• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

المقالات

الخـــلفية النـــــــظرية لبــــــيداغوجيا الكفـــــــــــايات المدرسة الجزائرية أي نموذج؟

عنوان المقال/  الخـــلفية النـــــــظرية لبــــــيداغوجيا الكفـــــــــــايات

                                      المدرسة الجزائرية أي نموذج؟  

 

 

مدخل: تعتبر علوم التربية من العلوم الإنسانية التي تتعرض أكثر من غيرها إلي تدخل المؤسسات والهياكل الدولية (  البنك الدولي،   صندوق النقد الدولي،  اليونسكو،  اليونيسيف،.........) فقد جاء في الفصل الثامن تحت عنوان:دور السياسات في الاختيارات والتوجهات التربوية؛ من التقرير الحادي و العشرين ل اليونسكو حول التربية والتعليم مايلي "   يجب علي الأنظمة التعليمية ان تستجيب لحاجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والثقافية،كما يجب عليها رفع التحدي التكنولوجي كخطوة ضرورية نحو القرن الحادي والعشرين" (jacques Delors ,1996 ,p185) ، والأكثر من هذا يؤكد التقرير علي ان الخيارات التربوية ،خيارات مجتمعية نظرا لتزايد الطلب علي المدرسة ،ويحدد التقرير خطوات إجرائية  لإصلاح التعليم على الدول إتباعها مبنية علي مايلي:

-         النقاش والحوار من اجل الإصلاح وقد ألحت اللجنة المعدة للتقرير على إشراك مختلف الجهات الفاعلة في وضع البرامج والمناهج التعليمية

-         اللامركزية

-         استثمار التكنولوجيا الحديثة

-         الإحصاء الشامل والدقيق لإمكانيات الدولة وحاجياتها.

   لذا يعتبر استيعاب  الأسس النظرية لما تنتجه هذه العلوم من مقاربات،يشكل آلية من آليات التعامل الوظيفي مع هذه المقاربات(مصطفي إدملود ،جريدة الصباح،عدد1137 ،ص9) ،التي انبثقت عن ما يعرف بمصطلح"العولمة" ،الذي فرض نفسه كواقع منذ أن أعتبر الرأسمال الأوروبي أن من حقه الاستثمار في الموارد الأولية خارج القارة الاروبية ،ولو عن طريق الغزو العسكري ،وإذا كان هناك من جديد قد حمله انهيار المعسكر الاشتراكي؛ هو إصرار الولايات المتحدة الأمريكية  علي قيادة المر حلة الثانية ،في هيمنة النمط الصناعي الرأسمالي علي مختلف بقاع العالم،بما يقتضيه هذا الإصرار من إدماج "الإرادات السياسية"القابلة للاندماج عن طريق آليات اقتصادية لا تراعي الحد الادني من شروط تكافؤ الفرص ،وفي ظل الاستمرارية ،تطرح مسألة الامتدادات الثقافية لما ينتجه"المركز الصناعي"من بضائع وتقنيات ،وأنماط عيش وتفكير ،وبدل الوقوف عند ثنائية الرفض والقبول لما ينتجه هذا المركز (*) عرف العالم الثالث مشاريع فكرية سعت إلي تنسيب التقنيات الحديثة ،بما فيها تقنيات العلوم الإنسانية دون المساهمة في إعادة صياغتها بشكل يلاءم الخصوصيات المحلية،وتعتبر المدرسة من بين المؤسسات المهمة لما لها من دور بنائي ووظيفي   ؛التي تشهد تحولات جذرية تندرج ضمن سياق استقطاب مقاربات من بيئات مختلفة وتثبيتها علي شكل واقع؛ يعرف بالإصلاحات التربوية ،واهم واحدث ما يطرح حاليا من هذه الإصلاحات هو بيداغوجيا الكفايات؛فبأتساع وتزايد عدد المهن التي ظهرت خلال 10 سنوات الأخيرة     ،وعدد المهن المجهولة التي ستظهر خلال السنوات القادمة،أدي ذلك إلي فك الارتباط بين مفهوم الإنتاجية ومقياس إتقان المهنة،كما أدي إلي ربط مفهوم المر دودية بمقياس القابلية للتكيف السريع مع المهام الطارئة والمتجددة،فبسبب الشرخ الذي حدث بين المدرسة التي تقدم معارف مجزأة بل وأكثرها نظرية وبين الوضعيات المهنية التي يجد فيها المتخرجون أنفسهم أمام واقع لايطابق بالضرورة  الوضعيات التعليمية،أدي بالمؤسسات الإنتاجية الي لعب دور كبير من خلال الضغط علي المدرسة لتوجيه برامجها نحو تنمية الكفايات ،وهذا يدل علي ان الحقل الذي يغذي مفهوم "الكفاية"  كمفهوم مؤسس للمقاربة البيداغوجية الجديدة،هو حقل العلاقة بين مكتسبات التكوين والوضعيات المهنية ،بمعني آخر السؤال حول العلاقة بين المكتسبات المعرفية والأنشطة السوسيو مهنية  ،أو كيفية التحكم في السبل التي بمقدورها تحقيق جودة التعليم والرفع من مردود يته وفائدته الاجتماعية والتنموية ومساهمته في الازدهار الاقتصادي والرخاء البشري وكل ذلك في إطار مشروع تربوي وتنموي محدد وواضح من حيث معالم إخضاع التربية والتعليم إلى  اقتصاد العولمة وقيم الفعالية والمر دودية،فدول الاتحاد الأوروبي مثلا انكبت منذ عقد من الزمن تقريبا علي تدقيق ما سمي بالكفايات المفاتيح(باللغة الفرنسية compétences clés وبالانجليزيةKey skills)،فقد تم إعادة النظر في بريطانيا في المناهج التعليمية خاصة المتعلقة بالتعليم الإجباري منذ منتصف التسعينيات ويرجع ذلك إلي عدم رضا المشتغلين ؛منذ الثمانينيات بمستوي الكفايات التي يتوفر عليها الوافدون الجدد علي عالم الشغل من التلاميذ اللذين ينهون تعليمهم الإجباري ويلتحقون بعالم الشغل ولذا حددت كفايات  تتجاوز القراءة والكتابة والحساب الي القدرة علي استخدام كفايات داخل سياقات جد متنوعة، وتم التركيز منذ إصلاح المناهج التعليمية سنة 1995 علي ثلاث كفايات هي المتعلقة ؛بالتواصل ؛وباستعمال الحساب وبتكنولوجيا المعلومات،كما أعيد في سنة 2000 ترسيخ وتدقيق المقاربة المبنية علي الكفايات المفاتيح أو الكفايات الأساس التي صارت كالتالي :

