• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

المقالات

ﺍﻹﺻﻼﺡ ﺍﻟﺘﺮﺑﻮﻱ في الجزائر

توطئة : إن أهمية التربية تتمثل بكل اختصار في كونها أداة تشكيل شخصية الفرد ضمن الجماعة التي ينتمي إليها ، وهي بذلك الوحيدة دون سواها التي تعمل على تزويد المجتمع بالموارد و الكفاءات البشرية التي تحافظ على مكانته الدولية، ، فهي تخرجها بحيث تكون متشبثة بتاريخها و هويتها و انتمائها و متشبعة بنور العلم و المعرفة ز الخبرة لتصنع مجد أمتهادون ذوبان أو انغلاق. وهكذا نجد الإصلاح التربوي أداة مواجهة التحديات على كافة المستويات ، ووسيلة تحقيق الأهداف في كل الميادين ، لهذا نال الأهمية القصوى والصرامة الكبرى في التخطيط و التنفيذ و التقويم. وسنحاول من خلال هذا الفصل تقديم مفهوم عام للإصلاح التربوي ، مع تحديد معاييره وأبعاده وشروط تجسيده ، ثم نتناول الإصلاح التربوي على مستوى الجزائر ، و اهم محطاته . 1- مفهوم الإصلاح التربوي : اختلفت التعاريف الخاصة بالإصلاح التربوي باختلاف المنطلقات والخلفيات التي انطلق منها أصحابها ، غير أن جميع هذه التعاريف تؤكد وبإجماع على أهمية الإصلاح و ضرورته لمواكبة التغييرات الحاصلة في المجتمع ، سواء كانت إيجابية وبالتالي تدعيمها و تحيينها ، أوسلبية وبالتالي تصحيحها و إعطاؤها الوجهة السليمة. وقبل عرض المفهوم الذي نتباه للإصلاح لابد من الإشارة إلى جملة من المصطلحات المرتبطة بالإصلاح و المتداخلة في معانيه و مدلولاته ، ومنها نذكر : - الاستحداث : وهو فكرة أو عملية جديدة تصطنع من عناصر أولية و توجه نحو هدف محدد. - التجديد : إضافات قشرية إلى بنية قائمة فعلا ، ورغم تقديمه لهذا المعنى في السياق العام ، إلا أن تفضيل مصطلح الاستحداث عليه ، يجعل معناه التربوي أقرب إلى هذا السياق ، و هو ما يتعارض مع المراجع التي اعتمدها وهي كلها تستعمل مصطلح "Innovation " .ولنتأمل في عناوين بعض الكتب التي اعتمدها مثل كتاب "Diffusion of Innovation " لروجيرز، وكتاب "A critique of an Innivation " لقالفو (Galfo A.J) الذي ذكره ضمن القوائم التي استخدمها ، في تحديد المفهوم العصري للاستحداث .وبناء على ذلك نرى أن الأولى استخدام مصطلح الإصلاح او التجديد . وقد جاء تعريف التجديد في دائرة المعارف الأمريكية للتربية بطريقة أكثر إجرائية بحيث ورد فيها بأنه « الجهود المبذولة لتحسين التربية و التعليم ، واكتشاف بدائل جديد لكل ما هو غير صالح منها ، مما يجعل التربية و التعليم أكثر كفاءة و فعالية في حل مشكلات المجتمع وتلبية احتياجاته و الإسهام في تطوره» . ونجد في هذا التعريف الصلة واضحة و جلية بين التجديد التربوي و تنمية المجتمع ، فالمنطلق فيه البحثث عن سبل تطوير المجتمع التي تعتبر التربية من أهم وسائله . - التحديث : " يعنى إحلال طرق حديثة بدلا من طرق قديمة للحياة..." ، كما يتضمن إدخال العديد من المستحدثات ،وهو بذلك أعم في المعنى من المستحدثات".وهو معرف عند فيلب ميريو بأنه : « تحسين أنماط التدبير وأساليبه وتجديد المعارف والوسائل الموضوعة رهن إشارة المؤسسة التربوية و الفاعلين التربويين ، والقابلة للتوظيف من قبلهما » . وهو بهذا يختلف عن مفهوم الإصلاح الذي يتخذ شكل التغييرات الحاسمة عنده. وقد عرفه أيضا بكونه «مختلف عمليات وتدابير الانتقال بنظام تربوي معين من وضعية تقليدية متقادمة إلى وضعية متملكة لشروط ومواصفات الحداثة مفهومها الشامل من تقنيات ، ومناهج وأساليب وخبرات وممارسات و مضامين وأنشطة وقيم وعقليات ومسلكيات ...أي القطع مع المرجعيات القديمة و استبدالها بمرجعيات حديثة جديدة و عصرية » . - التغيير : عرفه جود "Good " بأنه : التعديل الجزئي أو الكلي لعنصر ما في الشكل أو النوعية أو العلاقة ، ويعرفه جريفت "Griffths" .بأنه يعني تعديلا في بنية المنظمة سواء في أهدافها أو أغراضها و مراميها أو في طرقها و أساليبها ، أي مراجعة أهداف المنظمة و توجهاتها وأصولها ، أو إدخال طريقة جديدة عليها ، ويلاحظ على هذا التعريف أنه شامل لمعاني التغيير، وهو يمس المكونات الجوهرية للنظام التربوي ، و ينطبق هذا التحديد أكثر على الأنظمة التي تحدث فيها تحولات جوهرية تستدعي مواكبة النظام التربوي لهذه التحولات. - التطوير : وتم تعريفه على النحو التالي: « إثراء الممارسات التربوية ، وذلك عبر التدخل المخطط في قطاعات أو مجالات معينة منها ، بغرض تنميتها وتفعيلها بشكل يجعلها منسجمة مع بعض الأهداف والغايات و المستجدات التربوية أو الاقتصادية أو التكنولوجية أو الثقافية و العلمية ، ومستجيبة مع بعض أيضا لبعض الشروط و الرهانات و التحديات التي تطرحها وضعية مجتمعية ما ، بعد التعرف على مكونات و مشكلات هذه الوضعية عبر بجوث علمية و محددة الأهداف» . بعد تطرقنا لهذه المفاهيم ، يمكننا الآن الانتقال لمفهوم الإصلاح التربوي و تعريفه . - تعريف الإصلاح : قدمت عدة تعاريف للإصلاح التربوي ، نذكر هنا أهمها : - الإصلاح التربوي «أية