• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

الخدمات التربوية

تعليم المفاهيم

تعليم المفاهيم

1.تعريف المفهوم:

لغة: المفهوم حسب قاموس الفرنسية لاروس هو تصوّر فكرة لشيء موضوع من طرف العقل، وهو أيضا تعريف للخصائص والميزات الخاصة*.        (Larousse, dictionnaire de français, Ibid, p84)     

وفي اللغة العربية المفهوم وجمعه مفاهيم يعني المعنى والمدلول. (المنجد الأبجدي،1968،ص986)

أما اصطلاحا: فالتعريفات التي وضعت لمصطلح المفهوم عديدة إذ يقدّم معجم المصطلحات التربوية المُعرّفة تعريفا للمفهوم على أنّه عبارة عن تجريد يُعبّر عنه بكلمة أو رمز، يشير إلى مجموعة من الأشياء أو الأنواع التي تتميز بسمات وخصائص مشتركة، أو هي مجموعة من الأشياء أو الأنواع التي تجمعها فئات معينة.  ( أجمد.ح. اللقاني وعلي .أ. الجمل، 2003، ص282)

في حين يشرح معجم المصطلحات التربوية والنفسية بأنّه تكوين عقلي ينشأ عن تجريد خاصية أو أكثر من حالات جزئية (أمثلة) متعدّدة، يتوافر في كل منها هذه الخاصية حيث تنعزل الخاصية مما يحيط بها، فأي من هذه الحالات تُعطى اسما أو مصطلحا. (حسن شحاتة وزينب النجار، مرجع سابق، ص286)

 أما لوجوندر Renald Legendre فيرى أنه تصوّر عقلي وعام  لميزات ثابتة ومشتركة خاصة لقسم من الأشياء مُشاهدة بشكل مباشر، والتي يمكن تعميمها على جميع الأشياء التي تمثل نفس الخصائص*. (Renald Legendre, 1988, p111)

ويرى أوتيات و آخرون F.Hotyat et all أن المفهوم قسم مُعرّف من الأشياء، الخصائص أو التوابع، المسماة بمصطلح مشترك*. (Ferdinand Hotyat et all, Ibid, p66)

أما بالنسبة لراينال و ريونيي  F.Raynal & A.Rieunier فهو فكرة عامة ومجردة مُسندة لصنف من الأشياء تحمل صفات مشتركة، وتسمح بتنظيم المعارف*. [1](F.Raynal&A.Rieunier,1997,p82)

في نظر كرونباك (Cronback 1954) :أننا نكون المفهوم حينما نتعرّف على مجموعة من المواقف بها عنصر مشترك، وعادة ما تُعطى اسما أو عنوانا لهذه المجموعة، وبشير المفهوم إلى العنصر المشترك في مجموعة من المواقف، وبهمل التفاصيل المختلفة بين أعضاء المجموعة.

 ويرى فيناك Vinack,1952  أنه شكل رمزي ينظم الانطباعات الحسية المنفصلة ويعتمد على الخبرة السابقة. (بطرس حافظ بطرس،2004،ص19)

في حين يشير كلوزمير klausmeier,1980  إلى أن المفهوم بناء معرفي للفرد، وهو المعنى المقبول اجتماعيا لكلمة أو أكثر تعبر بدقة عن المفهوم. كما يرى أن عقلية الفرد تبنى بالمفاهيم فهي المكونات الأساسية التي يتم في ضوئها التغيير المستمر في النمو المعرفي للفرد، واتساع بنيته المعرفية كما أنها تعد الأدوات الأساسية للتفكير.(...) (المرجع سابق،ص21)

و يقول جوزيف د نوفاك و د.بوب جووين :<< نحن نعرّف المفهوم بأنّه انتظام أو الاطراد في الأحداث أو الأشياء تميز باسم ما>> (ج.د نوفاك&د.ب جووين،1995،ص5)

رغم تنوّع الصيغ التي طرح بها مصطلح المفهوم فإنها تتمحور كلها حول المصطلحات التالية:

    - تكوين التصور العقلي    - التجريد    - فكرة عامة    - الخصائص المشتركة

    - مجموعة من الأشياء، المواقف أو المواضيع

    - مصطلح، اسم أو رمز مشترك

المفهوم فكرة عامة ومجردة تنشأ عن تصوّرنا لأشياء، مواقف أو مواضيع  تشترك في نفس الخصائص، وتُسمى بنفس الاسم أو الرمز. والمفهوم ينمو ويتطور كما أن مكوناته يمكن أن تنتمي إلى مفاهيم أخرى تُحدَّد بخصائص أخرى، رئيسية في مفهوم ما ومُهملة في مفهوم آخر. وبذلك يمكن القول أن البناء المفاهيمي ذات طبيعة تطورية، مرنة ومتداخلة، وفي الغالب تأخذ شكلا هرميا يتدرج من العام إلى الخاص.

2.مكونات المفهوم: للمفهوم مكوّنين أو بعدين يكمن دورهما في التعريف بكل مفهوم وتمييزه عن غيره من المفاهيم، وهذان المكونان هما:

الفهم La compréhension وهو مجموع المميزات والصفات التي تحدد المفهوم، والتي لا يمكن الاستغناء عن إحداها دون الإخلال به. يمكن تسمية هذه الصفات بالتوابع les attributs.

الامتداد L’extension هي كل الأشياء أو مجموعات الأشياء التي تتصف بالمميزات والصفات المكونة للفهم. كل من هذه الأشياء تحتوي على صفات أخرى لكنها تعتبر غير هامة في هذا المفهوم، لذا يعتبر هذا الأخير-فضلا عن كونه فكرة عامة- مجردا (voir,R.Doron & F.Porot, opcit, p137)

العلاقة بين الفهم والامتداد: العلاقة بين عنصري الفهم والامتداد نوعان: حلقية و عكسية

فالعلاقة الحلقية تسمح بمعرفة الأشياء التي تنتمي إلى المفهوم، وبذلك التي تنتمي إلى الامتداد حسب تركيبة الفهم. كما أن استخلاص أوجه الشبه بين مكونات الامتداد (الأشياء، المواضيع والمواقف)، يُمكِّن من استخلاص مكوّنات الفهم (الخصائص، الصفات) وهي العملية التي تمثل تكوين المفاهيم.

أما العلاقة العكسية فيمكن شرحها في أنّه كلما زادت مكونات الفهم (أي كانت غنية بالصفات والمميزات الشارحة للمفهوم) نقصت مكونات الامتداد (أي هناك عدد أقل من الأشياء والمواضيع المنتمية للمفهوم) والعكس بالعكس، بتعبير آخر يزداد عدد الأشياء المشتركة في صفات قليلة؛ كما يمكن أن يكون هناك العديد من الفهم لنفس الامتداد لكن لا يمكن أن يكون لنفس الفهم أكثر من امتداد واحد. Ibid, p.p.137-138)بتصرف)

الفصيلة والنوع l’espèce et le genre

يمكن لنفس المفهوم أن يكون نوعا بالنسبة إلى عدد من المفاهيم، وفصيلة بالنسبة لمفاهيم أخرى. ويوضّح دورن وَ بورو R.Doron & F.Porot  في مثال، أنّ الشكل الرباعي يعتبر نوعا ومن فصائله نجد المربع والمعين، وفي نفس الوقت المربع فصيلة من المعينات وهذا الأخير يعتبر في هذه الحالة نوعا. وبذلك العلاقة بين النوع والفصيلة علاقة تحوّلية من مستوى إلى آخر وهذا ما يجعل البنية المفاهيمية يأخذ، في الغالب، شكلا هرميا. (Ibid)  كما أن هذا التقسيم يسمح لنا بمعرفة رتبة مفهوم ما. 

فيما يلي مثال يوضح ما سبق حول مكونات المفهوم وعلاقة المفاهيم بعضها ببعض، نموذج عن المفاهيم الهندسية والتقسيم الهرمي الذي ينطلق من الأشكال الهندسية المُسطّحة بشكل عام إلى غاية الوصول إلى فصيلة المثلثات القائمة:

                            

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نلاحظ من المثال الموضّح في الشكل أنه كلما زدنا عدد التفاصيل في الفهم قلّ عدد الأشكال الهندسية التي تنتمي إلى المفهوم المذكور، كما نلاحظ أنّ التدرج يتم من العام إلى الخاص، أي من المفاهيم الأكثر شمولية إلى مفاهيم خاصة ومحددة، وإذا واصلنا العملية سنحصل على شكل يحمل صفات المفهوم ويتميّز بألوان وأبعاد محددة، مرسوم في كتاب محدد وفي صفحة محددة، وفي هذه الحالة لا يُعتبر مفهوما مجردا وإنما شكلا محسوسا يمكن أن نكوّن عنه صورة ذهنية.