التواصل،استخدام الأعداد،تكنولوجيا المعلومات ،تحسين التعلم والانجاز الشخصي،وأخيرا حل المشكلات   (Eurydice,2002,p157)  ،أما في فرنسا حددت الكفايات المفاتيح بشكل واضح ودقيق بالنسبة للتعليم الإجباري في ،القراءة والحساب والكتابة؛مميزة بين كفايات عامة وآخري خاصة أو نوعية ،وهذه الكفايات محددة انطلاقا من  كفاية أساسية هي التحكم في اللغة الفرنسية  ،إذن فالملاحظ أن مفهوم الكفاية ظهر وتبلور منذ البداية في مجال البحوث المرتبط  بعلم الشغل l’ergonomie كما انه ليس من الغريب أن   تطبيقاتها الناجحة برزت بالخصوص في مراكز التكوين المهني والتكنولوجي وتدبير المقاولات ،خاصة بعدما أصبح مطلوبا من التعليم و التكوين أن يؤهل الأشخاص لاستثمار المعرفة في حياتهم المهنية  لان الرأسمال اللامادي(المعرفي) يعتبر مكونا أساسيا من مكونات العملية الإنتاجية،والأكثر من هذا فإن عوائد الاستثمار في التربية والتعليم تتجاوز  بكثير العائد الاقتصادي للاستثمار في رأس المال المادي  فقد أوضح شولتز schultz إن معدل العائد الاقتصادي من الاستثمار في التربية اعلي من معدل العائد الاقتصادي للاستثمار في رأس المال المادي بنسبة لاتقل عن 25% (راتب السعود،1999 ،ص617).

    لكن لا ينبغي أن نفهم مما سبق أن المقاربات البيداغوجية (الكفايات بالخصوص)؛تصنع في مختبر المقاولات الصناعية  ،فللمدرسة إرغاماتها الخاصة كما أن لها تاريخها الخاص،مهما اختلفت الأنظمة التعليمية اليوم ،فإن أمامها تحديات كبري مشتركة،أهمها ؛تراكم وتدفق المعلومات ،الفاعلية الداخلية والمصداقية الخارجية؛وضرورة الجواب عن سؤال المعني الخاص بماهيتها ووجودها.؟ !

إن مفهوم المدرسة بالتحديد قد ظهر اثر الانتقال الذي عرفه الفعل التربوي من مهمة تتكفل بها الأسرة إلي مهمة عمومية(الميثاق الوطني للتربية والتكوين،2003، ص06)،التي يعهد إليها دور التنشئة الاجتماعية للأفراد وفق مناهج وبرنا مج  يحددها المجتمع حسب فلسفته ،وتخضع لضوابط محددة تهدف من خلالها إلي تنظيم فاعلية العنصر البشري،بحيث تنتج وتفعل وفق إطار منظم يضبط مهام كل فئة،فهي السبيل الوحيد الذي يلج إليه الأطفال منذ صغرهم بعد الأسرة التي تمثل المدرسة الأولي ،إلي أن يلتحقوا بسوق الشغل،وبالتالي فهي بمثابة معمل لتكوين الموارد البشرية،وهي كذلك فضاء يلتقي فيه الأطفال والراشدون،حيث توفر لهم فرص التفاعل فيما بينهم،كما تعكس مختلف التيارات الاجتماعية بكيفية شعورية او لا شعورية ،ولكنها تعمد الي التربية والتكوين وفق الثقافة التي تمليها كمؤسسة مدرسية،انها تبعا لهذا تشكل عامل توحيد ،عامل لمّ وجمع مختلف الطبقات الاجتماعية وصهر أفكارها وبلورتها بقدر الإمكان عبر خطابها التربوي.

فهي كمؤسسة اجتماعية أنشاها المجتمع لتقابل حاجة من حاجاته الأساسية(محمد لبيب النجيحي،1971 ،ص70)،لها عدة ادوار لها وزنها التاريخي ،وتتميز بوظائفها عن باقي المؤسسات الاخري لأنها تلامس مختلف جوانب الإنسان وذلك لانسنته وجعله ذلك الكائن الذي يعرف ذاته أولا ثم يكتشف الآخر ثانيا،وإذا ما نضرنا إلي هذه الوظائف نجدها متعددة  ومتشعبة نظرا لتعدد إغراض وأهداف الكائن البشري ،فمنها ماهو تربوي وتعليمي ،اجتماعي وأمني ،تكويني وإيديولوجي،إرشادي وتوجيهي ،تواصلي واقتصادي(أمحمد عليوش،2008 ،ص1).

والمدرسة من حيث هي كذلك تنصُّب وظيفتها الرئيسية علي سلوك الناشئة ويقاس مدي تحقيقها لوظيفتها بمد ي التغيير الذي تنجح في تحقيقه في سلوك أبنائها ومن ثمة كان ضروريا أن ينظر  إليها نظرة شمولية كنظرتنا نحو المجتمع برمته وان تكون في مقدمة كل سياسة إصلاحية للمجتمع ،وكمرجعية لكل تغيير أو تغير قد تعرفه باقي القطاعات والجوانب الاخري لحياة الفرد،ومن هنا يمكن الإشارة إلي ابرز وظائف المدرسة علي الشكل التالي:

1- الوظيفة التعليمية التكوينية:في اطارهذه الوظيفة تقوم المدرسة بتعليم الأطفال القراءة والكتابة والحساب مع إكسابهم وتلقينهم المعارف الدينية والتاريخية والأدبية واللغوية والعلمية ،عبر مقررات وبرامج محددة حسب مختلف المواد المخصصة لكل مستوي وبشكل تدريجي ابتدءا من التعليم الأولي(الأساسي) الي التعليم العالي،كما أن للمدرسة خلال كل مرحلة تعليمية تسعي إلي إكساب التلاميذ كفايات تواصلية ،منهجية ،تكنولوجية وثقافية،وقيم ترابط بالعقيدة وبالهوية الحضارية وبثقافة حقوق الإنسان والمبادئ الكونية،وتهدف المدرسة بشكل عام خلال هذه الوظيفة الي إحداث تغيير إرادي في السلوك من خلال فعل التعلم المنظم للمعرفة (عبد الطيف الفارابي وآخرون،1994 ،ص149 )    بشكل يجعل  الفرد مندمجا في الحياة العامة ومتفتحا علي الأخر.

