• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

المقالات

سيكولوجية المرأة والأمومة

سيكولوجية المرأة والأمومة

لا يمكن الحديث عن المرأة في صحتها ومرضها دون الحديث عن الأمومة ، فهي من أقوى خصائصها ووظائفها منحها الله إياها لتعمر بها الحياة ، ولذلك ارتبطت فكرة الأمومة في المجتمعات القديمة بالألوهية وذلك حين كان هناك اعتقاد بأن المرأة هي التي تنجب بذاتها أي أنها مصدر الخلق ، ومن هنا انتشرت الآلهة الأنثى بمسميات مختلفة . ثم حين اكتشف الرجل أن وجوده ضروري لأن تنجب المرأة ظهرت الآلهة الذكورية جنباً إلى جنب مع الآلهة الأنثوية ، ثم حين اكتشف الرجل خلال الحروب والمنازعات أنه جسمانياً من المرأة أقوى وأنه مسئول عن حمايتها حاول الانفراد بفكرة الألوهية ، وحين تجاوزت الإنسانية هذه المراحل واستنارت بصيرتها بنور الوحى الإلهي وعرف الإنسان التوحيد وتواترت الديانات إلى أن وصلت إلى الدين الخاتم الذى أعلى من مقام الامومة والأبوة حتى جعله تاليا لمقام الربوبية في قوله تعالى :

" وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً . إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما إفٍ ولا تنهمرهما وقل لهما قولاً كريماً * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيراً " (الإسراء 23 – 24)

التعريف اللغوى

الأم : هى أصل الشىء ، وهى الوالدة ، وهى الشىء يتبعه فروع له .

والأمومة هى نظام تعلو فيه مكانة الأم على مكانة الأب ويضيف الدكتور يوسف القرضاوى (فتاوى معاصرة – 1989)

" ولا شك أن خير وصف يعبر عن الأم وعن حقيقة صلتها بطفلها فى لغة العرب هو " الوالدة " وسمى الأب " الوالد " مشاكلة للأم الحقيقية ، أما الأب فهو فى الحقيقة لم يلد ، إنما ولدت امرأته . فالولادة إذن أمر مهم ، شعر بأهميته واضعوا اللغة ، وجعلوه محور التعبير عن الأمومة والأبوة والبنوة … وفى القرآن الكريم تأكيد لذلك المعنى فى قوله تعالى : " ما هن أمهاتهم ، إن أمهاتهم إلا اللائى ولدنهم فلا أم فى حكم القرآن إلا التى ولدت "

التعريف الاصطلاحى :

الأمومة هى علاقة بيولوجية ونفسية بين امرأة ومن تنجبهم وترعاهم من الأبناء والبنات .

وهذا هو التعريف للأمومة الكاملة التى تحمل وتلد وترضع (علاقة بيولوجية) وتحب وتتعلق وترعى (علاقة نفسية) . وهذا لا ينفى أنواعاً أخرى من الأمومة الأقل اكتمالاً كأن تلد المرأة طفلاً ولا تربيه فتصبح فى هذه الحالة أمومة بيولوجية فقط ، أو تربى المرأة طفلاً لم تلده فتصبح أمومة نفسية فقط .

أنواع الأمومة :

مما سبق يتضح أننا أمام أنواع ثلاثة من الأمومة :

  1. الأمومة الكاملة (بيولوجية ونفسية) : وهى الأم التى حملت وولدت وأرضعت ورعت الطفل حتى كبر ، وهى أقوى أنواع الأمومة فهى كما يصفها الدكتور يوسف القرضاوى (فتاوى معاصرة 1989): " المعاناة والمعايشة للحمل أو الجنين تسعة أشهر كاملة يتغير فيها كيان المرأة البدنى كله تغيراً يقلب نظام حياتها رأساً على عقب ، ويحرمها لذة الطعام والشراب والراحة والهدوء . إنها الوحم والغثيان والوهن طوال مدة الحمل … وهى التوتر والقلق والوجع والتأوه والطلق عند الولادة . وهو الضعف والتعب والهبوط بعد الولادة . إن هذه الصحبة الطويلة – المؤلمة المحببة – للجنين بالجسم والنفس والأعصاب والمشاعر هي التي تولد الأمومة وتفجر نبعها السخى الفياض بالحنو والعطف والحب . هذا هو جوهر الأمومة : بذل وعطاء وصبر واحتمال ومكابدة ومعاناة " .

  2. الأمومة البيولوجية : وهى الأم التي حملت وولدت فقط ثم تركت ابنها لأى سبب من الأسباب وهى أمومة قوية وعميقة لدى الأم فقط . ولكنها ليست كذلك لدى الابن
    (أو البنت) ، لأن الأبناء لا يشهدون الأمومة البيولوجية وإنما يشهدون الأمومة النفسية ، ولذلك اهتم القرآن بالتوصية بالأم والتذكير بالأمومة البيولوجية التي لم يدركها الأبناء . قال تعالى : " ووصينا الإنسان بوالديه ، حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين " (لقمان 31) .

  3. الأمومة النفسية : وهى الأم التي لم تحمل ولم تلد ولكنها تبنت الطفل بعد فراقه من أمه البيولوجية فرعته وأحاطته بالحب والحنان حتى كبر . وهذه الأمومة يعيها الطفل أكثر مما يعى الأمومة البيولوجية لأنه أدركها ووعاها واستمتع بها .

والأمومة النفسية – سواء كانت جزءاً من الأمومة الكاملة أو مستقلة بذاتها – تقسم إلى قسمين:

  1. الأمومة الراعية : وتشمل الحب والحنان والعطف والود والرعاية والحماية والملاحظة والمداعبة والتدليل .

  2. الأمومة الناقدة : وتشمل النقد والتوجيه والتعديل والأمر والنهى والسيطرة والقسوة أحياناً .

وفى الأحوال الطبيعية يكون هناك توازن بين قسمى الامومة فنرى الأم تعطى الرعاية والحب والحنان وفى نفس الوقت تنتقد وتوجه وتعاقب أحياناً .

أما فى الأحوال المرضية فنجد أن هذا التوازن مفقود فيميل ناحية الرعاية الزائدة والتدليل أو يميل ناحية النقد المستمر والقسوة والسيطرة .