ان العلاقة التي تربط مكونات المفهوم بنوعيها تعتبر مجالا خصبا للدراسة ويمكن تكريسها واختيار الأنسب في تدريس كل مفهوم.

3.أنواع المفاهيم: يمكن إتباع مرجعيات مختلفة في تصنيف المفاهيم  ففيجوتسكي Vygotsky -مثلا- يرى أن هناك:

*       مفاهيم تلقائية تُكتسب بصورة طبيعية دون تدخُّل فرد آخر مثل المعلم، ويحدث هذا الاكتساب من خلال احتكاك الفرد بالبيئة المحيطة والخبرات الحسيّة المباشرة، ومن بين هذه المفاهيم نجد اللون والعدد...

*       مفاهيم علمية تكتسب في مواقف تعليمية، أو من خلال المراجع العلمية المتنوعة، ولا يمكن اكتسابها بمجرد احتكاك الفرد ببيئته. (بطرس حافظ بطرس،مرجع سابق،ص.ص59-60)

 ومن بين المفاهيم العلمي نجد مفاهيم الرياضيات والفيزياء.

يتفق بياجي مع تقسيم فيجوتسكي لأنواع المفاهيم على أساس طريقة اكتسابها، فرغم الاختلاف نجد العديد من التقاطعات بين نظريتهما سواء فيما يخص تكوين المفاهيم –الذي سنتطرق إليه لاحقا- أو في نمو التفكير.

*أما على أساس العلاقات بين مكونات المفهوم، فيقسم كل من برونر وأُوستن Bruner&Austeen المفاهيم إلى ثلاثة أنواع هي:

*       المفهوم الرابط (المُوحِد): ويتمثل في مجموعة الخواص المشتركة بين مجموعة من الأشياء، الكائنات أو المواقف.

*       المفهوم الفاصل(غير الموحِّد): وهو عكس الأوّل، يضُمّ مجموعة الخواص المتباينة بين الأشياء، الكائنات أو المواقف.

*       المفهوم العلائقي: يتضمن العلاقة بين خاصيتين أو أكثر من خصائص المفهوم. (أنظر، المرجع السابق، ص.ص64-65)

*وحسب وظيفتها نجد عادة:

*       مفاهيم وصفية: تقوم بوصف خصائص الأشياء وتجميعها تحت اسم مشترك ومجرّد. فمفهوم المُربع مفهوم وصفي يقوم عل أساس ذكر خصائصه: شكل رباعي مُسطّح قائم الزوايا ومتقايس الأضلاع. وكذلك بالنسبة لمفاهيم مثل الحيوان، المدرسة، الحرية...الخ

*       مفاهيم تعبر عن قوانين أو علاقات: وهي التي تحدد العلاقة بين مفهومين أو أكثر، ومن بين هذه المفاهيم:قانون الجاذبية، السرعة، ...

*       مفاهيم تعبر عن علاقات تقوم على أساس من الفروض والتكوينات الفرضية العقلية: تقوم عليها عادة النظريات العلمية وتهدف إلى تفسير العلاقات أو القوانين. (عادل أبو العز أحمد سلامة،2004،ص.ص55-56)

*ومن ناحية مصدر وطريقة تكوين المفاهيم، يُمكن تقسيم هذه الأخيرة إلى نوعين:

*       المفاهيم المحسوسة: تُستقى مباشرة من البيئة من خلال الحواس، وعادة ما تكون مفاهيم وصفية.

*       المفاهيم المجرّدة: لا يُستمدّ هذا النوع من المفاهيم مباشرة بالملاحظة والخبرة الحسّية، إذ أنّها مُعقدة تحتاج إلى نموّ عقلي مناسب وخبرات حسية مُسبقة. (بطرس حافظ بطرس،مرجع سابق،ص66)

يمكن للتعليم أن يساهم بقدر كبير في اكتساب المفاهيم المجردة، بل أن معظمها ينكوّن من خلال العملية التعليمية، وحسب بياجي فان هذا النوع لا يظهر بوضوح إلا في مرحلة العمليات المجردة، أي في سنّ 11الى12 سنة فما فوق، نظرا لتطر التفكير المجرّد في هذه الفترة.

*يرى ديردن Dearden أن المفاهيم تنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي،

*       المفاهيم الإدراكية: وتشمل الأشياء المادية فقط، أي التي تشترك في مظاهر معينة مع نفس الأعضاء في هذا التقسيم. ويتم اكتسابها قبل اللغة.

*       المفاهيم العملية: هي التي نفهمها أكثر من خلال وظائفها، مثل: الكرسي، الكتاب، الباب...

*       المفاهيم النظرية: وتتضمن مفاهيم ذات طبيعة مجردة مثل: القدر، الحرية، الكتلة، الوزن...

(عزة خليل عبد الفتاح، مرجع سابق، ص11)

رغم تنوع هذه التقسيمات يمكننا تبني تقسيمين رئيسين، وهما الأكثر شيوعا في الدراسات المتناولة لاكتساب، نمو أو تدريس المفاهيم وهما: المفاهيم التلقائية مقابل العلمية، والمفاهيم الحسية مقابل المجردة.

4.مراحل تكوين المفاهيم:

1.4-نظرية فيكوتسكي:

نبذة عن حياة فيكوتسكي: ولد ليف سيمونوفيتش فيكوتسكي Lev Semenovitch vygotsky في أورشا Orsha غرب روسيا (بيلاروسيا)، وذلك في 05/10/1896، والده الذي كان رئيس قسم في بنك وممثل شركة تأمين في جومل Gomel - اين انتقلوا للعيش سنة1897- كان ذا عقل متفتح، ذكيا ومهتما بالثقافة حتى أنّه فتح مكتبة عمومية في هذه البلدة، (Voir, Angel Rivière, 1990, p29)

تخلى فيكوتسكي عن دراسته للطب ليتّجه للفنون، ثم اهتم بعلم النفس الذي كان بالنسبة له الطريقة الوحيدة لفهم ميكانزمات الإبداع الفني، ظهرت بوادر نظريته في ربيع 1924، أين شارك في المؤتمر الثاني لعلم النفس العصبي في لينينغراد Leningrad ، فشكل ما سماه ريفيير Rivière بالتيار الثالث لعلم النفس، ووضع فيكوتسكي أسسه في كتابه <<المعنى التاريخي لأزمة علم النفس>> سنة 1926، في الوقت الذي كان هناك صراع بين تيارين لعلم النفس في روسيا، أحدهما مثالي، والآخر مادي مبسط. (voir,Ibid, p.p.6-7) فحسب التيار الأول النمو ليس هو التعلم، فالنمو يأتي من تسخير القدرات الداخلية للفرد أما التعلم فهو عملية خارجية تتبع النمو  وليس شرطا أساسيا لحدوثه، وفي هذه النظرة مبالغة (حسب فيكوتسكي) في قدرات الفرد من حيث الوظائف العقلية العليا على حساب التفاعل مع المحيط؛ في حين تتلخص نظرة التيار الواقعي (المادي) المبسط في كون النمو هو نفسه التعلم، فالنمو عبارة عن تكوين ردود أفعال شرطية للمثيرات الخارجية، وهو الأمر الذي يقلص من دور القدرات العقلية للفرد ومن الطبيعة النشطة والمتغيرة للفرد أثناء التعلم، وبذلك يقتصر التعلم عند الإنسان –مثلما هو عند الحيوان- على بناء العادات و العلاقات بين المواضيع؛ وانتقد فيكوتسكي هذه النظرة التي أتى بها السلوكيون وأشار إلى وجود نظريات أخرى تتوسّط هذين التيارين فـكوفكا Koffka مثلا يرى أنّ النمو يؤسس على عمليتين مرتبطتين بعضهما ببعض وهما النضج والتعلم(Ibid,p.p.89-91) .

 ينتمي فيكوتسكي إلى مؤيدي النظرية البيئية، كما يمكن أن نصنفه ضمن رواد النظرية المعرفية، إذ اهتم بدراسة البناء المعرفي لقدرات الطفل ضمن محيطه الاجتماعي                             (Helen Bee & Denise Boyd,2003, p13)

 توفي فيكوتسكي سنة 1934 ولم يتجاوز 38سنة، ومع ذلك فقد كانت لنظريته الاجتماعية الثقافية وقع كبير على علم النفس وعلى التعليم وان كان ذلك بعد سنوات عدّة من وفاته، بفضل الدراسات التي أخرجت نظريته من دائرة النسيان، ليتمّ التحقق من آرائه، سواء تلك المتعلقة بالنمو النفسي والعقلي للطفل أو التي تعنى بالتعلم والتعليم.

