• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

الخدمات التربوية

الذات و الهوية في سيكولوجية الشخصية

الذات و الهوية في سيكولوجية الشخصية

إن الدراسات المعاصرة التي تتناول موضوع الهوية تقتضي بالضرورة التعرف إلى دراسة الذات، كصورة الذات، تقدير الذات، بناء الذات والتحكم في الذات...الخ (costalat-Founeau.A-M,1997 p22)والتي تشكل جوهر الهوية الفردية، حيث تشير الذات إلى جموع الخصائص الشخصية (الذوق، الميول،..الخ) بما فيها الخصائص الجسمية، الأدوار والقيم التي يعترف بها الفرد ويعتبرها جزءا منه. (l’ecuyer,1994,p65)

أما 1988 Pierre Tape فيرى أنه من بين الخصائص الأساسية للهوية هي التقدير الايجابي للذات فكل واحد منا يشعر بضرورة تطوير المشاعر الإيجابية اتجاه النفس وكذلك اتجاه الآخرين وهو عامل هام للحياة النفسية والاجتماعية (,1988,p76 Pierre Tape).

1 -الذات كمفهوم والذات كمصطلح: يحتل موضوع الذات مساحة شاسعة في دراسات الشخصية بصفة خاصة، وميدان علم النفس بصفة عامة، حيث تعددت الأراء واختلفت التيارات المهتمة بدراسة الذات، وحاولت كل منها أن تصبغ الموضوع، بطبيعة الفلسفة التي تتبناها.

ويصرح أقدم سجل تاريخي لحياة الإنسان، أنه توجد دلائل واضحة وحجج مقنعة بأن الإنسان يتأمل ذاته ويفكر  في طبيعته ومصدر سلوكياته منذ وجوده على سطح المعمورة، لكنه كثيرا ما يرجعها إلى قوى خارقة، أو يضفي عليها تفسيرات، دينية محضة،و يذكر فرحان محمد جلوب، 1986، أن مفهوم الروح أدخله سقراط 470 أو 469 ق.م الذي دعي إلى فهم الروح والاهتمام بدراسة لأنه يحتل جانبا كبيرا في الإنسان إلى درجة أنه نقش عن معبد دلفي العبارة "أعرف نفسك، بنفسك" (فرحان محمد جلوب،  1986)

كما ذكرت المخطوطات الهندية التي تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد ما يلي:

-         النفس تمجد نفسها

-         ولا يعتقد أنها دنيئة

-         فالنفس صديقة نفسها

-         والنفس أيضا هي العدوة الوحيدة لنفسها

-         لهذا فيه تكبح نفسها بنفسها

-         وكذلك تصادق، وما إلى ذلك

-         وحينما تضل، فهي تقهر نفسها

-         وهي  عدو نفسها والعدو الوحيد

-         فكما تهدئ النفس من نفسها، فهي أيضا تخضع

وذلك لأنها تستند إلي أساس لا يتزعزع

ومن خلالها تشعر بالألم والاغتباط والبرد والحر

ومن خلالها يأتي الشرف والصنعة (والاس لايسن، بيرت جرين ،1981،ص ص)

أما الغزالي( ق11 الميلادي) فيرى أن للنفس خمس صور هي: النفس الملهمة ،

النفس اللوامة، النفس البصيرة، النفس المطمئنة، النفس الأمارة بالسوء، فأما الأربع الأولى فهي حميدة بينما الخامسة فهي شريرة، كما تنص العقيدة الدينية على أن للإنسان جانبان: الجسم والروح، فأما الجسم فيشير إلى الطبيعة المادية التي تتأثر بالمؤثرات الخارجية والنفس ثابتة، تشير إلى مركز الاختبار والتفكير والرغبة ويشير ديكارت1644 إلى التفاعل الميكانيكي والعلاقة الثنائية بين الجسم والروح وذلك في كتابة "مبادئ الفلسفة " من خلال مبدأ الكوجيتو COGITO  حيث يقول:"أنا أفكر إذن أنا موجود" ومعنى ذلك أن وجود الإنسان يرتبط بعملية التفكير.

وبعد ذلك أصبح موضوع الذات على بساط النقاش بين العديد من المفكرين الذين يتحدثون تارة عن الروح وتارة أخرى عن الذات أمثال: جون لوك JHON LOOCK (1632-1704)وجودرج بيركبلي GEORGE BERKELY (1685-1753) ودافيد هيوم DAVID HUME  (1740) وتوماس براون THOMAS BROWN (1778-1820) وجيمس ميل JAMES MILL  (1829). وإيما نويل كانط  EMANUELLE KANT  (1838) (قحطان أحمد الظاهر 2003ص ص43-44 )

إلا أن علم النفس قد ابتعد عن كل التفسيرات الفلسفية والافتراضات الميتافيزيقية التي تقر بوجود قوة خفية في أعماق الإنسان، وبالمقابل فهو (علم النفس) ينظر إلى ذات الإنسان نظرة علمية ، ويحاول تحليلها ودراستها بكل دقة، وموضوعية.

و يعود الفضل في ذلك لوليام جيمس Williame james في القرن 19 الذي أخرج موضوع الذات من نطاقه الضيق القديم إلى نطاق واسع المعالم (Monteil, J-M, 1993 PP11-12) وقد حدد وليام جيمس نمطين لدراسة الذات هما: الذات العارفة التي تشمل وظائف التفكير، التذكر والإدراك ولا قيمة لها في فهم السلوك إلى جانبها الذات كموضوع التي يعتبرها الذات التجريبية العملية وتشمل على:

-         الذات المادية: والتي تشير إلى جسم الفرد، أسرته وممتلكاته.

-         الذات الاجتماعية: وتشير إلى كل ما تتضمنه وجهة نظر الآخرين نحو الفرد

-         الذات الروحية: وتشري إلى إشكال الانفعالات ورغبات الفرد.

ثم أضاف جيمس نمطا آخر أكثر اتساعا وشمولية الذي يتعدى الجانب العضوي إلى كل ما يشترك به الفرد مع الآخرين كالعائلة والمجتمع وكل ما يحيط به وهو ما سماه بالذات الممتدة (قحطان أحمد الظاهر 2003، ص17)

وبهذا الطرح الجيد يكون وليام جيمس قد أفسح المجال لنظريات كثيرة واجتهادات مختلفة تدور حول موضوع الذات.

ففي حقل علم النفس الاجتماعي، برز كولي COOLEY  (1902) الذي يرى أن المجتمع هو مرآة يرى الفرد من خلالها نفسه ويقصد بمفهوم المرآة الذات بمعنى أن الفرد يرى نفسه بنفس الأسلوب الذي يراه به الآخرون.