محاولة فكرية أو عملية لإدخال تحسينات على الوضع الراهن للنظام التعليمي سواء كان ذلك متعلقا بالبنية المدرسية أو التنظيم و الإدارة أو البرنامج التعليمي أو طرائق التدريس أو الكتب المدرسية» - وعرف كذلك : « جهود تبذل بغرض إحداث تغييرات جوهرية في السياسات التربوية تشمل أكثر من جانب في العملية التربوية ، وغالبا ما تتجاوز نتائجه النظام التعليمي و تخطط الإصلاحات على المستوى المركزي ،و إن كان التنفيذ يتم على المستويين المركزي و المحلي من حيث أنه يتجاوز النظام التعليمي ، كالمتغيرات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية.... وكأن هذا الإصلاح ينصرف في النهاية إلى تحقيق الكفاية الداخلية و الخارجية للنظام التعليمي و التربوي ككل.» . - ويعرف "فيليب ميريو" الإصلاح بقوله : « ترتكز على أسبقيات جديدة ، وتغير بشكل حاسم غايات المؤسسة المدرسية وسيرها و نشاطها ... وقد يتجسد ذلك في سن قوانين جديدة تغير أهداف التعليم ومبادئه.أو تدخل مواد دراسية جديدة ،أو تغيير نظام الامتحانات.» . - وتم تعريف الإصلاح التربوي في معجم علوم التربية بأنه :« مشروع تغيير وتطوير النظام التربوي في إطار عملية الابتكار..ويتطور كل نظام من مستوى أدنى من العلاقة بين مكوناته إلى مستوى الاندماج ثم الاتساق .وبعد ذلك الاندماج الدينامي فالاتساق الدينامي .........ويتم مشروع الإصلاح باستثمار المحيط و أخذ إمدادات عنه وتدبيرها......أما نتائجه فتحدد بالمردود الذي يحققه » . - يعني الإصلاح تغييرا أو مجموعة من التغييرات المحدثة في النظام التعليمي من أجل أن يستجيب هذا النظام لهدف أو أهداف معينة ،وتمس هذه التغييرات مكونا من النظام أو مجموع مكوناته. ويرى ريتشارد ساك ، أنه لا يوجد تعريف دقيق للإصلاح التربوي ، ومرد ذلك ما يتطلبه المصطلح من درجات السعة و الشمول ، بحيث تندرج ضمنه جميع الإصلاحات التعليمية .ومن التعاريف التي يرجحها ، تعريف سيمونز الذي يرى بأن «الإصلاحات التعليمية ما هي إلا تلك التغييرات التي تحدث في السياسات التعليمية التي من شانها أن تحدث زيادة كبيرة سواء في الميزانية التعليمية على البشر و في التنمية الاجتماعية »، ويذكر بعد ذلك تعريف كلاشينكوف الذي يعتبره بأنه«أحد جوانب التحولات الاجتماعية التي تصاحب التغيرات الكبرى في السمات التعليمية المقترنة بالتغيرات في الأهداف التعليمية القومية و في تنظيماتها و أجهزتها». و يستنتج ساك من هذين التعريفين أن عملية الإصلاح ظاهرة واسعة النطاق تتجاوز في آثارها و نتاجها المحيط الدراسي و النظام التعليمي نفسه . 2- معايير الإصلاح التربوي : عرّف دولنشير"De landsheere "المعيار بأنه نموذج يستعمل لأجل مقارنة الكيفية التي لا تعتمد على القياس ، ومبدا نرجع إليه للحكم و الاستحسان . وعرّفه لالاند "Lalande" بأنه خاصية موضوع معين تعتمد لإصدار حكم على هذا الموضوع.» والمقصود بها ،مختلف العناصر المؤثرة في عملية الإصلاح حتى يحقق النجاح ، مما يستوجب مرعاة هذه المعايير و مطابقتها لمضامين الإصلاح.ومن أهم هذه المعايير : 2-1. معايير تاريخية حضارية : وتتمثل في كل ما يتعلق بخصائص و هوية وانتماء المجتمع. ونجد هنا مختلف دساتير الدولة ، فالدستور الجزائري مثلا ينص بأن عناصر الهوية الوطنية ثلاثة وهي الإسلام العروبة والأمازيغية ، وهي كلها عناصر ذات بعد تاريخي و حضاري ، وبالتالي لابد أن تتضمن الإصلاحات ما يترجم هذه العناصر إلى مواد ووحدات تعليمية تخرج المتعلم بحيث يكون متشبعا بهذه المكونات متمثلا لها معرفيا ووجدانيا .وإلا يفقد النظام التربوي خصوصياته ، ويصبح جهده منصبا على المعارف المشتركة التي لا تعبر عن انتماء معين ، وبالتلي يخرج عن السياق الحضاري الذي يعد الضامن الوحيد والمحفز الرئيسي للمخرجات التربوية كي تسهم بكل طاقاتها في تنمية مجتمعها. 2-2. معايير اجتماعية : ان أي اصلاح لابد ان يتضمن في أهدافه التغيير نحو الأفضل ، ليتحقق ذلك لابد أن يكون الانطلاق في صياغتها و تحديد وسائل تحقيقها من واقع اجتماعي معين ، يحمل شروط تجسيدها على أرض الواقع. فلابد لأي عملية إصلاحية أن تنطلق من جملة من التساؤلات الموضوعية التي تعبر عن حجم المشكلات التي تسعى لحلها ، على غرار درجة التفاعل المتوقعة من فئات المجتمع المخلفة مع المشروع الإصلاحي ، وما الأسباب و العوامل الاجتماعية التي أدت إلى المشكلات التي يعاني منها النظام التربوي؟وما هو مستوى الوعي الاجتماعي لدى الأفراد؟ وما الدور الذي يمكن أن يؤديه المشروع الإصلاحي للحد من الآفات الاجتماعية؟ وما العناصر ذات الطابع الاجتماعي المغيّبة أو المفقودة في المشاريع السابقة و التي أدت إلى ظهور مبررات للإصلاح؟ وما هي العلاقة الموجودة بين المؤسسات التربوية الرسمية وباقي المؤسسات الاجتماعية للتربية؟ كيف يمكننا الربط الفعال بين المدرسة و المحيط الاجتماعي؟ .....