 –أسس نظرية فيكوتسكي: يرى كلّ من دافيدوف ورادزيكوفسكي Davydov & Radzikhovskii أنّ فيكوتسكي هو مُؤسّس نظرية نفسية قائمة على مفهوم النشاط بحث أن النشاط البشري، وهو رابط بين العالم الخارجي والوعي، هام لتفسير مختلف الظواهر النفسية والعقلية. كما يرى هؤلاء أن مبدأ وحدة تحليل معاني الكلمة، المعرفة من طرف فيكوتسكي، لا تتعارض مع النشاط كمبدأ تفسيري، إذ أنّ الرموز (اللغة) تنبثق تاريخيا كمنتج من النشاط البشري نفسه. (voir,Ibid, p8) وتناولت العديد من الأبحاث ما أتى به فيكوتسكي وخصوصا في السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي، بين المعارِضة على آرائه وبين المُؤكِدّة عليها، كما ظهر تأثير نظريته الاجتماعية الثقافية على المناهج والطرق التربوية، وبالخصوص ما يتعلق بتعليم المفاهيم، وأعاد الاعتبار إلى دور الراشد في نمو وتعلم الطفل وبذلك دور المعلم.

تقوم نظرية فيكوتسكي على التفاعل الاجتماعي، وقد ذهب إلى حدّ تعريف الوعي بأنه اتصال اجتماعي مع الذات ينتج عن استعمال الرموز، أي أنه ذو طبيعة سميائية. (Voir, Ibid, p6) وفيما يلي عرض لأهم أسس نظرية هذا العالم النفس-لغوي

–النمو:ينمو الطفل بتفاعله مع الآخرين، واتصاله بالكبار يجعل قدراته العقلية تنمو، إذ أن الوظيفة الموزعة بين الطفل والراشد خلال تفاعلهما تتحوّل إلى وظيفة نفسية داخلية للطفل، كما يرى فيكوتسكي أنّ استيعاب الخبرة الاجتماعية من طرف الطفل، هو ما يؤدي إلى النمو النفسي لديه، وهذا الاستيعاب يحدث بمساعدة اللغة.(أنظر:بطرس حافظ بطرس، مرجع سابق، ص95) والنمو حسب فيكوتسكي "ينتج عن التفاعل بين الثقافة(الوسط الاجتماعي) من جهة، وبين نضج والاحتياجات البيولوجية الأساسية للطفل من جهة أخرى" (Helen Bee & Denise Boyd, Ibid , p13) وفي نظرته هذه يختلف مع بياجي الذي أهمل دور المحيط، وبالخصوص دور المجتمع في نمو قدرات الطفل، إلا أنّ فيكوتسكي ركز كثيرا على دور الراشدين ولم يرد عنه اهتماما كبيرا بالتفاعل الذي يحدث بين الطفل وأقرانه، وإنما ركز على دور الكبار (أو أطفال ذوي مستوى أعلى) الذي من شأنه تنمية قدرات الطفل سواء كان ذلك في وضعية تعليمية أو في ظروف طبيعية.

يضنّ فيكوتسكي أن نمو الطفل عملية جدلية معقدة تتميّز بمراحل معينة واللاانتظام في نمو مختلف الوظائف، كما تتميز بالتحول والتغير النوعي من شكل إلى آخر، والعلاقات المتبادلة بين العوامل الخارجية والداخلية والعمليات التكيفية التي تسمح بالتغلب على العوائق التي يواجهها الطفل... (Angel Rivière, Ibid, p92)

–التعلم: لنظرية فيكوتسكي أثر كبير على النظم التعليمية، فقد كان يرى بأنّ عملية التعلم ما هي إلاّ استيعاب للخبرة الإنسانية، فيجب تقديم المساعدة للطفل في تعلمه، مع التدرج من الأسهل إلى الأصعب ليتناسب مع سنّه إلى أن يتمكن من الاستقلال في قدراته. (voir, Ibid, p96)

ومن أهم ما جاءت به نظريته أنّ التعلم يسبق النمو، فأعاد بذلك الاعتبار لدور التربية من خلال مفهوم المنطقة التقريبية للنمو كما نجد مفاهيم أخرى مثل التدريس الشكلي وغير الشكلي وفيما يلي عرض لأهم مفاهيم نظرية فيكوتسكي:

  • المنطقة المقاربة للنمو La zone proximale du développementيعرفه فيكوتسكي على أنّه "المسافة بين المستوى الحالي للنمو، المحدد بالقدرة على حل مشكل بصورة مستقلة، وبين المستوى الأقرب للنمو،  والمحدد بالقدرة على حلّ مشكل تحت توجيهات راشد، أو بالتعاون مع رفقاء آخرين أكثر قدرة على ذلك".المستوى الحالي لنمو إذا هو مجموعة النشاطات التي يستطيع الطفل أن يؤديها دون مساعدة أو توجيه من أشخاص آخرين، أما المستوى الأقرب للنمو فهو مجموع النشاطات التي يستطيع الطفل أن يؤديها بمساعدة، تعاون أو توجيهات الآخرين. (Ibid,p.p.93-94) لكل طفل منطقة مقاربة للنمو، وفي هذه المنطقة فقط يحدث النمو، ففيها يكون مستوى نضج الطفل، والمتطلبات التي توفرها البيئة للطبيعة مناسبين، وكل ما يقع خارج هذه المنطقة لا يؤدي إلى النمو: المتطلبات التي تقع فوق هذه المنطقة تتطلب قدرات لا يملكها الطفل، أما المتطلبات التي تقع تحت هذه المنطقة، أدنى من قدرات الطفل الحالية والتي قد سبق واكتسبها. لا يحدث النمو في هذه المنطقة دون مساعدة من الكبار أو أطفال أعلى مستوى منه، مثل الإخوة الأكبر سنا، كلما زاد قدرات الطفل نموا تصعد هذه المنطقة لتنتقل إلى مستويات أعلى تتطلب مهام أكثر تعقيدا. يعتبر هذا المفهوم هاما في التربية بحيث يكون للطفل مشاركة فعالة في نشاط التعلم، مع توجيه مناسب من طرف المعلم؛ كما –وان كان صعب التحقيق- يجب على المعلم مراعاة منطقة نمو كل طفل لكي يتناسب ما يقدمه من معلومات، ومستوى كل واحد.  (Helen Bee & Denise Boyd, Ibid)
  • التربية النظامية والتربية غير النظامية éducation formelle et éducation informelle تطرق فيكوتسكي إلى هذين المفهومين وفرق بين التربية النظامية: تعليم في وسط مدرسي، مبني على برامج محددة، مدرسّة من طرف المعلّم    وبين التربية غير النظامية: وهو تعليم الطفل في ظروف غير مدرسية، ويقوم على توجيهات الراشد ومساعدته للطفل على اكتساب مهارات أو تعلُّمات مختلفة
  • التربية الخاصة:l’éducation spécialeكانت لأفكار فيكوتسكي وقع كبير على تعليم الفئات الخاصة فيما بعد، وكانت جديدة في زمن لم تحظى به تلك الفئات بالعناية المناسبة؛ وقد بنا نظريته على انتقاداته لاختبارات النفسية التي كانت متداولة في ذلك الوقت، إذ يرى وجوب التركيز على المظاهر الايجابية عند الأطفال ذوي صعوبات أو إعاقات، بدل المظاهر السلبية. وقد ركز على مفهوم التعويض الذي يرى بأنه وسيلة للنمو، لا تعتمد فقط على حدّة العيب، بل أيضا على مستوى عال من ملائمة وفعالية الطرق المستعملة لتشكيل عمليات التعويض، كما أن بنية الخلل الموجود تتغيّر إذا كان التعويض ناجحا والعيب مصحّحا. وقد اهتم فيكوتسكي ومن اتبعوا نظريته، بصعوبات القراءة فكان اهتمامهم مركزا على دراسة سلوك القراءة عند الطفل في سياق طبيعي. (voir,Ibid, p.p.20-21)
  • الوسيط le médiateur  ظهر مفهوم الوسيط في الأصل من دراسات فيكوتسكي حول الفن، ويمكن تعريف الوسائط بأنها أدوات نفسية تتمثل في الرموز، وبالخصوص الرموز اللغوية، التي تصبح وسائط للنشاط العقلي، وهذه الأدوات النفسية (الرموز) هي، عند فيكوتسكي، ذات طبيعة اجتماعية (voir,Ibid, p.p.10-11) إذا الوسيط هو ما يسمح بتواصل النشاط العقلي الداخلي بالوسط الخارجي للفرد، وبدراستها نتمكن من دراسة النشاط العقلي الذي لا يمكن ملاحظته إلا من خلالها.