2- الوظيفة التربوية:بجانب الوظيفة التعليمية والتكوينية فان للمدرسة وظيفة أساسية وشاملة استمدتها من الآسرة تتجلي في تربية الأطفال تربية تجعلهم يحترمون مجتمعاتهم ويندمجون مع مختلف المؤسسات الاجتماعية الاخري وبفضلها يكتسبون قيم إنسانية وهوياتهم تتأقلم مع متطلبات المجتمع ،وبفضل الفلسفة التربوية التي تتهجها المدرسة  كمؤسسة عمومية يمكن للمجتمع التطور والسير نحو ماهو أفضل او العكس ،فصلاح المجتمع ينطلق من صلاح المدرسة .

3- الوظيفة الاديولوجية: إن للمدرسة مكانة اعتبارية  متقدمة ،فقد أمست محط  رهانات وصراعات سياسية وفكرية واقتصادية متداخلة ومتعددة،فهي ليست مجرد فضاء للتعليم والتلقين ،بل هي أداة منظمة ،موجهة وهادفة ،ومندرجة ضمن سياسة معقلنة لتوزيع المعارف ،وأنماط التكوين والتخصصات والمؤهلات ،والقيم ونماذج السلوك،التي تنسجم مع  شروط ومقومات المشروع المجتمعي القائم،أي أنها" جهاز ايدولوجيا للدولة"،تعتمد عليه بشكل كبير في نقل المعرفة ؛حسب تعبير( L.ALTHUSSER) وستغدو حسب تعبير "لويس ألتو سير" مشرعنة  لنظام ثقافي واجتماعي واقتصادي  محدد ومعين.

فمن خلال الفلسفة التربوية التي تتبعها كل دولة اتجاه مدارسها،تصبح للمدرسة وظيفة أخري تكتسي طابعا ايدولوجيا لأنها تعتبر أداة للإدماج،فهي كما قال" بيار بورديو" في كتابه"إعادة الإنتاج La reproduction" المدرسة أداة لإعادة إنتاج الثقافة والنظام السائد،والأكثر من هذا هي جهاز اديولوجي مهمته نقل وترسيخ أفكار الهيمنة وذلك لإعادة إنتاج تقسيمات المجتمع  الرأسمالي وجعل النخبوية عملا مشروعا،وبالتالي إعادة إنتاج اللاتكافؤات الاجتماعية  للقيم والعلاقات السائدة(JEAN-louis derouet                  (2001 ,p26وهكذا فالوظيفة الإيديولوجية للمدرسة تتجلي في كونها مؤسسة للترويض الاجتماعي وإعادة إنتاج نفس أنماط الفكر والسلوك المرغوب فيه من طرف المجتمع.

4- الوظيفة الاجتماعية:      "إن التربية قادرة على حفظ التلاحم الاجتماعي إذا هي احترمت حق الاختلاف والتنوع............كما يمكن للتربية أن تساهم في الدينامية الاجتماعية باسترجاع المطرودين والمنقطعين عن الدراسة"(jaques Delors ,1996 ,p58)  والمدرسة  باعتبارها مؤسسة اجتماعية تشكل منظومة متكاملة من العناصر،أي الفاعلين الاجتماعيين الذين تربطهم علاقات  محددة وأهداف مشتركة،ومعايير متعارف عليها في مجال السلوك والفعل وتقويم الانجاز، هي من يجب أن تحقق هذه الأهداف، وإذا أردنا أن ندرس المدرسة كوحدة اجتماعية علينا أن نميز بين المدرسة وبين ماهو خارج المدرسة،فالمدرسة تتميز بوضوح عن الوسط الاجتماعي الذي تعيش فيه ويمكن أن نميز فيها مايلي:

-         المدرسة تضم أفراد معينين هم المدرسون والتلاميذ

-          المدرسة تمثل مركز للعلاقات الاجتماعية

-         يسودها الشعور ب"نحن"

-         لها  تكوينها السياسي الواضح وثقافتها الخاصة بها(محمد لبيب النجحي،1971,ص79)

 إن للمدرسة عدة وظائف رئيسية  يرتبط بعضها ببعض خاصة في عصرنا الحاضر الذي يمتاز بالتغيرات الاجتماعية السريعة  والتقدم المطرد في ميدان  العلم والاختراع ،إلا أن المدرسة  الوطنية التي تضع مهمة التربية والتعليم في مقدمة أولوياتها ، يجب أن توفق  بين مختلف الوظائف  دون أن تطغي وظيفة علي أخري وان تضع مستقبل المجتمع برمته كغاية كبري،ولهذا نجد من ابرز الأدوار التي يجب علي المدرسة أن تقوم بها سعيا لتحقيق أهدافها كمؤسسة تربوية اجتماعية نجد(مجلة فضاءات تربوية ،1998 ،ص103):

1-    نقل التراث الثقافي :ان تحليل معني المجتمع والثقافة وعلاقة الشخصية بهما يبرز لنا اهمية العملية الاجتماعية التي تنتقل  آداب السلوك العامة والقيم والمعاني والأنماط الثقافية من جيل الي جيل والمدرسة من بين اهم المؤسسات الاجتماعية التي تعمل علي ذلك"هناك خمس مؤسسات رئيسية تتولي امر الحضارة،محتفظة بماضيها وصائنة حاضرها ومؤمنة مستقبلها التقدمي،وهذه المؤسسات هي البيت والمدرسة والدولة ومؤسسة العمل ومؤسسة الدين...........والفكرة الرئيسة التي تقوم عليها المدرسة هي تنشئة الجسم والعقل معا،وعلي هذا تكون المدرسة قد أسدت الي الولد ما أسدته الدهور إلي الجنس البشري بأسره"(عبد الله الراشدان،1999 ،124)،ان طبعة الحياة الاجتماعية  للأفراد من حيث الاختلاف  في الأعمار واختفاء بعضهم وظهور البعض الآخر يجعل عملية النقل عملية اجتماعية ضرورية لاستمرار النضج الاجتماعي،فالحاجة الي التعليم أمر بديهي في المجتمعات لاستمرار وجودها وتطورها.