كلها أسئلة تعبر بوضوح عن الأهمية البالغة التي يؤديها المجتمع بمختلف فئاته و خصائصه في إنجاح المشروع الإصلاحي، ولابد حينها ان يتضمن المشروع كل العوامل الاجتماعية الكفيلة بتجسيده على أرض الواقع. 2-3. معايير سياسيـة : حيث يتوقع من الطبقة السياسية بمختلف تشكيلاتها أن تعبر في برامجها السياسية عن تطلعات المجتمع وسبل النهوض به. فلا توجد أي تشكيلية سياسية إلا ولها نظرة معينة إلى موضوع التربية والتعليم ودورهما في المجتمع.وباعتبار النظام التربوي أحد أهم مكونات السياسة التنموية العامة التي تتبناها السلطة السياسية.فإنه ينبغي على واضعي الخطط الإصلاحية الإطلاع التام بالمكانة التي يحتلها هذا النظام في إطار الخطة التنموية العامة.وعلى مختلف التصورات التي تتبناها السلطة للعملية الإصلاحية. وهذا راجع لكون السلطة هي المسؤول الأول عن توفير كل الوسائل التي تتطلبها عملية الإصلاح. فإذا ما تم التطابق التام بين المعايير التاريخية والحضارية و الاجتماعية و السياسية، فإننا نتوقع أن يسير المشروع الاصلاحي نحو تحقيق أكبر من الأهداف التي سطرها. وهنا يتحقق السير الإيجابي لاتجاهات الإصلاح، من أسفل لأعلى و من أعلى لأسفل. 2-4. معايير اقتصادية يحتاج أي نظام إلى تمويل حتى يحقق أهدافه ، ولذا فإن المخطط الإصلاحي لا ينبغي أن يتعدى في مضمونه القدرات الاقتصادية للبلد الذي يطبق فيه.فينبغي في أي مشروع إصلاحي مراعاة الشروط الاقتصادية وعدم صياغة أهداف جليلة في معناها ولكنها غير قابلة للتحقيق بسبب عدم توفر الموارد اللازمة لذلك. كما ينبغي على المشروع أن يتضمن المواد و الوحدات التعليمية التي تخرج متكونين حسب الحاجات الاقتصادية للمجتمع وحسب طبيعة المرحلة التنموية التي يمر بها. فقد يكون في حاجة إلى يد عاملة مؤهلة في الزراعة أو الصناعة أو غيرهما من المجالاات .كما قد تكون حاجته ملحة إلى إطارات في العلوم الدقيقة أو البيولوجية أو الانسانية ، لابد حينئذ ان تحتوي برامجه على ما يؤهله لتخريج ما يحتاجه المجتمع من يد عاملة مؤهلة ومن إطارات ذات تكوين نوعي. 2-5. معايير نفسية بيداغوجية : إن المعايير النفسية البيداغوجية تتعلق بصميم الفعل التعلمي التعليمي ، وهي أكثر المعايير التي تركز عليها جل الإصلاحات ، وذلك لسهولة الحكم على النجاح أو الفشل المدرسي من خلال النتائج التي يتحصل عليها المتعلمون، فغالبا ما يلاحظ بأنه يوجد ضعف في التحصيل الدراسي يستدل عليه من نتائج الامتحانات الفصلية أو النهائية ، فيطرح سؤال ما هي أسباب هذا الضعف ، ليتم البحث عن حلول يتضمنها المشروع الإصلاحي .وغالبا ما تكون هذه الحلول تغيير المناهج ومقاربات تصميمها، وما يصاحب ذلك من إعادة النظر في طرق التدريس وأساليب التقويم و تكوين المعلمين من المجالين التخصصي و البيداغوجي ، وهذا لتحقيق تفاعل أكبر بين المعلم و المتعلم ، وللزيادة من دافعية المتعلمون نحو التعلم ، وبالتالي تحسين النتائج الدراسية. إن سهولة ملاحظات الصعوبات النفسية البيداغوجية لا يعني بحال من الاحوال التهوين من شأنها، بل إن المطلوب هو مراعاة كل هذه الصعوبات للوصول إلى أنجع الحلول لتذليلها . كما أن إصلاح المناهج الدراسية لا ينحصر فقط في الجانب البيداغوجي ، بل قد يحمل الكثير من الدلالات حول البعد التاريخي ، خاصة في المواد الوثيقة الصلة به. 2-6. معايير عالمية : كل مجتمع معرض لتأثر و التأثير فيما حوله من احداث وتغييرات على المستوى العالمي ، في عصرنا الحالي لا يمكن لأي مجتمع أن يبقى معزولا عن التأثيرات العالمية، فالعولمة فرضت نفسها ، ولا يمكن لأي مجتمع أن يبقى بمنأى عن تأثيراتها، والتأثيرات العالمية تتخذ أشكالا مختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية ن ولابد على النظام التربوي أن يكون في المكانة الجدير به في التعامل مع مختلف التأثيرات ، سواء كانت هذه التأثيرات ذات طابع سلبي ، يهدد استقرار المجتمع ، وبالتالي لابد من تحديد طرق ووسائل الحد من تأثيراتها ، أو ذات طابع إيجابي كأن يكون مضمونها تقنيا أو أداتيا مفيدا ، وبالتالي لابد من الإطلاع على مختلف الأبحاث والتجارب التي تفيد المجتمع و تسهم في حل بعض مشكلاته التربوي ، ومن ذلك الاستفادة من المقاربات الحديثة في صياغة المناهج و النظريات التربوية المعاصرة وتوظيف الوسائل التعليمية الحديثة مع الإشارة إلى الضرورة إلى التعديل و التكييف كلما تتطلب الأمر ذلك. 3- إصلاح النظام التربوي و الصراع الحضاري في عصر العولمة : تعتبر المكانة الدولية لأي مجتمع صورة منعكسة عن تنميته الداخلية .فكلما كانت التنمية مبنية على أسس سليمة و متوفرة على أدوات تحقيقها ، كلما خرجت لنا مجتمعا متميزا.ومن هنا يمكننا القول عن التميز الحضاري هو أساس أي خوض لصراع حضاري، ولهذا نجد المجتمعات في عالمنا المعاصر مقسمة إلى قسمين : - مجتمعات رائدة و مؤثرة تجعل من المحافظة على مكانتها الدولية وفق خصائصها الحضارية اهم حافز لها على كافة المستويات ، الاجتماعية و الاقتصادية و التكنولوجية و العملية ... - مجتمعات متخلفة متأثرة ، سميت مجازا بالنامية ، تستهلك إبداعات الغير و تدور في فلكه، معيار التقدم عندها هو الاقتناءات التكنولوجية المصممة حسب مستويات استهلاك مختلفة في مخابر المجتمعات المسيطرة حضاريا .