أنماط من النساء :

فى طبيعة المرأة ثلاث كيانات رئيسية (الأم – الزوجة – الأنثى) يمكن أن تشكل بحسب غلبة أحدها تلك الأنماط النسائية التالية :

  1. المرأة الأم (أم العيال) : تتجه بكل مشاعرها نحو أطفالها وتكون مشغولة طول الوقت بهم وتدور كل سلوكياتها حول مركز واحد هو أبنائها . وهذا النموذج يكثر وجوده فى المجتمعات الشرقية .
  2. المرأة الزوجة : تتجه بمشاعرها نحو زوجها فتحبه حباً شديداً وتخلص له طول العمر وتكون أقرب إليه من أى مخلوق آخر ، فهما دائماً فى علاقة ثنائية حميمة يقضيان معظم الوقت معاً فى البيت أو فى الرحلات الداخلية أو الخارجية أو فى المتنزهات أو فى المعامل كباحثين (مدام كورى وزوجها). وهذا النموذج نادر فى المجتمعات الشرقية ولكنه موجود فى المجتمعات الغربية خاصة حين يكبر الأبناء ويغادرون بيت العائلة .
  3. المرأة الأنثى (الدلوعة) : وهى امرأة تتميز بالنرجسية وحب الذات وتتجه بمشاعرها نحو نفسها وتتوقع من الجميع أن يدللونها وتغضب منهم إذا أغمضوا أعينهم عنها فهى تريد أن تكون فى مركز الاهتمام دائماً ، وكذلك فهى دائماً مشغولة بجمالها وزينتها وجاذبيتها لذلك تقضى وقتاً طويلاً فى متابعة أحدث الأزياء وأحدث الاكسسوارات ، وتدور كثيراً فى الأسواق ، وتقف كثيراً أمام المرآة ويهمها جداً رأى الناس فيها ولا تحتمل الاهمال وهى فى غمرة انشغالها بنفسها كثيراً ما تنسى أولادها وتنسى زوجها وتنسى كل شئ .
  4. المرآة المتكاملة : وهى التى تتوازن فيها الكيانات الثلاثة فتكون أماً وزوجة وأنثى بشكل متكامل . وهذا لا يمنع أن تبرز إحدى الكيانات عن الأخرى فى أوقات معينة ، فتبرز الأم حين يمرض أحد الأبناء وتبرز الزوجة حين يكون الزوج فى محنة وتبرز الأنثى فى مرحلة منتصف العمر حين يكبر الأولاد ويقل احتياجهم لها وحين ينشغل عنها الزوج فتعود حينئذ إلى نفسها لتدللها وتهتم بها وتتصرف بشكل يجذب اهتمام من حولها إليها .

الأمومة والماسوشية :

طبيعة المرأة البيولوجية والنفسية مهيأة لأن تتحمل الآلام من أجل أبنائها وزوجها ، وأن تعطى كثيراً ولا تاخذ إلا القليل وربما لا تأخذ شيئاً ، وأن تحنو على من حولها وربما يقابلون ذلك بالقسوة أو الجحود ، وأن تؤثر غيرها على نفسها ، وأن تضحى بنفسها من أجل سلامة من ترعاهم . فهى فى علاقاتها بزوجها وأولادها تميل إلى الخضوع والتسليم والإيثار وتكون سعيدة بذلك ولا تطلب أى مقابل وكأنها مدفوعة إلى ذلك بغريزة قوية هى غريزة الأمومة .

غريزة الأمومة

هى غريزة من أقوى الغرائز لدى المرأة السوية وهى تظهر لديها فى الطفولة المبكرة حين تحتضن عروستها وتعتنى بها ، وتكبر معها هذه الغريزة وتكون أقوى من غريزة الجنس فكثير من الفتيات يتزوجن فقط من أجل أن يصبحن أمهات ودائماً لديهن حلم أن يكون لهن طفل أو طفلة يعتنين به . ولولا هذه الغريزة القوية لعزفت معظم النساء عن الزواج والحمل والولادة . وغريزة الأمومة (Maternal Instinct ) أقوى من الحب الأمومى (Maternal love) ، لأن الغريزة لها جذور بيولوجية (جينية وهرومونية) أما الحب فهو حالة نفسية أقل عمقاً من الغريزة ، والمرأة حين تخير بين أمومتها وبين أى شىء آخر فإنها – فى حالة كونها سوية – تختار الأمومة بلا تردد .

الأمومة والوظائف :

كثيراً ما تدفع غريزة الأمومة المرأة إلى تفضيل وظائف بعينها مثل التدريس (خاصة للاطفال) والتمريض وطبابة الأطفال ورعاية الأيتام …… إلخ ويبدو هذا التفضيل لغريزة الأمومة فى مثل هذه المهن .

الحرمان من الأمومة وأثرة على الصحة النفسية :

لما كانت الأمومة غريزة بمثل هذه القوة كان الحرمان منها شديد القسوة على المرأة العقيم فهى تشعر أنها حرمت من أهم خصائصها كامرأة ، ومهما حاولت أن تعوض هذا النقص فإنها فى النهاية تشعر بفراغ هائل وتشعر أن لا شىء يمكن أن يملأ هذا الفراغ بداخلها . ولذلك تظهر أعراض الاضطرابات النفسية أو النفسجسمية بكثرة حتى تجد لها مخرجاً . والمخرج يمكن ان يكون بتبنى طفل تمنحه حب الأمومة (Maternal Love) أو التسامى بغريزة الأمومة من خلال رعاية الأيتام أو العمل فى دور حضانة الأطفال أو رعاية أطفال العائلة أو غيرها .

وهكذا نرى الأمومة من أقوى غرائز المرأة وهى حين تتفتح تزين الدنيا بأرق وارقى عواطف البشر وأبقاها .

سيكلوجية الحمل

على الرغم من أن الحمل حدث فسيولوجي طبيعي يحدث في كل الكائنات الحية التي تتكاثر بهذه الطريقة إلا أنه في المرأة يحمل الكثير من الارتباطات والدلالات البيولوجية والنفسية والاجتماعية التي تؤثر في استقبال المرأة لهذا الحدث وتقبلها أو رفضها له والتفاعل مع الجنين سلباً أو إيجاباً حتى لحظة الولادة .

الاتجاهات نحو الحمل:

وتعتمد اتجاهات المرأة نحو الحمل على العوامل التالية:

1-الإحساس بالهوية الأنثوية: فكلما كانت المرأة متقبلة لدورها الأنثوي وفخورة به كلما كانت فرحة بالحمل ومتقبلة له وفخورة به ، وهذا يجعل فترة الحمل من الفترات السعيدة في حياتها ( رغم المتاعب الجسدية ) ودائماً تتحدث عنها وعن تفاصيلها بفخر وسعادة . أما المرأة الكارهة لدورها الأنثوي (المسترجلة ) فإنها تتأفف من الحمل وتعاني معاناة شديدة في كل مراحله فتجدها كثيرة الشكوى من الأعراض الجسدية والنفسية طوال فترة الحمل ، وهي تخجل من مظاهر الحمل وتتوارى من الناس كلما كبرت بطنها وربما تخفي خبر الحمل لعدة شهور .

2-المعتقدات السائدة حول الحمل والولادة : فهناك بعض السيدات ينظرن إلى الحمل على أنه حدث فسيولوجي طبيعي مثل سائر أنشطة الجسم ولذلك يتفاعلن معه ببساطة شديدة ، في حين أن البعض الآخر تكون لديهن معتقدات مخيفة عن الحمل والولادة مثل "دخول روح في روح" و"خروج روح من روح " و "زلزال يهدد سلام المرأة وحياتها" و "من تنجو منه كتب لها عمر جديد"……… وهذه المعتقدات المخيفة تجعل المرأة في حالة توتر ورعب طوال فترة الحمل .

