانب المعرفي دراسة Stang et Multin التي أشار فيها إلى إرتباط اللغة والذاكرة والتفكير بالتفاؤل، إذ يستخدم المتفائلين نسبة أعلى من الكلمات الإيجابية مقارنة بالكلمات السلبية سواء كانت في الكتابة أو في الكلام أو التذكر الحر فهم يتذكرون الأحداث الإيجابية قبل السلبية. (مشاشو قرمية، 2011، ص 48)

        أما لازاروس "Lazarus" تحدث عن التقييم المعرفي ودوره في تشكيل استجابات مستقبلية تجاه مواقف متعددة من الحياة تساعد على ظهور سمات معينة في شخصية الفرد، وتأثير هذه التقيمات على سمات دون أخرى، أي أن يكون الفرد متفائل في مواقع من حياته ومتشائما في مواقع أخرى في جوانب معينة في حياته، وقد تحدث "ماكليود Macleod" من خلال تعرضه لمفهومي التشاؤم والتفاؤل من خلال دراسة العمليات المعرفية في أحكام الاحتمالات الذاتية حول الأحداث الشخصية، ويستخدم الأفراد عملية التحري الموجودة للحكم على الأحداث المستقبلية المتفائلة أو المتشائمة باعتبارها سهلة الحضور كعمليات عقلية لتصبح راسخة في الأذهان. (شويعل، 2015، ص 56)

يشير كارفر (Carver 1985): أن التفاؤل سمة من السمات الشخصية و حالة تتصف بالثبات خلال مواجهة المواقف، ويعد التفاؤل هو المحرك الأساسي للحياة، فالشخص يكون متفائلا إذا لم يتعرص لحادثة ما تجعل نشوء العقد النفسية لديه أمرا ممكنا، ولو حدث العكس لأصبح الشخص متشائما، ومعنى ذلك أنه قد يكون الفرد متفائلا نحو أي موقف فتقع حادثة مفاجئة تجعل منه شخصا متشائما نحو هذا الموقف. (منار ثامر، 2014، ص 434)

وأكدت دراسة شايروكارفر (1987)، وجود ارتباط موجب بين التفاؤل والصحة النفسية والجسمية وارتباط سالب دال بين التفاؤل واليأس. (Sgeier é Carrver, 1987, p210)

حيث ركزت نظرية "كارفر"على التنظيم السلوكي للذات، حيث أن الأفراد الذين يمتلكون توقعات إيجابية تجاه قدرتهم على مواجهة الأحداث الضاغطة بنجاح –المتفائلون- يميلون عادة إلى الاستمرار في بذل الجهد في سبيل تحقيق أهدافهم والتكيف الفعال مع المشكلات التي تواجههم، في حين يميل الأفراد المعتقدين باستحالة تحقيق أهدافهم –المتشائمون- إلى الاستسلام والانسحاب عند مواجهتهم للصعوبات. (سوزان، 2011، ص 75)

4-3- النظرية السلوكية:

        يرى Hall et Fibble أن بناء شخصية الفرد يتكون من التوقعات والأهداف والطموحات وفعالية الذات، حيث تعمل هذه الأبنية بشكل تفاعلي عن طريق التعلم بالملاحظة، والذي يتم على ضوء مفاهيم المنبه والاستجابة والتدعيم ولذلك فإن سلوك الفرد يرتبط بتاريخ التدعيم وذلك لبعض المواقف، وبناءا على ذلك فقد ينجح بعض الأفراد في أداء بعض المهمات في بعض المواقف، وبالتالي تتكون لديهم توقعات إيجابية للنجاح في المستقبل إزاء هذه المواقف، على حين قد يفشل بعض الأفراد في أداء بعض المهمات وبالتالي تتكون لديهم توقعات سلبية تجاه هذه المواقف، وبهذا يختلف الأفراد في توقعاتهم للنجاح أو الفشل إزاء الأحداث المستقبلية، ومن ثم تظهر الرابطة الواضحة بين التوقعات المستقبلية والتفاؤل على أساس نظرية التعلم الاجتماعية. (الأنصاري، 1998، ص 12)