وإن وجدت إبداعات في هذه المجتمعات ، فإنها لا تخرج عن سياق العولمة المخطط لها بإتقان في مراكز الدراسات الاستراتيجية للدول المسيطرة . وتبقى هذه المراكز ترصد أي تحرك علمي أو إبداعي يحمل في طياته خصائص حضارية تنذر باحتمال وجود منافس لها.كما هو الشان مع الصين او دول جنوب شرق آسيا ، التي تميزت نهضتها التكنولوجية بمحافظة صارمة و توظيف محكم لمختلف المكونات الحضارية. 3-1 . الأنظمة التربوية و الصراع الحضاري : إن أي وسيلة يمكن استعمالها لخوض الصراع الحضاري ، لا يمكن ان تحقق هدفها خارج نطاقين رئيسيين هما المحافظة على الانتماء و مواكبة التطورات الحاصلة في كل مجال. أي الانطلاق من الذات الحضارية و التمكن من ناصية العلم و المعرفة و التكنولوجية .وفي كل الحالات فإنه لا يمكن تحقيق هذين المطلبين إلا في إطار نظام تربوي فعال، متشبع هو الآخر بروح الانتماء و متضمن لكل الأهداف و الوسائل الكفيلة بتحقيقها. وهكذا نجد الدول التي وصلت إلى مستوى عال من فرض نفسها في عالم الصراع الحضاري، هي تلك الدول التي أولت عناية خاصة لنظامها التربوي . إن دور الأنظمة التربوية في الصراع الحضاري ، يتمثل أساسا في تخريج متعلمين و كفاءات متحكمة في ناصية العلم و المعرفة ، متجذرة في انتمائها الحضاري، ومنسجمة في ارتباطها بهذا الانتماء، وهي شروط ليكون الصراع مع الحضارات المنافسة ، وليس صراعا داخليا يبعد أي طموح للالتحاق بركب التطور و الازدهار. كما يتمثل دور الأنظمة التربوية في خضم هذا الصراع في مواجهة مختلف التحديات العالمية. وفي هذا المجال نجد الدول المتقدمة رغم ما أحرزته من إنجازات ضخمة هي أكثر الدول اهتماما بأنظمتها التعليمية . 4- التعليم في الجزائـر : جعلت تحديات ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻭﻥ المجتمع ﺍلجزائري يجد نفسه في كوكبة من الأنظمـة المتقدمة ،دفعت به إلى مواجهة متطلبات هذا العصر ، بناء على عناصر جوهرية فيه تقوم على النوعية و حسن الأداء ، وهذا ما اكده فينك دومنيك و آخرون بقوله "ﺍﻟﻌﺼﺮ الحالي يستلزم من الجيل الجديد القدرة على التكيف مع التكنولجياو تجديد المعارف الملائمة و شرح الطرائق المختلفة لطرح المشكل و فهم استدلال الآخر وتفسح التطورات وصياغة الفرضيات الخاصة بالحلول...كما يتطلب منهم القدرة على أخذ العبرة من التجربة وتسيير المعلومات المكتسبة وتصور المشاكل حتى يتمكنوا من لاقدرة على النقد و التنبؤ و التغيير المستمر للمجتمع والطبيعة " - إن التكيف مع متطلبات العصر و مستحدثاته يتطلب في الآن ذاته إصلاحا يجسد هذا التكيف، حيث يتم وفق مخطط يسمح بيسر المعالجة لأي نقص أو سهو، حتى لا يظهر في نهاية المطاف تراكم كبير للعديد من الإستفهامات يصعب معها المعالجة إلا بإلغاء كل شيء والبدء من جديد. وعلى هذا الأساس ارتأينا ان نتناول باختصار اهم مراحل الإصلاح التربوي التي عرفته المنظومة التربوية الجزائرية ، مع العودة بشكل موجز إلى تاريخ التعليم في بلادنا قصد الوقوف على أسباب التغيير الجذري الحاصل بمنظومتنا و تداعياتها و مستلزماتها ، ولنتمكن من جهة اخرى من على معرفة الصلة بين النظام التربوي المتبع و الفترة التاريحية التي سايرها . لا سيما في فترة ما بعد الاستقلال . 1- التعليم في الجزائر إبان فترة الاحتلال : عمل الاستعمار الفرنسي منذ حلوله بالجزائر على محاربة الثقافة العربية وطمس معالم ومقومات الشخصية الجزائرية ، وقد تجلى ذلك بوضوح في تضييق الخناق على التعليم العربي و مصادرة الأوقاف الاسلامية التي كانت المصدر الرئيسي لتمويل التعليم في الجزائر قبل دخول الاستعمار فأغلقت نحو ألف مدرسة ابتدائية و ثانوية و عالية كانت موجودة في الجزائر في سنة1830. .وقد حمل أحد الكتاب الفرنسيين و هو ًيولارً فرنسا مسؤولية تأخر الجزائر في القرن العشرين ، إذ يقول : لقد أشاع دخول الفرنسيين إلى الأوساط العلمية و الأدبية ، اضطرابا شديدا فهجر معظم الأساتذة الأفذاذ مراكزهم هاربين . و لقد كان يقدر عدد الطلاب قبل 1830 م بمائة وخمسين ألف طالب أو يزيدون ؛ و مهما يكن من أمر فلم ينجح من المدارس القديمة سوى عدد قليل من المدارس الصغيرة ، و حرمت أجيال عديدة من التّعليم وروّجت الدّوائر الاستعمارية في أوساط الأجيال الصاعدة ، أن الجزائر قد بلغت في القرون الماضية أسفل درجات الجهالة و الهمجية ، إذا لم يكن بالبلد أي تعليم منظم و لا حياة فكرية فلا عالم بينهم ولا كاتب أديب و لا شاعر.