3_توقيت الحمل:فالحمل في بداية الزواج له فرحته واستقباله الإيجابي في حينأن الحمللدى امرأة في نهاية الأربعينات من عمرها لا تكون له مثل هذه المشاعر بل على العكس تنزعج منه المرأة وتخجل من إعلانه .

4_التخطيط للحمل :فكلما كان الحمل مخططاً له ومتوقعاً حدوثه كلما كان استقباله مريحاً ، أما الحمل المفاجئ فربما يقابل بالإنكار والرفض .

5_مرغوبية الحمل :فالمرأة العقيم التي انتظرت الحمل سنوات عديدة تستقبل حملها بفرحة عارمة تنسى معها كل متاعبها ، أما المرأة التي تعاني من كثرة العيال فإنها ربما تصدم بخبر حمل جديد لا ترغب فيه نظراً لظروفها الصحية أو الاجتماعية أو النفسية . والجنين يشعر برغبة الأم فيه أو عدم رغبتها وذلك من خلال المواد الكيميائية التي تفرزها غدد الأم فهي تختلف في حالة القبول للحمل عنها في حالة رفضه ، ولذلك فالحمل المرفوض من الأم غالباً ما ينتج عنه طفل مضطرب نفسياً (عنيد ، عدواني ، شارد أو منطو )خاصة إذا قامت الأم بمحاولات فاشلة للإجهاض ،فالجنين تصله رسائل بيولوجية منذ أيامه الأولى بأنه مرفوض ، والغريب أن الطفل تظل لديه مشاعر الرفض بعد ذلك حتى ولو تغير موقف الأم منه بعد ولادته وكأن هذه المشاعر طبعت بيولوجياً في خلاياه قبل أن يكون له جهاز نفسي يستقبلها ويفهمها .

6- العلاقة بالزوج :فكلما كان الزوج محبوبا كان الحمل منه مرغوبا ، وعلى العكس فإن المرأة التعسة في حياتها الزوجية تشعر بأن الحمل عبئاً ثقيلاً عليها لأنه يربطها بزوج تكرهه ، وهي تشعر أنها تحمل في أحشائها جزءا من هذا الزوج المرفوض . وهذه الأم تحمل مشاعر متناقضة نحو الجنين وكأنها تكره فيه الجزء القادم من زوجها وتحب فيه الجزء القادم منها لذلك تكون في صراع بين الرفض والقبول طوال شهور الحمل .

سيكولوجية الحمل:تعتمد سيكولوجية الحمل على الاتجاهات نحو الحمل السالف ذكرها ، فإذا كانت هذه الاتجاهات إيجابية في مجملها فإن الحمل يعتبر تحقيق للذات وتأكيد للهوية الأنثوية ، وهو عملية إبداعية تشبع حاجات نرجسية أساسية للمرأة حيث تشعر أنها قادرة -بإذن الله- أن تمنح الحياة مخلوقاً جديداً يكون امتداداً لها ولزوجها وسنداً وعزوة وأماناً من الوحدة والضياع . أما إذا كانت هذه الاتجاهات نحو الحمل سلبية في مجملها فيسود لدى المرأة الحامل مشاعر الرفض والاشمئزاز والغضب ، ويصبح لديها خوف شديد من الولادة قد يصل إلى درجة الرهاب ( الخوف المرضي ) ، وخوف من مسئولية الأمومة والشعور بثقل العبء في استقبال الطفل ورعايته . والحمل في هذه الظروف ربما يوقظ في الأم ذكريات المراحل الأولى لنموها الشخصي بما يصاحبها من خوف الانفصال عن الأم . في هذه الظروف السلبية تصبح المرأة أكثر قابلية للقلق والاكتئاب والوساوس و الأعراض النفسجسمية وربما الذهان .

الارتباط النفسي بين الام والجنين :

في الثلث الأول من شهور الحمل تنشغل المرأة بمشاعر القبول أو الرفض لهذا الكائن الجديد الذي ينمو في أحشائها وتتفاعل إيجابا وسلبا طبقا لذلك .

أما في الثلث الثاني (من بداية الشهر الرابع إلى نهاية الشهر السادس ) – حيث تشعر بحركة الجنين فتبدأ الام في تكوين صورة ذهنية لهذا الجنين وتصبح أكثر سعادة به في حالة قبولها له من البداية أو أكثر استسلاما للأمر الواقع في حالة رفضها له من البداية .

فإذا وصلنا للثلث الأخير من الولادة (من بداية الشهر السابع من الولادة ) فإن الام تشعر بالجنين على أنه كائن مستقل له صفات شخصية مميزة تجعله مختلفاً عن أشقائه الذين سبقوه ، وهي تعيش بعقلها ووجدانها معه حيث تشعر في لحظة ما أنه سعيد ويتحرك ، وفي لحظة أخرى أنه جائع ، وفي لحظة ثالثة أنه نائم ، وفي لحظة رابعة أنه غاضب ..وهكذا . وفي هذه المرحلة تسقط الأم مشاعرها الإيجابية والسلبية على الجنين ، ففي حالة سعادتها يمثل الجنين الجزء المحبوب من ذاتها فتسقط عليه مشاعر القبول والفرح ، وفي حالة شقائها يمثل الجنين الجزء المكروه من ذاتها فتسقط عليه مشاعر الرفض والغضب وأمنيات الإيذاء . وهذه الاسقاطات تمتد لبعد الولادة وتؤثر في علاقة الأم بطفلها إيجابا وسلباً ، فالأم المضطربة نفسياً بعد الولادة حين تحاول إيذاء طفلها فهي بذلك تؤذي الجزء المكروه من ذاتها .

سيكولوجية زوج المرأة الحامل :

يشعر الزوج بالفخر أن زوجته أصبحت حاملاً لأن ذلك يؤكد رجولته وقدرته على إنجاب مثله ، ولكن يخالط ذلك الشعور مشاعر أخرى منها الشعور بالذنب تجاه زوجته التي تعاني متاعب الحمل ، والشعور بالغضب أحياناً لأن زوجته لم تصبح ملكاً له وحده بل انشغلت اكثر الوقت بحملها ، والشعور بثقل المسئولية حيث سيصبح أباً لطفل يحتاج لرعاية . وإذا كان الزوج على درجة كافية من النضج الانفعالي فانه سيتجاوز هذه الفترة بشكل صحي وينمو معها ، أما إذا كان غير ناضج فانه ربما يعاني بعض أعراض القلق أو الاكتئاب أو الغيرة أو بعض الأعراض النفسجسمية .

تأثير الحمل على العلاقة الزوجية :

أحياناً يمثل الحمل رباطاً قوياً بين الزوجين حيث يشعران أن هناك شيئاً هاماً يجتمعان على رعايته ، فهو رباط بيولوجي ونفسي واجتماعي يقوي من رباط الزوجية . وفي أحيان أخرى تكون هناك نوايا انفصال لدى أحد الزوجين أو كليهما ، لكن حدوث الحمل ربما يغير من هذه النوايا .