        حيث اهتم "Bandura "بمفهوم الفاعلية الذاتية والذي يعني توقع الفرد بأن لديه القدرة على أداء السلوك الذي يحقق نتائج مرغوب فيها، وميز بين الفاعلية وتوقعات النتيجة، حيث يرى أن توقع نتائج التفاؤل والتشاؤم هو الاعتقاد بأن القيام بسلوك معين سيترتب عليه نتائج مرغوب فيها، فتوقع النتائج يعتبر أحد المحددات المؤثرة في السلوك وذلك من خلال تقويم الفرد لنتائج الأداء الناجح ، واحتمالات الوصول إلى الهدف المنشود. عن طريق هذا السلوك، فإذا لم يقتنع الشخص بأن السلوك سوف يؤدي إلى الهدف فإنه لن يقوم به حتى لو كان يعتقد بأنه يقدر على القيام به، وبالرغم من الاختلاف بين مفهومي التفاؤل والفاعلية الذاتية فإن هناك علاقة موجبة بين الفاعلية الذاتية المرتفعة والتفاؤل المرتفع كما أشارت لذلك دراسة Stanley et al. (عبد الله، 2008، ص 54)

4-4- النموذج التفسيري:

        أشار كل من سليجمان وزملاؤه في نظريتهم إلى أسس أو أساسيات التفاؤل لا تكمن في العبارات الإيجابية أو صور النصر وإنما في الطريقة التي يفكر بها الفرد وينظر بها إلى الأسباب، فكل فرد منا قد اكتسب عادة معينة للتفكير في الأسباب ولكل رؤيته الخاصة المميزة له وهو ما أطلق عليه اسم (الطراز التفسيري) وهذا الطراز ينمو ويتطور في الطفولة ويدوم إن بقي بدون تدخل خارجي، مدى العمر. (سليجمان، 2006، ص 67)

        وأكد سليجمان على أن أسلوب التفسير التشاؤمي يؤدي إلى الوقوع في العجز والاكتئاب عندما يواجه الفرد أحداثا لا يستطيع التحكم فيها فيضخم الحالات النفسية.

        ويشير إلى أن الفرد الأكثر عرضة للاكتئاب يؤمن بأن الأسباب المؤدية إلى الأحداث السيئة التي تقع له تكون مستمرة وأن السبب سوف يبقى للأبد في نظره وهذا يعني أن الأحداث السيئة سوف تتواصل بشكل دائم، وفي المقابل يرى الفرد الذي يجيد التعامل مع الإخفاق والتصدي للاكتئاب أن الأسباب التي تقف وراء الأحداث السيئة هي مجرد سبب وقتي. (شعبان، 2009، ص 288)

        ويسلك كل من المتفائل والمتشائم سلوكا مختلفا تجاه الأحداث التي تمر بهم في الحياة ويتمثل هذا الاختلاف في أمور عدة، ونذكرها من خلال ثلاث أسس يستخدما الفرد دائما يفسر سبب وقوع أي حدث جيد أو سيء وهي:

1- الديمومة (الإستمرارية): وهي إعطاء الحدث أو الموقف طابع الدوام والإستمرار، فالمتفائل ينظر إلى النواحي المضيئة والإيجابية ويعطيها صفة الدوام، كأن يقول: (أنا دائما متفوق في عملي وبشكل ممتاز، الحمد لله أنا راض عن نفسي دائما)، بينما المتشائم يعطي صفة الدوام على كل الأحداث السلبية والسيئة والفاشلة، كأن يقول: (أنا دائما حظي سيء، ولن أستطيع حل مشكلتي أبدا)، فهو بهذا الأسلوب يجعل المشكلة تدوم في عقله وتفكيره، وحياته.