فالذات هي نتيجة تفاعل الفرد مع الآخرين، وبالتالي لا يمكن دراسة أوفهم الذات إلا من خلال الأشخاص المحيطين، كما يختلف تقدير الفرد لذاته في المواقف المختلفة تبعا لتغيير مفهومه وتصوره لذاته،الذي تحدده علاقاته الشخصية بمن يحيط به، فقد يكون تقديره لذاته إيجابيا إذا كانت علاقاته المختلفة بالآخرين كذلك والعكس صحيح وهو ما أطلق عليها كولي اسم الذات المنعكسة (قحطان أحمد الظاهر، 2003، ص54 ).

وبناءا عن ماسبق، فإن الذات محورا ترتكز عليه الاتجاهات نحو الآخرين، وكل أشكال العلاقات الموجودة بين الأفراد، فإذا سادها التآزر و  التآلف والاحترام كان إدراك الفرد لذاته مرتفعا وايجابيا أما إذا كانت متذبذبة تسودها الخلافات والرغبات كان إدراك الفرد لذاته منخفضا وسليبا.

ورغم هذا الاهتمام الكبير لموضوع الذات، إلا أنه عرف تراجعا كبيرا في بداية القرن العشرين وذلك لأسباب عديدة يمكن تلخيصها فيما يلي: 

-         ظهور بقوة التيار السلوكي (مدرسة واطسون) في أمريكا التي تهتم بملاحظة السلوك الخارجي فقط وأهملت تماما ل ما يتعلق بالحياة الداخلية، فأصبحت دراسات الذات موضوعات عقيمة، تخلو من الموضوعية.

-         لقد أفسح ديجوري DIGGORY  خلال مراجعته الواسعة لنظريات الذات، أن علماء الذات كثيرا ما يعتمدون في دراستهم على المناهج الكلاسيكية القديمة (الاستنباط) ويهملون تماما المناهج التجريبية الدقيقة.

-         هناك إيمان قوي عند علماء الذات أنه من المستحيل إخضاع الذات للدراسة التجريبية الدقيقة.

وبعد هذه الفجوة التي حدثت في موضوع الذات، يعود الاهتمام به من جديد على أثر فشل بعض السلوكيين التجريبيين في تفسير بعض نتائج أبحاثهم عن طريق التعزيز فقط واتضح لهم جليا، دور وأهمية الحياة الداخلية التي تؤثر في سلوك الإنسان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، حينئذ أدركوا وجود العالم الداخلي، أين تحتل الذات محور عملياته المختلفة ويعد كوفكا KOFFKA من رواد مدرسة الجشطالت الذي يعترف من جديد بوجود الذات واعتبرها جوهر الأنا التي تتكون من الخبرات الني يمر بها الفرد في مختلف مراحل عمره وقد تكون شعورية أو شعورية وفي الوضعية الاولى تتكون الأنا الظاهرية (قحطان أحمد الظاهر، 2003 ، ص  )

أما صاحب نظرية التحليل النفسي سيغموند فرويد، فهو يؤكد على أهمية الذات في تشكيل الشخصية السوية ونموها نمو سليما، ويعتبر الأنا الحجر الأساسي في تكوين الشخصية، إذ لها دور وظيفي وتنفيذي في الشخصية.

فالشخصية السوية في نظر فرويد هي نتاج توازن بين قوتين هامتين في الجهاز النفسي للإنسان وهما، "الأنا" الذي يشير إلى السلطة الإرادية للشخصية الكلية وتظل خاضعا لرغبات "الهو" ونمو "الأنا الأعلى" ،الذي يعكس القيم التقليدية الصارمة للمجتمع و السلطة الوالدية، و"الهو" الذي يشير الى كل ما هو موروث أو غريزي، إلى جانب العمليات العقلية المكبوتة (Freud,s,1923,p219)، كما يرى أيضا فرويد أن الفرد يسعى دائما إلى إشباع رغباته، لكن دون أن يعرض نفسه للإحباط، وهو أمرا ليس سهلا، لكن عندما يحقق هذا التوازن فقد ينمولديه تقدير ذات موجب وبالتالي تكون لديه صورة إيجابية عن نفسه، ويختلف تقدير الفرد لذاته في المواقف والوضعيات المختلفة تبعا لتغير مفهومه عن ذاته، وذلك من خلال علاقاته الشخصية مع من يحيط به (رمضان رشيدة عبد الرؤوف 2000، ص206)

لقد افترض فرويد أن الأنا هو الذي يحدد الغرائز ويحدد أيضا كيفية إشباعها ويقوم أيضا بمنع تفريغ الشحنة إلا في وقتها المناسب وأكثر من ذلك فله القدرة على الاحتفاظ بالتوافق بين الدوافع والضمير وبالتالي فالأنا حسب تصور فرويد نظام من العمليات وهذا ما يرفضه ميد Mead  الذي يعتبر أن النفس ما هي إلا شيء مدرك وأن الفرد يستجيب لنفسه لشعور معين واتجاهات معينة بنفس الطريقة التي يستجيب الأفراد الآخرون له، أما ليوين LEWIN فإنه يرى أن الذات بمثابة المنطقة الروحية التي بواسطتها تحدد كل المعتقدات الحالية اتجاه النفس، ومصطلح "فضاء الحياة" وهو مفهوم الذات لا يشير به إلى معناه المعروف وهو الفضاء الطبيعي، إذ يشمل عالم الفرد من الخبرات الشخصية كفضاء يتحرك فيه الفرد إضافة إلى الأفكار والإدراكات وكل الأشياء الهامة، فإذا أردنا مثلا أن نتنبأ بسلوك معين فإنه يجب الكشف والتعرف على فضاء الفرد في الوقت الذي نرغب فيه التنبأ بالسلوك، مثلا أن نتنبأ بسلوك معين، فإنه يجب الكشف والتعرف على فضاء الفرد غي الوقت الذي نرغب غيه التنبؤ  بالسلوك، أما إذا رغبنا تغيير سلوك فرد ما، فإنه يجب التغير من فضاء حياة لأفراد المحيطين.

أما كاتيل CATTELL فيرى أن النفس هي التأثير المهيمن الرئيسي، المفروض على الإنسان، حيث يضمن الاستقرار والنظام للسلوك الإنساني، والنفس في نظر كاتيل تنشطر إلى نوعين، فهنالك النفس الحقيقية أو الواقعية التي وجب على الفرد أن يقبلها من الجانب العقلي كما أن هنالك النفس المثالية التي يسعى إليها الفرد، ويتفق كاتيل مع جيمس وألبرت وليوين في اعتباره أن النفس عبارة عن شيء مدرك وسلسلة من العمليات المتعاقبة على السواء (والالس لا بين، بيرت جرين ،1981، ص ص ص10  ، 11، 12 ).