طرق البحث والقياس النفسي: انتقد فيكوتسكي كثيرا الاختبارات النفسي وطرق البحث في مجال نمو الطفل ونمو القدرات العقلية، ومن بين ما أتى به من انتقادات:

-طرق التقييم (الاختبارات) لا تكفي لتقييم النمو النفسي والعقلي للطفل

-لا يكفي التقييم مرّة واحدة بل يجب التقييم على مرتين، الأولى لمعرفة كيف يقوم الطفل بحل المشكل بشكل مستقل، أما في المرة الثانية فنقيم قدرة الطفل على حل نفس المشكل بمساعدة الكبار، فإذا عجز الطفل على الحلّ حتى بمساعدة الكبار، يمكن أن نتحدث عن وجود إعاقة في النمو العقلي. (بطرس حافظ بطرس، مرجع سابق، ص96) وفي هذا الصدد يمكن الحديث عما سماه فيكوتسكي بالإثارة المزدوجة، أي تقديم نوعين من المثيرات لدراسة الوظائف العقلية، بدل الطرق المعتمدة على مثير واحد. (Angel Rivière, Ibid, p88)

-لا يجب الاهتمام بالمنتج النهائي  فقط في دراستنا للمفاهيم (الكلمة)–كما كان العديد من الدراسات- وإنما يجب الأخذ بعين الاعتبار التغيرات في عملية تكوين المفاهيم، والاهتمام بظروف حدوثها من خلال دراسة الأدوات التي يُبنى عليها المفهوم والكلمة التي تسمح بظهوره.  (Françoise F.Orest&Maryse S. Iksou, 1994, p216)

-يجب أن يكون للباحث (المجرب) دور فعال في التجربة، إذ يلعب دورا في تمثيل الثقافة والمجموعات الاجتماعية للمساهمة في دفع الطفل لبناء وظائفه العقلية، هذا ما لا نجده في الدراسات التي تُعنى بالمثير-استجابة (المدرسة السلوكية) أين كان المجرّب يأخذ دور ملاحظ لا يتدخّل ولا يؤدي أيّ دور في التجربة. (Angel Riviére, Ibid, p88)

-اللّغة عند فيكوتسكي: تأخذ اللغة حيزا كبيرا في نظرية فيكوتسكي، فهو يعتبرها الوسيط بين العالم الداخلي للفرد وبين المحيط الخارجي، كما يترجم النشاط العقلي إلى رموز أهما الرموز اللغوية تأخذ صفة الوسائط، ومنه تكون الوسيلة لدراسة النشاطات العقلية لطفل ونموّها. واللغة مركز كلّ انتقال نشاط في اتجاه الداخل أو إلى الخارج فاستدماج intériorisation الوظائف والعلاقات الاجتماعية يتم بوساطة اللغة، كما أنّ التعبير عن النشاطات والتفكير يتم أيضا بواسطة اللغة.

يتفق فيكوتسكي مع بياجي في نمو اللغة، وبالخصوص وجود ما يسمى باللغة المتمركزة حول الذات عند الطفل، واللغة الداخلية عند الراشد، إلا أنهما يختلفان في نظرتهما لطبيعة اللغة المتمركزة حول الذات إذ يرى بياجي أنها علامة من علامات عدم النضج، في حين يرى فيكوتسكي أن هذه اللغة ما هي إلا أداة للتفكير. (Ibid, p12)

يرى فيكوتسكي أن استخدام الكلام يمرّ بثلاث مراحل هي:

-الكلام الاجتماعي: يستخدم الطفل اللغة في هذه المرحلة للاتصال بالآخرين دون أن يكون لديه وعي بعناصر وتركيب اللغة، أو أن تكون لها علاقة بالعمليات العقلية أو بالتفكير

-الكلام المتمركز حول الذات: يبدأ الطفل في استخدام اللغة وتنظيم الوظائف الفكرية، وفي هذه المرحلة لا يستطيع أن يستخدم اللغة داخليا فيتحدّث مع نفسه مستخدما اللغة كطريقة لإرشاد الفكر والسلوك

-الكلام الداخلي: يتحول الكلام المتمركز حول الذات إلى كلام داخلي (اللغة الداخلية) وفي هذه الحالة، ومع بقاء الوظيفة الاتصالية، يستطيع الطفل أن يستخدم اللغة الداخلية صامتةً وهي فكر في غير قالب لغوي (بطرس حافظ بطرس،مرجع سابق، ص.ص101-102) في هذه المرحلة ومع استدماج اللغة، تتحوّل من مجرد أداة تواصلية إلى أداة تفكير تتأثر وتؤثّر في باقي الوظائف العقلية، وهو الموضوع الذي طرحه كل من بياجي وفيكوتسكي ليتناوله فيما بعد العديد من الباحثين.

-المفهوم: ميّز فيكوتسكي بين نوعين من المفاهيم:

  • المفاهيم التلقائية: تظهر المفاهيم التلقائية بفضل الكلمة التي تسمح بالانتقال من أشباه المفاهيم إلى المفاهيم الحقيقية، كما يعتبر المفهوم التلقائي مفهوما كامنا، غير واع ولا إرادي.                                                     (Françoise F.Orest&Maryse S. Iksou, Ibid, p.p230-232)  
  • المفاهيم العلمية: تُقدّم المفهوم العلمي للطفل –حسب فيكوتسكي- في البداية على شكل تعريف لغوي، وبذلك يبنى على نظام ربط كلمات، وليس مرتبطا بتجربة نجد فيها المدلول عليه، فتكون تصورات الطفل مجردة، وبذلك يبقى المفهوم معلقا يُحفظ فقط ضمن سلسلة من الكلمات؛ التصورات الأولى التي يكونها الطفل لا تعني بالضرورة فهما حقيقيا للمفهوم ومع هذا فالمفهوم موجود، وبمساعدة الكبار يبني الطفل روابط، من خلال التجارب، مع معطيات مُدركة حقيقية أو شبه حقيقية (مُعاد تركيبها) يتمكن من خلالها التعرف على المعنى الحقيقي للمفهوم؛ فالكلمة لا تشرح معنى شيء بل تأخذ وظيفة التسمية فقط، والدليل على ذلك أن الطفل قد يتعلم كلمات قبل أن تعني شيئا.

إذا تكوين المفاهيم يختلف عن التعريف اللغوي، ووجود المفهوم لا يعني الوعي به، إلا أن للكلمة دورا محوريا في بناء المفاهيم أو التعامل بها، فبواسطتها يتم تجريد المواضيع المُدركة، ومن خلال إعادة صياغة التعريف اللغوي يمكن معرفة ما إذا كان تصور الطفل للمفهوم صحيحا،(voir, Ibid,p.p.221-225) كما أن إمكانية الوصف تعني الوعي بالعناصر المكونة للتجربة ويتمكن الطفل من التجريب إراديا للحصول على معنى المفهوم، فينتقل إلى مستوى يسمح له بجعل المفهوم ملموسا (التجربة) ثم إعادة تجريده من جديد (التعريف: الكلمة). (Ibid, p232)

نلاحظ من خلال هذا التصنيف أنّ التمييز بين المفاهيم العلمية والمفاهيم التلقائية، يتم على أساس الوعي بالمفهوم ومكوناته من عدمه، وهنا يأتي دور التعليم في دفع الطفل على الوعي بالمفاهيم لنقلها من المستوى التلقائي الذي قد يحمل أخطاء كثيرة نظرا لتكونّه بشكل لا إرادي غير متحكّم في مجريات بنائه، إلى مستوى إرادي التكوين ومُتحكّم في خطوات بنائه، وبذلك أخطاء أقل إن لم نقل منعدمة.