فالأمة الجزائرية مؤلفة كلها من أميين يجهلون القراءة و الكتابة و قالوا إنّ اللّغة العربية قد ماتت منذ زمن بعيد ودفنت مع اللّغات الميتة الأخرى ، و هذا من أجل تبر ير سياستها التعليمية و دعم مطامعها الاستبدادية ، موهمة الرأي العام أن من واجب الأمم الراقية أن تنقذ سكان الجزائر المساكين من آفة جهل شامل ، و تأخر فاحش عن ركب الأمم المتمدنة ، و ذلك باسم الحق و الإنسانية. من النتائج المباشرة للاحتلال الفرنسي للجزائر ، انخفاض مستوى الدخل و المعيشة للغالبية العظمى من الجزائريين، بحيث أن أعدادا ضخمة منهم ، حرمت من التمتع بالخدمات العامة، كالصحة والتعليم، والتي كانت تتوفر للوافدين الأوروبيين ، و الواقع أنّ كل اهتمام الإدارة الإستعمارية كان يقتصر على توفير الخدمات للمستوطنين حتى و لو أدى الأمر إلى إهمال التعليم الوطني للجزائريين دافعي الضرائب. و لكن يجدر بنا أن نذكر أن تدهور التعليم الجزائري كان لا يرجع إلى قلة الإعتمادات فقط ، بل كان يرجع أيضا إلى مقاومة المستوطنين و أعضاء المجالس المحلية لفكرة تعليم الأهالي . و من المهم أيضا أن نذكر أن تلك الظاهرة لم تكن قاصرة على جهة دون أخرى ، أو على فترة دون فترة بل إن تلك الظاهرة صاحبت عملية الإستيطان الأوروبي و ما نتج عنه من سيطرة المستوطنين على مقاليد البلاد ، حتى أنه في ناحية ذراع بن خدة مثلا و في سنة 1912 كان يعيش 299 فرنسيا و 7958 جزائريا ، و مع ذلك التفاوت العددي كان لأطفال الفرنسيين مدرسة خاصة بهم في حين لم يكن للأهالي و لو مدرسة ابتدائية واحدة لتعليم أولادهم، و لما طالب الأهالي بفتح مدرسة خاصة على نفقتهم اعترض المجلس البلدي - الذي كان يضم مثل باقي المجالس غالبية فرنسية - على الفكرة و أعلن معارضته لتعليم الجزائريين . رغم هذا أنشأت السلطات الإستعمارية الفرنسية مدارس لقلة من الجزائريين ، و لكن لم تكن تهدف من وراء هذا إلى منحهم ثقافة حقيقية ، تبصرهم بأحوال وطنهم و لغتهم وحضارتهم ، بل كان الهدف ، هو توفير بعض الموظفين البسطاء للعمل في الإدارات المحلية و بعض المعلمين وغيرهم . يمكن أن نضيف إلى ما سبق أن تدهور التعليم الجزائري ، كـان يـرجع إلى عـداء المكاتب العربية لفكـرة تعـليم الأهـالي ، لأن مـدارس الأهـالي كـانت في نظـر الكثير من الضبـاط مجرد معـامل للتـعصب الأهلي(Laboratoire du fanatisme) و من ثم يوصي غلاة الاستعمار بإهمال تعليم الأهالي وإلى إقفال المدارس الخاصة بهم تماما منذ سنة1860 . وهذا ما يؤكده الجدول التالي ، حيث كان عدد الأطفال الجزائريين البالغين سن التمدرس في أواخر القرن التاسع عشر سبعة أضعاف أطفال الوافدين سنا ، غير أن المسجلين منهم يقل عن ثلث المسجلين الفرنسيين : الجنسية عدد الأطفال في سن الدراسة عدد المسجلين النسبة جزائرية 633.190 24.565 3.84 فرنسية 93.531 78.531 84 كما سعى الكولون منذ 1891م للقضاء على بقايا المدارس الوطنية القديمة المتمثلة في الزوايا وإخضاعها لرقابة إدارية صارمة بحجة أنها تشكل تهديدا لمستقبل الجزائر، و الحقيقة أن المستوطنين كانوا على يقين دائم أنّ الجزائري المتعلّم ، يتمسّك بحقه في العيش بكرامة مثل المستوطنين أنفسهم ، كما أنّه سيجهر برأيه هذا أمام مواطنيه و لهذا كله طالب أكثر من مستوطن و كاتب و مجلس بعدم إنشاء مدارس للأهالي حتى لا يثير المتاعب للمستوطنين. واستمر هذا الضغط على الإدارة الاستعمارية و معارضة تعليم الاهلي ، حتى أعلنوا أمام اللجنة البرلمانية بقيادة "جول فيري" سنة 1892ولجنة شارل جونار المكلفة بهذا الشأن :" إنّ تنظيم التّعليم الوطني غير مفيد…". و قد روج بعض المؤرخين أن الأهالي كانوا هم الذين يعارضون الذهاب إلى المدارس الفرنسية، و هو أمر تكذبه الوثائق ، وكذلك تكذبه بعض الدراسات التربوية ، إذ تعترف بعضها بأن " تعليم الأهالي لا يوجد إلا على الورق ، ولا يتعلم من الأهالي في المدارس القليلة إلا أقلية لا تذكر". و فعلا نجد أنه في العام الدراسي 1885/1886م ، لم تتوفر فرص التعليم إلا لحوالي خمسة آلاف طفل جزائري، من بين حوالي خمسمائة ألف طفل ، كانوا في سنّ التّعليم وفي المقابل فقد كانت فرص التعليم تتوفر باستمرار لأبناء المستوطنين حتى يقول الكاتب والمستوطن "ديفال"(DUVAL) "إن نسبة الأطفال الأوروبيين في المدارس إلى مجموع السكان الأوروبيين في الجزائر تفوق تلك في فرنسا نفسها" ، وتذكر التقارير أن نسبة الأطفال الأوروبيين في المدارس إلى السكان كانت سنة 1888م في الجزائر 1/7 وفي فرنسا 1/9 ،ويعني ذلك أن أطفال المستوطنين محظوظون أكثر من أطفال فرنسا نفسها. ويشير تقرير رسمي في سنة 1916م، عن حالة التعليم الابتدائي في الجزائر بما يلي: " إن عدد المدارس المخصصة لأبناء المستوطنين كانت تصل إلى 1296 مدرسة يتردد عليها 147.000 طفل أوروبي ،هذا في حين كانت المدارس الابتدائية للأطفال الجزائريين لا تزيد عن 493 مدرسة يتردد عليها 36.000 طفل جزائري فقط،وهذا رغم الفارق الواضح والضخم بين الأهالي والمستوطنين .ويعترف التقرير بعدم فتح مدرسة واحدة للأهالي في تلك السنة، بل على العكس يشير إلى إغلاق 25 مدرسة وإلى نقص هيئات التدريس في معظم المدارس الأخرى التي لم تغلق. أما تقرير سنة 1917م فإنه يعترف بأن فرص التعليم الثانوي والعالي كانت شبه محرمة على الشباب الجزائري، حتى لم يزد عدد الجزائريين في التعليم العالي عن حوالي مائتين مقابل ألف وثمانمائة أوروبي .