ويمكن اعتبار انجازات كارل روجرز KARL ROGERS 1951 من أبرز ما كتب في مجال الذات، حيث وضع إطارا شاملا ومنظما، لنظرية الذات في بعده النظري والتطبيقي، أين يعتبر الذات محور تكوين الشخصية وتطورها حيث يعرفها بأنها تنظيم عقلي معرفي، منظم من المدركات والمفاهيم، والقيم الشعورية التي تتعلق بالسمات المميزة للفرد وعلاقاته المتعددة.

تتضمن نظرية الذات لكارل روجرز جملة من خصائص الذات يمكن إيجازها في ما يلي:

-         إن الذات قابلة للتعديل نتيجة النضج والتعلم.

-         يمكن للذات أن تستوعب وتتمثل قيم الآخرين وتدركها بطريقة مشوقة.

-         تنمو الذات من خلال التفاعل بين الكائن الحي وبين المحيط.

-         إن الكائن الحي يسلك سلوكا يساير الذات.

يرى روجرز أن أقصى درجات النمو تتمثل في حالة توافق تام بين المجال الظاهري ويقصد به عالم الخبرة وبين الذات وفي حالة تحقق ذلك فإن ذلك يحرر الفرد من أشكال التوتر ويحقق استقرار نفسي(رمضان رشيدة عبد الرؤوف، 2000، ص398)

إن تعدد واختلاف النظريات التي تناولت موضوع الذات، يدل على تعقد، تشعب وأهميته هذا الموضوع في ميدان علم النفس، فتصور وليام جيمس، تناول سيغموند فرويد، وتعريف كارل روجرز وآخرون للذات، قد أضفى على هذا الموضوع قيمة علمية كبيرة (نظرية أو تطبيقية).

ولقد عرضنا في هذا الجزء موضوع الذات بنوع من الإنجاز كي نمهد به لموضوع الهوية الذي يمثل أحد المتغيرات المحورية في الدراسة الحالية فلقد شاع استعماله في كل المجالات التي تمس حياة الفرد، كما حاول كل ميدان أن يصوغ هذا المفهوم ضمن قالبه الخاص.

ففي الفكر  الفسلفي تعبر الهوية عن ضرورة منطقية بعينها، تؤكد أن الموجود هو ذاته دوما، لا يلتبس بما ليس منه، فهو عين ذاته، كما تؤمن الفلسفة بمبدأ الهوية، فالشخص هو-هو مهما اعترته التغيرات المختلفة.

أما من المنظور السياسي فمسألة الهوية تشير إلى الطابع القومي أو القومية المشتقة من مفهوم الأمة، إن الهوية هي الخيط الذي ينتظم به الأفراد في الوطن أو الأمة أو القومية مهما اختلف الزمان والمكان، ليكون عقدا يقوي وحدتهم ويصون تماسكهم.

بينما في علم النفس الاجتماعي، فالهوية أداة تسمح بالتفكير في العلاقة المفصلية بين السيكولوجي والاجتماعي عند الفرد، إنها تعبير عن محصلة مختلف التفاعلات المتبادلة للفرد مع محيطه الاجتماعي القريب والبعيد (محمد عبد الرؤوف عطية، 2009، ص25)

أما علم الاجتماع فيعرف الهوية على أنها الشفرة le code التي يمكن للفرد عن طريقها أن يعرف نفسه في علاقته بالجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها، وعن طريقها يتعرف عليه الآخرين باعتباره منتميا إلى تلك الجماعة، وهي شفرة تتجمع عناصرها على مدرا التاريخ الاجتماعي ومن خلال تراثها وطابع حياتها (محمد العربي ولد خليفة، 2003، ص97).

2- لمحة تاريخية عن مفهوم الهوية:

يعد مصطلح الهوية من المصطلحات المألوفة في حياتنا الاعتيادية أين غاز كل العلوم وجميع المجالات: السياسية، القانون، علم النفس، علم الاجتماع...الخ.

ويعتقد الكثير أنه مصطلح حديث النشأة، حيث انفجر استعماله فجأة في الميدان العلمي بمختلف حقوله في العشر سنوات الأخيرة، لكن جذوره تضرب في تاريخ الفلسفة اليونانية (Jean claude Kaufman, 2004 , P15) في القرن السادس قبل الميلاد،كتب هيرقليطس: " إن المرء لا يستطيع أن يستحم في ماء النهر الواحد مرتين، لأن مياها جديدة تجري من حوله أبدا (على أسعد وطفة، 2010، ص 46) ويعني ذلك أنه من المستحيل في الكون وجود شيئان متطابقان.

ثم بدأ الجدل يظهر ويحتد شيئا فشيئا حول هذه القضية في الفلسفة اليونانية القديمة، حيث يعتبر أفلاطون الهوية جوهر سرميدي ، تظل أزلية ولا تتأثر بالظروف والتغيرات المختلفة (Farrugia,f,1993,p26) ويرى الأرسطيون أن مصطلح "الهوية" منسوب إلى أرسطو دون غيره، حيث وضع قوانين الفكر الرئيسية المتمثلة في:

-         قانون الهوية 'أ هو أ"

-         قانون المبدأ الثالث المرفوع (أ اما ان يكون "ب" أو لا "ب" في وقت واحد)

قانون الوسط الممتنع ( أ إنما أن يكون "ب" أو لا "ب" ولا ثالث لهذين الاحتمالين (سعيد إسماعيل على، 2005، ص25)

 فهو(أرسطو) من أطلق تسمية الهوية الرقمية، الكيفية و الهوية الخاصة، أما دافيد  DAVID HUME فقد ركز ركز على عامل التجريب فالهوية الشخصية لا تمثل في نظرة حالة خاصة ضمن الإشكالية العامة للهوية، فهي قضية مستقلة بذاتها، ولا يمكن بشكل من الإشكال ربطها بالقضايا المتعلقة بالهوية، ولقد ميز لوك بين ثلاث معاني للهوية هي (على أسعد وطفة، 2010، ص46)

-         الهوية العددية: ويتعلق الأمر في هذا النوع بالأجسام الفيزيائية  وترتبط الهوية العددية بتغير عدد الذرات المكونة للجسم الفيزيائي.

-         الهوية النوعية: فإن كانت الهوية العددية تشير إلى الأجسام الفيزيائية، فإن الهوية النوعية تشير إلى الكائنات الحية فقد تتغير أجزاء الجسم الحي باستمرار في حين يبقى الجسم هو-هو.

-         الهوية الشخصية: يشير هذا النوع من الهوية كما يرى لوك إلى الحياة الداخلية للفرد فهي نظرة الذات لذاتها التي لا ترتكز لا على الشكل أو على عدد الأجزاء، ويربط لوك مفهوم الهوية الشخصية بمفهوم الشخص الذي هو كائن مفكر، عاقل وقادر على التعقل والتأمل وتعتبر الأهم من الجانب الأخلاقي، والميتافيزيقي(  Marx K. et Engels F ,1966,p87 ).