وربما تنشغل الزوجة بحملها عن العناية بزوجها فيشعر الأخير بالوحدة والغضب ، وربما اتجه بمشاعره خارج المنزل . وبعض الأزواج يشعرون بالغيرة من ذلك الكائن الجديد الذي خطف منهم الزوجة الحبيبة والحمل يحدث تغيرات في شخصية الزوجين حيث يصبح عليهما أن يستعدا نفسياً ومادياً لرعاية طفل قادم وذلك يستلزم منهما التخلي عن بعض احتياجاتهما الشخصية والتضحية من أجل هذا المخلوق الجديد وهذه الأدوار الجديدة (الأبوة والأمومة ) تستلزم تغييرات في التصورات والمفاهيم والعلاقات الاجتماعية وهذا ربما يصيب أحد الأبوين أو كليهما بحالة من القلق والخوف من ذلك العالم المجهول الذي يقدمان عليه وربما تكون هناك مشاعر متناقضة نحو الطفل ، فهو من ناحية أضاف إلى حياة الزوجين أبعاداً ومعانٍ جديدة ولكنه من ناحية أخرى وضع عليهما مسئوليات جديدة وحرمهما من الكثير من احتياجاتهما الشخصية .

الاتجاهات نحو المرأة الحامل :

اتجاهات الزوج :وهي تتراوح بين القبول والفرح والغيرة والخوف من المسئولية والرفض ……الخ.

اتجاهات الأطفال الآخرين :وهي تتراوح بين الدهشة وحب الاستطلاع (محاولة معرفة كيف نشأ الجنين وكيف سيولد) والغيرة والقلق .

اتجاهات المجتمع :بعض المجتمعات تشعر أن ولادة طفل جديد عبء اجتماعي واقتصادي لذلك تنظر إلى مشهد المرأة الحامل التي انتفخت بطنها بالسخرية والاشمئزاز ، في حين أن مجتمعات أخرى تعاني من نقص القوة البشرية تفرح بمنظر المرأة الحامل وتعتبر الولادة إضافة وعزوة وقوة .

الحمل والعلاقة الجنسية :

تستمر العلاقة الجنسية بشكل طبيعي أثناء الحمل إلا في الحالات التي تعاني من نزيف وهو أحد علامات الإجهاض المنذر في الشهور الأولى للحمل فإنه يمنع الاتصال الجنسي حفاظاً على استقرار الحمل ، وأيضاً إذا حدث هذا النزيف في الشهور الأخيرة للحمل وهو أحد علامات اضطراب وضع المشيمة فإنه أيضاً يمنع الاتصال الجنسي خوفاً من حدوث نزيف قبل الولادة .

أما في غير هذه الحالات القليلة جداً فلا توجد أي موانع للنشاط الجنسي خلال شهور الحمل مع الوضع في الاعتبار عدم حدوث ضغط على الحمل وذلك ربما يستدعي اتخاذ بعض الأوضاع التي تكفل ذلك.

وهناك فئة من النساء يشعرن أن الرغبة الجنسية قد ازدادت في فترة الحمل وذلك بسبب الاحتقان في منطقة الحوض ، وفئة ثانية تتحسن استجاباتهن الجنسية وينعظن (يصلن إلى الذروةOrgasm ) وذلك بسبب زوال مخاوفهن السابقة من حدوث الحمل –تلك المخاوف التي كانت تمنع الوصول إلي الانعاظ (Orgasm) .

وفي بعض النساء نجد عزوفاً عن النشاط الجنسي في فترة الحمل حيث تكون المرأة مستغرقة تماماً في الحمل والأمومة وترى أن ذلك يتعارض مع النشاط الجنسي خاصة إذا كانت لديها مخاوف من أن ذلك النشاط يؤثر على سلامة الجنين أو سلامتها هي الشخصية .

أما من ناحية الرجال فبعضهم لا يعجبه منظر الزوجة وهي حامل ولذلك تفتر هذه العلاقة في فترة الحمل وربما يؤثر ذلك على العلاقة الزوجية ككل ، وهناك نوع آخر من الرجال يخشى الاقتراب من المرأة وهي حامل وهو ما يعرف ب "عقدة مادونا" حيث يساوره شعور داخلي بأن إتيان المرأة وهي حامل هو انتهاك لشيء مقدس .

وفي الواقع فإن نسبة كبيرة من الرجال –خاصة الناضجين منهم – لا تتأثر علاقتهم بزوجاتهم في هذه الفترة كثيراً.

الاضطرابات النفسية المصاحبة للحمل :

المرأة الحامل يمكن أن تصاب بأي اضطراب نفسي ، ولكن هناك بعض الاضطرابات المرتبطة بالذات بفترة الحمل ، وغالباً ما تكون هذه الاضطرابات نتيجة التغيرات الهرمونية في فترة الحمل ، تلك التغيرات التي تؤثر في كيمياء الجسم عموماً وفي كيمياء المخ على وجه الخصوص ، وتعيد ضبط بعض المراكز في " ما تحت المهاد " (Hypothalamus) فتؤثر في الشهية لبعض الأطعمة وتستثير مراكز القيء فتحدث ميلاً للقيء خاصة في فترة الصباح . ونذكر من هذه الاضطرابات ما يلي :

1- بيكا (Pica) : في هذه الحالة تأكل المرأة بعض المواد غير المعتادة مثل الطين والنشا والرمل والطباشير والقاذورات . وتوجد هذه الحالة في بعض المجتمعات خاصة في المجتمعات الريفية الفقيرة .وهذا الاضطراب نراه غالباً في الأطفال ، وحين يحدث في المرأة الحامل فإنه إما أن يكون حالة من النكوص إلى مراحل النمو المبكرة أو نتيجة إعادة ضبط (Re-setting) " ما تحت المهاد " مما يؤثر عل الشهية لبعض المواد الغريبة .

2- الوحم : وهو اشتياق المرأة الحامل لبعض الأنواع من الأطعمة بالذات ،وعزوفها عن أطعمة أخرى ، فمثلاً ربما تشتاق للتفاح أو الخيار أو العنب (حتى في غير موسم هذه الأطعمة) في حين أنها تعاف أنواع أخرى من الأطعمة مثل اللحوم فلا تأكلها أو تكره طعم الشاي ورائحته وتنفر من رائحة السجائر .

وهذه الحالة تتشابه في أسبابها مع الحالة السابقة البيكا “ pica ” .

3 – الحمل الكاذب :

هو حالة نادرة تحدث في بعض النساء العقيمات حيث تمر المرأة بفترة اشتياق طويلة للحمل ، وبعدها تظهر أعراض الحمل عليها فتنتفخ بطنها،وتنقطع الدورة الشهرية ، ويتضخم الثديين ويحدث غثيان وقيء في فترة الصباح .

