• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

الخدمات التربوية

المعاملة الوالدية والانحراف

المعاملة الوالدية والانحراف

التنشئة الاجتماعية:

مفهوم التنشئة الاجتماعية :

لغويا: يعرف أبو القاسم الأصفهاني معنى التنشئة من " نشأ الشيء" و النشأة إحداث الشيء و تربيته .

ويقال نشأ فلان ، و الناشئ يراد به الشاب، و الإنشاء هو إيجاد الشيء و ترتيبه.    ( زكريا الشربيني و يسرية صادق، 2000،17).

 أما علميا فقد ارتبط مصطلح التنشئة الاجتماعية بالنمو الاجتماعي للفرد منذ ولادته  ويتعلق هدا النمو بعلاقة الفرد بالمجتمع الذي يعيش فيه ،والقيم التي تحكم هذا المجتمع . ولهذا فهي تتضمن معنى نقل للقيم  الثقافية والحضارية  من المجتمع إلى الفرد. ( مصباح عامر، 2003 ، 28).

كما يرى ( ريبير- Reber ) أنها العملية التي يصبح بها الفرد واعيا بالقيم و المهارات الاجتماعية ، ومكتسبا لحساسية اجتماعية تؤهله إلى كيفية التفاعل مع الجماعة في مجتمعه.

بينما يعرفها ( كاقان –Kagan  ) بأنها العملية التي تغرس في الطفل قيما و أنواعا من السلوك المناسب أو الملائم لمجتمعه. ويتناولها ( إيريكسن – Erikson ) على أنها عملية تحويل الكائن البشري من حالة الطفولة أو الرضاعة ، ومن حالة الضعف    و الأنانية إلى حالة الراشد المثالي الذي يدين بالامتثال المعقول مع وجود سمات الاستقلال و الإبداع .( زكريا الشربيني و يسرية صادق، 2000،18).

ويرى ( ولاس  wallace-) أن التنشئة الاجتماعية هي همزة الوصل بين الثقافة والشخصية. أما ( حامد مصطفى عمار ) فيرى أنها عملية نقل للقوى الحضارية الخارجية الموضوعية للفرد ، لتصبح قوى فردية يتبناها في ذاته وسلوكه الخارجي. ( مصباح عامر، 2003 ، 28).

ولعلى التعريف الذي أورده ( أحمد العموش و حمود العليمات) يتطرق بالتدقيق والشمول لمعنى التنشئة الاجتماعية حيث أن هده الأخيرة تمثل تلك العملية التي يكتسب الأفراد بواسطتها ثقافة مجتمعهم ، وينشؤون من كائنات حيوية إلى كائنات اجتماعية إدراكية ذات قيم  و افكار و سلوكيات واعية . و تعمل التنشئة على غرس قيم الثقافة و أعرافها و معاييرها في نفس الفرد ، ليصبح مطواعا من تلقاء نفسه ، فبالتنشئة يتشرب القيم الثقافية لمجتمعه  و يتمثلها ، و يصبح موجها ذاتيا من داخله ، و هذا يكون في الحالات الإيجابية و الغالبة على الأفراد. ( أحمد العموش – حمود العليمات ،2008-2009 ، 300 )  .

إلا أنه يجب الإشارة إلى أن التنشئة ليست عملية آلية قهرية بل أن النموذج الاجتماعي الذي تنتهي إليه شخصية الفرد هو نتاج التفاعل بين بين الفرد و محيطه.

خصائص التنشئة الاجتماعية :

التنشئة الاجتماعية عملية تشكيل اجتماعي : حيث يمكن عبر التنشئة الاجتماعية الحصول على نوعية الفرد الذي نريده، و بناء الاتجاهات الاجتماعية التي التي يرغب المجتمع نقلها إلى أجياله. ( مصباح عامر، 2003 ، 38).كما انها عملية تعلم اجتماعي يتعلم فيها الفرد عن طريق التفاعل الاجتماعي أدواره الاجتماعية حتى يسلك حسب جنسه  ودوره المتوقع في المجتمع الذي يعيش فيه .  ( زكريا الشربيني و يسرية صادق، 2000،18).

التنشئة الاجتماعية  عملية إشباع للجاجات : فالفرد يحتاج إلى الحب و الحنان من والديه ، ويتطور هذا الحب والحنان الوالدي حتى يشعر الطفل أنه مقبول في أسرته. ونفس الأمر بالنسبة للحاجة للأمن و الطمأنينة، والانتماء و المعلومات و الحاجات البيولوجية.  ( مصباح عامر، 2003 ، 38،39).

التنشئة الاجتماعية عملية دينامية و معقدة: هي عملية تحدث عن طريق التفاعل بين الأفراد داخل محيط اجتماعي، فالفرد يلاحظ النماذج السلوكية أمامه ، فيتأثر بها نفسيا  وهذا التأثر ينتقل إلى عملية التقمص و امتثال للنماذج. ( مصباح عامر، 2003 ،39).

كما أن تفاعل الفرد مع الآخرين الدي يؤثر على شخصيته يتظافر مع عوامل أخرى مثل الوراثة و الغدد الصماء و النضج والتعلم ، بالإضافة إلى متغيرات أخرى مثل أعمار الوالدين و حجم الأسرة و الترتيب الميلادي. ( زكريا الشربيني    و يسرية صادق، 2000،19). وضف إلى ذلك تنوع الوسائل التي تتم  عبرها التنشئة الاجتماعية :الأسرة و المدرسة  و جماعة الرفاق و وسائل الإعلام و دور العبادة  و الأندية الرياضية. ( مصباح عامر، 2003 ،42).

التنشئة الاجتماعية عملية نمو متواصل : إن استعدادات الطفل العقلية والأخلاقية  و الاجتماعية و النفسية تصل إلى مرحلة النضج من خلال عملية النمو التي تتم بموجب التنشئة الاجتماعية. ( مصباح عامر، 2003 ،40). كما أنها لا تقتصر على مرحلة الطفولة فقط بل تستمر  في المراحل الأخرى كالمراهقة حتى الشيخوخة. فهي عملية تعتمد على التلقين والمحاكاة والتوحد مع الأنماط  العقلية والعاطفية و الأخلاقية لدى الطفل و الراشد فهي مستمرة باتساع أنساق التفاعل كلما كبر المرء. ( زكريا الشربيني و يسرية صادق ، 2000 ،19 ) .فالتنشئة الاجتماعية إذن هي عملية تكيف اجتماعي و نقل للحضارة . وحسب -زكريا الشربيني و يسرية صادق – لها وظيفتين ؛ وظيفة ظاهرة تنحصر في تدريب الطفل على أداء أنماط معينة من السلوك يرضى عنها المجتمع. ووظيفة كامنة   تهدف إلى توحيد الطفل مع مجموعة الأنماط الثقافية للمجتمع أي القيم الاجتماعية التي تتكون منها بنية الشخصية .  ( زكريا الشربيني و يسرية صادق ،  2000 ،19 ) .