 وبناءا على ما سبق فالهوية من جهة نظر جون لوك تكمن في ذلك الوعي الكامل أو المعرفة المصاحبة لإحساساتنا التي تجعل الشخص هو نفسه عبر الزمان والمكان أي هي ذالك الشعور الذي يجعل الإنسان يدرك ذاته، ويبني معرفته بذاته على نحو قائم، فيكون الشخص هو-هو رغم كل ما يتعرض له من تغيرات وتهديدات داخلية أو خارجية.

3- مفهوم الهوية: 

3-1- لغويا:

يشتق المعنى اللغوي لمصطلح الهوية من الضمير هو ويشير مفهوم الهوية إلى ما يكون به الشيء هو.

تم وضعه كاسم معرف بـ أل ومعناه: الاتحاد بالذات هو، أي من حيث تشخصه وتحققه في ذاته وتميزه عن غيره، فهو وعاء الضمير الجمعي لأي تكتل بشري، ومحتوى لهذا الضمير في نفس الآن، بما يشمله من قيم وعادات ومقومات تكيف وعي الجماعة وإرادتها في الوجود والحياة داخل نطاق الحفاظ على كيانها. (إبراهيم القادري بوتشيش، 2008).

3-2- اصطلاحا:

3-2-1- تعريف الفارابي : يشير الفرابي بأن هوية الشيء عينيتة ووحدته وتشخصه وخصوصيته ووجوده المنفرد، وقولنا أنه هو إشارة إلى هويته و خصوصيته لا يقع فيه الاشتراك (سعيد إسماعيل على، 2005، ص23)

3-2-2- تعريف ابن رشد: يرى أن الهوية تقال بالترادف عن المعن الذي يطلق عليه اسم الموجود وهي مشتقة من الهو كما تشتق الإنسانية من الإنسان (نفس المرجع السابق)

3-2-3- تعريف أليكس ميكشيلي Alex Mekchelly: إن الهوية منظومة متكاملة من المعطيات النفسية والمادية والمعنوية والاجتماعية، تنطوي على نسق المعلومات أو العمليات المعرفية أو التكامل المعرفي، وتتميز بوحدتها التي تتجسد في الروح الداخلية التي تنطوي على خاصية الإحساس بالهوية والشعور بها، فهي وحدة من المشاعر الداخلية التي تتمثل في وحدة العناصر المادية و النفسية المتكاملة التي تجعل من الشخص يتمايز عن سواه ويشعر بوحدته الذاتية (محمد عبد الرؤوف عطية 2009، ص ص 24، 25).

3-2-4- تعريف ميلر Miler: يرى ميلر أن الهوية نمط الصفات الممكن ملاحظتها أو استنتاجها، والتي تظهر الشخص وتعرفه وتحدده لنفسه وللآخرين، ويقسم ميلر الهوية إلى شقين:   الهوية الذاتية التي تشير إلى الشخص كما يتصوره الآخرين و الهوية الموضوعية العامة التي تشير إلى الشخص كما يراه الآخرون (رشاد عبد الله شامي ، 1997، ص07 ).

4- أنواع الهويات:

إن موضوع الهوية حاضر في كل المجالات ولا يوجد مجال خاص به، فهو موجود في السياق الفلسفي، النصوص القانونية، النظريات الاجتماعية، الحوارات السياسية والتناولات النفسية،...الخ.

فتارة يستعمل المفهوم في موقف وصفي، كأن نقول، المراهق يمر بأزمة المراهقة، وتارة أخرى في موقف تفسيري كقولنا: المراهقة فترة نمائية حرجة لأن المراهقين يجب بناء هويتهم (  ,   p65 Bosna.H.A et Gerlsma.C, 2003)

إن لكل فرد شعوره الهوياتي الخاص به الذي يجعله مختلف عن الآخرين وهذا يعني أن الهوية في الأصل  فردية، تشير إلى الطريقة يبني بها الفرد علاقاته الشخصية مع المحيط.

 

 

 

هذا التعريف يتضمن في طياته أبعادا هامة هي:

1) الهوية ترابط حيث يبدأ الأفراد في بناء هوياتهم عندما يشعرون بوجود الآخرين.

2) الهوية علائقية تتعرض للتغيرات المختلفة عندما تؤثر الأسباب في العلاقة مع العالم الخارجي وهذا يعني أنها تتكون تدرجيا، يبنيها الفرد عبر كامل مراحل حياته، لكن بعض عناصر الهوية (كالدين واللغة)، تبقي ثابتة مقارنة بالعناصر الأخرى، كما تعكس عملية بناء الهوية، الحياة الشخصية للإفراد التي تتضمن مواقف عديدة ومختلفة منها:

-         تفاعل الفرد مع الوالدين

-         تعلم الأدوار المرتبطة بالجنس، التربية التي تلقاها الفرد في محيطه...الخ.

-         ومن لطبيعي جدا أن حياة كل فرد تتحدد ضمن إطاره الثقافي الخاص وبلغة أخرى، مجموع معقد أو متناقض من التمثيلات والأداء التي تفسر طبيعة العلاقة مع العالم الخارجي.

3) تخضع الهوية لنوع العلاقة المبنية مع المحيط، الذي يتضمن معنى شاسع إذ يتجاوز المحيط الطبيعي ليشمل كل العناصر التي تحيط بالفرد والمجسدة في اللغة، الإشارات، الأفكار، والتصورات (صور ذات معنى) التي تنتقل عن طريق الأقوال والأفعال، إلى جانب المحيط المادي الذي يشمل كل أنواع النشاط الإنساني.

وبالتالي فالهوية ليست أمرا ثابتا إلى حدما، لكنها سيرورة دينامكية، فهي تشمل الطريقة التي بها نتعامل فيما يبننا، عندما نكون في حالة تفاعل مع العناصر الإنسانية واللإنسانية  ,pp58,59)1995Poutignat phillipe et Jocelyne streiff    fenard,    )

وبناءا على ما سبق يمكن التمييز بين نوعين رئيسين للهوية هما:

-4-1-  الهوية الشخصية: التي تشير الى إدراك الفرد لذاته، ولقد عرف هذا المفهوم شيوعا واتساعا في الدراسات السيكولوجية، حيث عرفها Pierre Tape 1976 بانها المسافة التي يقطعها الفرد بين محاولة التميز عن الآخرين واضطراره للتطابق معهم، إنها جهد دائم لتوحيد آليات الذات، وانسجامها الداخلي، تبطل ضرورات القوالب الثقافة التي يعيشها الفرد والمجتمع الذي نشأ  فيه، ذلك الإبطال نفسه هو الذي يدفعه لتحديد تميزه ورسم حدود هويته الشخصية، وتتواصل عملية الإبطال والإثبات والعودة إلى الإثبات مدى الحياة حيث أصبح مفهوم الهوية الشخصية يستخدم للتعبير عن الهوية الاجتماعية والهوية الثقافية والعرقية، كلها مصطلحات تشير إلى توحد الذات مع وضع اجتماعي معين " ( Pierre Tape, 1976,p34  )