وأبقراط هو أول من وصف هذه الحالة النادرة والطريفة . وهناك حالات شهيرة للحمل الكاذب نذكر منها " ماري تيودور " ملكة إنجلترا (1516-1558م) و " أنا أو " (Anna O) مريضة فرويد الشهيرة التي اعتقدت أنها حملت من طبيبها .

وهذه الحالة تبين قوة تأثير العوامل النفسية على الحالة الجسدية ، حيث تمثل نوعاً من " المطاوعة الجسدية " (Somatic compliance) يحدث فيها تغيرات فسيولوجية استجابة لرغبات أو صراعات لا شعورية . وهي تصنف ضمن الاضطرابات النفسجسمية (Psychosomatic) أو الاضطرابات التحولية (Conversion disorders) .

وهذه الحالات تحتاج للعلاج بواسطة معالج نفسي وطبيب نساء وتوليد حيث يتم عمل تحليل للحمل وعرضه على المريضة مع تدعيمها نفسياً ، وهنا تبدأ الأعراض الكاذبة للحمل في الاختفاء تدريجياً ، مع استمرار المساندة النفسية للمريضة وربطها بالواقع ومساعدتها على احتماله .

وهناك بعض الحالات تقاوم هذا العلاج ويتكون لديها اعتقاد راسخ لا يتزعزع بوجود الحمل ، وهذه الحالات تحتاج للعلاج بواسطة مضادات الذهان (Antipsychotics) .

4-القيء أثناء الحمل :

من الطبيعي في الشهور الأولى للحمل أن تشعر المرأة في الصباح بنوع من الغثيان وأحياناً القيء وهو ما يطلق عليه "علة الصباح" (Morning sickness) وهو حالة طبيعية تنتج من التغيرات الهرمونية وما يتبعها من تغيرات كيميائية أخرى تحدث استثارة في مراكز القيء وهي غالباً لا تحتاج لعلاج وإنما يكفي طمأنة الحامل بأن ذلك شيء طبيعي . وفي بعض الحالات تسعد المرأة بهذه الأعراض لأنها دليل على وجود الحمل الذي كانت تتمناه ويسعد به من حولها لنفس السبب .

أما في قليل من الحالات فإن القيء يصبح مستمراً في الصباح والمساء ويستمر أيضاً بعد انتهاء الشهور الأولي للحمل مما يؤدي إلى حاله من الجفاف وفقد الوزن وتغير في التوازن الكيميائي في الجسم وهذه الحالة تعرف باسم “Hyperemesis Gravidarum ” ، وهي حالة تحتاج لتدخل طبي لأنها تؤثر على سلامة الأم وسلامة الجنين ، وقد وجد أن بعض هذه الحالات كانت تعاني قبل الولادة من اضطرابات في الكبد أو الكليتين ، وبعضها الآخر كانت تعاني من اضطرابات الأكل مثل فقد الشهية العصبية أو البوليميا .

الحمل و العلاجات النفسية :

وجد من خلال الدراسات أن ما يحدث من تشوهات خلقية بسبب الأدوية لا يتجاوز 2 ,3 % من مجموع التشوهات التي تحدث في الأجنة ، وهي نسبة ضئيلة ولكن تعود أهميتها إلى أنها يمكن تفاديها لذلك فالقاعدة الطبية هي عدم تناول الأدوية سواء نفسية أو غير نفسية خلال فترة الحمل وخاصة الشهور الثلاثة الأولى إلا للضرورة ، والضرورة يقررها الطبيب ، وحتى في هذه الحالات تستخدم الأدوية الأقل احتمالاً للضرر وبأقل جرعات ممكنة . وقد وضعت منظمة الأدوية والغذاء (F D A ) تقسيماً للأدوية على حسب درجة تأثيرها على الأجنة (Caplan,Sadock&Grebb1995) نوردها فيما يلي :

*المجموعة أ : ومن أمثلتها: حمض الفوليك والحديد . فلم يثبت لهذه المجموعة أضرار على الجنين من خلال الدراسات المحكمة .

*المجموعة ب : ومن أمثلتها : الكافيين والنيكوتين والاسيتامينوفين . يوجد خطر على الجنين في الدراسات التي تمت على الحيوان ، ولكن لا توجد دراسات محكمة على الإنسان .

*المجموعة ج : ومن أمثلتها : الأسبرين والهالوبيريدول والكلوربرومازين .توجد تأثيرات ضارة على الأجنة في الحيوانات ولكن لا توجد معلومات حول تأثيرها على الإنسان .

*المجموعة د : ويمثلها الليثيوم والتتراسيكلين والايثانول . يوجد خطر على أجنة الإنسان ولذلك تستعمل فقط في الحالات التي تهدد الحياة .

المجموعة س : ويمثلها الفالبرويك أسيد (ديباكين) والثاليدوميد وهذه المجموعة لها خطر أكيد على الأجنة في الإنسان ولا تستخدم حتى في المواقف المهددة للحياة .

وهناك الكثير من الأبحاث أجريت على الأدوية النفسية وتأثيراتها في فترة الحمل وكانت مجمل نتائجها كالتالي :-

*مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات ليس لها تأثيرات مؤكدة الضرر بنمو الأعضاء في الجنين .

*والمعلومات المتاحة حالياً تفيد أن التعرض في الشهور الأولى من الحمل لمجموعة الفينوثيازين منخفضة القدرة (Low-Potency Phenothiazine) والليثيوم وبعض مضادات الصرع (Valproicacid & carbamazapine)ومجموعة البنزوديازيبين يمكن أن تؤدي إلى زيادة نسبة حدوث التشوهات الخلقية ومع هذا فإن الحظر المطلق من استخدام معظم الأدوية النفسية قبل الولادة يعتبر قليل .

وبناءاً على هذه المعلومات المتاحة من الأبحاث التي أجريت نجد أن الكثير من الأدوية النفسية لم يثبت لها تأثير ضار على الأجنة في الإنسان خاصة إذا استخدمناها بعد انقضاء الشهور الثلاثة الأولى , ومع هذا فالقاعدة الطبية توصي بعدم استخدام الأدوية في الشهور الثلاثة الأولى إلا للضرورة وبالجرعات والنوعيات التي يحتمل أن تكون أقل ضرراً ، والطبيب المعالج هنا يقرر طبقاً لقاعدة التوازن بين النفع والضرر إلا في أدوية المجموعة الأخيرة (المجموعة س) التي لا يوجد مبرر لاستخدامها في فترة الحمل مهما كانت الظروف .

وفي حالة الخوف من استخدام الأدوية نلجأ – بل من المستحب أن نلجأ – إلى العلاج النفسي بدون أدوية وهو علاج له تأثيراته الإيجابية .

وفي الحالات الشديدة من الاكتئاب والذهان يمكننا استخدام العلاج بجلسات تنظيم الإيقاع الكهربي (ECT) وهي مأمونة في فترة الحمل ومن أكثر أنواع العلاج فعالية في الحالات الشديدة .