-مراحل نمو المفاهيم حسب فيكوتسكي: قسم فيكوتسكي نمو المفاهيم إلى ثلاثة مراحل أساسية هي:

مرحلة الأكوام (التفكير التجميعي)   يميل الطفل في هذه المرحلة إلى تكديس الأشياء في مجموعات وقد يعتبر هذا التجميع شكلا من أشكال التصنيف،  ومع أنه لا يخضع لقاعدة محددة ويتميز بالغموض، فان تراكم هذه الخبرات مهم ويعتبر المادة الخام لتكوين المفاهيم. (بطرس حافظ بطرس، مرجع سابق، ص.ص98-99)

تمر هذه المرحلة في البداية بفترة المحاولة والخطأ أين يتم اختيار مجموعة من الأشياء بذاتية ويتم توسيع معنى الكلمة أو الرمز الذي يحل محله، إلا أن معنى هذه الكلمة مبني على إدراك وتصورات قد تكون خاطئة ولا يشابه معنى الكلمة الذي عند الطفل المعنى ذاته الذي عند الراشد إلا عن طريق الصدفة (خاصة عندما تمثل أشياء ملموسة من محيط الطفل) يلي هذه الفترة الإحساس بوجود قرابة بين مجموعة من الأشياء والوعي بأن كل عناصر المجموعة تمثل نفس المعنى، ومع ذلك يبقى هذا الوعي غير تام، إذ لا يتمكن الطفل من تحديد أوجه الشبه الحقيقية، ولا يزال تصنيفه متميزا بالذاتية والتلفيق.    (Françoise F.Orest&Maryse S. Iksou, Ibid, p.p.217-218)   

مرحلة تكوين العقد  (التفكير العقدي) تتشابه هذه المركبات (العقد) قليلا مع مفاهيم الراشد لأنها ناتجة عن تفكير مناسب وموضوعي، وهنا يتحدّث فيكوتسكي عن "اللقب: الاسم العائلي" أي تجميع العديد من الأشياء تجمعها روابط مختلفة، وتنقسم هذه العقد إلى خمسة أنواع متتالية زمنيا وهي

  1. العقد الترابطية:قد لا تكون الأشياء المكونة للمجموعة مرتبطة ببغضها لكنها ترتبط برابط محسوس يمثّل نواة أو مركز المجموعة (voir, Ibid, p218) ومع أنّ هذا التجميع يتميّز بموضوعية أكثر، إلا أن الطفل قد ينخدع بمظهر الشيء ويتصوّر أنه ينتمي إلى فئة معينة يوجد بينها وبين هذا الشيء وجه تشابه. (بطرس حافظ بطرس، مرجع سابق، ص99) ويمكن تمثيل هذا النوع من العقد في الشكل التالي، والذي يقوم على أساس التجميع فيها على الصفة المشتركة وهي اللون الأزرق
 
  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  1.  تكوين المجاميع (العقد المجاميع): يقوم الطفل في هذه المرحلة بتجميع الأشياء على أساس انتمائها لفئة معينة أو تؤدي نفس الوظيفة وهنا لا يكون أساس التجميع الشبه بينها. (المرجع السابق، نفس الصفحة)

  ويرى فيكوتسكي أن الأشياء تُجمّع على أساس تكاملها الوظيفي (الملعقة-الصحن) وبذلك يمكن أن يكون لنفس الكلمة، عند الطفل، معان كثيرة قد تكون أحيانا متناقضة، مثلا: استعمال كلمة "غدًا" للإشارة إلى "الغد" و"الأمس" (Françoise F.Orest&Maryse S. Iksou, Ibid, p219)

نلاحظ في هذه الفترة أن تفكير الطفل قد تطور من مستوى تجميع على أساس المظهر الخارجي أو وجه شبه آخر محسوس، إلى مستوى أكثر تجريد يقوم فيه التجميع على أساس صفات وظيفية فيقوم الطفل مثلا بجمع كل اللعب التي تمثل وسائل النقل: السيارة، الدراجة، القطار، الباخرة...الخ  رغم اختلافها في الشكل، اللون والحجم

  1. العقد المتسلسلة (التسلسلية):يتم بناؤها بجمع ديناميكي ومؤقت لحلقات متفرقة في سلسلة موحدة وبتحويل المعنى من حلقة إلى أخرى (voir, Ibid, p219) وهنا يجمّع الطفل على أساس صفة معينة ليشرد ذهنه إلى صفة أخرى، أي أنه يدرك أن للشيء الواحد العديد من الصفات التي يمكن أن يتم التجميع على أساسها (بطرس حافظ بطرس، مرجع سابق، ص.ص.99-100) ويمكن تمثيل هذا النوع في الشكل التالي:

                                                       

 

                                                                                                              

                                                                                                                                                                                                  

 

 

 

 

  1. العقد الانتشارية:ينتج هذا النوع عن سابقه، ويظهر على شكل مركب منتشر وغير دقيق، لأن الروابط التي تجمع الأشياء متغيرة من زوج من الأشياء إلى آخر، وقد تكون أسس التجميع مبنية على انطباعات غير واضحة، ولان الخصائص التي يبنى عليها التجميع غير محدودة، فان الانتشار يمكن أن يتم في كل الاتجاهات وبصفة غير محدودة،(Françoise F.Orest&Maryse S. Iksou, Ibid, p219) ويبدو شكل البناء متشعبا أو بشكل شبكة ولا يأخذ شكلا منتظما باتجاه واحد، فمثلا يمكن تجميع الأشكال الهندسية المسطحة بطرق عدّة، تنتشر في مواضع وتلتقي في مواضع أخرى نظرا لتنوع خصائصها، وقد لا يتمكن الطفل من بناء العقد على أسس صحيحة وواضحة دائما، لكنّه يكتسب مرونة وتحكم أكثر في تكوين المفاهيم، كما أنّه ينتبه إلى إمكانية تصنيف الشيء ذاته في مجموعات مختلفة.  
  2. شبه المفهوم: ظاهريا هو مفهوم لكنه في الحقيقة نوع من العقد وقد يصادف أن يلتقي بمفاهيم الكبار إلا أنه مبني على أسس حسية، ويقول فيكوتسكي بأن شبه المفهوم جسر يربط بين التفكير المحسوس، عبر الصورة الحدسية، وبين التفكير المجرد. مثلا: كلمة "كلب" عند الطفل هي مركب (عقدة) محسوس عن الكلاب، إلا أنها تمثل عند الراشد، المفهوم المجردة للكلب(Ibid, p.p.219-220)

قد تتفق بعض الأشياء في بعض الصفات، إلا أنها لا تنتمي إلى نفس النوع أو الجنس، أي أنّها لا تمثل مفهوما، نظرا لاختلاف خصائصها، لذا يكون التجميع غير دقيق لاعتماد الطفل على الصفات دون الخصائص. (بطرس حافظ بطرس، مرجع سابق، ص100،بتصرف)

مثال: قد يجمع الطفل الأشكال الهندسية على أساس صفة اللون أو الحجم، لكنها لا تمثل المفهوم ذاته، وإذا اعتمدنا على خاصية عدد الأضلاع تتكون لدين مفاهيم الأشكال الرباعية والثلاثية...الخ، بغضّ النظر عن الصفات التي قد تشترك فيها أشياء أخرى غير الأشكال الهندسية.

هذه المرحلة هامة جدا وهي بمثابة المرحلة الانتقالية إلى تكوين المفاهيم العلمية، يتم فيها بلورة أشباه المفاهيم فيما يسميه فيكوتسكي بمنطقة النمو الأقرب، وهي تمثل المنطقة التي تصبح فيها أشباه المفاهيم ناضجة وجاهزة لبلورتها إلى مفاهيم علمية، من خلال تجارب واقعية، إلا أن ذلك قد لا يحدث دون إرادة فعلية في مواصلة استخلاص الخصائص الفعلية الممثلة للمفهوم (يمكن التحدث عن تعليم المفاهيم) كما أن الصيغ اللغوية ضرورية لحدوث ذلك. (voir,Françoise F.Orest&Maryse S. Iksou, Ibid, p.p.229-230)   

مرحلة المفهوم (التفكير المجرد) تتكون المفاهيم حسب الخطوات التالية:

  1. يتم التجميع في البداية على أساس أقصى تشابه بين الأشياء، وهنا يتم تحديد الصفات المميزة بين أشياء من نفس المجموعة، وبناء على هذه الصفات يتم ضمّ أو حذف الأشياء التي تتميز، أو لا، بها؛ بعدها تقسم الصفات المميزة إلى صفات ايجابية وأخرى سلبية، ليتم إهمال عدد من الصفات وتأخذ صفات أخرى أهمية أكبر. (Ibid, p220)   
  2. تتكون المفاهيم الكامنة على أساس التجريد العزلي للصفات، وتشتمل على عدد محدود من الأشياء، ونجد هذه الوظيفة عند بعض الحيوانات مثل القردة، التي –نظرا للحاجة- تتعرف على أشياء يمكن أن تؤدي نفس الوظيفة التي تؤديها العصا في وضعية معينة، فتعمم على جميع الأشياء الأخرى التي يجمع بينها وبين العصا بعض الميزات العامة للشكل والصلابة، وذلك مهما كان نوعها؛ هذا يشبه كثيرا ما يحدث عند الطفل، الذي يسمي شيئا جديد باسم مألوف. بفضل الكلمة يتمكن الطفل ولأول مرة، من تفكيك الوضعية والروابط المحسوسة بين الصفات المميزة، ما يسمح بخلق مقدمة للقياس، ليتم توحيد هذه الصفات بناء على قواعد جديدة. (Ibid)
  3. يظهر المفهوم عندما تصبح الخلاصة، الناتجة عن تجريد الصفات المميزة ووضعها في خلاصة جديدة، شكلا أساسيا في تفكير الطفل، وتسمح له بفهم الواقع المحيط به وإعطائه معنا. ويرى فيكوتسكي أنّ للكلمة دورا أساسيا، إذ أن بفضلها يوجه الطفل انتباهه إراديا إلى بعض الصفات المميزة، كما يرمز بها للمفهوم المجرد. (Ibid, p221)       