2-    التبسيط:لما كانت المدينة الحديثة(الحضارة) تمتاز بالتعقيد فان من العسير إن تنتقل عناصرها إلي الصغار الناشئين لهذا فعلي المدرسة تقسيمها إلي أقسام وتصنيفها وتبسيطها،وهذا ما يتسق مع وظيفة المدرسة التربوية التي توفر بيئة مبسطة تناسب أعمار التلاميذ واستعداداتهم .

3-الانتقاء والاختيار: ان كل مجتمع يتضمن الكثير من العناصر المختلفة والأفكار المتنوعة والقيم المتعارضة لهذ فان المدرسة هي أداة المجتمع في تنمية اتجاهات وقيم مرغوب فيها في ضوء أهداف معينة والتمييز بين المرغوب فيه وغير المرغوب .

4-الابتكار والخلق :  وهي من اعلي وظائف التربية المدرسية خاصة في المجتمعات التي تعيش تغيرات سريعة تحتاج من الأفراد خلقا وإبداعا وابتكارا وتجديدا في أساليب الحياة.

ا ن هذه الأدوار المكملة لوظائف المدرسة  تجعل منها مؤسسة علي درجة عالية من الأهمية لهذا فجل التغييرات المراد إحداثها علي جميع الأصعدة في المجتمع، تجعل من المدرسة المستهدفة الدائمة بعمليات الإصلاح التي تمس المناهج والبرامج و لأدل علي ذلك ماتشهده المدرسة الجزائرية وفي كل المستويات من إصلاحات تعتمد أساسا علي التدريس بالمقاربة بالكفايات.

     لكن السؤال الذي يطرح بإلحاحية في الإصلاحات التربوية في الجزائر- ولعل الإجابة عنه سوف تنيط الغموض الكبير الذي يبديه كل من المعلمين والتلاميذ وحتى المشرفين التربويين( المفتشين) حول الكفايات-  هو/

 

-         ماهية الخلفية النظرية أو النموذج المتبع  الذي استندت عليه بيداغوجيا الكفايات في الجزائر؟

 

      إن الكفايات كمفهوم يصعب إعطاء تعريف موحد ودقيق لها(philppe rajon ,2002,p1)لأنها توجد علي المفترق  الطرق للمعرفة carrefour de savoir   ؛ المهارات أو مايجب علي المتعلم أن يطبقه le savoir faire ، والمعارف أو فنيات السلوك بمعني المكتسبات le savoir être وحدود ومستويات المعرفة أو  niveau des savoirs   les علي حسب تعبير" فليب راجون" ،إضافة إلي الغموض في تبني المرجعيات، في الكتابات المعتمدة من طرف الباحثين ، وفي أحيان أخري غموض المشروع في حد ذاته نتيجة التسرع في تطبيقه وتعميمه دون دراسات تقويمية عميقة، حيث جرت العادة  علي تخيل التغيير حاصلا؛ بمجرد تغيير المصطلح ،حتى كأن للغة قدرة سحرية خارقة لتجاوز المسافات الشاسعة بين القول والفعل (meirieu ,1996) ومن الأمثلة التي لا يمكن ان نتجاهلها،التعليم بواسطة الأهداف التي وجد المدرسون أنفسهم ملزمين باعتماده باعتباره العملية البيداغوجية الرسمية الوحيدة دون أن يعرفوا ؛في بداية الأمر ماهو بالضبط ؛إلا أن هذا لا يعني الانتقاص من الطريقة البيداغوجية المعتمدة علي الأهداف  فهي قد ساهمت وبشكل كبير في تحقيق عدة مكتسبات نذكر منها:

-         وعي الأساتذة بضرورة تحديد هدف كل نشاط تعليمي تعلمي بشكل دقيق.

-         ترجمة محتويات التدريس إلي أهداف ووضع خطط دقيقة لتحقيقها.

-         تصنيف الأهداف إلي معارف ومهارات ومواقف.

-         ضبط عملية التقويم سواء تعلق الأمر بالتقويم التكويني اوالاجمالي

-         استثمار أدوات ووسائل جديدة للتقويم

-  طرح إشكالية الجودة والفعالية والمر دودية من منظور جديد

 

 

  ورغم هذه الايجابيات لبيداغوجيا الأهداف فإن تواتر الدراسات حول نجاعة هذه المقاربة التعليمية وخاصة العمل المتميز الذي قام به مركز الدراسات البيداغوجية للتجريب والإرشاد في فرنسا(centre d’études pédagogiques pour l’expérimentation et le conseil ;CEPEC) سنة 1977(السعيد صنبير؛2008ً،ص1)  الذي ابرز بعض نقائص التيار السلوكي وسلبيات تجزئي السلوك إلي  أهداف إجرائية  في النقاط التالية:

-         تجزيء وحدات التعلم إلي مكونات متعددة تتمثل فيما يسمي بالأهداف الإجرائية مما أدي إلي تفتيت البنية العقلية للتلميذ.

-         بروز علاقة ميكانيكية بين المثير واستجابة التلميذ في  إطار البحث الحثيث عن سلوكيات قابلة للملاحظة.

-         الممارسة السلوكية تبالغ في إعطاء أهمية للجوانب المعرفية علي حساب الجوانب السوسيو وجدانية المركبة.

-         انعدام التلاؤم بين المكتسبات المدرسية وما يتطلبه حل المشكلات التي تصادف التلميذ في حياته العملية، مما يحول دون استثمار هذه المكتسبات في سياقات مختلفة.