غير أن الوضع لم يستمر على ما هو عليه ، إذ في الفترة ما بين 1930-1954 ، استطاعت نخبة من الشبان الجزائريين أن تؤسس جمعية العلماء الجزائريين برئاسة عبد الجميد بن باديس والبشير الابراهيمي - رحمهما الله - ، حيث ركزت كل جهدها على التربية والتعليم بهدف المحافظة على الهوية الجزائرية ، فكان إطار عملها يتلخص في شعارها المشهور " الاسلام ديننا و العربية لغتنا و الجزائر وطننا" ، وفضلا عن معركة التربية و التعليم خاضت الجمعية معركة أخرى ، تمثلت في مواجهة الجهل بالدين ، فكان مشروع الجمعية يتجسد في الإصلاح الديني و العلمي .وقد استطاعت الجمعية أن تقدم للجزائريين نظاما تعليميا و نشاطا تربويا يرتكز على أصالتهم و انتمائهم ، وتقديم بديل عن التعليم الفرنسي ، فرحبت به الأمة الجزائرية و ساندتها و شجعت أبناءها على الالتحاق بمؤسساتها .وفي هذا الإطار ، يقول الشيخ البشير الابراهيمي : " للجمعية الآن بل للأمة الجزائرية ، أكثر من 150 مدرسة ابتدائية حرة رغم الاستعمار الفرنسي يتردد عليها أكثر من 50.000 تلميذا من أبناء الأمة الجزائرية بنين و بنات يدرسون مبادئ لغتهم و أصول دينهم و تاريخ قومهم . ثم شيدت الجمعية معهدا ثانويا كخطوة أولى للتعليم الثانوي ..عمرته بألف تلميذ" أما في الفترة ما بين 1954 -1962 التي مثلت مرحلة هامة و حاسمة في التاريخ الجزائري باندلاع ثورة التحرير المسلحة ، التي ملكت أفئدة أبناء الوطن و هاجسهم ، ورغبتهم المستميتة في التضحية في سبيل الوطن او تحقيق النصر ، مقابل همجية و عنصرية لا مثيل لها من الجانب الفرنسي ، لم يسلم الجانب التربوي منها ، حيث أغلقت المدارس الحرة مع سجن ممعلميها و تشريد تلاميذها ، واستمر انخفاض نسبة التسجيل في المدارس الحكومية، حيث لم يسجل في سنة 1958م – السنة التي بدأ فيها تطبيق مشروع قسنطينة الديغولي – سوى 104.000 من مجموع 460.000 في سن التمدرس أي بنسبة لا تتعدى 22.6 % ، والجدول التالي يوضح هذا التفاوت في بعض ولايات الغرب الجزائري الولايات الجزائريون المسجلون مجموع الجزائريين الفرنسيون المسجلون مجموع الفرنسيين المجموع الكلي البنون البنات البنون البنات وهران 700 223 923 5.460 4.219 9.679 10.602 مستغانم 333 81 414 915 114 1.059 1.473 تلمسان 753 219 972 321 338 659 1.631 تيارت 99 21 120 225 125 350 470 المجموع 1885 554 2429 6921 4826 11.747 14.176 جدول رقم : عدد التلاميذ الجزائريين المسجلين مقارنة بعدد الفرنسيين في بعض ولايات الغرب الجزائري في سنة 1958م. وهكذا استمر الوضع المتردي للتعليم في بلادنا ، واستمرت نسبة الأمية في الارتفاع لتبلغ غداة الاستقلال إلى أكثر من 90 %، مما يلخص بوضوح صعوبة المهمة التي ستواجهها الجزائر المستقلة ، في خوضها لمعركة البناء و التشييد ، فإلى أي مدى نجحت الجزائر في خوض هذه المعركة ، خاصة في مجال التربية و التعليم اللذان يعتبران الرهان الحقيقي لأي تنمية ؟ 2-التعليم في الجزائر بين سنتي 1962 -1980 : وجدت الدولة الجزائرية نفسها غداة الاستقلال أما مشاكل جمة لا سيما في مجال التربية و التعليم، تمثلت في نقص المؤطرين و المعلمين من جهة ، حيث فاق عدد المعلمين المهاجرين 10.000 معلما فرنسيا ، دون توفر العدد الكافي من المعلمين الذين بإمكانهم سد هذا الفراغ ، وبالتالي إعطاء أهمية بالغة لتكوين المعلين و حاجات المؤسسات التربوية. و مشكل التعريب من جهة اخرى ، حيث شرعت الجزائر في خوض هذه المعركة الحاسمة في السنة الموالية للاستقلال ، فتم تعريب السنة الأولى من التعليم الابتدائي تعريبا كاملا ، في حين كان الحجم الساعي للغة العربية في المستويات الأخرى يقدر بـ10 ساعات من مجموع 30 ساعة أسبوعيا ، ثم تعزز الحجم الساعي في السنوات التالية ليبلغ ما بين 15 إلى 20 ساعة أسبوعيا ، باستثناء الأقسام النهائية . التي حافظت على توقيت 10 ساعات للغة العربية مقابل 20 ساعة للغة الفرنسية ، ويلخص الجدول التالي الجهود التي بذلتها الدولة لتوفير المعلمين و تدعيم اللغة العربية : السنة النوعية بالعربية بالفرنسية المجموع الجزائريون الاجانب الجزائريون الأجانب 1962-1963 المعلمون 161 4 856 2.265 3.286 المساعدون 1547 83 3.643 4.093 9.366 الممرنون 1634 23 4.855 744 7.256 المجموع 3.342 110 9.354 7.102 19.908 جدول رقم : عدد المستخدمين في التعليم الابتدائي في السنة الدراسية الأولى بعد الاستقلال. واهم ما يعبر عنه الجدول السابق التحدي الكبير الذي تواجهه الجزائر المستقلة و ذلك على مستويات ثلاث: 1- ضرورة توفير عدد كاف من المعلمين المؤهلين للتعليم ، وهو ما يعني ضرورة إعطاء أهمية قصوى لتكوين المعملين و ما يتطلبه من توفير المؤسسات الخاصة بذلك. 2- ضرورة تعريب التعليم ، إذ يعكس الجدول السابق بوضوح التفاوت الكبير بين عدد المعلمين باللغة العربية و عدد المعلمين الذين يدرسون باللغة الفرنسية، بحيث لم يتجاوز عدد المدرسين باللغة العربية نسبة 17.33 % من مجموع المدرسين. وقد شرعت الجزائر في خوض معركة التعريب في السنة الموالية للاستقلال ، بحيث شهدت هذه السنة حملة كبيرة للتعريب ، فتم تعريب السنة الأولى من التعليم الابتدائي تعريبا كاملا ، أما السنوات الأخرى فقد كان توقيت العربية 10 ساعات من مجموع 30 ساعة أسبوعيا. وتعزز توقيت اللغة العربية في السنوات التالية لتصبح ما بين 15 إلى 20 ساعة أسبوعيا.