أهداف التنشئة الاجتماعية :

يمكن تلخيص أهداف التنشئة الاجتماعية في النقاط الآتية:

  • تزويد الأفراد بالمهارات الاجتماعية التي تمكنهم من الاندماج الاجتماعي في المجتمع و التعاون مع أعضائه ، و الاشتراك في نواحي نشاطه المختلفة.
  • غرس الأهداف التي يطمح الأفراد تحقيقها في نفوسهم.
  • تعليم الفرد أدواره – ما له وما عليه- و طريقة التنسيق بينها وبين تصرفاته في مختلف المواقف .
  • تعليم الفرد كيف يكون عضوا في المجتمع ، نظرا لتلقينه الطرق الأساسية للمعيشة في المجتمع.
  • تقويم سلوك الفرد حين يأتي سلوكا منحرفا ، حيث يمارس أفراد المجتمع عليه ضغطا اجتماعيا يمنعه من الاستمرار في انحرافه ، ورغم أن التقويم يعود على صاحبه بالنفع فإن  صالح الجماعة له النصيب الأكبر من الآثار الإيجابية له. (غني ناصر حسين القرشي ،2011،328 ).

إن التنشئة الاجتماعية مهما تعددت و سائلها و تنوعت المؤسسات المشرفة عليها تبقى الأسرة هي أكبر المؤسسات المهيئة و الواجبة عليها القيام بها بدون نقاش لأنها وجدت من أجل الضرورة التربوية في أوسع معانيها التي تمس كل مجالات الحياة. ولهذا لا يمكن أن نفهم المعنى العميق للتنشئة الاجتماعية دون التطرق لمفهوم الأسرة وو ظائفها التي عند التطرق إلى محتواها نقف من خلاله على الجوانب الملموسة لعملية التنشئة الاجتماعية .

  الأسرة:

مفهوم الأسرة:

لغويا: الأسرة كما يشير ابن منظور مأخوذة من " الأسر وهو القوة والشدة ولذلك تفسر بأنها الدرع الحصينة ، و أن أعضاء الأسرة يشد بعضهم  أزر بعض ويعتبر كل واحد منهم درعا للآخر ؛ وتطلق كلمة أسرة على أهل الرجل وعشيرته كما تطلق على الجماعة التي يجمعها هدف مشترك ." ( منى يونس بحري ، نازك عبد الحليم قطيشات، 2011،15)

اصطلاحا : لقد اختلف العلماء في تعريف الأسرة وذلك لاختلاف خلفياتهم النظرية وتخصصاتهم :

ففي علم الاجتماع " يهتمون بالأسرة لأن المجتمع يتكون من مجموعة من الأسر  و أفراد هذه الأسر يقومون بأدوار اجتماعية تجعل هذا المجتمع حيا و ممتدا . "وفي علم التشريع هي : " النواة الاجتماعية التي تقوم على الرباط الشرعي المنظم بين الرجل و المرأة وفقا لقواعد يحددها القانون ."

أما علماء الاقتصاد فيعرفونها بأنها " أصغر وحدة اقتصادية إنتاجية ، فبالإضافة إلى دور الأبوين في تربية أولادهم وتنشئتهم اجتماعيا فهم أشبه ما يكونون برؤساء ورشة عمل وإنتاج  و خاصة في الريف حيث تبدأ هذه الوحدة الصغيرة بالإنتاج ثم بالإنفاق ثم بالموازنة ما بين الإنتاج و الاستهلاك و يقودها هذا إلى الادخار و الاستثمار ." ( منى يونس بحري ، نازك عبد الحليم قطيشات،2011،15-16)

كما تعرف الأسرة من حيث بنيتها و هيكلتها بأنها : " منظومة اجتماعية صغيرة تتألف من الزوج والزوجة و الأولاد و تتكون بينهم روابط قانونية و اجتماعية و أخلاقية و روحية و تعتبر نواة المجتمع و الركن الأساسي في كيانه . كما أنها وحدته الأساسية حيث يتكون منها البناء الاجتماعي العام كما أنها مؤسسة دائمة و مستمرة تعتمد  على أواصر الدم  و المصير المشترك ." (منى يونس بحري ، نازك عبد الحليم قطيشات، 2011،15)

ولأن مفهوم الأسرة ارتبط أكثر من حيث مهمتها التربوية ووظيفة التنشئة الاجتماعية، فقد اعتبرها علماء التربية " الوحدة الصغيرة و المدرسة الأولى في ترسيخ العادات في نفوس الأطفال وتلقينهم اللغة والتعامل و أسلوب التخاطب وغرس العقائد الدينية في نفوسهم و تهيئتهم للانتقال إلى جو المدرسة ."

وانطلاقا من هذه المعاني التي تأخذها الأسرة ليس فقط من حيث الوظيفة و المهام والتركيبة ولكن أيضا من خلال التطور الدي عرفته عبر الزمن خاصة ذلك المتعلق بنوعية العلاقات التي تحكم بين أفرادها فمن أسرة عمودية أبوية إلى أسرة أفقية علائقية ولكن هذا لم يغير من مهمتها الأساسية التي وجدت من أجلها وهي التربية وحماية الإنسان في بدنه    ونفسه وقيمه و أخلاقه . ولو أفردنا ربما فصلا كاملا للتعاريف التي تناولت مفهوم الأسرة من هذا الباب سنجدها مستفيضة ولهذا نقترح منها التعاريف الآتية :

الأسرة هي : " البيئة الاجتماعية الأولى التي يبدأ فيها الطفل تكوين ذاته والتعرف على نفسه عن طريق الأخذ والعطاء والتعامل بينه وبين أعضائها ، وفي هذه البيئة يتلقى أول إحساس بما يجب  وما لا يجب القيام به ، والأعمال التي إذا قام بها تلقى المديح،  و الأعمال الأخرى التي إذا قام بها تلقى الذم والاستهزاء ،وبهذا تعده للاشتراك في حياة الجماعة بصفة عامة ."  (مصباح عامر، 2003 ، 78).

كما تعرف بأنها : " وحدة بيولوجية  تقوم على زواج شخصين ، و يترتب على ذلك الزواج –عادة – إنتاج أطفال. وهنا تتحول الأسرة إلى وحدة اجتماعية ، تحدث فيها استجابات الطفل الأولى نتيجة للتفاعلات التي تنشأ بينه وبين والديه وإخوته . "( مصباح عامر، 2003 ، 78).

وهي أيضا : " الوحدة الاجتماعية الأولى التي ينشأ فيها الطفل وهي المسؤولة عن تنشئته اجتماعيا ؛ وهي النموذج الأمثل للجماعة الأولية التي يتفاعل الطفل مع أعضائها  ويعتبر سلوكهم سلوكا نموذجيا ." ( مصباح عامر، 2003 ، 78).

كما أنها : " مسرح التفاعل الذي يتم فيه النمو و التعلم و العالم الصغير للطفل الذي تتكون  خبراته عن الناس و الأشياء و المواقف . كما يظل البيت حمى الطفل وملاذه  الذي يلجأ  إليه بلهفة وتعلق ." ( مصباح عامر، 2003 ، 78).

فمما سبق يتضح أن الأسرة هي وحدة اجتماعية بما تحمل كلمة الوحدة  من معنى الترابط  بين عناصرها حيث تكون أرقى صور هذا الترابط هو التعلق الذي ينشأ بين أفردها من خلال تبادل الحب و الاحترام و الاعتراف بوجود ودور  ومكانة كل فرد  وتحقيق الأمن  في الأسرة  فهذا الرابط يتغذى و يعيش بفضل التبادلات بين أفرادها  ( الأب و الأم  و الأبناء والإخوة) سواء من خلال ما هو بيولوجي إلى ما هو نفسي أي عاطفي وعقلي  و روحي، فمتى ما حصل كل فرد على حاجاته    ومكانته في الأسرة كلما ساهم ذلك في تعزيز الروابط بين أفرادها لتؤدي المعنى الحقيقي للأسرة كلبنة متينة في المجتمع وليس معنى شكلي خارجي يتمثل في الوجود الفيزيقي لأفراد يجمعهم مكان مشترك- البيت- وبعض العادات اليومية كالطعام والنوم في بيت واحد أو قضاء الحاجات المادية على سبيل المثال.