    ونفس الأمر حاصل الآن مع التعليم بالكفايات  ؛ فتتبع تطور مصطلح  الكفاية من خلال الأدبيات البيداغوجية والديداكتيكية المعاصرة يوحي بان"مفهوم الكفاية متعدد المعاني أو مصطلحا مترحلا ومجنحا"(فليب جونايير،ترجمة عبد الكريم غريب وعز الدين الخطابي،2005 ،ص51 )  بمعني غير محدد المعالم ؛إضافة الي  تعدد الخلفيات التصورية التي تأطره كمفهوم فما بين التيار الانجلوسكسوني الذي  يقترح نظرية اختزالية علي اعتبار ان الكفايات ليست سوى جيل ثالث من بيداغوجيا الأهداف، وبين التيار الفرنكوفوني الذي  ارتبط بشكل كبير بالمنظورات اللسانية والسيكولوجية المعرفية وعلوم الشغل  في تبني وصياغة الكفايات كمشروع؛ والذي انفصل عنها فيما بعد  "مقترحين اليوم مقاربات محددة بشكل كبير داخل علوم التربية" (فليب جونايير،ترجمة عبد الكريم غريب وعز الدين الخطابي،2005 ،ص55  )، وأصبحت وجهات نظرهم مستقلة مقارنة بالمجالات التي ذكرناها.

  الخلفية النظرية لبيداغوجيا  الكفايات

يري "فليب جونايير" أن تصورات علوم التربية للكفاية تتوزع إلي تيارين احدهما انجلوسكسوني والأخر فرنكوفوني ،إلا أن واقع  المقاربة بالكفايات بشكلها النسقي الحالي قد ظهرت أولا في الدول الانجلوسكسونية وانتشرت بعد ذلك في الدول الفرانكفونية (لحسن بوتكلاتي ،2003 ،ص79).

 

 1 - التيار الانجلوسكسوني : وهو تيار قد سبق وطور نظريته الخاصة منذ أمد طويل حول مفهوم الكفاية ، فلقد لاحظ "هاملتون Hamilton"(1973)  بان إدخال مفهوم الكفاية في البرامج الدراسية في الولايات المتحدة الامريكية  يعود الي سنوات الستينيات من القرن العشرين ، وفي هذه الفترة فان التدريس وتكوين المدرسين علي الخصوص ،كانا متعرضين لنقد لاذع ،حيث كان مطلوبا  ان تصاغ البرامج الدراسية  بطريقة تكون فيها الكفايات دقيقة وواضحة في سلوكيات وأفعال actes  محددة ،ففي بداية الأمر كان التركيز منصبا حول السلوكيات بكل أبعادها(المعرفية والوجدانية والحس حركية)  ،لكن "هيلبر" اعتبر هذه الكفايات عبارة عن "سلوكات روتينية" بسبب  تضخم الأهداف -الكفايات ، التي بلغت في بعض الأحيان؛ ألف كفاية علي التلميذ أن يتحكم فيها، كما أن برنامج تكوين المدرسين والمدرسات بالنسبة للعديد من المؤسسات  تتحدد في شكل كفايات متوقعة  والتي بدورها عبارة عن سلوكات ملاحظة(شفهية،كتابية ،غير لفظية) وهذه السلوكيات تتطابق مع مانتوقعه من المدرس الذي يقوم فعليا بشكل تام داخل وضعيات كلاسيكية للفصل الدراسي، ولقد كانت ترافق لوائح هذه الكفايات المتعددة مجموعة من معايير تهدف  للتحكم المعياري؛ بمعني تجاوز مقارنة أداء التلميذ بغيره من إفراد مجموعته المرجعية؛ إلى مايجب أن يرتقي إليه ويتحكم فيه كل التلاميذ( عبد الطيف الفارابي وآخرون،1994 ،ص234)،ذلك أن هذه اللوائح المعيارية للكفايات تتسم بطابع معياري مهم ،يساهم في تحديد الاشتغال الجيد للعديد من التكوينات ،حيث تكون برامج تدريب التلاميذ المسجلين في هذه التكوينات قادرة علي إظهار السلوكات المطابقة مع معايير التحكم في الأهداف –الكفايات ،وفي هذه الحالة أصبحت الكفاية دقيقة وواضحة  واختزلت ضمن سلوكيات يمكن ملاحظتها مثل الأهداف،حيث أصبح التداخل واضحا بين "الهدف " و" الكفاية" واعتبرت "الكفايات ليست سوى أهداف إجرائية"(jonnaert Philippe,2002,p66) ولقد ساد هذا الاتجاه طويلا بسبب هيمنة المقاربة السلوكية في الولايات المتحدة الأمريكية ،كما لا يمكن  في هذا الصدد تجاهل الحديث عن التقابل ضمن هذا المستوي بين التصور السائد عن للكفاية وبين المنظور التايلوري  للعمل الذي قام في بداية الامر بتقسيم مسبق للوائح الكفايات التي يجب علي العامل أن يحققها وفق مبدأ ؛تقسيم العمل وتحديده كميا إن أمكن ،وهذا التحديد يكون بتوزيع عمل ما علي عدد من العمال لتحقيق أعلى مستوي في تبسيط العمل ومن اجل  فاعلية أكثر في الأداء ،ويتم هذا عن طريق تدريب العمال وفق ما تتطلبه خطط تحليل العمل  بحيث لاينبغي صرف أي نشاط (طاقة) خارج الإطار المحدد لهم(مصطفي عشوي،1992،ص74 ) ، وبالنسبة لبعض الكتاب ( Anderson   1986) فإن هناك مقاربات معرفية اتبعت المنظور الأول للكفايات  بالولايات المتحدة  ؛فأن يكون الفرد كفءا فهو بالأساس تشغيل لمجموعة من المهارات والمعارف والقدرات والتي سيكون لها أثرا علي المهمة المنجزة ومع مرور الوقت فان السلوكات الروتينية أصبحت تعوض بمفاهيم معرفية( مهاراتhabilité ،معارفconnaissance ، المعارف او القدرات التصريحية savoir déclaratifs ، تمثلات représentation...........)  (فليب جونايير،ترجمة عبد الكريم غريب وعز الدين الخطابي،2005،ص53 )  وبالتدريج أصبحت هذه المقاربة المعرفية مؤطرة ضمن سياق داخل وضعيات  منشودة،أي كل مايعبر  عنه بصيغة غايات ومرامي وأهداف  او المراد تحقيقه عند نهاية الفعل  التربوي ،سواءا كان بعيد المدى (سنة ،سلك) او قريب المدى (درس ،مجموعة دروس)( عبد الطيف الفارابي وآخرون،1994 ،ص298)  ،إضافة إلي ذلك يوجد تياران  آخران  يمكن الحديث عنهما ضمن المقاربة  الانجلوسكسونية للكفايات الأول  يعتمد بدوره علي كفايات  ليست بالضرورة معرفية(Houston et howsan1972) حيث ان هؤلاء الباحثين قد عملوا علي تصنيف للكفايات وفق خمس مقولات ؛ المعرفية،الوجدانية،التحفيزية،التطبيقية والاستكشافية ،" فهوستون" يعرف  الكفاية بانها" مجموعة من المعارف والمعلومات والاتجاهات التي تشتق من مهتم الفرد المتعددة في عمله "  (عمر سيد خليل ،1990 ،ص  51)  وما يلاحظ علي هذه الكفايات أنها وصفية معيارية ،  عند مقارنتها بالمقاربة السلوكية ،وبالتالي فان هذه الكفايات ولوائحها الطويلة خارجة عن السياق ومحددة دائما بشكل مسبق ،والثاني يطرح سؤالا حول  تحديد الكفايات الملائمة أو التي يجب علي التلميذ أن يكتسبها ضمن تكوين سليم ،إذ كيف يمكن التأكد من أن كفاية ما ،تعد مهمة ويجب أن توجد داخل الوضعيات التي ينبغي علي التلميذ  تعلمها،بالإضافة إلي هذا  ليس فقط من الأولويات دراسة الوضعيات ،بل أيضا الخبراء أو المدرسون اللذين يعالجون بنجاح هذه الوضعيات التعليمية المنشودة ،حيث ظهرت استراتيجية "تكوين المدرسين المبني علي الكفاية"(*)  في الجامعات الأمريكية ،ثم انتشرت بعد ذلك لتعم مؤسسات تكوين المدرسين في الكثير من أقطار المعمورة  وقد جاءت هذه الطريقة كرد فعل علي أساليب التكوين التقليدية التي ترتكز علي تزويد المدرسين بمعلومات ومعارف نظرية في مواد التخصص وعلوم التربية دون كبير اهتمام بالجانب العملي التطبيقي(محمد مومن ،2003 ،ص87 ) ،وقد ساهم في بروز وتطور هذه الإستراتيجية الاهتمام المتزايد للمجتمع الأمريكي خاصة، والمجتمعات الغربية المعاصر عامة ،بتطبيق مبدأ المسؤولية في الميدان التربوي ،وينص هذا المبدأ علي أن المصير الدراسي للتلاميذ من النجاح أو الفشل  يرجع إلي النظام التعليمي وان المدرسين يتحملون المسؤولية الكاملة عن نتائج تعليمهم أمام التلاميذ وأولياء أمورهم وأمام المجتمع بشكل عام ،ومن هنا يحق لهذه الأطراف محاسبتهم عن هذه النتا ئج ،ومساءلتهم عن كفاءتهم المهنية وفعالية اساليبهم التعليمية ومطالبتهم بالرفع من مرودية أدائهم وتجويد نتائج عملهم(يوسف جعفر سعاده،1985،ص104 )