        2- التعميم: هو تعميم الحدث أو الموقف على جوانب الحياة الأخرى؛ فالمتفائل يعمم الأحداث الإيجابية على حياته، فهو يرى أن سبب اختياره لهذا التخصص أو الوظيفة هو نتيجة مجهوده، وقدراته على النجاح في سائل حياته الوظيفية والمجالات الأخرى، فهو يستخدم أسلوب التعميم للمواقف والأحداث السارة والناجحة، أما المتشائم فغنه يعمم المشكلة على جوانب حياته الأخرى، حتى لو ينجح في مجال ما فإنه يعتبره ضربة حظ أو صدفة.

        3- الذاتية (التشخيص): وهو يعود إلى الشخصية وكيفية نظر كل شخص إلى نفسه، فالمتفائل ينظر إلى الأسباب الحقيقة للمشكلة، فليس بالضرورة أن يكون هو سبب المشكلة، كما أنه يعذر نفسه ويسامحها، بينما يرى المتشائم دائما أنه هو سبب المشاكل وأنه يستحق ما حصل له، فهو دائما يلوم نفسه على كل شيء ونراه دائما يقول: (أنا أستحق ما حصل من فشل في العمل أو الدراسة ولن أسامح نفسي على ذلك أبدا).

مناقشة النظريات التي فسرت التفاؤل والتشاؤم:

        من خلال استعراض النظريات التي فسرت (التفاؤل-التشاؤم) تلاحظ الباحثة أن هناك نقاط اختلاف وتشابه بين هذه النظريات. وأن هذه الميزة لا تؤخذ عليها وإنما هي عوامل قوة ساهمت في توضيح معالم هذا المفهوم، فقد ارجع فرويد التفاؤل والتشاؤم إلى المرحلة الفمية واعتبر أن الفرد المشبع إشباعا "زائدا" في تلك المرحلة يكون متفائلا" والعكس بالنسبة للمتشائم.

أما سليجمان وزملاؤه فقد أكدوا على وجود مفهوم مهم، هو الأسلوب التفسيري التشاؤمي، وهو أحد الأساليب المعرفية ويتكون من ثلاثة أسس هي الاستمرارية والانتشار والتشخيص، وأن الشخص الذي لديه هذا الأسلوب التشاؤمي يستخدم هذه الأسس لتفسير الأحداث الغير سارة، وعكسه المتفائل الذي يفسر الأحداث السيئة بطريقة غير مباشرة ،بتقديمه مبررات خارجية وغير ثابتة ونوعية.

5/ العوامل المحددة لدرجات الأفراد في كل من التفاؤل والتشاؤم:

5-1- العوامل البيولوجية: وتتضمن المحددات الوراثية أو الاستعدادات الموروثة وأن هذه المحددات لها دور في التفاؤل والتشاؤم.

5-2- العوامل الاجتماعية: وتتمثل العوامل الاجتماعية في التنشئة الاجتماعية التي يتطبع بها الفرد وتساعده على اكتساب اللغة والعادات والقيم والاتجاهات السائدة في مجتمعه ومن المتوقع أن يكون للعوامل الاجتماعية دور كبير في التفاؤل والتشاؤم.

5-3- المواقف الاجتماعية المفاجئة: إن الشخص الذي يصادف في حياته سلسلة من المواقف العصيبة المحبطة أو المفاجئة يميل في الغالب إلى التشاؤم والعكس صحيح إلى حد بعيد. (الأنصاري، 1998، ص19)

5-4- عامل التدين: إن المتدينين يميلون إلى أن يكونوا أكثر تفاؤلا من غير المتدينين فقد يكون نقص التدين عاملا مسهما في التشاؤم، وقد حاولت بعض الدراسات، أن تتخذ من درجة تدين الفرد متغيرا هاما في الكشف عن التفاؤل والتشاؤم، فقد كشفت نتائج هذه الدراسات عن وجود علاقة دالة إيجابية بين التفاؤل والتدين وسلبية بين التشاؤم والتدين كدراسة "عبد الخالق" (2000)، و "أحمد عبد الخالق وباسل" (2006) Abed el khalak & besler، كذلك أظهرت دراسة "بايلي" Baily (2005) أن غير المتدينين أكثر تشاؤما من المتدينين. (يوسف محيسن عوض، 2012، ص 61)

6/ التفاؤل والتشاؤم وعلاقتهما ببعض المتغيرات:

        وهناك بعض المفاهيم المرتبطة بالتفاؤل مثل الشعور بالسعادة التي هي حالة من المرح والهناء والإشباع تنشأ من إشباع الدوافع لكنها تسموا إلى مستوى الرضا النفسي ويصاحب تحقيق الذات ككل، ومن المفاهيم أيضا الأمل الذي هو مجموعة معرفية موجهة للحصول على هدف ما يتكون من عنصرين متبادلين.