-4-2- الهوية الاجتماعية: يتقارب مدلول الهوية الاجتماعية مع مدلول الهوية الثقافية، بل هناك دراسات لا تفرق بين المفهومين وفي شأن الهوية الاجتماعية يقول بارث F.Parthe 1969 أنها مزودة بفاعلية اجتماعية، وهي في رأيه ظاهرة مركزية في نظام العلاقات الاجتماعية وتنظيم التبادلات في كل مجالات الحياة، ففي تحديدها، لا يتطلب الأمر جرد كل سماتها الثقافية، وإنما التعرف على ما تستخدمه تلك الجماعة من سمات دون الأخرى مما يبرز تميزها بين الجماعات الأخرى، والتمايز هنا يخص بظهور هويات على حساب هويات أخرى، وهذا كله راجع لنوعية العلاقة بين الجماعات، فهي حالة بناء دائم، ودراستها لا يتم إلا من خلال التفاعلات الاجتماعية التي تبرز بوضوح ما يسمى بالشعور بالإنتماء بوظيفة هامة هي التأكيد على الهوية أو رسم حدودها مع غيرها من الهويات الأخرى، التي تميز جماعات أخرى (محمد العربي ولد خليفة 2003، ص112)

ويرى تاجفل Tajfel أن الهوية الاجتماعية يمكن اعتبارها كأداة تصنيف المجتمع أو الجماعة الى فئات وذلك حسب الأدوار، الوظائف والانتماءات الاجتماعية المختلفة، كالانتماء السياسي، الديني ، اللغوي، وحتى الانتماءات الجغرافية (مدينة-ريف) (Camilleri carmel,1990,p51)كما تعتبر الهوية الاجتماعية أيضا بمثابة القالب الذي ينصب فيه مجموع الانوات، بلغة أخرى اتحاد "الأنا" مع "نحن" حيث أنها تتكون من منظومة متماسكة من المفاهيم العقائدية التراثية، الخبرات وكل الأوضاع التي مرت بها الجماعة والتي أفرزت سلوك علمي وفكري يطبع الجماعة بصفات معينة خاصة بها دون جماعات أخرى مما يجعلها متميزة عنها في اللغة، الدين، الثقافة....الخ)

لقد اهتم تاجفل بمعظم الدراسات والتحاليل العلمية التي تناولت موضوع الهوية، الاجتماعية وبعد التمحيص والتحليل، لخص إلى وضع ثلاثة نقاط أساسية فيما يتعلق بالهوية الاجتماعية يمكن تلخيصها فيما يلي:

1) عندما لا يحقق الفرد توقعاته من الهوية الاجتماعية ينفصل عن تلك الجماعة، لتحقيق ذلك التوقع في جماعة اكثر إيجابية، أو يتجه إلى دفع جماعته الأولية ويعرضها على أن تكون إيجابية ومتميزة، بالتحريك فيها عامل المقارنة.

2) إن هذه المقارنة بين جماعته الانتمائية والجماعات الأخرى من أجل تحقيق التميز هي أساس الهوية الاجتماعية الإيجابية.

3) لأن الأفراد يفضلون رؤية أنفسهم إيجابيين أكثر من رؤية أنفسهم سلبيين لأن ذلك سيحقق هويتهم الاجتماعية (محمد سمير عبد الحميد، 2004، ص391)

5- عناصر الهوية:

5-1- اللغة: تشير اللغة إلى القدرة الذهنية التي تتكون بين مجموعة معارف لغوية بما فيها المعاني والمفردات، تتولد أو تنمو في ذهن الناطق بها، فتمكنه من فهم مضامين ما ينتجه، أفراد مجموعته وبالتالي تتولد صلة بين فكره وفكر الآخرين، حيث يولد الإنسان ويكون مزودا بقدرة على اكتسابها،وهي الميزة التي تميزه عن باقي الكائنات الأخرى وتعتبر اللغة الوسيلة التي يتفاعل بها الأفراد فيما بينهم، ويسيرون بها نظام حياتهم كما أنها حلقة وصل بين الأجيال المختلفة لنقل أرائهم الثقافي وتجاربهم الخاصة، فلولاها  لكانت حياتنا منقطعة عن حياة أجدادنا وأسلافنا (محمد صبحي المعمار، 2008  ) ولقد ذهبت خولة طالب إبراهيمي إلى أبعد من ذلك حين تعتبر اللغة أداة يتحقق بها الإندماج الاجتماعي للفرد وبناء ذاته الاجتماعية وهي التي تصنعه في صلة بالغير وتجعله ينخرط في سيرورة مزدوجة، حي يعترف الفرد بالهوية، وينتمي الى زمرة اجتماعية معينة لغوية أو ما يسمى بالجماعة اللغوية فالمجتمع الجزائري ذو تركيبة معقدة، متكونة من عدة قوميات يتشاركون اللغة البربرية (الأمازيغية) التي تتفرع إلى لهجات مختلفة مثل القبائلية، الشاوية، التارقية، الشلحية،...الخ. إلى جانب اللغة العربية، وهذا التعقيد والتركيب شأنه شأن اللغات الأخرى، المنتشرة في العالم، غير أن أفراد الجماعة ليسوا مضطرين لأن يعتمدوا على نفس الصيغة اللغوية في ظروف وأحوال متشابهة، فالجماعة اللغوية هي نتاج تواصل الجماعة والاندماج الرمزي في علاقتها بإمكانية التخاطب بغض النظر عن الاختلافات الموجودة في اللهجات، فألاهم هو خلق قنوات الاتصال عبرها تنتقل المعارف والأفكار بين الأفراد

وهذا التنوع اللغوي المتمثل في اللهجات قد يؤثر على تصورهم للهوية ووعيهم بالإنتماء إلى جماعة لغوية (خولة طالب ابراهيم، 2007، ص 69، 70، 71)

 وتشير اللهجة إلى مجموعة من القوالب وأنماط السلوك السابقة لوجوه الفرد، إذ لا يملك لغة خاصة به لوحده وإنما هي ظاهرة عامة وجمعية يشترك جميع الأفراد في بناءها وبالتالي فهي ارث اجتماعي يرثها جيل عن جيل (قباري محمد اسماعيل، 1984، ص164).