 

II- التيار الفرنكوفوني: ان  مفهوم الكفاية في علوم التربية  حسب هذا التيار الذي  إ ستقل بذاته وأبتعد عن مرجعية  الآراء النظرية لتيارات الولايات المتحدة الامريكية نتيجة مقاربات العديد من الباحثين (d’Hainaut 1988,meirieu 1991,gillet1991,perrenoud 1997  Raynal et  rieunier1997 ,pallascio,  bosman et grard 2000 ) يميز بوضوح بين مصطلحي الكفاية والانجاز ؛ متأثرا في ذلك بالتمييز الحاصل بين ؛مايجب ان نكتسبه أو المعارف(كفاية)  وما يجب ان نفعله او التطبيقات(انجاز) ،ورغم تفرده في استعمال مفاهيم مغايرة تماما لمفهوم الكفاية الا انه وقبل التطرق إلي أهم المحاور الأساسية للتيار الفرنكفوني لا بد من الإشارة إلى أن هناك العديد من العلاقات والتأثيرات المختلفة للمقاربات اللسانية والسيكولوجية المعرفية  التي طبعت هذا المفهوم وكان لها دور كبير في تبني وصياغة  الكفايات وحصرها في علوم التربية فقط .

1- الدلالة اللسانية للكفاية  منذ بداية القرن العشرين ،حدد اللسانيون مفهوم الكفاية وميزوه بشكل واضح عن مفهوم الانجاز الذي يشكل مفهوما محوريا للتعرف علي الكفايات في الحقل التربوي ،بحيث نستطيع ان نستشف بوادر هذا التحديد من الأبحاث الأولي التي قام بها "فرديناند دوسوسير" وخصوصا ما تعلق منها بثنائية ،لغة /كلام ،فاللغة وفق هذا المنظور نظام من العلامات signes  تتقاسمها مجموعة لغوية معينة ،اما الكلام فهو زمرة من الملفوظات غير المحدودة سواء كانت شفوية أم مكتوبة ،لذا انطلق النحو التوليدي التحويلي من هذه الثنائية (لغة /كلام) ليضع تفرقة بين الكفاية والانجاز، فحسب "لوني" فان الكفاية تشكل مجموعة الدرايات اللسانية للمتكلم بمعني مجموعة من المعارف اللغوية التي يتوفر عليها متكلم سامع مثالي معين والتي تعينه علي فهم وإنتاج عدد لانهائي من الجمل(لحسن توبي ،2006 ،ص40)   أو النطق  بعدد لامحدود من الجمل وفهمها من دون الاسترفاد من قائمة جاهزة  وحسب  "تشومسكي " هي إمكانية غير نهائية une potentialité illimité  بحيث إن اللسانين  وفي خضم نحت معالم واضحة للكفايات  اللسانية  يعارضون  او يقابلون  بين مفهوم الكفاية مع مفهوم الانجاز ، فإذا تم تحديد مصدر هذين المفهومين سيتحدد بالتالي مجال كل منهما