واستثنيت في ذلك الأقسام النهائية التي حافظت على توقيت 10ساعات أسبوعيا للغة العربية و20ساعة للغة الفرنسية.ونستشف من الجدول حجم الجهود المبذولة لتوفير العدد الكافي من معلمي اللغة العربية في ظرف زمني وجيز ، وهو ما يعبر عن الإرادة الصادقة في إعطاء اللغة العربية المكانة اللائقة كلغة تعبر عن الانتماء الحقيقي للأمة الجزائرية. ومع زيادة عدد التلاميذ واجهت الجزائر مشكلة أخرى ( وهي المستوى الثالث ) تمثلت في ضرورة توفير العدد الكافي من الهياكل البيداغوجية لاستقبال الأعداد المتزايدة من المقبلين على المؤسسات التعليمية ، وأحسن مثال على ذلك عدد التلاميذ المسجلين للسنة الدراسية 1966/1967 والذي بلغ 1.370.357 تلميذا ، أي بنسبة 52% وهي نسبة جد معتبرة تدل على الأهمية البالغة التي كانت تخصها الدولة الجزائرية للتربية و التعليم. ومع بداية السبعينات شرعت الجزئر في تطبيق المخطط الرباعي الأول (1970/1973) حيث نال التعليم اهتماما معتبرا من قبل الدولة الجزائرية التي تمكنت من تجاوز العقبات الأولى التي تلت الاستقلال مباشرة. وقد جاء في هذا المخطط العمل على تحقيق أهداف واضحة ، تمثلت في تسجيل 2.6 مليون تلميذ في المجموع خلال السنة الدراسية 1973-1974 بنسبة 75 % على المستوى الوطني.وإنجاز 4000قسم سنويا و تكوين 4800 معلما لتغطية العجز المسجل في عدد المعلمين ، بالإضافة إلى تكوين 12000معلما كل سنة لتعويض المعلمين الأجانب بصفة تدريجية. كما شهدت هذه المرحلة تعديلات عدة مست بصفة أساسية البرامج الدراسية و الخريطة المدرسية التربوية و الإدارية و كيفية توجيه التلاميذ و تقييمهم من أجل الحد من نسب التسرب و الرسوب المرتفعة .وفيما يخص الجهود المتواصلة لتعريب المدرسة الجزائرية تم اتخاذ قرار تعريب كل المواد الدراسية للسنتين الثالثة و الرابعة مع إبقاء اللغة الفرنسية كمجرد لغة أجنبية وهذا بداية من السنة الدراسية 1971-1972. وفي التعليم المتوسط تم اتخاذ قرار تعريب الأقسام المفتوحة في السنة الأولى من التعليم المتوسط، وهو القرار نفسه الذي اتخذ في السنة الأولى من التعليم الثانوي . وفي المخطط الرباعي الثاني (1974 -1977 ) اتضحت معالم الإصلاح التربوي الذي تم التمهيد له في المراحل السابقة ، وذلك إثر ظهور النصوص المحددة لهذا لإصلاح و التي تمثلت بصفة رئيسية في أمرية أفريل 1976م والتي أحدثت تغييرات جوهرية على كافة الابعاد البيداغوجية و التنظيمية و التاريخية ، والتي شرع في تطبيقها الفعلي بداية من السنة الدراسية 1980-1981 م ، باستحداث المدرسة الأساسية . 3- الإصلاح التربوي الشامل : إن الشروع في تطبيق المدرسة الأساسية يمثل نقلة نوعية في تطوير المنظومة التربوية الجزائرية ، ومن الدلالات التي يحملها أن الجزائر تجاوزت المرحلة الأولى التي تلت الاستقلال والتي تميزت بمشاكل تتعلق أساسا بمخلفات الاستعمار الذي عمل جاهدا طمس الهوية الوطنية و تجهيل المجتمع الجزائري. فكانت جل الجهود موجهة لإعادة الاعتبار للمواد المعبرة عن الهوية الوطنية ومواجهة العجز الكمي على كافة المستويات ، فالتعليم الأساسي في الكثير من محتوياته هو سعي لربط المدرسة الجزائرية بواقعها الاجتماعي و الاقتصادي ، كما يهدف إلى تجاوز العجز المسجل في المحاولات السابق لاسيما على مستوى التكوين النوعي ، بحيث طغى في المرحلة السابقة الجانب الكمي وهذا نظرا للحاجات الملحة التي فرضتها طبيعة المرحلة المتميزة بالنقص العدد على كافة المستويات. 1.4 – مبررات الإصلاح التربوي الشامل : يعد الإصلاح التربوي لسنة 1976 أول إصلاح تربوي شامل مس مختلف مكونات المنظومة التربوية سواء ما تعلق منها بالسياسة التعليمية العامة أو بالهيكلة و التنظيم أو بالمنهاج الدراسية. ولا بد لإصلاح بهذا الحجم أن يرتكز على مبررات تفسر هذه الشمولية التي تميز بها ، ويمكننا في هذا المجال ذكر المبررات الأساسية الآتية : - توحيد المؤسسات التعليمية ، بحيث يكون التعليم كله في نظام واحد محدد المراحل ، ونتيجة لذلك تم إلغاء مدارس التعليم الأصلي و إدماجها في التعليم العام ، كما ان التعليم أصبح من مهام المؤسسات الخاضعة للدولة دون سواها. - جزأرة التعليم و هذا من اجل فتح المجال أمام الإطارات الجزائرية التي تخرجت من الجامعات وخاصة المعاهد المتخصصة لتكوين المعلمين ، وذلك راجع للارتفاع الكبير في نسب المعلمين الأجانب في المدارس الجزائرية. - ديمقراطية التعليم و مجانيته ، و ذلك بهدف