- العنصر الأول: هو الفعالية (الإصرار والعزيمة على تحقيق النجاح لأهدافه سواء في حاضره أو مستقبله.

- العنصر الثاني: هو المسارات (خطط وطرق تحقيق الأهداف).

أما بالنسبة للتشاؤم فمن المفاهيم الأخرى هو اليأس الذي يعتبر حالة وجدانية تبعث على الكآبة وتتسم بتوقعات الفرد السلبية نحو اتجاه المستقبل وخيبة الأمل والتعاسة. (الأنصاري، 2003، ص 151)

6-1- التفاؤل والتشاؤم وعلاقتهما بالفعالية الذاتية:

        إن الاعتقاد بأن أمور الحياة سوف تتطور نحو الأفضل يمكن أن يخفي في طياته حسنات نفسية إلا أنه لا يدفع للتعرف الوقائي إلا إذا كان هذا الاعتقاد يستمد طاقته من الامتلاك الشخصي للموارد الذاتية، تتمثل في توقعات الكفاءة وتوقعات النتيجة.

        وقد أثبتت الدراسات في علم نفس الصحة أن فعالية الذات في التعرف الصحي تأثيرا مركزيا على الدافع الذي يساهم في تحديد أي تصرف يختاره المرء وفي كمية الجهد الموظف، وينبغي الفعالية الذاتية ألا يكون غير واقعي جدا، وإلا فإن لا واقعيته سوف تقوده إلى تصرفات خطيرة، يمكن معها أن يصاب بسهولة بالفشل، ولكن من ناحية أخرى ينبغي للإدراك الذاتي ألا يكون غير واقعي جدا، وإلا فإن لا واقعيته سوف تقوده إلى تصرفات خطيرة، يمكن معها أن يصاب بسهولة بالفشل، ولكن من ناحية أخرى ينبغي للإدراك الذاتي لإمكانية التعرف الخاصة أنه يحتوي على مركب تفاؤلي لأنه بهذا فقط يستطيع المرء أن يندفع إلى مواجهة التحديات الصعبة، ومن هنا فإن التفاؤل مفهوم أساسي لفعالية الذات، وهذا الأخير عنصر فعال في التخلي عن أنماط السلوك الخطر والمحافظة على سلوكات صحية لفترات طويلة. (Dolson Dozois, 2008)

        لكن في دراسة أجراها "فيرنونديز وآخرون" Fezrnandez et al (2005) خلصت نتائجها إلى أن لفعالية الذات والتفاؤل تأثيرات إيجابية مختلفة على إستراتيجيات التوافق انطلاقا من تأثيرهم على الانفعالات، فعند مقارنة تأثير كل من التفاؤل وفعالية الذات على الضغط الناجم عن الامتحانات، توضح أن فعالية الذات ترتبط بمستويات مرتفعة من الانفعال الإيجابي، في حين أن التفاؤل يرتبط بمستويات منخفضة من الانفعالات السلبية، مما يؤكد أن التفاؤل يحول دون الشعور السلبي، وأن الكفاءة الذاتية ترتقي بمستوى ذلك الشعور إلى انفعال إيجابي له تأثيرات مختلفة على نواحي حياة الشخصي. (Castro & Doval, 2009)

6-2- التفاؤل والتشاؤم وعلاقتهما بالصحة:

تطرح علاقة التفاؤل والتشاؤم بالصحة قضية العلاقة بين النفس و الجسم Mindـ body problem التي شغلت الكثير من الفلاسفة و الأطباء و علماء النفس، وأخذت هذه القضية كثيرا من المناقشات الفلسفية والطبية والنفسية، أسفرت في الأخير عن مصطلح مشترك بين الطب وعلم النفس ألا وهي النفسي الجسمي psychosomatic الذي يهتم بفحص العلاقة بين الحالة النفسية والاضطرابات البدنية وتفاعلهما أي العلاقة المتبادلة بين العمليات الفيزيولوجية و الخبرات السيكولوجية.