فالكفاية اللسانية، هي دراية ضمنية تتكون من مجموعة من القواعد التي توفر للفرد إمكانية توليد عدد غير محدود من المنتوجات اللغوية  كما تعبر عن قدرة الفرد في إقامة ترابط بين الأصوات والمعاني حسب ما تمليه قواعد لغة معينة، والنحو أحسن مثال دال علي الكفاية بما انه يقيم علاقة بين التمثلات الصوتية والدلالية ،فالأمر يتعلق بإمكانية potentiel   فردية تتميز بنوع من الفطرية(فليب جونايير،ترجمة عبد الكريم غريب وعز الدين الخطابي،2005،ص30 )

أما الانجاز،ضمن الإطار اللساني  فانه يدل علي الاستعمال الفعلي للغة داخل وضعيات ملموسة  بمعني الأداء اللغوي الذي يتحقق بشكل فعلي، ولا يمكن فهمه في مناي عن الكفاية اللسانية  وحسب تعبير "فليب جونايير" فالانجاز هو بمثابة تحيين للكفاية ،ان هذه الثنائية (كفاية   / انجاز ) من أهم الأدوات المفاهيمية التي يتوسل بها اللساني لوصف اللغة والتقعيد لها .

إذن فالسياق اللساني يحرص علي وضع حدود واضحة بين مفهمي الكفاية (إمكانيات الشخص) اومايجب  أن يكون فيه  الانجاز( تحقيقات الكفاية)أو البعد الفعلي والاجتماعي الذي يقترن بوضعيات تواصلية ،ورغم أهمية الدلالة اللسانية في وضع تصور واضح المعالم للكفاية إلا أن      perrenoud" بيرنو"   (1997) يدعو الي الابتعاد عن المعني اللساني المعطي لمفهوم الكفاية  من اجل تعبئتها في السياق المدرسي(لحسن توبي ،2006 ،ص45) لان الكفاية في ظل هذا المنظور قد تغدوا لدي البعض طابعا مميزا للإنسان وقدرة فطرية ،ولتفادي هذا التأويل يؤكد ان قدرات الفرد لاتتحول إلي كفايات فعلية إلا بفضل أنشطة تعلم لايتم بشكل تلقائي بل بالمران والتدريب حتى يبلغ حضه من الكمال،لهذا فان استراتيجية اكتساب  وبناء الكفايات لابد أن تنطلق من المدرسة واستنادا الي ما يمكن ان يقدمه علم النفس المعرفي ،كما ان الكثير من الأعمال في مجال علوم التربية وخاصة (allal   linda  1999 )  يستدل علي صعوبة الفصل بين المفهومين (كفاية/انجاز) علي اعتبار ان الحديث عن ورود كفاية محددة بشكل قبلي من دون ربطها بوضعية أو بفعل ،فمهما جزمنا بحصول كفاية لدي شخص فقد توجد حالات لايمكن معها إثبات كفايته .

2-علم النفس المعرفي ؛يري كل  من " موريو وتارديف meirieu et tardif " أن "التعليم ينطلق  من استراتيجيات تتعلق نسبيا بمعارف خاصة في أفق الوقوف علي تعميمها لاحقا"(j,tardif .ph ,meirieu,1996,p7 ) ،وبما ان بؤرة الاهتمام في علم النفس أصبحت تنصرف إلي المعرفة  أو المعلومة بدل المثير  ،فان "بياجي paiget "يقر بان معرفة الإنسان تنجم عن تفاعل الذات مع محيطها ،أي البيئة الاجتماعية والمادية، بمعني التركيز علي العلاقة التفاعلية بين الذات العارفة وموضوع المعرفة  ،فالطفل يفعل في محيطه وينفعل وهو أمر يضمن صيرورة تطوره  بحيث تساعد الممارسة  la participation    علي البناء المعرفي ويدعم "بياجيه" ذلك بقوله" خمسون عاما من الخبرة علمتنا انه لا وجود لمعرفة تنبثق من ملاحظات بسيطة بدون بناء يرتكز علي نشاط الفرد............ ولا يمكن للبنيات المعرفية أن تتشكل إلا من خلال تنظيم أنشطة علي الأشياء"(j ,paiget ,1979  ) .

وبذلك يكون دور المدرسة التعليم علي حل المشكلات التي تواجه الفرد بطريقة إبداعية غير نمطية بمعني أخر إثارة  التساؤل حول العلاقة بين الكفاية /الانجاز ،لان السيكولوجيون  يقبلون التمييز الوظيفي القائم بين هذين المفهومين ،علي أساس أن الكفاية القائمة ،وانجاز شخص ما, في وضعية حل المسائل تعتمد بالأساس علي الاستراتيجيات المعرفية المتبعة تجاه هذه الوضعيات، وكمثال علي ذلك فان "نجوين –اقزان وريتشاردnguayn –xan et richad " لاحظوا الاستراتيجيات المستعملة من طرف 96 طفلا تراوحت أعمارهم مابين 4و7 سنوات في حل مسائل التصنيف حيث انهم قد نمذجوا،في البداية مختلف أنظمة المعالجة ،ليستعملوا بعد ذلك هذه النماذج داخل  بروتوكولاتهم الخاصة بالملاحظة ، ولقد سمحت إليهم هذه النمذجة بوصف مسبق  لمنهجيتهم في مواجهتها مع مسائل التصنيف ،الأمر الذي جعلهم يطرحون بالتالي ،الفرضية التي تفيد بان النمذجة هي دائما ضمنية في حين أن الانجاز الملاحظ فهو فعلي ومرتبط بالاستراتيجيات المستعملة في الوضعية  من طرف طفل ما.(فليب جونايير ،2005 ،ص 32)

إذن إن هذا التفاوت الملاحظ بين الكفاية والانجاز عند فرد ما في وضعية معينة أصبح بالنسبة  للسيكولوجيين  كقاعدة للنمو والاشتغال المعرفي  حسب تعبير "هودي houdé ".

وفي هذا الصدد يذهب  "فليب فيرنو" إلي القول بأنه : " يجب ان نكون حذرين إزاء الإحداث غير المتوقعة ،التي تشهد علي صعوبة السيرورة التي لم نقم بصفة عامة بصياغة فرضية حولها ،او التي تظهر اقل قطعية ،في حين أنها تظهر علي مستوي الملاحظة أساسية  ،لان أهمية التجريب داخل الفصول الدراسية تفيد في إبراز مثل هذه المظاهر ولان قيمة الإشكالية تقاس أساس من خلال القدرة علي استخراج ظواهر جديدة ومهمة تكون كفيلة بالتنبؤ بما سيحدث فيما بعد"

بمعني ماينبغي الإشارة إليه حسب علم النفس المعرفي هو ان الوضعية الدراسية هي الكاشف revelateu  لهذه التفاوتات بين الكفاية وتحيينها من خلال الانجاز  أي تكشف عن التفاوت القائم بين ماهو محدد مسبقا من خلال الكفاية وبين ماهو ملاحظ بالفعل من خلال الانجاز  ،فالوضعية الدراسية هي المعيار إذن في التميز بين الكفاية والانجاز.