الرعاية النفسية للحامل :

يجب أن تبدأ الرعاية النفسية حتى قبل حدوث الحمل حيث تتم مقابلة المرأة التي يحتمل أن تمر قريباً بفترة حمل ويناقش معها موقفها من الحمل وتصوراتها عنه وظروف حياتها ، وبعد ذلك نمدها بمعلومات وافية عن الحمل ومراحله ومتطلباته وتأثير الأدوية والحالة النفسية على الحمل وتأثير الشاي والقهوة والتدخين والكحوليات ، وفوائد الرياضة البدنية والغذاء المتوازن .

وبمجرد حدوث الحمل يبدأ تقييم المرأة الحامل من حيث موقفها من الحمل ، وهل حدث بترتيب معين أم كان مفاجئاً لها ، وهل هي متقبلة له أم رافضة ، وما تأثير ذلك على الجنين ، وما هو موقف الزوج منه ، وما هو تأثير ذلك الحمل على اقتصاديات الأسرة وعلى علاقاتها الاجتماعية ، و ما هي متطلباته ، وكيف توازن المرأة بين احتياجات الحمل واحتياجات الزوج ومسئوليات العمل ويوضح لها تأثير الضغوط النفسية على صحة الجنين ، وأن الضغط النفسي الزائد يمكن أن يسبب إجهاضاً متكرراً دون سبب عضوي واضح أو يسبب ولادة قبل الأوان أو مضاعفات أخرى في الحمل أو الولادة وتقييم الحالة النفسية للحامل يعطي فرصة لمتابعتها بعد الولادة حتى لا نفاجأ باضطرابات نفسية شديدة بعد الولادة ربما تهدد سلامة الأم أو الطفل .

 

سيكولوجية النفاس

النفاس هو الفترة التى يستمر فيها نزول الدم بعد الولادة ومتوسطها علمياً عند أغلب النساء حوالى 24 يوماً (الحفنى 1994) ، ومن الناحية الشرعية لا حد لأقل النفاس ، فيتحقق بلحظة فإذا ولدت وانقطع دمها عقب الولادة ، أو لدت بلا دم وانقضى نفاسها ، لزم المرأة ما يلزم الطاهرات من الصلاة والصوم وغيرهما وأما أكثره فأربعون يوماً (سيد سابق 1987) .

وتوجد طقوس ومحاذير خاصة بفترة النفاس تختلف من ثقافة لأخرى فمثلاً فى الثقافة العربية يتجمع الأهل والجيران حول النفساء ويقومون بالأعمال المنزلية بدلاً عنها ويحرصون على أن تأكل دجاجة كاملة بعد الولادة مباشرة على اعتقاد أن " قلبها سقطان " وأن " بطنها فاضية " ولابد من وجود وجبة دسمة " تسند قلبها " وتملأ بطنها ، ومحظور على النفساء أن تتحرك بعد الولادة كثيراً اعتقاداً منهم أن " جسمها طرى " ويحرصون على إعطائها كميات كبيرة من مشروب " الحلبة " الساخن لاحتوائها على الحديد وأيضاً اعطائها واعطاء زوارها مشروب " المغات " ويكره أن يدخل رجل على النفساء وهو حديث عهد بحلاقة شعره أو ذقنه ويكره الدخول عليها بلحم طازج ويكره دخول من عرف عنهم صفة الحسد …… إلى آخر هذه المعتقدات الشعبية والتى تدل فى مجملها على وعى شعبى قديم بأن النفساء تكون فى حالة هشة جسمانياً ونفسياً لذلك تحتاج للدعم والمساندة حتى تجتاز هذه الفترة الصعبة بسلام .

وللتسرية على النفساء يقوم الناس بعمل احتفالات بها وبالمولود مثل " السبوع " وهو عادة تضرب بجذورها إلى الأسر الفرعونية القديمة . وفى الفقه الإسلامى يوجد ما يسمى بالعقيقة وهى وليمة يصنعها أهل المولود للأهل والأصدقاء والجيران فى اليوم السابع للولادة ، وفى هذا اليوم يحلقون شعر المولود ويتصدقون بوزنه ذهباً . وهذه الطقوس سواء كانت شعبية أم شرعية لها دور هام فى دعم ومساندة المرأة النفساء لكى تتجنب المشكلات الصحية والنفسية فى هذه الفترة .

الاستقبال النفسى للطفل :

تنشأ علاقة عجيبة للأم بجنينها منذ اللحظة التى تكتشف فيها أنها حامل ، وخلال شهور الحمل تتوثق هذه العلاقة خاصة بداية من الشهر الرابع حيث تبدأ حركة الجنين معلنة عن وجود مخلوق جديد له صفات مميزة محسوسة ، فهو حين يجوع تزداد حركته وحين يشبع تهدأ هذه الحركة ، وحين تنفعل الأم ينفعل معها (حيث أن كيمياء الجسم مشتركة بينهما) وحين تهدأ يهدأ . وليست مبالغة حين نقول أن عقل الأم ووجدانها فى فترة الحمل يكونان فى رحمها يستكشفان هذا المجهول ، وتبدأ الأم منذ الشهور الأولى فى تكوين صورة للجنين فى خيالها وهذه الصورة تتبلور مع مرور شهور الحمل ويساعدها على ذلك الآن وجود الأشعة التليفزيونية التى تتمكن من خلالها من رؤية الجنين وهو فى بطنها ، ولكن هذه الرؤية تعطى صورة كلية ولا تعطى تفاصيل الملامح لذلك تستكمل الأم الصورة من
خيالها .

وبعد الولادة ربما لا تكون الصورة التى رسمتها الأم فى الخيال مطابقة لصورة المولود الحقيقية وهنا تشعر الأم بالاستغراب نحو الطفل وأحياناً تشعر بالضيق أو النفور من شكله أو من جنسه (ذكر أو انثى) ، وأحياناً تشعر بالخوف وتنتابها صراعات بين القبول والرفض لهذا المخلوق الجديد (وتزداد هذه الصراعات فى الشخصيات العصابية غير الناضجة ) ثم شيئاً فشيئاً يزاد القبول والحب حتى يكون طفلها هو أغلى شئ فى حياتها .

الاعتمادية فى فترة النفاس :

نظراً للضعف البدنى للأنثى فى فترة النفاس تقوم أمها أو اختها أو حماتها على خدمتها وتكون محاطة برعاية فوق العادة ، وهى تسعد بذلك ، وربما تبدأ فى التصرف كطفلة صغيرة تحتاج لمن يدللها ويرعاها ، وتصبح كثيرة المطالب والشكوى . ويزيد من ذلك احساسها بالمسئولية الكبيرة التى ألقيت على عاتقها فجأة ناحية ذلك المخلوق الجديد النائم بجوارها ، ذلك الإحساس الذى ربما يدفعها إلى انكار فكرة الأمومة والرغبة فى العودة إلى الطفولة القديمة حيث لا مسئولية ولا عناء . والشخصيات الناضجة تتجاوز هذه الفترة بسرعة وتتقبل الوضع الجديد مستشعرة فرحتها بوظيفة الأمومة التى جبلت عليها .