أما عن أثر التفاؤل و التشاؤم في الصحة، فتشير احدى النظريات على أن التشاؤم يؤدي الى الاكتئاب.كما يشير كارفر جينز ( 1987،carver§guines)الى ارتباط التشاؤم و النظرة السلبية للأحداث بسوء التوافق  والاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب .

ويرى سليجمان كذلك أن التشاؤم ليس مجرد أسلوب سلبي للتفكير، بل يعتبره أحد أكثر التهديدات جسامة لصحتنا ويقول :ً( أنه المرض المؤدي الى الاكتئاب).

وبين العديد من الدراسات، ارتباط التفاؤل و التشاؤم بالصحة النفسية والجسمية للفرد،والأداء الوظيفي ، والتوافق ،وضبط النفس.(معمرية،2015،ص ص143ـ144).

6-3- التفاؤل والتشاؤم وعلاقتهما بتقدير الذات:

        أكدت دراسة "فلاشر وليتنبرغ" Flasher & Leitenberg (1986) عن حالة الترابط الإيجابية بين التفاؤل وتقدير الذات والارتباط السلبي بين التشاؤم وتقدير الذات.

ويعتبر تقدير الذات من العوامل المهمة والأساسية في بناء الشخصية، والأكثر تأثيرا في السلوك الإنساني. وله دور فعال في تفاعل الفرد مع المجتمع واستجاباته التي قد تواجهه وكذلك في تحقيق الصحة النفسية له، وقد بين "مالهي" Malhi (2006) أن نسبة %66 من البشر لديهم مستوى متدني من تقدير الذات، وهي نسبة عالية فالشخص الذي يتميز بتقدير إيجابي لذاته يكون أكثر تفاؤلا في الحياة ،وأسعد حالا من الذين يكون تقدير ذاتهم متدنيا، فلتقدير الذات القدرة على تعديل وتغيير السلوك الإنساني نحو الأفضل.

6-4- التفاؤل والتشاؤم وعلاقتهما بالقلق:

        تتوافر الأدلة أن الحالة المزاجية يمكن أن يكون لها تأثيرا كبيرا على أحكامنا، فقد طلب من المفحوصين في إحدى الدراسات أن يقرؤا أخبارا أو تقارير في صحيفة يومية تصف سلسلة من الحوادث التي أدت إلى موت غير متوقع، بعد ذلك طلب منهم أن يقدروا خطر احتمال الموت نتيجة مختلف الأسباب (كالنار أو اللوكيميا... وغيرهما)، فقام هؤلاء الأشخاص بتقدير معدل مرتفع للأخطار بالمقارنة إلى أفراد آخرين لم يقرؤا أخبار الصحيفة اليومية تلك، واستنتج من ذلك أن قراءة هذه التقارير قد أنتجت عاطفة سلبية Negative Affect، بحيث أدت هذه الحالة المزاجية إلى أحكام متشائمة بالنسبة لتقدير خطر الموت أو احتماله، وقد افترض أن العاطفة السلبية يصاحبها جملة من المشاعر المختلفة بما في ذلك التوتر والإحساس بالذنب والقلق، ومن ثم افترض أن القلق يرتبط بالتشاؤم وسلبا بالتفاؤل، وهذا ما أشارت إليه دراسات عديدة من بينها دراسة مايرز Mayers (1999) أن منخفضي القلق أكثر تفاؤلا. (شويعل، 2013، ص48)

6-5- التفاؤل والتشاؤم وعلاقتهما بالاكتئاب:

        تندرج علاقة التفاؤل والتشاؤم حسب "سليكمان" Seligman (1991) في الأسلوب التفسيري ،حيث يرتبط أسلوب التفسير التشاؤمي للأحداث بأعراض الاكتئاب فالغزو السلبي للأحداث يقوم إلى انزلاق الفرد في حلقة مفرغة من توقع الأحداث السلبية ، والتشاؤم قد يسهل حدوث اليأس فالاكتئاب. (Dobson and dozois, 2008)

        كما أجرى "أبرامسون وآخرون" Abramson et al (2000) دراسته، وتبين أن %17 من طلبة التعليم الأساسي الذين يستخدمون أسلوب تفسير تشاؤمي طوروا اكتئابا أساسيا في مدة سنتين ونصف من فترة الدراسة وأن %1 فقط من الذين كانوا يستخدمون أسلوب تفسير تفاؤلي تعرض مثلهم للإصابة بالاكتئاب في حين أنهم لم يتعرضوا فيما بعد لنكسة الإصابة مرة ثانية كغيرهم من ذوي التفسير التشاؤمي، وبهذا توصلت هذه الدراسة إلى أن التفاؤل يحمي الأفراد من تطوير الاكتئاب. (Voblarth, 2006)

6-6- التفاؤل والتشاؤم وعلاقتهما بالمزاج:

التفاؤل و التشاؤم يلعبان دورا مهما في العديد من الاضطرابات النفسية، وخصوصا الاضطرابات المزاجية،كما تلعب الجينات الوراثية دورا لا يقل أهمية و إن كانت محدودة في تغلب سمة التفاؤل و التشاؤم في الفرد، ذلك لأنهما مرتبطان بالشخصية اكثر من كونهما مرتبطين بالجينات و العوامل الوراثية للفرد، و إن كانت الجينات تلعب دورا في تكوين السمات النفسية للفرد ،فهي تؤثر على الجزء الجيني للفرد من حيث ميله إلى التفاؤل أو التشاؤم.

والتفاؤل والتشاؤم ليسا مجرد اتجاه للفرد نحو نزعة ما تغلب عليها أو تحكم سلوكه،وتبدو في مظاهره،لكن يمتد تأثيرهما على حياة الفرد بشكل عام عضويا و نفسيا.

فالتشاؤم يؤثر على الصحة النفسية للفرد فهو مرتبط بالقلق و اليأس أو العجز.

وعندما تزداد درجة التشاؤم لدى الفرد، فإن ذلك يعرضه للإصابة بأزمات نفسية ، وعضوية بنسبة 40%مقارنة بالمتفائلين .

أما التفاؤل ففوائده عديدة لكنها ترجع – جزئيا- إلى الطريقة التي يواجه بها الشخص المتفائل مشاكله،فهو-أي التفاؤل- يساعد على الرفاهية النفسية والصحة البدنية ويهم بالإرتقاء بحياة الإنسان.كما أن الاستعداد للتفاؤل يمنع المرض ويعزز من فرص الشفاء ويساعد على التوافق النفسي و التكيف الإجتماعي(السيد فهمي،2009،ص ص 76ـ77).

        هناك أحداث ربما تكون صغيرة وبسيطة لتحدث حالة من التغير في مزاج الشخص سلبا أو إيجابا حسب طبيعة ذلك الحدث، فالإيجابي منها يؤدي إلى الشعور بالتفاؤل وتعديل في المزاج العام للشخص، مما يجعله يشعر بأن هذا اليوم هو يوم تفاؤل ومسرة وسعد ويكون تصرفه طول هذا اليوم هو الآخر يتجه نحو التفاؤل، وقد تتحقق كثير من الأشياء الإيجابية له، وفي نفس الوقت يعرف هذا الشخص بقرار نفسه إن هذا الحدث البسيط الذي مر به لم يكن له ارتباط بأي شكل من الأشكال بمزاجه وتفاؤله ، بل هناك اقتران قد حدث بين الحدث البسيط والمزاج، إن المزاج يتأثر ويتغير سريعا بفعل هذا الحدث سلبا أم إيجابا ولو كانت أشياء بسيطة. (إبراهيم عبد الستار، 1998)