   من خلال ماتم عرضه يتبن لنا أن الدراسات التقويمية الحقيقية للمناهج الدراسية التي تحدد بدقة مكامن الضعف والقوة والطموحات التي ترتجي من  الإصلاحات التربوية  لايمكن أن تكون ذات فائدة وقيمة إلا إذا تم تبني مرجعية واضحة المعالم  تنطلق أساسا من أرضية صلبة هي  معطيات الواقع وليس اكراهات العولمة ،وان كان هناك مبرر لذلك لابد للمقاربات المنهجية المعتمدة في بناء المناهج الدراسية أن تكون واضحة .                                                                                 

 وعليه هل يمكن أن نفسر الغموض المعبر عنه من طرف التربويين في الجزائر إلي الصورة الباهتة التي قدمت بها بداغوجيا الكفايات ؟ . 

 

 قائمة المراجع

بالعربية

 

1 - أمحمد عليوش  :كيف تساهم كل من المدرسة والأسرة في تنشئة الإفراد وتنمية المجتمع ، كتاب انفاس،2008(www .ANFAS .net/2008)

      2-  الميثاق الوطني للتربية والتكوين،منشورات المركز المغربي للإعلام،دجنبر،2003

3-  السعيد صنبير:بناء الكفايات؛محاضرة مقدمة للمركز التربوي الجهوي بطنجة،2008 ،المغرب.

4  -  راتب السعود:دراسة تحليلية في نظرية رأس المال البشري؛مقال منشور في كتاب المؤتمر العلمي السنوي السابع لجامعة حلوان بعنوان،تطوير نظم إعداد المعلم العربي وتدريبه مع مطلع الألفية الثالثة،المجلد الثالث ،1999 ،مصر

5-    لحسن بوتكلاتي:مفهوم الكفايات وبناؤها عند فليب بيرنو،مجلة علوم التربية،دورية مغربية نصف سنوية،المجلد الثالث العدد25 ،اكتوبر2003 ،المغرب.

6-  لحسن توبي :بيداغوجيا الكفايات والأهداف الاندماجية رها علي جودة التعليم والتكوين،سلسلة المكتبة التربوية ،مكتبة المدارس الدار البيضاء ، الطبعة الأولي ،2006  ،المغرب.

7- محمد لبيب النجحي:الأسس الاجتماعية للتربية،المكتبة الانجلومصرية،طبعة رابعة،1971،مصر.

8-  مصطفي عشوى :اسس علم النفس الصناعي التنظيمي،المؤسسة الوطنية للكتاب،1992 ،الجزائر.

9 - مصطفي ادملود:الأسس النظرية والرهانات الاجتماعية والثقافية للمستجدات التربوية،جريدة الصباح،عدد1137 ،الخميس،4 دجنبر،2003، المغرب.

10- عبد اللطيف الفارابي ،وآخرون:معجم علوم التربية ،مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك،سلسلة علوم التربية 9-10 ،دار الخطابي للطباعة والنشر،الطبعة الاولي 1994 ،المغرب.

11 - عمر سيد خليل :استخدام التعليم المصغر في تنمية بعض الكفاءات التدريسية العامة لدي الطلبة المعلمين،مجلة كلية التربية،اسيوط العدد 6،المجلد  الاول ،1990 ،مصر.

12 -  يوسف جعفر سعادة :الاتجاهات العالمية في إعداد معلم المواد الاجتماعية،مؤسسة الخليج العربي ،1985 .

1-EURYDICE .2002.

2-Jacques Delors : l’éducation un trésor est cache dedans,le vingt et unième rapport à L UNESCO de la  commission internationale sur l’éducation pour  siècle .1996.

3-Philippe rajon : approches et notions de le pédagogie des compétences, document élaboré par le service de l’observatoire des

     Ressources multimédias en éducation, université d’été  d’ Oujda ,2002

 4- Jean-louis derouet : science humaines,n 121 ,novembre,2001 .

5- Jonnaert Philippe : compétences et socioconstructivisme, une cadre théorique  ed,de  bœck université ,Bruxelles,2002

 6- J, tardif  ph, Meirieu : la stratégie pour favoriser le transfert des connaissances, in vie  pédagogique, mars/avril ,1996.

 7- Meirieu,pH :la pédagogie différenciée ,ed ,Nathan,1996 ,paris.

8- Piaget jean : la psychogenèse des connaissances et signification épistémologique ; puf, paris1979,

 

 



 (*)نستخدم كلمة المركزle centre للدلالة علي الغرب؛ولتحديد طبيعة العلاقة القائمة على ثنائية المركز والمحيط le centre et le périphérie فالمركز بحكم هيمنته الإستراتيجية والتكوينية يمارس هيمنة وطغيانا كبيرين؛ولا يسمح للثقافات الاخري بالانطلاق والتطور؛انظر مقال :واسيني الأعرج؛التأسيس الروائي ألمغاربي سلطان المركز وطموحات الأطراف،كتاب العربي 65 ،الجزء الأول،ص186.

 

(*)  تسمي هذه الإستراتيجية في  الأدبيات التربوية الانجلوسكسونيةب "تربية المدرسين المبنية علي الكفاية competency besed teacher éducation " ويرمز لها اختصارا ب "c .b.t.e" ويدل استعمال مفهوم تربية المدرسين عوض مفهوم تكوين المدرسين المتداول في الأدبيات الفرنكوفونية علي شمولية هذه العملية وتغطيتها لكافة أبعاد شخصية المدرس المعرفية والمهارية والسوسيووجدانية عوض حصرها في الجانب المهني التقنوي بالمعني الضيق للكلمة كما يفهم من مصطلح "التكوين"

أرسلها إلى صديق