5-2- الانتماء الديني: يشير الدين إلى الاعتقاد في الشيء والإيمان به، يدين له المرء بالولاء والطاعة، وحسب معاجم اللغة العربية وكتب التفسير، ورد فيها أن كلمة الدين ترجع إلى الفعل اللاتيني Religere والذي يشير إلى مفهوم العبادة التي ترتكز على الخشوع والاحتزام فحسب المشرع الروماني شيشرون shishron فالدين هو الرباط الذي يصل الإنسان بالله (نبيل محمد توفيق السمالوطي 1981، ص86)  وثمة رباط روحي، ينشأ بين أفراد الجماعة المؤمنة في نفس العقيدة والمذهب الديني الموحد وفهم العلاقات القائمة بينهم وتميزهم عن الفئات والجماعات الأخرى (عبد الباقي هرماسي، وآخرون، 2000، ص86) ومعنى ذلك أن الدين هو نظام وقانون، يهدف إلى تنظيم الحياة الشخصية والاجتماعية للأفراد.

فالدين أيا كان يقدم نصوصه ومعارفه على شكل عقيدة أي معرفة موحى بها من إلاه أو رسول لا تقبل التحقق أو التمحيص أو البرهنة، والحقائق الواردة فيها بعيدة عن كل شك، فقط عن طريق قناعة شخصية داخلية للفرد هذه العقيدة معرفة كحقيقة مسلم بها، (موريس أنجرس، 1996، ص49)

5-3- الانتماء السياسي: يشكل الجانب السياسي جزءا هاما من الحياة الاجتماعية وقد كان محور اهتمام العلوم الاجتماعية لأنه يرصد التفاعلات الاجتماعية إزاء القضايا التي تمس حياتهم ومصيرهم في بلدهم، فانتماء الفرد أو الجماعة لجهة معينة يعطي مدلول الولاء والعصبية أي الميل الجماعات ومبايعتها واحترام قواعدها والرضوخ لمعايرها دون جماعة أخرى وهذا ما ينمي ويعزز الهوية الاجتماعية لديهم ويضفي الشرعية على الجماعة التي ينتمي إليها، فيدعمهم قلبا وقالبا كما أن للانتماء السياسي جانبا إيجابيا في تشجيع وإبراز القدرات الفردية والاجتماعية على إحداث التغيرات أو تعديلات في النظم أو المؤسسات من خلال مشاركته فيها، ويفسح المجال لاتساع دائرة العلاقات الاجتماعية ومساحة الاتصال الاجتماعي ومعرفة الرأي الأخر عنه وتصوراته إزاء مواقفه اتجاه قضايا فكرية، اجتماعية، دينية، اقتصادية وحتى نظامية (سياسية)  

فيتولد عن هذا الانتماء السياسي الشامل لكل أبعاد الحياة الاجتماعية روح النقد والمبادرة والتجديد خصوصا لو كانت بناءة وفي اتجاه إيجابي عقلاني، يهدف للصالح العام، حيث يتجسد كل هذا في المشاركة السياسية المتمثلة في إنشاء أحزاب، نوادي، جمعيات...الخ وتعد الأحزاب السياسية إحدى المؤسسات الرئيسية من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان وحريته السياسية من خلال التنظيم والمشاركة الفعالة للأفراد في الحياة الاجتماعية والسياسية ولهذه المشاركة دوافع ذاتية واجتماعية نذكر منها:

الدوافع الذاتية: وهي التي تتحقق على مستوى الفرد مثل:

-         تحقيق المكانة والتميز الاجتماعي واكتساب الشهرة والحصول على التقدير والاحترام من طرف أفراد جماعته.

-         تعتبر المشاركة السياسية أو الإنتماء السياسي أحد الحاجات الخمس التي ذكرها أبراهام ماسلو BRRAHAM MASLOW في هرم الحاجات الضرورية والتي تعتبر للفرد تقديرا لذاته والإحساس بالأمان وتثبيت لهويته.

-         تحقيق غريزة السيطرة والسلطة والنفوذ (ناجي عبد النور 2007، ص-ص 116،117)

أما الدوافع الاجتماعية فتكمن فيما يلي:

-         حب العمل والرغبة في مشاركة الآخرين في تطور المجتمع وتحسين المستوى الاقتصادي، الاجتماعي.....الخ

-         السعي لتقوية الروابط الاجتماعية بين مختلف الفئات الاجتماعية والتفاعل بتعزيز حب الوطن، وتجاوز عوائق الفرقة والتعصب الفكري، المذهبي واللغوي للصالح العام، ما دامت الجماعة تحت نظام واحد ومصير مشترك.

تقوية ثوابت الهوية من خلال المشاركة السياسية ومعرفة طموح الأفراد والمجتمع لتصدي لعدوان خارجي وتجاوز عقبات النزاعات الخارجية (نفس المرجع السابق ص-ص، 123، 124)

6-  نمو الهوية أو هوية الانا

تعتبر نظرية النمو النفسي الجنسي لرائدها سيغومند فرويد منعرجا كبيرا في مسار علم النفس بصفة عامة وعام النفس النمو بصفة خاصة إن تبنت مصطلحات جديدة كان لها أثرا بارزا في تفسير ظاهرة النمو عند الفرد ومنها: الشعور، اللاشعور، الليبيدو، الأنا، الأنا الأعلى و الهو (  Moscovici serge,1961 ,p56 )، كما مهدت لظهور نظريات أخرى   جديدة منها نظرية النمو النفسي الاجتماعي لإريك هامبرغر أريكسون Erick.H.Erickson 1963الذي ركز على نمو الأنا مبرزا أهمية العوامل الاجتماعية، النفسية والبيولوجية في عملية النمو وتكوين الشخصية (           )       

لقد بنى أريكسون نظريته على مصطلحات جديدة، أحدث ثورة كثيرة فيما بعد في جميع الميادين، وأصبح بمثابة كلمة سحرية تكرر في كل المناسبات، إنه مصطلح" الهوية"

الذي ينتسب إلى أريكسون.  ويعترف الجميع أنه أب المفهوم حيث يرى أنها ذات تأثير متزامن على كافة المستويات الوظيفية العقلية التي عن طريقها يستطيع المرء أن يقيم نفسه في ضوء إدراكه لما هو عليه، وفي ضوء إدراكه لوجهة نظر الآخرين عنه، وأنها عملية نفسية اجتماعية دائمة التغير والتطور والنمو (محمد عبد الرؤوف عطية، 2009، ص-ص24-25)

ويرى أريكسون أن نمو الفرد يمر بثمانية مراحل   تعرض لها بالتفصيل في كتابه" الطفولة و المجتمع" (1968)، تتخلل كل مرحلة ظهور أزمة ذات طبيعة نفسية، اجتماعية، حيث تحاول الأنا حلها وتجاوزها كي يسير النمو بوتيرة طبيعية وعادية وعند فشل الأنا حل الأزمات المختلفة فإن ذلك يؤدي إلى اضطراب النمو بصفة عامة واضطراب نمو  الانا بصفة خاصة .