الصراع فى فترة النفاس :

وفى هذه الفترة يكون الصراع بين الذات التى تريد أن تتحقق فى الاستقلال والحرية ، والذات التى يشدها الطفل إليه وتضع معه مقومات جديدة لنفسها . وتتراوح المرأة بين الاتجاهين ، وقد يبدو عليها أنها تهمل طفلها ، وقد تبكى ، وقد تصاب بالاكتئاب ، وقد يتداعى بدنها لحالتها فيجف لبنها كما لو كانت تريد للطفل أن يموت ، وكلما كانت الأم صغيرة كلما استهدفها الصراع ، وهى تحزن اذ ترى جسمها قد تغير ، وثدياها قد تغير شكلهما ، وتحتار بين الأمومة وأنوثتها ، وبين واجباتها ومتطلباتها الفكرية والعاطفية ، وبين أن تكون هى نفسها بنتاً مدللة من أبويها ، وأن تكون أما تدلل هى وليدها . وقد تشعر النفساء إزاء الأعباء التى يفرضها الوليد عليها أنها أضعف من المسئولية ، وتنتابها المخاوف ، وقد تلجأ إلى وسيلة للهرب تدفع بها عن ذاتها ، غير أن غريزة الأمومة التى توحد بينها وبين الطفل تواجه نواحى الضعف فى الذات ، وتجعل المرأة تخشى مغبة هذه الرغبات أو الصراعات فتفقد طفلها (الحفنى 1992) .

ويضاف إلى ذلك الصراع صراع آخر بين اهتمام المرأة بزوجها واهتمامها بطفلها ، وهذا الصراع يخلق مشاكل زوجية كثيرة ، فالزوج يريد منها أن تعود لحالتها البيولوجية والنفسية ، والطفل الوليد يستغرقها بالكامل ببكائه الذى لا ينقطع حتى فى الليل ومطالبه التى لا تنتهى ، لذلك تكون ممزقة بين الأثنين . ويخرجها من هذا الصراع تفهم الزوج ونضجه وقدرته على تأجيل بعض احتياجاته ، ومحاولتها هى لإعادة التوازن – فى أقرب وقت ممكن – بين تلبية حاجات الزوج وحاجات الطفل .

النمط الأنثوى فى النفاس :

والمرأة ذات التركيب النفسى الأنثوى الطبيعى تمر بكل الخبرات السابقة فى هدوء وتقبل فكرة الأمومة التى جبلت عليها منذ كانت طفلة صغيرة تلعب بعرائسها وتهدهدها ، وتتقبل الانتقال من مرحلة الاعتمادية على أبويها إلى مرحلة الاستقلال والعطاء وتسعد بذلك كثيراً وتقبل على طفلها راعية محبة ، وفى نفس الوقت تحاول استعادة معالم أنوثتها – التى تحبها – لكى تسعد بها زوجها مرة أخرى ولا تجد فى ذلك أى امتهان لشخصيتها وكرامتها ، بل تجد فى ذلك كل الشرف والتكريم ، وبهذا تصبح مرحلة النفاس عند هذا النمط من النساء مجرد مرحلة من مراحل العمر وعملية فسيولوجية طبيعية تتم فى يسر .

النمط الذكورى فى النفاس :

وعلى العكس من النمط الأنثوى السابق فإن هناك نمطاً ذكورياً (مسترجلاً) فى بعض النساء ، وهذا النمط يحمل فى داخله (بوعى أو بدون وعى) رفضاً للوظائف الأنثوية المعتادة ، وهذا النوع من النساء يمر بمشاكل صحية ونفسية كثيرة اثناء فترة الحمل ، ويمر أيضاً بولادة عسره ، وتصبح فترة ما بعد الولادة كرب شديد لذلك نجد المرأة من هذا النوع تحاول العودة لنشاطها العادى (الوظيفى أحياناً) فى أقرب وقت ممكن (ربما فى اليوم الثانى أو الثالث للولادة) ، ولا ترغب فى التفاف الناس حولها ، وترفض الرعاية والحماية من الأم ، وليست لديها مشاعر حميمة نحو طفلها لذلك تتعامل معه بشكل عقلانى تماماً وتهتم بقراءة الكتب عن تربية الأطفال وتطبق ما فيها حرفياً دون اعطاء فرصة للتعامل مع حاجات الطفل بشكل أمومى فطرى تلقائى ، وهى تحرص من أول يوم على أن تطوع الطفل لارادتها هى بدلاً من تلبية حاجاته كما يريد . وهى لا تفضل حمل الطفل على صدرها بل تدعه فى سريره أطول فترة ممكنة بادعاء أنها لا تحب أن تعوده على أن يكون فى حضنها ، وهى تفضل إعطاءه رضعات صناعية أكثر ، وتجدها كثيرة الشكوى من رغبات الطفل ومن أحواله فهى لا تفهم لماذا يبكى ولا تفهم لماذا يرفض الرضاعة فهى معزولة تماماً عن لغة الطفل الجسدية . وإذا سنحت لها الفرصة فإنها تترك طفلها لأمها أو اختها أو حماتها وتخرج لعملها أو لنشاطاتها السابقة .

وهى فى صراع دائم أيضاً مع مطالب الزوج وتعتبر ذلك انتهاكاً لكرامتها الإنسانية خاصة فى تلك الفترة التى تحتاج فيها أن تعطى بعض الاهتمام لطفلها ، فكيف بزوجها أن يطالبها بالاهتمام به وباحتياجاته فى هذه الظروف الصعبة .

والمرأة من هذا النوع تكره المولود الأنثى وتشعر بالرفض والنفور تجاهها ، أما إذا كان المولود ذكراً فإنها تحاول منذ البداية تطويعه لإرادتها والسيطرة عليه تماماً حتى لا يتمرد عليها .

وأخيراً فهذه هي فترة النفاس بصراعاتها ومصاعبها والتي تحتاج في كل الأحوال مساندة من كل المحيطين بالمرأة حتى تتجاوزها بشكل طبيعي آمن.

 

كدر ما قبل الدورة الشهرية

هذه حالة قديمة قدم وجود المرأة على الأرض ، وقد وصفها أبقراط وصفاً طبياً منذ قرون عديدة ومع ذلك ما يزال هناك خلاف حول خصائصها التشخيصية ، بل حول جدوى اعتبارها اضطراباً نفسياً مرضياً من الأساس ، فالبعض يراها حدث شهري فسيولوجي طبيعي يحدث لغالبية النساء ، والبعض الآخر يرى أنها في نسبة من النساء تؤثر في قدرتهن على العمل والإنجاز وتؤثر في نوعية حياتهن وفي أنشطتهن الاجتماعية بدرجة ترقى بها إلى مستوى المرض حتى ولو كان مرضاً دورياً يحدث لعدة أيام كل شهر.