        وترى الباحثة مما سبق أنه يوجد تداخل بين عدة مفاهيم ذات صلة بمفهومي التشاؤم والتفاؤل، كفعالية الذات وتقدير الذات من شأنها يصبح الفرد متسما بالتفاؤل، أما القلق والاكتئاب يؤثر سلبا على تفاؤل الفرد ويجعله متسما بالتشاؤم وبالتالي تعتبر كعوامل من شأنها أن تؤثر إيجابا أو سلبا في درجة التشاؤم والتفاؤل.

7/ النموذج الإسلامي في التفاؤل والتشاؤم:

        لقد ركز الدين الإسلامي على التفاؤل والتشاؤم ،واعتبرهما من المشاعر البشرية الثابتة داخل الوجدان. فلا يمكن للشخص أن يمنعهما ولكن يمكن الحد من تأثيرهما عليه بالابتعاد عن حالة جعلهما عادة تسيطر على ردود أفعاله واستجاباته للمنبهات أو الأحداث، التي تمر عليه كل يوم ومقارنتها بأحداث مرت عليه سابقا وكان تأثيرها إيجابيا أو سلبيا. ومن الأمثلة على ذلك كثيرة جدا فمنا من يتشاءم من صوت حيوان معين أو رؤية شخص، أو فعل معين يقوم به هو أو غيره، وعندما نسأله عن سبب هذا التشاؤم أو التفاؤل تكون الإجابة، إن هذه الرؤية أو هذا الفعل قد اقترن سابقا بحدث سيء أو حسن قد مر بهذا الشخص صدفة، وهذه الاعتقادات مختلفة من مجتمع لآخر ومن شخص لآخر، فقد تكون هنا غير محببة بينما تراها في مجتمع آخر محببة، لذلك فالتفاؤل والتشاؤم يعتمد على ثقافة تلك المجاميع البشرية وموروثاتها من المعتقدات، فقد حث الإسلام على التفاؤل واجتناب التشاؤم في مواقع متعددة من القرآن الكريم كقوله تعالى:)فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً([سورة الشرح أية 5-6] وكذلك قوله تعالى )يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ( [سورة البقرة، أية 185]. فيجب الابتعاد عن المعتقدات والخرافات التي ليس لها أي أساس من الصحة من الناحية العلمية، فمن هذا نرى أن أنماط التفاؤل والتشاؤم تختلف من شخص لآخر ومن حضارة لأخرى. (الأمامي، 2010، ص 14-15)

 ولأهمية الئفاؤل في بناء الشخصية الإنسانية الفاعلة، فقد دعا الإسلام إليه، وحذر من أثر التشاؤم على بنية الذات فعن انس قال: قال رسول الله لا عدى ولا طيرة ويعني الفأل، قالوا : وما الفال قال: الكلمة الطيبة أحسبها الفال والطيرة هي التشاؤم من شيء (ما) رواه مسلم والبخاري، إن التفاؤل هو حسن الظن بالله والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى (على كل حال)، وقد ورد ذكر الطيرة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ) فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ( (الأعراف: 131)، وقوله تعالى: ) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ( (يس:19)، وقوله تعالى: ) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ( (النمل : 47).

وقد أكد القرآن الكريم في أكثر من آية على التفاؤل وعدم التشاؤم فمن تلك الآيات القرآنية قوله ) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ( (يس: 18) ) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ( (النمل:47)، وهي تستعمل للخير والشر، والقرآن الكريم يهدي الإنسان إلى التوافق، وينعم عليه بالأمن الداخلي ويصلح قلبه فيمسح عنه القلق والتشاؤم، لأنه يحدد له الهدف من الحياة، فلا يشعر بالفراغ النفسي الناتج من انقطاع الطموحات ، و الاعتدال عند التعامل مع كل الأمور، في العمل والعلاقات فيحصل على التوافق النفسي. (إيمان عبد الكريم، 2012، ص 468)

 

أرسلها إلى صديق