إن وتيرة النمو في نظر أريكسون هو نتاج تفاعل العوامل البيولوجية الغريزية والعوامل الاجتماعية إلى جانب فاعلية الذات وهو عنصر فعال وعامل مهم في عملية التفاعل الذي من خلاله تنمو شخصية الفرد عبر 8 ثمان مراحل متتالية هي:

1- الثقة مقابل عدم الثقة:

هذه المرحلة توازي المرحلة الفمية في نظر فرويد وتظهر خلال العام الأول عند الطفل، ويرى أريكسون أن الإحساس العام بالثقة هو محور الشخصية الصحية إذ يكون شعوريا إلى حد ما، فالطفل الذي لديه ثقة داخلية، يرى العالم الاجتماعي أمنا ومستقرا، كما تكون لديه ثقة قوية بالأفراد المحطين به وقد يكون لدور الأم وزنا ثقيلا في ذلك.

2- الإحساس بالاستقلال الذاتي مقابل الخجل والشك: هذه المرحلة تمتد بين السنة الثانية إلى الثالثة من العمر، إذ يرى أريكسون أن المرحلة الأولى( أي مدى اكتساب الطفل الثقة)، هي التي تؤدي بالطفل وتسمح له باكتساب الاستقلال الذاتي وضبط الذات ويشير أريكسون أن هذه المرحلة، للطفل الخيار في الترك والاحتفاظ .

3- المبادأة مقابل الشعور بالإثم: وتوازي هذه المرحلة، المرحلة القضيبية لدى فرويد، وتشير هذه المرحلة في نظر أريكسون إلى الصراع النفسي الاجتماعي الذي يعيشه الطفل في فترة ما قبل المدرسة كما تسمى أيضا هذه المرحلة فترة اللعب، أين يجد الطفل تحديا من عالمه الاجتماعي لكي يكون نشطا، ولكي يتقن الأعمال الجديدة والمهارات، وكذلك اكتساب موافقة الآخرين  والاعتراف به على أنه منتج أو قادرا على الإنتاج.

4-الاجتهاد مقابل القصور: وتتزامن هذه المرحلة مع مرحلة الكمون لدى فرويد، وتمتد مرحلة النمو النفسي الاجتماعي الرابعة من 6 سنوات إلى 11 سنة (تتطابق هذه المرحلة مع سن المدرسة)، ولأول مرة من حياة الطقل ينتظر منه تعلم المهارات والسلوكيات التي تعكس بيئته الثقافية والذي يعود إلى عاملين هامين وحدثين رئيسين في حياة الطفل هما:

-         دخول الطفل إلى المدرسة الذي يعتبره تجربة فريدة من نوعها أن تتسع دائرة علاقاته الاجتماعية وتتعقد عملية تفاعله مع ظهور أفراد آخرين يلعبون أدور هاما في حياته (الرفاق، الإنسان...).

-  تزايد نمو قدرات الطفل على الاستدلال الاستنباطي وضبط الذات.

5- هوية الأنا مقابل تميع الدور- الولاء والإخلاص (12 سنة إلى 20 سنة): يرى اريكسون أن البعد النفسي، الاجتماعي الجديد الذي يظهر مع ظهور المراهقة يمكن أن يتخذ شكلين هما:

- إما أن يكون إحساسا بهوية الأنا إن كان موجبا

- أو إحساسا بتميع الدور إذا كان سالبا

وفي هذه المرحلة يظهر ما يسميه أركسون "بأزمة الهوية" التي تحدث عندما يخفق المراهق في تنمية هوية شخصية بسبب خبرات الطفولة السيئة أو الظروف الاجتماعية المحيطة مما يؤدي إلى فشل المراهق في اختيار عمل أو مهنة أو مواصلة التعليم.

6- الألفة مقابل العزلة: تسجل هذه المرحلة بداية من سن الرشد (20-24 سنة) حيث يكون الفرد في هذه المرحلة مستعدا للألفة الاجتماعية وربط علاقات مع شخص آخر، ويمكن القول أن الفرد قد شكل هوية خاصة به (  Erikson ,1974,p178)، ويشير مصطلح الألفة في نظر أريكسون إلى معاني سامية فنقصد به الألفة والمودة التي يتقاسمها الفرد مع أفراد آخرين كما يشير بها أيضا  إلى الألفة والمودة التي يربطها الفرد بذاته أي قدرة الفرد على دمج  هويته مع أفراد آخرين دون أن يسبب ذلك في تخوفه من فقدان شيء من ذاته وذوبانه فيهم(أحمد أبو القاوي ،2010).فإذا نجح  الفرد في تقاسم الثقة المتبادلة مع الآخرين و كذلك ادا حقق النجاح في مساره المهني فانه قادر على الزواج .

ويرى اريكسون انه من أجل تحقيق معنى اجتماعي دائم و مستديم يجب:

-تحقيق ثقة متبادلة

-مع شخص نتقاسم معه الحب

-من جنس اخر(Erikson ,1974,p178 )

7) الإنتاجية مقابل الركود: تتراوح هذه المرحلة من (25-65سنة) وتتمثل هذه المرحلة على ما يسميه اركسون بالإنتاجية مقابل الركود والعقم، ويعتبر الشخص منتجا حين يبدأ في الاهتمام بالمصالح العامة للجيل التالي والمجتمع الذي يمارس فيه حياته (أحمد أبو القاوي 2010) ،فحتى الزواج الناجح و المتوازن يكون أكثر استثمارا من الزواج  المضطرب بالنسبة للجيل الموالي ، كما تنشأ الرعاية من الإحسان بأن هنالك أشخاص أو أشياء مهمين اذ يستثمر الفرد أفكاره إيجابا فنجده يبدع ويبتكر لصالح المنفعة العامة أما اذا عجز الفرد عن تحقيق تلك الانجازات فان ذلك يؤدي به إلى الجمود و الركود ثم إلى الشعور بالفراغ(Erikson,1972,p34)

8) تكامل الأنا مقابل اليأس: تشير هذه المرحلة في كل الثقافات إلى بداية الشيخوخة، وهي فترة تعتريها الكثير من المطالب والتوقعات الذي يعود إلى تدهور القوى الجسمية والصحية، التقاعد، فقدان الزوج أو الزوجة أو بعض الأصدقاء المقربين والحاجة الملحة إلى تكوين أكبر عدد ممكن من العلاقات مع أفراد آخرين من نفس العمر ومن هذا المنطلق يغير الفرد من نظرته الى الحياة فبعدما كان مهتما بحاضره، يخطط له ويدرسه، يصبح في هذه المرحلة أكثر انشغالا بماضيه واسترجاع ذكرياته والحنين إليه، وبالتالي، يرى اريكسون أن هذه المرحلة تخلو من أية أزمة نفسية -اجتماعية جديدة وبالمقابل تتميز بتقويم المراحل السابقة حيث يتأمل الفرد مجهوداته وانجازاته التي يحققها في ماضيه (أحمد أبو القاوي 2010)