وظائف الأسرة :  

إذا كانت الأسرة نظاما قائما على صلة الدم والقرابة تهدف إلى استمرار النسل فهي كمؤسسة اجتماعية تميز الإنسان كمخلوق وجد من أجل رسالة في الوجود لا تسيرها الغرائز و الدوافع الفطرية كباقي الحيوانات؛ و من هنا تتجلى أهمية الأسرة ومعنى الضرورة من وراء تكوينها ، حيث لا يمكن تصور وجود إنسان خارج أسرة مهما كان نوع هده الأسرة (حتى  في حالة الأسرة أحادية الولي مثلا.)، ولهذا تأخذ الأسرة أهميتها من أسباب وجودها والوظائف التي تؤديها، والمتمثلة في :

الوظيفة البيولوجية: وهي وظيفة إشباع الدافع الجنسي للزوجين بموجب  رابطة الزواج الشرعية المقدسة و التي بموجبها ينتظم نسب الأطفال في المجتمع و تضمن لهم حقوقهم. كما تضمن هذه الوظيفة للأسرة مساعدة أفرادها من الوقوع في الرذيلة ومن الفشل الأخلاقي الذي هو من أسباب إساءة معاملة أفراد الأسرة لبعضهم البعض. ( منى يونس بحري ، نازك عبد الحليم قطيشات، 2011،18)

كما أن إنجاب الأطفال من مسؤوليات الأسرة و المحافظة على النوع البشري والتناسل المستمر؛ لضمان تجدد المجتمع بالطاقات الشابة وتفادي ارتفاع نسبة الشيوخ على حساب نسبة الشباب. كما أن الأسرة هي المسؤولة عن الرعاية الصحية للأطفال ؛ فالصحة الجسدية للطفل تنعكس على النمو السليم و المتوازن  للطفل نفسيا واجتماعيا. ( مصباح عامر، 2003 ، 84).

 وليس هذا فحسب، فالوظيفة البيولوجية للأسرة يمكن لمسها في علاقة الطفل بالأم التي ترضع طفلها وتتبادل وإياه العواطف الجميلة، فهي تشبع حاجته إلى الغذاء وهو يشبع لديها دافع الأمومة. ( منى يونس بحري ، نازك عبد الحليم قطيشات، 2011،18).

الوظيفة الاقتصادية:  وهذه الوظيفة مستمرة ولها صور مختلفة و أساليب   و أهداف . وقد كانت الأسرة في الماضي وحدة اجتماعية مشتركة و متكاملة تقوي علاقاتها و الروابط بين أفرادها سلطة رب الأسرة  و سيطرته على مقوماتها ، وكانت الملكية فيها جماعية. وفي الوقت الحاضر تقوم الوظيفة الاقتصادية على أداء أدوار تتجه نحو الفردية والاستقلالية في أداء الأعمال لتنظيم الحاجات الاقتصادية للأسرة. ( منى يونس بحري ، نازك عبد الحليم قطيشات، 2011،19).

كما تقوم الوظيفة الاقتصادية للأسرة على معنى التضامن بين أفرادها ففي القديم كان الزوج هو المعيل للأسرة فأصبحت الزوجة  كذلك تساهم  و الأبناء في زيادة دخل الأسرة (السيد حنفي عوض، 1998، 168 )  كما أصبحت الزوجة  تساهم إلى جانب زوجها في الادخار. ( اسماعيل علي سعد ،1993، 185) .

الوظيفة الثقافية:  إن الأسرة هي وسيط  بين المجتمع و أفراد الأسرة ، فالمرأة والرجل عندما يتزوجان يكونا وحدة تتميز بأساس ثقافي و بمستوى اجتماعي و تعليمي و اقتصادي يميز أسرتهما و لهما مهنة و مستوى معيشي خاص بهما . وتقوم الأسرة ببث القيم في نفوس أفرادها.وبإكسابهم المفاهيم و العادات و التقاليد التي تضبط سلوك أفرادها وتحكم علاقاتهم الاجتماعية داخل الأسرة وخارجها و بما يوفر للأسرة مكانة مقبولة في المجتمع.  (منى يونس بحري ، نازك عبد الحليم قطيشات، 2011،19).

فالأسرة تقوم بنقل التراث الثقافي للطفل في شكل نماذج سلوكية ، فهي تقوم بعملية تلخيص التاريخ و تجسيم الثقافة أمام الطفل بشكل يستطيع الطفل استيعاب الثقافة    و رموزها الحضارية و اسقاطها على المواقف التي يتعرض لها. و تكون ثمرة هذه الوظيفة هي انبثاق الطفل من المجتمع و هو يمثله في تصوراته و قناعاته وتوجهاته الفكرية و يمثله في توقعاته و أهدافه التنموية. ( مصباح عامر، 2003 ، 85).

الوظيفة العاطفية : و تتمثل في ترك أجواء المنزل غامرة بعواطف الحب والتواد والقبول الاجتماعي ، واللعب و التفاهم والتقبل بين الزوجين ، واحتضان الأولاد بدفء . وهذا يؤدي إلى وجود وحدة صغيرة تكون المصدر الرئيسي للإشباع العاطفي لجميع أعضاء الأسرة. ( مصباح عامر، 2003 ، 85).

فأساس هذه الوظيفة أن يقوم الرجل و المرأة ببناء علاقة زوجية تقوم على السكينة والطمأنينة ، و أن يكون ما بين الزوجين علاقة متبادلة من المودة و المحبة       و المجاملة  و الرعاية و الرحمة ، و التخفيف عن الآخر ، و الاعتبار له و هو الذي يعين الإنسان على القيام بواجباته و تحمل مسؤولياته. ( منى يونس بحري ، نازك عبد الحليم قطيشات، 2011،19-20).

الوظيفة الدينية: تقوم الأسرة بترسيخ قواعد الدين وتعليم أحكامه للصغار. وتنقل إليهم القيم الروحية السامية التي تهذب أخلاقهم . فعن طريق الأسرة يكتسب الأطفال دينهم  و نظامهم القيمي الأخلاقي الذي يمكنهم من معرفة الفرق بين الخير و الشرو الحق و الباطل و الفضيلة والرذيلة . ( منى يونس بحري ، نازك عبد الحليم قطيشات، 2011،20).

وظيفة الحماية: توفر الأسرة الحماية و الأمن لأفرادها صغار السن منهم            و اليافعين و الكبار و كبار السن في حالات الصحة والمرض و العجز ، وتوفر لهم العيش الكريم في سنين عمرهم البكرة و الأخيرة . فالأسرة كانت و مازالت تقوم بهده الوظيفة. كما أنها تقوم بإزالة الخلافات و النزاعات بين أفرادها و تحكم بالعدل بينهم و تقوم سلوكهم من خلال أساليب التنشئة الاجتماعية التي تتبعها ، و الثواب   و العقاب للحفاظ على حقوقهم و تمكينهم من أداء واجباتهم و تحقيق النظام في حياتهم و الحيلولة دون وقوع الفوضى و التفكك فيها. ( منى يونس بحري ، نازك عبد الحليم قطيشات، 2011،20،21).