بهذه المراحل تتكون المفاهيم، والتي صنفها فيكوتسكي إلى مفاهيم تلقائية وأخرى علمية، ومن خلا ما سبق ذكره فانّ طريقة سير المرحلة الأخيرة، وبلورة أشباه المفاهيم، يتحدد نوع المفاهيم المكونة (تلقائية أو علمية) وان كانت معظم المفاهيم العلمية المدرسة في تدرس دون المرور بهذه المراحل: فإما جعل المفاهيم التلقائية، أو أشباه المفاهيم قاعدة لبناء المفاهيم العلمية، أو إعطاء المفهوم العلمي مجردا من خلال التعريف اللغوي، ثم التعرف عليه من خلال التجارب، وهنا يأتي دور الراشد (المعلم) في اختيار التجارب المناسبة في الحالتين (الانتقال من المجرد إلى المحسوس، أو العكس)

2.4-نظرية بياجي  Jean Piaget: لا تبتعد نظرية بياجيه كثيرا عن نظرية فيكوتسكي فيما يخص نمو المفاهيم، وقد بنا بياجيه آراءه على نفس المفاهيم التي تميزت بها نظريته في نمو العقلي للطفل وهي: التوازن الداخلي بالتكيف والموائمة، التمثّل... وعلى استنادا بتقسيمه لمراحل النمو العقلي للطفل-انطلاقا من المرحلة الحسية الحركية، مرورا بمرحلة التفكير التصوري (ما قبل العمليات) التي تنقسم بدورها إلى مرحلة ما قبل المفاهيم ومرحلة ما قبل العمليات، إلى مرحلة الذكاء المجرد (العمليات الشكلية بعد المرور بمرحلة الذكاء المحسوس (العمليات المحسوسة)- قام بياجيه بتقسيم مراحل نمو المفاهيم إلى ثلاث مراحل نتناولها فيما يلي:

 مراحل نمو المفهوم حسب بياجي:

مرحلة المجموعات الخطية: يقوم الطفل في هذه المرحلة بتجميع عشوائي للأشياء، دون مراعاة صفاتها وأوجه الشبه والاختلاف بينها، وإنما يتم التجميع لأسباب فردية للتسلية والمتعة اللحظية، أو لدوافع فنية، وتنقسم هذه المرحلة إلى ثلاث مراحل ثانوية هي:

  1. الصفوف الجمعية: يظهر في هذه المرحلة نوع من الإدراك بوجود أوجه شبه، لكن في صورة بدائية ودون تخطيط مسبق أو توقع بما ستكون عليه نتيجة التجميع (بطرس حافظ بطرس، مرجع سابق،ص.ص89-90)  يضع الطفل الأشياء سويا على شكل خط مستقيم، وتقابل هذه المرحلة مرحلة العقد الترابطية عند فيكوتسكي.  (عزة خليل عبد الفتاح، مرجع سابق، ص21) تتميز هذه المرحلة بعدم الوعي بأوجه الشبه والاختلاف بين الأشياء المجمعة، ومع ذلك فقد تتشابه هذه الأشياء بالصدفة، ويمثل هذا التجميع نوعا من اللعب، ولا يتضمن أي هدف تصنيفي.  
  2. الأشياء الجمعية: يزداد شكل التجميع تعقيدا، ويتم في أكثر من بعد واحد، وقد يستجيب الطفل لأوجه الشبه بين الأشياء، ومع ذلك فعنصر الشبه يبقى ثانويا من وجهة نظر الطفل، أي أن التجميع لا يقوم دائما على أساسه(المرجع السابق، نفس الصفحة، بتصرف) يتغير شكل المجاميع في هذه المرحلة من الشكل الخطي، الذي يأخذ اتجاها واحدا، إلى مجموعات معقدة تأخذ اتجاهات مختلفة.
  3. المواد المعقدة: تصبح المجاميع أكثر تناسقا ومدلولا، لكن ما تزال المجموعة الشاملة أهم أوجه الشبه الداخلية بين المواد (بطرس حافظ بطرس، مرجع سابق، ص90)  

     ومع أن التجميعات في هذه المراحل لا تقوم بوعي تام لأسس التجميع (أوجه الشبه والاختلاف) إلا أنها خطوة أساسية ليأخذ الطفل تدريجيا في الإحساس بوجود شبه بين الأشياء، لقوم بعدها بتمييزها ووضعها في فئات مختلفة. وقد يهتم الطفل أكثر بالصفات الإدراكية والجمالية، نظرا لسيطرة الإدراك السطحي على تفكيرهم.

مرحلة المجاميع اللاخطية: يتم الانتقال إلى هذه المرحلة في حوالي السنة الرابعة من عمر الطفل، ويتميز هذا الأخير بمرونة عقلية واضحة، يتمكن حينها من التجميع على أساس صفة واحدة دون انحراف أو تغيير في مسار العملية، فيبدأ بتصنيف الأشكال الهندسية في كومات مناسبة. تتميز هذه المرحلة بالقصدية، أي أن الطفل يقوم بعملية التجميع بشكل إرادي عكس المراحل السابقة. ( المرجع السابق، ص91)

مرحلة المفاهيم الحقيقية: تتواصل عملية التجميع على أساس أوجه التشابه، لكن لطفل هذه المرحلة قدرة على تغيير أساس التجميع كما يريد، كما يكون قادرا على توقع نتيجة التصنيف، ويرى بياجيه أن الطفل ينتقل من مرحلة تجميع تقوم على أساس المحاولة والخطأ، إلى تنظيم مسبق وإرادي لهذه العملية، ومن مرحلة التفكير المحسوس إلى التفكير المجرد (المرجع السابق، نفس الصفحة، بتصرف)

وفي نفس السياق يرى ديينز Z. P. Dienes أن بياجيه قسم مراحل تكوين المفهوم إلى ثلاث مراحل يظهر في كل واحدة منها نوع مختلف من الألعاب وهذه المراحل هي

  • المرحلة التمهيدية: وتسمى أيضا مرحلة اللعب، وفيها يقوم الطفل باللعب بعناصر المفاهيم، ذلك لأنه "لا يمكن تكوين المفاهيم قبل أن يقوم باللعب مطولا بعناصرها" ويتميز هذا النشاط بأنه غير منظم ويحدث بدون أي هدف، كما أن الطفل يتمتع بحرية التجريب، وتسمى ألعاب هذه المرحلة بالألعاب التمهيدية.
  • المرحلة الثانية: تكون نشاطات هذه المرحلة موجهة أكثر ويبدأ الطفل بتحديد أوجه الشبه بين الأشياء وتجميعها مع بعضها، لكن في غياب وعي واضح بما يقوم به، وتسمى ألعاب هذه المرحلة بالألعاب المهيكلة structuré
  • المرحلة الثالثة: يتم فيها، وبتطبيقات مناسبة، تكون صورة للمفهوم بالفهم، ليتمّ تثبيت وتطبيق المفاهيم من خلال الألعاب تطبيقية.

يختلف نوع الألعاب التي يمارسها الطفل في كل مرحلة باختلاف المفاهيم، كما أن المرحلة الأخيرة التي تنتهي بتطبيقات تسمح بتثبيت المفهوم وتطبيقه في مواقف مختلفة، لا يعني نهاية العملية، إذ أن هذه التطبيقات تولد مفاهيم جديدة، وبذلك دورة جديدة لتكوين المفاهيم. (voir, Z.P. Dienes, Ibid, p.p.35-40)

وعلى العموم يمكن الإشارة إلى أربعة مراحل لنمو المفاهيم، حسب بياجي، وهو يرى أن التصور عامل مهم في هذا النموّ وللانتقال من التفكير الحسي الحركي إلى التفكير المفاهيمي، ومراحل الانتقال هذه هي

E  مرحلة الصيغ اللغوية الأولى: صيغ شبه لغوية عند الرضيع، وقد تعني أكثر من شيء واحد.