لقد استخدم اريكسون مفهوم هوية الأنا في مقابل اضطراب الدور للإشارة إلى أزمة النمو في مرحلة المراهقة وبداية الشباب، حيث يمثل حلها المطلب الأساسي لاستمرار النمو السوي خلال هذه المرحلة ونقطة تحول نحو الاستقلالية الضرورية للنمو السوي في مرحلة الرشد ويرتكز تشكل هوية الأنا على مايسبقها من توحدات، إلا أنها ليست أيا من هذه التوحدات ولا حتى مجموعها بل نتاج عملية دمج تطورية تتضمن تجاهل انتقائي وتمثيل تبادلي لها ينتج عنها وحدة تكاملية جديدة مختلفة عن أصلها تتضمن ربط بين الطفولة والرشد وقد تبدأ عميلة التشكيل بظهور أزمة مجسدة في درجة من القلق والاضطراب المقترن بمحاولة المراهق تحديد فلسفة حياة محددة، واكتشاف ما يناسبه من معتقدات وأدوار وعلاقات اجتماعية ذات معنى أو قيمة على الصعيد الشخصي والاجتماعي وبلغة أخرى فهي سعى ومحاولة لإيجاد حلول لتساؤلات محورية ووجودية منها من أنا؟ من أكون؟ ما هو دوري في الحياة؟ ماذا ينتظر مني المجتمع؟ وتنتهي الأزمة ويتم تحقيق الهوية في الظروف الحسنة بانتهاء هذا الاضطراب، حيث يحقق المراهق إحساسه القوي  بالذات ممثلا في إحساسه بوحدته الكلية وتفرده واستمرارية ماضيه وحاضره ومستقبله وقدرته على حل الصراع ومحاولة إيجاد توازن  بين حاجاته الشخصية المحلية من جهة ومتطلبات الحياة الاجتماعية جهة أخرى من أجل الامتثال لقواعد المجتمع بدل مواجهتها والتمرد عليها وقد يكون الأنا قد اكتسب فعاليته الجديدة المتمثلة في الإحساس بالثبات، أما الفشل والإخفاق في حل التوحدات المبكرة غير السوية والخبرات والصراعات المؤلمة فانه يؤدي إلى اضطراب هوية الأنا في مرحلة المراهقة وقد يأخذ هذا الاضطراب من وجهة نظر اريكسون شكلين أساسين فالأول يتمثل في اضطراب الدور، حيث يفشل المراهق في خلق تكامل بين توحدات الطفولة مما يؤدي إلى الإحساس الغامض بالذات  والفشل في تبني أدوار اجتماعية ثابتة ذات قيمة، أما الشكل الثاني فيتمثل في تبني هوية السالب والمرتبطة أساسا بالإحساس بالتفكك الداخلي الذي يؤدي إلى عدم وضع أهداف محددة وثابتة أو تحقيق الرضا عن أدواره الاجتماعية بل يتعدى الأمر إلى أخطر من ذلك عندما يلجأ المراهق إلى تبني أدوار اجتماعية سالبة كالجنوح والمخدرات والجريمة...الخ

وبناءا على نظرية اريك اريكسون في النمو النفسي الاجتماعي حاول جيمس مارشيا تجسيد أفكاره وتطبيق مبادئ النظرية، ووضع مقياس تاريخي في قياس تشكل الهوية الذي يعتبر إلى حد الآن القاعدة الأساسية والإطار النظري العام لكل مقايسس الهوية، حيث طور مقياسه الشهير بالمقابلة شبه بنائية لقياس تشكل الهوية حيث حدد مجالين للهوية هما:

-هوية الأنا الأيديولوجية: وترتبط بخيارات الفرد الإيدولوجية في عدد من المجالات الحيوية المرتبطة بحياته وتشتمل على أربعة مجالات فرعية هي هوية الأنا الدينية، السياسية، المهنية وأسلوب الحياة،

- هوية الأنا الاجتماعية أو العلاقات الشخصية المتبادلة: وترتبط بخيارات الفرد في مجال الأنشطة والعلاقات الاجتماعية وتشمل على أربعة مجالات فرعية هي الصداقة، الدور الجنسي، أسلوب الاستمتاع بالوقت والعلاقة بالجنس الأخر.

وقد حدد مارشيا أربعة رتب أساسية للهوية تتمثل في:

1-    تحقيق هوية الأنا: تمثل الرتبة المثالية للهوية حيث يتم تحقيقها نتيجة لخبرة  الفرد للأزمة من جانل ممثلة في مرره بفترة مؤقتة من الاستكشاف او التعليق المختلط، المتضمن اختبار القيم، المعتقدات الأهداف والأدوار المتاحة، وانتقاء ما كان ذا معنى أو قيمة شخصية واجتماعية منها، ثم التزامه الحقيقي بما تم اختياره من جانبا أخر.

      2- تعليق هوية  الأنا: يفشل المراهق في رتبة التعليق من اكتشاف هويته أذ تستمر خبرته للأزمة ممثلة في استمرار محاولته لاختبار وتجريب الخيارات المتاحة دون الوصول إلى قرار نهائي ودون إبداء التزام حقيقي، بخيارات محددة منها، مما يدفعه إلى تغيره من وقت لأخر في محاولة منه للوصل إلى ما يناسبه، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر تغير مجال الدراسة أو المهنة أو الهويات أو الأصدقاء.

      3- انغلاق هويته الأنا: يرتبط انغلاق هوية الأنا بغياب الأزمة متمثلة في تجنب الفرد لأية محاولة ذاتية للكشف عن معتقدات وأهداف وأدوار اجتماعية ذات معنى أو قيمة في الحياة مكتفيا بالالتزام والرضا بما يحدد له من قبل قوى خارجية كالأسرة والمجتمع.

1-    تشتت (تفكك) هوية الأنا: يرتبط تشتت هوية الأنا بغياب أزمة الهوية متمثلا في عدم إحساس الفرد بالحاجة إلى تكوين فلسفة أو أهداف أو أدوار محددة في الحياة من جانب وغياب الالتزام بما شاءت الصدف أن يمارس من أدوار من جانب آخر، ويحدث ذلك كنتيجة لتلافي الفرد في هذا النمط للبحث والاختبار كوسيلة للاختيار المناسب مفضلا التوافق مع المشكلات أو حلها عن طريق تاجيل وتعطيل الاختيار بين أ ي من الخيارات المتاحة (حسين عبد الفتاح الغامدي، 2001، ص-ص221، 242).

                     

 

أرسلها إلى صديق