   الوظيفة التربوية التعليمية: الأسرة هي المؤسسة الأولى التي تضطلع بالتربية  و التعليم  لأطفالها .فهي  تقوم  بمساعدة الطفل على تعلم المبادئ الأولية التي تساهم في التوافق الاجتماعي عن طريق تجميع رغبات الأفراد و توجيهها  نحو أهداف غير متعارضة . بمعنى تعليم الفرد الواقعية في السلوك والموازنة بين ما هو مثالي من قيم و أخلاق ومبادئ، وبين ما هو موجود في المجتمع من معطيات محسوسة  يعيشها و يحس بها. من أجل القدرة على تخطي الصعوبات الاجتماعية وهو يشق طريقه لبناء مستقبله دون الاستسلام والوهن أمام ثقل الواقع من خلال الربط بين النظري و الواقع.

-         كما تقوم التربية بغرس مهارات  و فنون نافعة ، وخبرات اجتماعية تستند إلى استغلال طاقات الفرد و قدراته الكامنة و تمكنه من الاعتماد عليها في حياته العملية. ويتحول بها إلى فرد فعال في المجتمع.

-         وتعمل التربية على توثيق الصلة بين الطفل والبيئة التي تحيط به ، واستغلال هذه المسألة في تدريب الطفل و ترويضه على السلوك الاجتماعي السوي ، وتعليمه الملاحظة و جمع الحقائق ، و تحليل تصرفات الناس و الاستنتاج . و إثارة الرغبة في نفسه حول تفهم حقائق الأشياء و الاستفادة من التجارب المحيطة به. ( مصباح عامر، 2003 ، 85-86).

الوظيفة الاجتماعية : تهدفهذه الوظيفة إلى اكتساب الطفل مختلف القواعد والمعايير التي تحكم وتضبط السلوك داخل المجتمع و اللغة و العادات والتقاليد ومعاني العلاقات الأسرية والاجتماعية. وهذا ما يسمى بالتطبيع الاجتماعي.

إن التنشئة الاجتماعية تقوم على معنى العلاقة بين الشخصية و المجتمع التي تبدو في اتجاهين أساسيين حسب ( زكريا الشربيني و يسرية صادق) حيث يتعلق أحدهما بكيفية بناء المجتمع للشخص بعدما يولد فيه، وكيف يحوله من كائن بيولوجي إلى إنسان له فعاليات اجتماعية مناسبة. وأما الاتجاه الثاني فيهتم بكيفية تكييف الشخص للمجتمع ، وكيف يتمكن من أن يبدع ، و كيف يغير النظام الاجتماعي الذي ولد فيه بالتدريج .( زكريا الشربيني  و يسرية صادق، 2000،62).

وعليه تتجلى وظائف الأسرة في العديد من المجالات التي تهم حياة الإنسان فهي تلبي حاجاته البيولوجية والمادية و النفسية بما فيها العاطفية والفكرية وتسلح الفرد للدخول في عالم العلاقات الاجتماعية وتسمح له باكتساب المهارات اليدوية والمعرفية التي تجعل منه عضوا فعالا في المجتمع و جدير بتحمل المسؤوليات    و تقديم الخدمات من خلال إنتاجه اليدوي و الفكري كما تهيئه لمواجهة مستجدات الحياة و حل المشكلات و التكيف مع الوضعيات التي تطرحها أمامه الحياة في كل يوم .

وما دامت الأسرة المعنية بهده الوظائف التي تأخذ معناها و تفسيراتها من خلال الممارسات و الملاحظات اليومية التي تخص المعاملات و التبادلات و نمط العلاقات التي تنسجها طريقة تعامل الوالدين مع الطفل والتي تدخل في آخر المطاف تحت مصطلح التربية الأسرية التي هي صميم كل الوظائف الأسرية وهي التي تأخذ الصبغة الإجرائية للتنشئة الاجتماعية داخل الأسرة  ارتأينا أن التطرق لدور الأسرة التربوي من خلال ما هو إجرائي و في بعض الأحيان حياتي يومي يسمح لنا بالانتقال مما ذكر نظريا ودعمه بما هو واقعي لأن ما يحدث داخل المنزل خلال يوم كامل وما يتكرر من معاملات بين أفراد الأسرة هو الذي يطبع وحتى أحيانا    و بشكل مصيري شخصية و حياة الأطفال.

 دور الأسرة التربوي:

  المسؤولية الوالدية:

 تتمركز مسؤولية الوالدين اتجاه الأبناء في محاور تمثل الأسس و المهام التي تقوم عليها تربية الأبناء و المشتركة بين أغلب الأسر المعاصرة في الوقت الراهن لتبقى خصوصيات للممارسات التربوية الخاصة بكل مجتمع و بيئة. وأهم هده المهام الموجهة" للطفل صغير العمر الموضوع داخل أسرة تضمن أساسيات حاجاته بما فيها المادية و التربوية  و العاطفية" ( جانين مونتز لو كورولير, Janine Montz-Le Corroler،2003،117).

وتظيف نفس المؤلفة أن " الأب و الأم يملكان السلطة الوالدية من أجل حماية  الطفل في سلامته و صحته و أخلاقه "      

فالتوظيف الداخلي للأسر المعاصرة يتمثل في المرافقة بين الأولياء و الأبناء                     (le partenariat parent-enfant)

ويذهب (ل. روسال-L.Roussel) إلى أن "  مسؤولية الأولياء نحو الأبناء لا نقاش فيها، نهائية واجبة على الإطلاق" ( جانين مونتز لو كورولير, Janine Montz-Le Corroler،2003،117).

المجالات التي تتجلى فيها مسؤولية الوالدين نحو الأبناء:

الاهتمام بالصحة الجسدية للطفل:

الحالة الجسمية: وتتعلق بالتغذية الكافية و الملائمة ، النظافة في الحياة اليومية و المسكن، متابعة التلقيحات. إلا أن ذلك يمكن أن يـتأثر بالصعوبات المالية التي تتطلب إعانة المصالح الاجتماعية. لكن الحالة العامة للطفل  يمكن أن تتأثر أيضا بوسط أسري يسوده العنف و لا أمن (مثل الادمان على الكحول) ، أو حتى حالات الوهن او التعب الجسدي المزمن نتيجة القلق و الضغط المستمر ، أو فترات حادة من حياة الأسرة ( انفصال الوالدين مثلا) قد تؤدي إلى تراجع الحالة الجسمية للطفل ، كما أن العقاب الجسدي يمكن أن يؤدي إلى أعراض القزامة.

( جانين مونتز لو كورولير, Janine Montz-Le Corroler،2003،118).

 نظام الحياة: هو مظهر آخر من الحالة الصحية للطفل ، و يتمثل في احترام الوتيرة البيولوجية لحياته اليومية بسبب ما تخلفه من حالة التعب و الآثار على سلوكه. فالطفل بحاجة إلى انتظام في استعمال الزمن اليومي والأسبوعي خاصة التوقيت المدرسي و تنظيم برنامج مراجعة المواد مع ما يتلاءم و طبيعة الانتباه واليقظة . ولهذا يأخذ النوم أهميته، فيجب أن يكون كافيا و يتم ضمن شروط الراحة الجسمية و العاطفية .

ولهذا يكون عدم الاستقرار و الاضطراب و التعب هم نتائج عدم الانتباه المستمر لحاجات الطفل وهي نتائج مماثلة جراء القلق و الضغط بسبب المشاكل العائلية.

( جانين مونتز لو كورولير, Janine Montz-Le Corroler،2003،119).