E  مرحلة أشباه المفاهيم: تخصيص الصيغ اللغوية للإشارة إلى مجموعة من المواضيع، مثل استخدام "بابا" للإشارة إلى الأب والى أي رجل يحمل صفة من صفات الأب.

E  مرحلة التفكير شبه المفاهيمي والتفكير الرمزي: تتكوّن أشباه المفاهيم لكنها ليست دقيقة، وقد تحمل أخطاء، نظرا لاعتماد الصفات الظاهرية للأشياء للتجميع

E   الانتقال من التفكير الحسي الحركي إلى التصوّر المعرفي: تكوين المفاهيم الحقيقية مع تطور التفكير التجريدي.   (voir,Jean Piaget, Ibid, p.p. 229-259)

3.4. أوجه الشبه والاختلاف بين آراء بياجيه وفيكوتسكي في نمو المفاهيم:

جدول رقم(1): أوجه الشبه والاختلاف بين بياجيه وفيكوتسكي حول تكوين المفاهيم (بطرس حافظ، مرجع سابق، ص.ص103-105، جدول من اعداد الباحث)

 

 

 

 

أوجه الشبه

أوجه الاختلاف

تنمو المفاهيم على مراحل

-فيكوتسكي: نمو الفرد يتم من الخارج إلى الداخل (نمو الفرد في البيئة) ويأتي النضج بالتفاعل الاجتماعي

-بياجيه: يؤكد على النمو الداخلي للفرد قبل التفاعل مع البيئة

طفل ما قبل المدرسة غير قادر على تكوين مفاهيم علمية واعية

 

-بياجيه: تنمو المفاهيم التلقائية من داخل الطفل، أما العلمية فتفرض عليه من الخارج

-فيكوتسكي: تنبع المفاهيم العلمية من المفاهيم التلقائية، وكلاهما يمثل تفكير الطفل، ويتمثل دور المدرسة في تقديم الوعي الشعوري لمختلف البنى كاللغة والمفاهيم

يختلف المفهوم العلمي عن المفهوم التلقائي في كون الأول واعيا وإراديا، والثاني غير واع ولا إرادي

-بياجيه: لا توجد علاقة بين المفهومين العلمي والتلقائي، فالأول خاص بالطفل، أما الثاني فخاص بالراشد

-فيكوتسكي: يعتمد بناء المفهوم العلمي على المفهوم التلقائي المبنى والمستخدم أثناء التفاعل الاجتماعي، كما أن هناك تفاعل بينهما

 

-بياجيه: تحل المفاهيم العلمية محل المفاهيم التلقائية

-فيكوتسكي: هناك تفاعل دائم بينها، ولا تحل مفاهيم محل أخرى وإنما يعاد بنا المفاهيم وتتغير طبيعتها

 

يؤكد فيكوتسكي على دور المجتمع والثقافة في نمو المفاهيم التلقائية وتطور المفاهيم العلمية، في الوقت الذي يقلل فيه بياجيه من دور المجتمع الثقافي في نمو القدرات العقلية للطفل

 

 

5. تدريس المفاهيم العلمية:

1.5. ماهية المفهوم العلمي: يعتبر فيكوتسكي وبياجيه، المفاهيم العلمية بأنها مفاهيم واعية وإرادية، وهذا يعني أنّ الطفل يعي مكونات المفهوم العلمي كما أنه يتكون بشكل إرادي من خلال قراءة مراجع علمية أو من خلال عملية التعليم، ويتطلب حضورا لمختلف العمليات العقلية كالانتباه وغيرها؛ تأخذ المفاهيم العلمية في الغالب صياغة لغوية، كما قد يكون لنفس المفهوم أبعاد وتطبيقات متنوعة حسب الموقف المدروس، ومن مادة علمية إلى أخرى، ما يجعل تعليمها صعبا، بالإضافة إلى اكتساء الكثير من المفاهيم المدرسة بطابع التجريد.

2.5. أهمية تدريس المفاهيم العلمية: تكمن أهمية تدريس المفهوم العلمي في عدد من النقاط أهمها:

  • سواء كانت علمية أو تلقائية، تسمح المفاهيم بتلخيص المعلومات المحيطة بنا، ما يسهّل تخزينها واسترجاعها من الذاكرة، والتعامل بها في مواقف مختلفة من الحياة أو في المواقف التعليمية، فتدريس المفاهيم العلمية يعمل على تحقيق هذا الهدف قصد السماح للمتعلم بحفظ أكبر قدر ممكن من المعلومات وتسهيل عملية الاسترجاع التعامل بها بمرونة.
  • كل تعلم يقوم على مفاهيم معينة، ومن الصعب –إن لم نقل من المستحيل- بناء تعليم أجوف، خال من أي معنى
  • تعليم المفاهيم العلمية يسطّر أهدافا للمتعلم ويوجهه إلى المسار الذي يجب اتخاذه، والنتائج المتوقعة منه
  • يمكن أن يكون المفهوم نقطة انطلاق، أو موجّها ومسيرا لدرس علمي، كما قد يكون ناتجا نهائيا عن العملية التعليمية، إذ نجده في مختلف مراحل العملية التعليمية كهدف أو وسيلة؛ كما يمكن أن يكون نفس المفهوم هدفا أو ناتجا تعليميا في درس من الدروس، ويكون وسيلة بناء لدروس أو مفاهيم أخرى.
  • تدريس المفاهيم عامل مهم لتصحيح مفاهيم تلقائية خاطئة، ناتجة عن الفروق الفردية في إدراك المواقف والظواهر المحسوسة المجردة على حدّ سواء.
  • التمكن من تحويل الخبرات العلمية المُتعلمة إلى مواقف جديدة دون الاضطرار إلى تعلمّ حل كلّ مشكلة على حدا، إذ يكفي التعميم على جميع المواقف المشابهة، وهذا ما لا يمكن تحقيقه من مجرد تعلم تقنيات أو حقائق مجردة من المعنى.
  • الرقي بالمتعلم إلى مستوى يتمكن فيه من استخلاص فرضيات جديدة، نظريات وتفسيرات لعدد من الظواهر العلمية، وهو المستوى الذي يظهر فيه الإبداع بمختلف أنواعه
  • نظرا لارتباط العلوم بعضها ببعض، فأهمية تعلم مفهوم ما لا تقتصر فقط عل علم واحد بل تشمل باقي العلوم، فمفاهيم الرياضيات يمكن تطبيقها على الفيزياء والعلوم الطبيعية وغيرها من العلوم والمواد التعليمية
  • تعتمد التكوينات النظرية لمختلف العلوم، في بنائها، على مفاهيم محددة تمثل القاعدة التي تُبنى عليها، ومن دونها لا أساس لهذه النظريات، فالنظرية البنائية المعرفية لبياجيه مثلا، تقوم على مفاهيم مثل التوازن، التمثُّل، المواءمة...، وتدريس هذا النوع من المفاهيم يعتبر خطوة لفهم التكوينات الابستيمولوجية، أو بناء نظريات جديدة.     

3.5. طرق تدريس المفاهيم العلمية: يتم تدريس المفاهيم العلمية بطرق مختلفة، فيرى أوزبال مثلا أن التلميذ يكتسب المفهوم بطريقتين:

أولا التلقي: من خلال تلقي المعلومة جاهزة من المعلم، أو من قراءة كتاب

ثانيا الاكتشاف:حين يكون المعنى ناقصا أو غامضا، يتم تحديد العلاقات بين المفاهيم، واستخلاص المعاني لتحديد المعنى الحقيقي للمفهوم (عادل أبو العز، مرجع سابق، ص.ص42-43) وقد يكون الاكتشاف موجها أو نصف موجه، حسب الدور الذي يلعبه المعلم بشكل غير مباشر.

وقد يتم تكوين المفهوم بتلقٍ صم دون فهم للمعنى، أو التلقي ذي المعنى، لكن الاكتشاف الموجه أو النصف الموجه أفضل طريقة لتعليم المفاهيم، فرغم أن هذه الطريقة تأخذ وقتا أطول، إلا أنها تسمح بتكوين المعنى الصحيح للمفهوم بشكل مشابه لتكوين المفاهيم التلقائي في الظروف الطبيعية، كما أن التجريب ممتع ويجذب انتباه الطفل وتركيزه، ليسهل بذلك تخزين خلاصة المفهوم في الذاكرة دون شوائب، أو أخطاء.