والدورة الشهرية عموماً لها ارتباطات عميقة بالمفاهيم الثقافية والدينية ، ففي بعض الشرائح كانوا يهجرون المرأة في فترة الحيض فلا يؤاكلونها ولا يشاربونها ولا يقربونها ، ونظراً لهذا الموقف الموغل في الاشمئزاز من هذا الحدث نتوقع أن تعاني المرأة كثيراً في فترة حيضها حيث يشعرها المجتمع المحيط بها أنها منبوذة لأن بها شيئاً نجساً . أما في الثقافة الإسلامية فهي حدث طبيعي جداً ولا يحرم على المرأة شيء غير أداء بعض العبادات والجماع ، وفي ذلك راحة لها في تلك الفترة ، ولا يوجد ما يستوجب النفور منها أو هجرها ، بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعمد أن يشرب من موضع فم السيدة عائشة وهي في فترة الحيض ، وكان يباشر نساءه فيما دون الفرج . وبالطبع فإن هذا الموقف المتقبل لهذا الحدث الشهري يجعله يمر بسلام ودون مشاكل نفسية ، ولقد رأيت بعض الأسر حين تحيض ابنتهم لأول مرة يحتفلون بذلك على أن ابنتهم أصبحت أنثى ناضجة وقاربت أن تصبح عروساً . هذه التوجهات الإيجابية حين تسود تجعل من هذا الأمر شيئاً مقبولاً وتجعل مواجهة آثاره البيولوجية أمراً محتملاً .

ونظراً للاختلاف في تعريف " كدر ما قبل الدورة" فإن هناك اختلاف في الأبحاث حول مدى انتشاره ، ولكن وجد أن040% من النساء يعانين من بعض الأعراض في حين أن حوالي 2-10% من النساء يحتجن لمساعدة طبية للتغلب على الأعراض التي تسبق الدورة .

ولقد لوحظ أن هناك زيادة في معدلات دخول المستشفيات والحوادث والجرائم والانتحار في فترة ما قبل الدورة ، حيث تكون المرأة في حالة حساسية نفسية عالية .

وفي محاولة للتفريق بين الحالات الطبيعية والحالات التي يمكن اعتبارها مرضية فإن الدليل التشخيصي والإحصائي الأمريكي الرابع DSM V Iيضع اقتراحاً للخصائص التشخيصية للحالات المرضية كالتالي :

توجد خمسة فأكثر من الأعراض التالية في غالبية الشهور في الأسبوع الأخير من الدورة في السنة الأخيرة ، وهذه الأعراض تبدأ في الزوال مع نزول الدورة أو بعد نزولها بأيام قليلة :-

1- مزاج مكتئب بشكل واضح مع إحساس باليأس وتحقير الذات .

2- قلق واضح ، توتر ، احساس بأنها " مقفولة " أو "على الحافة " .

3- تغيرات سريعة في المشاعر (سيلان المشاعر) ؛ فتجدها تبكي فجأة أو تشعر بالحزن بشكل مفاجئ أو تزيد حساسيتها للرفض .

4- غضب وسرعة استثارة دائمين وزيادة في الصراعات الشخصية (فتكثر المشاكل والمشاجرات) .

5- ضعف الاهتمام بالأنشطة المعتادة (العمل– المنزل- الصديقات- الهوايات ).

6- ضعف التركيز .

7- خمول ، سرعة تعب وانخفاض الطاقة .

8- تغير واضح في الشهية للطعام :حيث تزيد الرغبة بشكل واضح للطعام أو لبعض أنواعه على وجه التحديد وأحياناً تقل الرغبة فيه .

9- اضطراب النوم بالزيادة أو النقصان .

10- إحساس بزيادة الضغوط وفقد السيطرة على الأمور .

11- أعراض جسمانية مثل : آلام وتورم في الثدي ، صداع ، آلام بالمفاصل والعضلات ، شعور بالانتفاخ والتورم ، زيادة الوزن .. الخ .

وهذه الأعراض تؤثر بوضوح في نشاطات المرأة كالعمل أو الدراسة أو الأنشطة الاجتماعية أو الهوايات .

والسبب المباشر لهذه الاضطراب غير معروف على وجه التحديد ومع ذلك هناك نظريات تفسر حدوث هذه الأعراض نذكر منها :-

*عوامل بيولوجية :

الهرمونات الجنسية : حيث وجد زيادة في معدل الاستروجين/ بروجستيرون في الحالات التي تعاني أعراضاً شديدة . وتعتبر هذه الزيادة هي العامل الأساسي الذي يؤثر في المخ وفي الغدد الصماء فيحدث الاضطرابات المذكورة .

نقص مستوى الإندورفين (المورفين الداخلي) ويتبع ذلك زيادة القابلية للألم بأنواعه .

اضطراب نشاط الغدد الصماء مما يؤدي إلى اضطراب الهرمونات التالية : ثيروكسين ، كورتيزون ، برولاكتين ، ميلاتونين.

زيادة البروستاجلاندين .

نقص الفيتامينات.

اضطراب الدورة البيولوجية .

عوامل جينية : 70% من بنات الأمهات المصابات يعانين من المرض .

*عوامل نفسية واجتماعية :

بينت بعض الدراسات أن النساء العصابيات يكن أكثر عرضه للاضطراب وأيضاً النساء اللاتي يرفضن الدور الأنثوي سواء شعورياً أو لاشعورياً.

يضاف إلى ذلك من لديهن تاريخ مرضي سابق للاضطرابات النفسية .

وللعوامل الاجتماعية أثر كبير ، فالمعتقدات الدينية والاتجاهات الثقافية والاجتماعية تأثيرً كبيرً على حالة المرأة في مواجهة تقلبات الدورة الشهرية كما أسلفنا .

وفي غالبية الحالات الخفيفة والمتوسطة لا تحتاج المرأة إلى علاج طبي وإنما تحتاج لدعم ومساندة من المحيطين بها وتحتاج هي أن تتقبل هذا الحدث مثل أي حدث طبيعي على أنه ضرورة للحياة والتكاثر وهو جزء من الدورات البيولوجية الكثيرة التي تحدث في الإنسان .

والرياضة البدنية تساعد كثيراً على التوازن البيولوجي والنفسي حيث تنظم توزيع السوائل والدهون في الجسم وتساعد على إفراز الإندورفين ،وهي وصفة علاجية قوية ومؤثرة ولكن للأسف الشديد يصعب على كثير من النساء الشرقيات أداءها لأسباب اجتماعية متعددة وغير منطقية .

أما العلاج الدوائي فهو يستخدم فقط في الحالات الشديدة التي تحتاج للعناية الطبية ، وقد وجد أن مثبطات امتصاص السيروتونين (SSRI) ومضادات الاكتئاب الأخرى التي ترفع مستوى السيرتونين عند الناقلات العصبية كلها تؤدي إلى تحسن في الحالة . وهناك طريقتين لأخذها : إما أن تؤخذ بشكل متواصل لعدة شهور، وإما أن تؤخذ في الأسبوع السابق لنزول الحيض ويتكرر ذلك أيضاً لعدة شهور .

 

 

 

أرسلها إلى صديق