الاهتمام بتفتح  شخصية الطفل:

هذا يكون بفضل الأسرة الآمنة و  المحفزة(sécurisante et stimulante) التي تكلم عنها (بورو- Porot)  و الاهتمام المستمر و المحيط المستقر اللذان تكلم عنهما (سينقلي- Singly) .  فمع التغير الذي عرفته الأسرة من أسرة كانت في هيكلتها عمودية سلطوية إلى أسرة أفقية علائقية و كذلك ارتفاع التبادلات بين الأولياء      و الأبناء كل هذا بإمكانه تسهيل تفتح شخصية الطفل. فبالأمن و الاستقرار من ناحية  نجد على المستوى العاطفي الاستقرار الضروري للنمو الجسدي المتناغم للطفل.   وبالأسرة  المحفزة و المهتمة من ناحية أخرى لدينا الاهتمام الممنوح لذات الطفل و تفتح مواهبه و إثراء شخصيته.

( جانين مونتز لو كورولير, Janine Montz-Le Corroler،2003،119-200).

الاهتمام بتربية الطفل:                                   

حسب قاموس ( لاروس- Larousse ) : " التربية هي التعليم و التكوين" وهذا يشمل "مجموع المهارات الفكرية و اليدوية المكتسبة و مجموع الخصائص الخلقية التي تتطور"

( جانين مونتز لو كورولير, Janine Montz-Le Corroler،2003،121).

إن مسؤولية التربية تقع على عاتق الوالدين ،حيث يحدد ( بيرشورون، Percheron ) آليتين تلخصا تبليغ الأسرة للقيم وهما : الاستدخال و التلقين  (l’imprégnation et l ‘inculcation ) ، ففي الاستدخال يمارس النموذج الوالدي أثره و هو الذي يطبع بعمق الطفل إيجابا أو سلبا حيث يقول ( بتلهايم –Bettelheim  ) :  " أن على الوالدين أن يوضحا اتجاه للطفل عن طريق سلوكياتهما و قيمهما التي تلهم حياتهما ".

أما التلقين ، فيتمثل في الموانع أو التعليمات الموجبة فيما يتعلق بالاختيارات التي تخص القيم ، ولكن في الأسرة المعاصرة الأمر ليس كذلك ؛ حيث يقول ( سينقلي ، Singly ) :

" على الثقة أن تأخذ مكان الإكراه ".( جانين مونتز لو كورولير, Janine Montz-Le Corroler،2003،121)                                                       

  المعرفة بحاجات الطفل و خصائصه:

تتمثل في تلبية حاجات الطفل ورعاية رغباته واحترامها ، وترك الطفولة تسير وفق  ما رسمته لها الطبيعة بشكل عادي و تلقائي متفتح على التجارب و الآخرين مع تقديم النصح  و الإرشاد ليصل الطفل إلى الاستقلالية  التي تسمح له برعاية نفسه مند سن الثالثة و حمايتها في المجتمع مند سن العاشرة ، وهذا يمنحه الثقة التي يجب أن تكون متبادلة بين الطفل ووالديه و التي تمنحه الثقة في نفسه و تحمل المسؤولية وهدا يبدأ بالطبع تقول (دولتو- Dolto):̎بالاهتمام الذي يتفهم استقلالية الطفل النامية المصحوب بجو من السعادة و العبارات التي تشرح كل ما يقوم به الراشد الذي يلاحظه الطفل باهتمام و الذي يرغب لاحقا في تقليده . ̎ (دولتو، 994 , Dolto1 ,26).

كما تذهب أيضا (دولتو) لتقول: ̎ إنها التجارب المدعومة(assistées) التي تطور حركته ، هو الحب و الحنان المطمئن الذين يسمحون له بتجاوز الإخفاقات و ليس القيام بكل شيء لأجله وفي مكانه ، والغضب عند فشله في الأداء. ̎ (دولتو ، 994 , Dolto1 ,26).، هذا في إطار ما أسمته المكان والزمان للسلوك الحر، مرافقة أطفال آخرين ،الاستقلالية في لعبه ووتيرة حاجاته (  الأكل ، الإخراج، النوم.......) وهذا يدعو الصغار إلى احترام مكان وزمان التواجد الحر للوالدين. أي ما يمنح للطفل معالم ثابتة  في تكوين شخصيته لأنه لقي الإطار و السند لذلك.

ومن أهم الوظائف التربوية المنوطة بالأهل اتجاه الأبناء تلك التي تتعلق  بالمعرفة بحاجات الطفل و خصائص الطفولة و التعامل معه على أساس طفولته وليس على أساس جعله وإجباره على تفهم الراشد إذ على الراشدين التكيف مع مستوى فهم الطفل وليس العكس فما على الوالدين مراعاته في تربية الاطفال ما يتعلق بما يلي:

 تصحيح العيوب:

إن  الوقوف  على  العيوب  بوضع  الأصبع عليها  ومقاومتها  من  أجل  التخلص  منها  لا يجد  نفعا،   فالطفل  لا  يمكنه  النمو  إلا  إذا  قمنا  بتنمية  الخصائص  الإيجابية  الكامنة في  داخله  و جعلناه  يعي  بها  من  أجل  صورة  ذات  سليمة   و اندماج  اجتماعي  . (دولتو، 994 , Dolto1 , (53وكذلك لا يجب أن نجعل عيبا ما قد لا يكون كذلك:         

̎مثل الفضول ، الشره ،الثرثرة، الحركة الزائدة؛ إذ يمكن أن يكون سلوك عفوي يجب تطويره: فالفضول رغبة في المعرفة و الشره دقة في الذوق و الثرثرة رغبة في التواصل و الحركة قدرة على تطوير الحركة في اللعب و الرياضة. ̎  .(دولتو ، 994 , Dolto1 , (53؛ لذلك فالتربية القائمة على مرافقة الطفل في تعلماته حسب ما تسمح به قدراته  الراهنة  والاعتراف به منذ صغره في القيمة الحقيقة لقدراته دون الإثقال عليه بأهداف بعيدة المدى لا يقوى على الوصول إليها  ستمكنه من معرفة خصاله الحقيقة ليطورها ،كل هذا  يمنحه روح الإرادة  ، أما التأكيد على العيوب ̎ فلا ينمي التشجيع ولكن الكذب و النفاق و سوء الضمير و النرجسية التعيسة، الطفل بحاجة إلى أن يحس أنه محبوب أولا كما هو و إلا سوف لن يعرف النضال من أجل سعادته أو الحصول على أصدقاء أو تنمية خصائصه الإيجابية. ̎ (.(دولتو ، 994 , Dolto1 , (54-53

احترام حرية الطفل:

 وذلك في اختيار النشاطات التي يرغب فيها  سواء كانت رياضية أو ترفيهية ، تشجيع العلاقات مع الأصدقاء و أطفال آخرين مهما كانوا مختلفين عنه بغض النظر عن أحكام الراشدين ومهما كانت حجج و آراء الوالدين في الأصدقاء سواء من ناحية مظاهر اللغة ، اللباس ، أو الآداء المدرسي. بل دعمهم في أن لا يحكموا بشكل مجرد أو مطلق بل من خلال تجربتهم̎ و تضيف (دولتو، Dolto) أنه ̎ ليس هناك ما يجعل صحة الطفل العقلية متدهورة مثل أن يسلك من أجل إرضاء الوالدين و بشكل واع  (دولتو ، 994 , Dolto1 , (55.كما أن احترام حرية الطفل يجعل منه شخصا فاعلا واثقا في قدراته   "  فالأطفال يشاركون بفاعلية في تطور شخصيتهم، إنهم يحملون الإرادة الكامنة في النفس البشرية  لاكتشاف المحيط و التحكم فيه "  Fédration mondiale pour la santé mentale                                                                 (Journée mondiale de la santé mentale ,2003)