ويرى برونر في مقالته حول الاستكشاف إن لاشتراك التلميذ في عملية الاكتشاف دور كبير في التعلم، فعد عن تعلم الحقائق والتعميمات في سياق مثير، يتعلم التلميذ طرق حل المشكلات، واكتساب المعلومات، كما يصبح أكثر فعالية في بناء المعارف، لا مجرد متلق لها. (عزة خليل عبد الفتاح، مرجع سابق، ص41)

وحسب جانييه، فتعلم المفهوم يتطلب استخدام أسئلة موجهة، تدفع التلميذ للتعرف على الملامح المشتركة، ثم يقوم المعلم بتعزيز ما توصل إليه المتعلم وتصحيح الأخطاء، ويرى جانييه أن التكرار غير مهم في عملية تعلم المفهوم.

ومن الخطوات المهمة في تعليم المفاهيم العلمية، تقديم الأمثلة واللاأمثلة، وكلما زاد عددها كان التعلم أسهل، كما يجب الاهتمام  بالخبرات السابقة للمتعلم التي تُبنى عليها المفاهيم الجديدة، وكي لا تعيق الأخطاء التي توجد في تصورات الطفل السابقة، عملية التعليم. (المرجع السابق، ص42) تقوم الأمثلة على تحديد كل المواد المنتمية للمفهوم، ولا يجب أن تتشابه الأمثلة المقدمة كي لا يظهر للطفل صفات مشتركة غير حقيقية، ومع ذلك فقد يقع التلميذ في بعض الأخطاء أثناء تحديد الخصائص التي تنتمي فعلا للمفهوم، نظرا لتعدد أوجه الشبه بين هذه المواد، مما يدفعنا إلى ضرورة استخدام اللاأمثلة، وهي عبارة عن أمثلة لأشياء لا تنتمي إلى المفهوم مع أنّها تشترك مع الأشياء المنتمية للمفهوم في صفات عديدة، وتقديم اللاأمثلة يسمح بعزل الصفات غير الهامة، واستخلاص الخصائص الحقيقية للمفهوم. فلتقديم مفهوم الدائرة مثلا، يجب على المعلم أن يقدم رسومات لدوائر مختلفة الأحجام والألوان، مع تقديم أشكال أخرى ليست دوائر، مثل المربعات والأشكال البيضاوية والحلقات المغلقة والخطوط المنحنية...الخ.

- ظهر مفهوم التعلم غير المترابط dissociatif عند بابرت Papert 1980 وهو يعني أن الحقائق معزولة عن حياة المتعلم أو ذات صلة ضئيلة بها (عزة خليل عبد الفتاح، مرجع سابق، ص41) وهذا ما نلاحظه غالبا في مدارسنا، إذ يتعلم الطفل دون أي ربط لما يتعلمه بحياته اليومية، كما قد يعجز عن تطبيق تعلّماته في المواقف المختلف التي تصادفه؛ عجز نلاحظه في مادة الرياضيات.

5.5. صعوبات تدريس المفاهيم العلمية: تكمن صعوبات تدريس المفاهيم العلمية في تميز معظمها بطابع التجريد، فتدريس المفاهيم المجردة أصعب من المحسوسة، ويرجع ذلك إلى أن اكتساب أو تعليم هذه الأخيرة لا يتطلب قدرات عقلية كبيرة، بل يعتمد بشكل كبير على مدركات الحواس، بينما تتطلب المفاهيم المجردة قدرا مهما من القدرات العقلية، ونموّا عقليا مناسبا، مما يستوجب تدريس المفهوم على مراحل، حسب القدرات المرحلية للمتعلم، وقد يتطلب مفهوم علمي ما وقتا أكبر من غيره تِبعا لدرجة تعقيده. ومن الأسباب التي تجعل تدريس المفاهيم العلمية صعبا، أنّها متشعبة وتتكون من مفاهيم أخرى تحتية، قد لا تسعها العملية التعليمية جميعها؛ كما أن عددا معتبرا منها حديث النشأة، وفي نموّ وتغيّر مستمرا بسبب التقدم السريع الذي تشهده العلوم، فقد تلغى أو تُصحّح مفاهيم حتى قبل اكتمال تعليمها.

إن دخول الطفل للمدرسة لا يعني أنه صفحة بيضاء نكتب فيها ما نشاء، وإنما كيان نما وسط مثيرات متنوعة وكثيرة، متأثر بالوسط الطبيعي وقبله بالوسط الاجتماعي ما جعله يكوّن تصورات عن المواقف والظواهر المحيطة به، ويبني بنيته المفاهيمية الخاصة، وقد تكون بعض أو معظم مفاهيمه خاطئة، ولان هذه المفاهيم تكوّنت بمراحل امتدت على فترة زمنية معتبرة، فقد ترسّخ معظمها ومن الصعب تغيير ما اكتسب في سنوات، في حصص لا تتجاوز البضع ساعات.

ومن المهم الإشارة إلى أن للعامل الاجتماعي أثرا كبيرا في ترسيخ المفاهيم الخاطئة، فما هو مُشاع ومعترف به قوميا ، يصعب تغييره أو محوه، ما يجعل تعليم بعض المفاهيم مستعصيا، وقد ترافق المفاهيم الخاطئة التلميذ إلى حياته المهنية، إذ نلاحظ هذه الأخطاء حتى عند المعلمين، الذين ينقلوها بدورهم إلى أجيال جديدة من المتعلمين.

ولتعليم جيد للمفاهيم العلمية يجب الأخذ بعين الاعتبار كلّ هذه الصعوبات و إلا فان التعليم يصبح كالنفخ في قربة مثقوبة.

قائـمـة مـراجـع الفـصـل

المـراجع العربية

الكتــب

1)  بطرس حافظ بطرس، (2004)<<تنمية المفاهيم والمهارات العلمية لأطفال ما قبل المدرسة>>، ط1، دار المسيرة، عمان.

2)  ج.د نوفاك & د.ب جووين، (1995) <<تعلّم كيف تتعلّم>>، ترجمة أحمد عصام الصفدي وإبراهيم محمد الشافعي، ط1، جامعة الملك سعود، الرياض.

3)  عزة خليل عبد الفتاح، (بدون تاريخ) <<تنمية المفاهيم العلمية والرياضية للأطفال>>، دار قباء، القاهرة.

4)  عادل أبو العز أحمد سلامة، (2004) <<تنمية المفاهيم والمهارات العلمية وطرق تدريسها>>، ط1، دار الفكر، عمان.

القواميس والمعاجم

5)   أجمد حسين اللقاني وعلي أحمد الجمل، (2003) ، <<معجم المصطلحات التربوية المُعرفة- في المناهج وطرق التدريس>>، ط3،عالم الكتب، القاهرة.

6)   المنجد الأبجدي، (1968)، الطبعة الثانية، دار المشرق، بيروت.

7)   حسن شحاتة وزينب النجار، (2003) <<معجم المصطلحات التربوية والنفسية>>، ط1، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة.

المـراجع الأجنبية

الكتــب

8)   Angel Rivière, (1990), «la psychologie de vygotsky», traduit de l’espagnol par Christina Moro & Cintia Rodriguez, , éditions Pierre Mardaga, Liege, France. 

9)   Dienes Z.P., (1966), «construction des mathématiques », traduit par : Gilbert Walusinski, 1ér édition, PUF, paris.

10)    Jean Piaget, (1976) « la formation du symbole chez l’enfant », 6éme édition, éditions Delachaux et Niéstlé, Paris. 

القواميس والمعاجم

11)    Fernand Hotyat & Denise .Delepine-Mess et Charles Touyarot, (1973), «dictionnaire encyclopédique de pédagogie moderne», éditions Labor, Bruxelles.

12)    Françoise Raynal&Alain Rieunier, (1997), «Pédagogie : dictionnaire des concepts clés», éditions ESF/Delta, Paris. 

13)    Renald Legendre, (1988), «dictionnaire actuel de l’éducation», éditions Larousse, paris. 

14)    Roland Doron & Françoise Porot, (1991) « Dictionnaire de psychologie », 1ér édition, PUF, Paris. 

15)    «Larousse : dictionnaire de français», (1997), éditions Sarl, Alger.

مواقع الانترنيت

16)    Françoise Orest & Maryse.S Iksou, «Développement de concepts et programmation du sens : pensée et langage chez vygotski» revue Intellectica, tome1 N°18, 1994, pp.213-236, tiré du site: http://www.intellectica.org/archives/n18/18_10_forest_siskou.pdf



أرسلها إلى صديق