إتاحة فرصة الالتحاق بالمدرسة لكل من له الحق في التمدرس دون تمييز إجتماعي أو جهوي ، وهذا من اجل نشر التعليم بين كافة فئات الشعب خاصة المحرومة منها ، وفي جميع مناطق الوطن لاسيما الريفية والنائية منها، وقد نصت امرية 1976 في مادتها الرابعة على : التربية والتكوين حق لكل جزائري، ويكفل هذا الحق تعميم التعليم الأساسي ، كما نصت المادة السابعة على ان التعليم مجاني في جميع المستويات و المؤسسات المدرسية - إلزامية التعليم لأطول مدة ممكنة ،إذ أصبحت بموجب هذا الإصلاح المدة الزمنية الإلزامية للتعليم تستغرق مرحلتين الابتدائية و المتوسط معا. وبهذه الإلزامية تكون المدرسة الأساسية قد ضمنت للطفل تسع سنوات دراسية ، ملغية بذلك الحاجز الذي كان يمنع الكثير من الأطفال الانتقال إلى مستوى التعليم المتوسط . - دمج التعليمين الابتدائي و المتوسط في نظام واحد هو التعليم الأساسي ، الذي يشمل ثلاثة أطوار ، مدة كل طور ثلاث سنوات ، كما نصت على ذلك المادة 27 من أمرية 1976 . - ضرورة إسناد الدور الكبير للمنظومة التربوية في تحقيق التحرر الثقافي الذي يبدأ بإعادة اللغة العربية إلى المكانة الجديرة بها في حياة الأمة و مؤسساتها - ربط النظام التربوي بالحياة العملية و التأكيد على العلوم التطبيقية و التقنيات و تخصيص جزء من المنهاج للتدريب على الأعمال المنتجة التي يستفيد منها الفرد و المجتمع ، وفي كل هذا ربط الجانب النظري بالجانب العملي ، فتكون المدرسة مؤسسة يجد فيها التلميذ كل ما تعلمه نظريا . 4- الإصلاح التربوي الأخير : شرعت الجزائر في إصلاحات تربوية عميقة مست مختلف الجوانب الهيكلية و البيداغوجية ـ وتعتبر هذه الإصلاحات بمثابة الإعلان الرسمي عن نهاية التعليم الأساسي و استبداله بالتعليم القاعدي ،واهم ما يميز هذه الإصلاحات الجديدة هو التغيير الهيكلي للتعليم ، بحيث تم تبديل الأطوار الثلاث للتعليم الأساسي بمرحلتين ، الأولى منها هي مرحلة التعيم الابتدائي و تستغرق خمس سنوات بعدما كانت ست سنوات في السابق ، والثانية هي مرحلة التعليم المتوسط و تستغرق أربع سنوات بعدما كانت تستغرق ثلاث سنوات سابقا ، كما تتميز هذه الإصلاحات بمراجعة شاملة و كلية لجميع المناهج الدرايسة وفي كل المراحل من السنة الولى ابتدائي إلى السنة الثالثة ثانوي ، و تم في هذه المراجعة الاعتماد على مقاربة جديدة هي المقاربة بالكفاءات بدل المقاربة بالأهداف التي كانت معتمدة في البرامج السابقة . وتعبر السنة الدراسية 2003/2004 السنة الأولى التي شرع فيها تطبيق الإصلاحات الجديدة إن كان على المستوى الهيكلي أو على مستوى المناهج الدراسية. وتسعى الجزائر من خلال إعادة النظر في المناهج الدراسية ،إلى تطوير هذه الأخيرة بما يساير التطورات الحاصلة على المستوى العالمي ، وهنا نجد كثيرا من البلدان قد أعادت النظر في المقاربات التي تبنى عليها مناهجها ، بحيث انتقلت من المقاربة التقليدية القديمة القائمة على الأهداف إلى مقاربة جديدة تقوم على الكفاءات . واستعانت الجزئر في توظيف هذه المقاربة وهذا قبل الشروع في تطبيقها بخبراء من دول متقدمة الذين نقلوا إلى الجزائر التجارب التي تمت في بلداانهم ، ومن ذلك تجربة إصلاح المناهج الدراسية في مقاطعة الكيبيك بكندا و التي قدمها بول إينشوبس P.Inchoaups وقد ظهرت المقاربة بالكفاءات كحل بيداغوجي للتحكم في الانفجار المعرفي الهائل الذي تشهده العقود الاخيرة ، بحيث تقوم أساسها على فكرة تحقق قدرات للتلميذ ترتبط بأداءاته في الفضاء الدراسي وفي الوسط الذي يعيش فيه .ويشكل الإصلاح الجديد إصلاحا شاملا للنظام التربوي، لا يضاهيه في شموليته منذ الاستقلال سوى أمرية 76 ، ذلك أنه شمل جميع مكونات المنظومة التربوية من أهداف و سياسة تعليمية عامة إلى المجالات البيداغوجية و التنظيمية التي عرفت هي الأخرى تحولات جذرية ،و يمكننا أن ندرج اهم المبررات التي دفعت إلى هذه الإصلاحات الجديدة في النقاط الآتية : - مواكبة التغيرات الحاصلة في الجانب البيداغوجي خاصة ما يتعلق منها بمقاربات بناء المناهج. - الحاجة إلى تصميم مناهج جديدة تحقق الحاجات الجديدة للمجتمع خاصة مع التغيرات التي حصلت على كافة المجالات السياسية والاقتصادية و الاجتماعية. - ضرورة الانفتاح على العالم بحكم التغيرات الحاصلة في العلاقات مع الآخر خاصة مع بروز العولمة ووسائل الاتصال الجديدة من انترنت وفضاءيات و غيرها.. وقد حدد السيد فريد عادل بصفته مدير التعليم الأساسي بوزارة التربية الوطنية مبررات الإصلاح التربوي الجديد خاصة ما تعلق بالمناهج الدراسية في العناصر الآتية : - انتقال البلاد من نظام سياسي أحادي إلى التعددية الحزبية وإلى النظام الديمقراطي. - انتقال البلاد من نظام اقتصادي ممركز إلى نظام اقتصادي حر. - التطور المذهل للعلوم و التكنولوجية بما في ذلك علوم التربية. - التدهور المستمر لمستوى التلاميذ. - التحديات الجديدة التي من المنتظر أن تواجهها المدرسة.

أرسلها إلى صديق