 عدم نقل مشاعر الذنب للطفل:

   إذ ليس  هناك  تربية دون مشاكل و الأطفال مقابل الأولياء الذين يواجهون تحديات التربية هم  كذلك  يواجهون  التحديات  التي تفرضها عملية النمو والنضج  والخبرات الجديدة التي لا يستطيعون مجابهتها  يوميا دون دعم  الكبار و دون الوقوع  في  أخطاء  التي هي بمثابة  صعوبات  للراشدين  تدفعهم بإلقاء اللوم على الصغار ، ̎فالأطفال  هم  أيضا أمامهم  الكثير  ليسامحوا  أولياءهم  على الصعوبات التي أضافوها إلى التي يواجهونها.     (دولتو ، 994 , Dolto1 , (56

الحوار و التواصل  وتنمية الثقة بين الوالدين و الطفل:

إن ضبط الطفل هو الثقة فيه من خلال الحوار و تقبل وجهة نظره و الاستماع إليه في كل ما يخص الحياة الأسرية و الاجتماعية و خاصة العلاقات مع الآخرين صغارا كانوا أم كبارا  مما يمنح له مرجعا حول تجارب الآخرين. ̎  إن الأطفال الذين تتم تنشئتهم بهذا الشكل يكونون منذ تسعة أو عشرة سنوات مسلحين للحياة الاجتماعية دون صعوبات أو خطر الإحباط أو التبعية في العلاقات إذ يتشكل لديهم فضاء نفسي مستقل يتمتعون من خلاله بثقة  متجذرة  في  الأسرة  وفي  نفس  الوقت  تقبل  الناس  المختلفين .̎   (  دولتو ، 994 , Dolto1 , (56-55مع  الاعتماد  على  الوسيلة  الأساسية في  ذلك  ألا  وهي  اللغة   - tout passe par le langage- فالموانع ما هي سوى آنية بغرض حماية الطفل ما عدا ما يخص تلك التي لا تزول مع الزمن والتي تخص العلاقات الجنسية مع المحارم أو الراشدين أو مع الأطفال ̎  فكل ما يتعلمه الطفل من كذب أو نفاق أو غيرها من سلوكيات غير اجتماعية يعود لفشل التربية في احترام طبيعة الطفل النامية والمتفردة وذلك يجعله يتخذ سلوكيات ضد طبيعته .̎ (دولتو ، 994 , Dolto1 , (56-55

هذه الثقة في الوالدين تسمح للطفل بتمييز الراشدين الذين يرى فيهم ناصحين جيدين من أجل أن يجد في قرارة نفسه القرارات الصائبة دون تبعية لنصائح الآخرين حتى ولو كانت للأب و الأم والتي يمكن أن تكون رغبات ̎ وبهذا الشكل يصبح الطفل قادرا على أن يرسم  لنفسه بعض خطوط حياته لبناء أفعاله و مشاريعه .̎ .(دولتو ، 994 , Dolto1 , (56-55فهدف التربية في الأخير هو تنمية الاستقلالية لدى الطفل ليكون راشدا.

 الحاجة إلى الأمن:

الشعور بالأمن لا يكون إلا بثقة الطفل بأنه  محبوب أي الثقة في نفسه والفخر بجنسه و مبادراته ، فالحب قد يتم التعبير عنه لفظيا للطفل وكذلك من خلال السلوكيات  وأهمها الملامسة الجسدية، فالطفل بحاجة لها خاصة في الوضعيات الصعبة أين يكون بحاجة لتضميد الآلام و المواساة من خلال الاتصال الجسدي مع الأم أو الشخص الذي يرعاه ̎ فلابد أن يحصل الطفل على اتصال جسدي على الأقل إلى غاية مرحلة سقوط الأسنان اللبنية أي في سبع سنوات، وإن لم يحدث ذلك يستمر الطفل في البحث عن هذا الاتصال مع أطفال آخرين ،مما سيؤدي إلى مشاكل على الصعيد النفسي̎   .(دولتو،994 , Dolto1 , (64 فمعنى الحب من خلال التربية هو أن نعطي للطفل الضمان بأنه مهما فعل سيظل محبوبا حتى ولو تم تأنيبه أحيانا. ومنه ̎ الأمن الداخلي هو الذي يسمح بدينامية الطفل أو حياته الداخلية بأن تعبر عن نفسها ؛ أو العكس عند غياب الأمن سيصبح الطفل معاقا" (دولتو ، 73,1994, Dolto)

الحاجة إلى الاحترام:

إن  المعنى  الذي تأخذه  التربية  في نهاية  المطاف  ليس  فقط  من خلال  التربية  التي يحاول  منحها  الأولياء بشكل  واع للطفل  من خلال السلوكيات  التي يريدون  تلقينهم  إياها ولكن  من  تلقين  الطفل  احترام  ذاته  ̎  الذي  يأتي  من الاحترام  الذي  يحمله الراشد للطفل . "(دولتو ، 994 , Dolto1 73, (

  الحاجة إلى التعلق والاستقلالية:

 يعرف " بولبي، Boolby " في كتابه" the nature of love" التعلق على أنه " مثل رباط يتكون  مع الصور الوالدية يهدف إلى  الحماية و الارتياح و الدعم" فالطاقة أو الغريزة التي تشكل هدا الرباط تنتظم في علاقة تعلق ، فهي ليست متعلقة بالإطعام أو بما هو جنسي، فالتعلق بالصور الوالدية هو سيرورة نفسية فطرية توجه العلاقات العاطفية للإنسان مع محيطه من الولادة حتى الوفاة.(famidac.fr, Attachement ,2014 ).

ولهذا فالتعلق يتميز بالضرورة الملحة بالإحساس بالحماية و الأمن بحضور شخص بحد ذاته أو يقلل هذا الشخص من خلال سلوكه التباعد معه و يحافظ على الاتصال حتى في غيابه. فهو يسمح إذن بتحمل الغياب و الحرمان الذي تحدثه المواجهة مع واقع الحياة و الوحدة. فعمل التعلق يتمثل في العلاقة مع الآخر وفي حدود تلك العلاقة من أجل استدخال الروابط في إطار رمزي تسمح بتمايز الشخصية دون تحطيميها و انفصال غير مميت. لأن طبيعة هدا الرابط ضروري من أجل بقاء الطفل ونموه.

ولهدا فالطفل خلال العلاقة يعيش نوعين من الدينامية  ويكونان متعارضين : فمن جهة تكون إقامة التعلق عن طريق تبعية عاطفية ؛ ومن جهة أخرى إقامة الانفصال ؛ و هو أمر ضروري  لتكوين شخصيته وبناء هويته.(famidac.fr, Attachement ,2014 ).

ولهذا على الأسرة أن تربي الطفل منذ صغره  على أن يحتفظ بصراعاته على أنها عادية ، كمؤشر حيوي ، لذا على الصغار أن يشعروا بالضغط بين التعلق بالأسرة و الرغبة في التخلص منها كعلامة حيوية، فالأمر لن يصبح مرضيا إلا في حالة عدم تفهم الأسرة ، و حينها تصبح جماعة الرفاق خطيرة. لأن كل رغبة تعني "خطر"risque) (الذي يعني " قلق " لذا ينشأ صراع بين غريزة البقاء )  ( le désir de se conserver  و الانطلاقة التامة ؛ لكن عندما لا يجد الطفل المساندة في مواجهة هذا القلق – مثل الرغبة في الاستقلالية- هناك إذن خطر فقدان الطفل لتقدير ذاته إذا لم يلق الاستجابة لرغبته ومنه يتحول القلق إلى شعور بالذنب.(دولتو،  Dolto , (62 -61-1994. لذا تكون جماعة الرفاق عبارة عن ملاذ للطفل يلقى فيه التقبل         و التشجيع على الجرأة في أخذ الحرية التي ينشدها ولو في إطار صراع مع الأولياء .لأن الإنسان دائما في إطار البحث عن العلاقة و التواصل في أوسع صوره ولو بشكل غير متوافق.

الصور العقلية للأب و الأم عند الطفل:

  لدى كل إنسان فكرة عن ما هي الأم وما هو الأب، حتى لو لم  يكونا لديه ، إنه قانون نفسي .

بالنسبة للطفل ، الأب هو الشخص الذي يتماهى به بالنسبة للذكر ، هو الشخص الذي ينبه الطفل عندما يتعدى القانون و الذي يدعمه في نموه الاجتماعي، والذي يقدم المال للطفل، الأب هو الذي يدمج الطفل في قانون التبادلات الاجتماعية ؛ تبادلات في السلوكيات ، و القوة و التحكم التي تأخذ معناها الرمزي عن طريق العملة. هو كذلك الذي يمنح أو لا يمنح اسمه للطفل ؛ الأمر الذي سيطبع من خلال الاعتراف بالطفل  أو عدمه أي اتصال اجتماعي لهذا الأخير)دولتو, Dolto, 63,1994(.

كل هذا سيساهم في ترسيخ المعنى الوجودي لأي شخص الذي بدونه لا تكتمل أي شخصية في المفهوم الذي تكونه عن ذاتها.

أما الأم بالنسبة للطفل ، فهي الشخص الذي يطعم و يعالج ، هي كلية تلبي حاجاته لدرجة أنها من خلال وجودها الرمزي في حياة الطفل النفسية تستمر في في وظيفتها  "المطمئنة "، خاصة عندما  يكون عليه خوض تجارب جديدة و أولها دخوله المدرسة التي تأخذ معنى كلية أبوية ( une entité paternante) ، مما قد يشكل للطفل جرحا أو صدمة ، إذ هنا تحضر عند الطفل فكرة الأم. وبفضل هده الفكرة عن الأم المطمئنة و الأب الموجه التي يحملها المراهقون يتمكنون من حل أغلب مشاكلهم)دولتو, Dolto, 64,63,1994(.

  أهمية وجود الطفل في إطار علاقة ثلاثية :

 من المهم وجود الطفل في إطار علاقة ثلاثية ، و أن يحس أنه أحد أقطاب هذه العلاقة في كل ما يحمل وجوده من معناه الإنساني ، أي معاملته على هذا الأساس ، على أنه إنسان يتمتع بكل حقوقه الطبيعية كباقي الناس.

ولكن عندما توجد علاقة ثنائية القطب: الطفل مع الأم فهذا سيؤثر على دينامية الطفل؛ ولهذا حتى لو كان الأب غائبا جسديا فعلى الأم أن تجعله حاضرا رمزيا، من أجل ضمان وضعية ثلاثية: كأن تقول للطفل " لو لم يكن والدك موجودا لما ولدت"، " لديك أب مثل الجميع وستبحث عنه لاحقا " ، " أنا متخاصمة مع والدك ، ولكن عندما أتيت إلى الحياة كنت أحبه ...." )دولتو994 , Dolto -1 , (74  .

ولكن السؤال الذي يطرح هنا : هل فعلا يمكن أن نطبق هده السلوكيات في مجتمعنا الجزائري ، أو في حالة ولادة طفل نتيجة الاغتصاب أو الاستغلال أو في حالة تخلي الأب عن الأسرة بشكل تعسفي و صريح؟

ولكن تبقى هده العلاقة الثلاثية حسب " دولتو " ضرورية لأن غيابها يجعل نفسية الطفل تعاني لأن جزءا منها فقد وظيفته  -صورة الأب - و كأن بنيته الرمزية في حالة شلل نصفي  )استعملت دولتو Dolto- -مصطلح hémiplégique ((دولتو، Dolto ، 1994،28،29).

المعاملة  الوالدية:

ليس هناك اختلاف بين العلماء في أن  وجود الأسرة  ضروري للطفل حتى ينعم فيها بالرعاية و العناية ليصبح قادرا على خوض غمار الحياة بنجاح .

وإذا كان كل فرد فريد ، فإن الأسر أيضا تتمايز في طرق تنشئتها لأطفالها و أساليب معاملتها لهم ، وهذا ما يسمى بأساليب المعاملة أو أساليب التنشئة أو الاتجاهات الوالدية و التي تعني :" استمرارية أسلوب معين أو مجموعة من الأساليب المتبعة في تربية الطفل و تنشئته ويكون لها أثرها في تشكيل شخصيته." ( صالح حسن أحمد الداهري ، 2008، 391 ).

كما يعزي أخصائيو الصحة النفسية  أسباب الاضطرابات السلوكية و الانفعالية في المقام الأول إلى علاقة الطفل بوالديه فقد أشار( بيتلهيم –Belttelheim ) إلى أن معظم هذه الاضطرابات ترجع أصلا إلى التفاعل السلبي بين الطفل وأمه.(خولة أحمد يحي ،2000 ،33).  كما توصلت الأبحاث التجريبية إلى أن الأطفال ذوي الاضطرابات السلوكية و الانفعالية الشديدة جدا يعانون من عدم اتساق و تماسك في علاقاتهم مع والديهم. وحسب ( سميث و لوكاسون – Smith et Luckasson ): للعائلة دور مهم في التطور الصحي للأطفال وقد تحدث اضطرابات سلوكية وانفعالية عند أي أسرة ، وهدا لا يعني بالضرورة أن الأسرة قد تسببت في حدوث الاضطراب ، و بالرغم من ذلك فإن العلاقات و التفاعلات غير الصحية قد تسبب اضطرابات عند بعض الأطفال ، كما أنها قد تزيد من حدة المشكلة الموجودة ، ومن أمثلة التفاعلات غير الصحية : ضرب الأطفال و إلحاق الأذى بهم ، و إهمالهم ، وعدم مراقبتهم و عقابهم ، و انخفاض عدد التفاعلات الإيجابية و ارتفاع نسبة التفاعلات السلبية و  عدم الاهتمام، ووجود نماذج سيئة من قبل البالغين .( خولة أحمد يحي،2000 ،33 ) .

إن ما ينادي به المهتمون بالطفولة في الوقت الراهن أو في وقت ليس ببعيد من تبني لأساليب المعاملة الحسنة مع الأطفال كان نتاج أعمال و دراسات و ملاحظات حول واقع الأطفال في أسرهم  و انطلاقا من مشكلات نفسية و اجتماعية لم يجد الباحثون أجوبة لأغلبها سوى في الطرق التربوية التي يتعرض لها الأطفال ممن يشرفون على تربيتهم و في المقام الأول الوالدين ، و بهذا عرفت الفلسفة التربوية بخصوص هذا الموضوع تطورا عبر الزمن.

لمحة تاريخية عن  تطور تنشئة ومعاملة الأطفال في العالم :

كانت التنشئة قبل الإسلام تتبع أساليب الشدة و القسوة في معاملة الأطفال و تربيتهم ، فقد شاع استعمال الجلد و العقاب القاسي. ففي ذلك الوقت كانت هناك أنماط مختلفة من أساليب التنشئة تابعة للحضارات السائدة آنذاك ؛ وهي الحضارات الإغريقية و المسيحية   و الفارسية.

و لكن الحضارة الإسلامية برزت بعد ذلك على ما عداها من الحضارات من خلال تعاليم الرحمة وحسن المعاملة ؛ فلم يقر" الرسول صلى الله عليه و سلم " الشدة والعنف في معاملة الأطفال ، واعتبر الغلظة  و الجفاء في معاملة الأولاد نوعا من فقد الرحمة في القلب .

 وقبل 505 هجري نادى الغزالي بتكوين العادات الحسنة في الأطفال منذ الصغر بتعويدهم التبكير في النوم و التبكير في الاستيقاظ و التشجيع على المشي و الحركة  وعدم البصق في المجالس او التثاؤب بحضرة الغير ، و أن يطيعوا الأبوين والمعلمين. (زكريا الشربيني – يسرية صادق ،2000 ،20-22)

وبالمقابل جاء رواد الفكر في الغرب بأفكار و آراء ليست نابعة من الدين بل من دراسات على عينات .

ففي الفترة  ما بين 1910-1930 نظر السلوكيون وفي مقدمتهم واطسون – Watson إلى أن الطفل قابل للتشكيل عن طريق الإشراط ، ولم يعيروا الاهتمام لحاجات الطفل و شعوره إلا القليل ، وركز السلوكيون في هذه الفترة  على العوامل البيئية   و دورها في إكساب الطفل ما نريد ، و أن نكبح من السلوك ما نريد وذلك عن طريق التعزيز و الإثابة أو العقاب على السلوك اللا إجتماعي. .( زكريا الشربيني – يسرية صادق ،2000 ، 23 )

وفيما بين 1930-1960 أخدت التنشئة اتجاها آخر مبنيا على التسامح ، مع نصح الوالدين بمراعاة الأطفال و التعرف على قدراتهم و امكاناتهم، ويرجع ذلك التحول إلى آ راء مدرسة التحليل النفسي و على رأسها  "فرويد " الذي ركز على دور العاطفة و أثر الحرمان العاطفي المبكر في ظهور المشكلات النفسية . كما اهتم العالم " جيزال – Gesel " الذي ركز على دور النضج في التنشئة حيث يرى أنه حينما يصل الأطفال إلى سن معينة و يبدون استعدادهم وتقبلهم حينئذ يكون التدريب ممكنا . (زكريا الشربيني – يسرية صادق  ،2000 ،24)

و في الأربعينات من القرن الماضي ظهر الاتجاه الأكثر تسامحا و مرونة على يد أصحاب النزعة الإنسانية أمثال" روجرز وماسلو – Rogers et Maslow " وكذلك " ديوي -  Dewey" ، هذا الاتجاه القائم على مبدأ أن الأطفال يولدون ومعهم دافع فطري للتعلم و السعي من أجل تحقيق ذواتهم ، ولأجل ذلك لا بد من بيئة مناسبة يشعرون فيها بالحرية و يكون التعامل معهم مبني على التفاهم . ( زكريا الشربيني – يسرية صادق،2000، 24)

وفي الستينات ظهرت أفكار " سبوك-Spock  " التي لم تشجع على التسامح والتدليل الكامل في تربية الأطفال ، و تركز على الدفء و الحنان في علاقة الوالدين بالطفل متبنيا فكرة أن الطفل يستجيب لتوجيهات الآباء المحبين الودودين على نحو أسرع و أيسر من الآباء الذين يغلب على أسلوبهم القسوة ، فالأطفال بحاجة إلى آباء مصدر سلطة أكثر من كونهم متسلطين ؛ ومنذ ذلك  استمر التأكيد على دور الدفء في معاملة الأطفال و البعد عن التسامح والتهاون أو التشدد كل التشدد.( زكريا الشربيني – يسرية صادق ،2000 ، 24 )

والبحوث الحديثة ارتبطت بأعمال" سبتز ويولبي – Spitz et Bowlby " حيث يركزا على ضرورة وجود ارتباط وثيق وحميم دائم بين الأم والطفل، وأن كل شكل من أشكال الانفصال والفقدان مضر بالطفل. ( زكريا الشربيني – يسرية صادق ،2000 ، 24 ،25)

مفهوم و أبعاد أساليب المعاملة الوالدية :

مفهوم المعاملة الوالدية :

حسب" محمد عماد الدين وآخرون "  أساليب المعاملة الوالدية تعرف على أنها  : "  اتجاهات الوالدين في التنشئة باعتبارها بمثابة ديناميات توجه سلوك الآباء في تربية الأبناء ، وهي ما يروه و يتمسكون به من أساليب معاملة لأبنائهم في مواقف حياتهم المختلفة " ( حسن مصطفى عبد المعطي ،2004 ، 221 ) .

كما ورد حسب "محمد خالد الطحان " أنها :"تنظيمات نفسية يكونها الأب و الأم عن الخبرات التي يمر بها و تسهم في تحديد استجاباته بصورة مستمرة اتجاه ولده في مختلف المواقف "

( حسن مصطفى عبد المعطي ،2004 ، 221 ) .

و أشار مصطفى فهمي إلى أنها :" التغير الظاهري في استجابات الوالدين نحو سلوكيات أبنائهما و الدي يهدف إلى إحداث تأثير توجيهي في مواقف الحياة المختلفة  ." ( حسن مصطفى عبد المعطي ،2004 ، 221 ) .

وعرفتها " هانت و هيلين " – Hant et Helene ، بأنها : "مجموعة من الموقف السلوكي إزاء الطفل الدي يكتسب من خلاله رؤية للواقع الاجتماعي ." ) لمياء ياسين زغير ، 2007 )

كما أشار الباحثون إلى أن هناك أساليب معاملة والدية إيجابية (سوية) من جهة مثل إعطاء الأبناء قدرا من الحرية والاستقلال، وإعطائهم الفرص للاعتماد على أنفسهم والتعبير عن آرائهم ومناقشة الوالدان. وهناك إلى جانب ذلك أساليب غير سوية تتمثل في ممارسة الاتجاهات غير المرغوبة تربويا كالتسلط ، و الحماية الزائدة ، و الإهمال و القسوة ، و إثارة الألم النفسي و التفرقة . ( حسن مصطفى عبد المعطي ،2004 ، 221 ،222 ) .

كما يمكن ربط أساليب المعاملة الإيجابية بمفهوم الوالدية الجيدة  مقابل الأساليب غير السوية أي الوالدية السيئة (bad parenting)؛ فالوالدية الجيدة حسب ( روتر - Rutter  ) تتضمن عدة مكونات أساسية و هي التقبل و يشير هدا المفهوم إلى الدفء و التقبل الوالدي للطفل والذي من خلاله يكون الآباء قادرين على إظهار الحب و التقبل للطفل فهو يعني أيضا الاستحسان الوالدي للطفل ؛ أما المكون الثابتي يتضمن التعلق وهي عبارة عن رابطة قوية تتشكل بين الآباء و الطفل و تكون ضرورية لنمو الطفل و بنائه النفسي و هذه الرابطة لا تكون مع الأم بل يمكن أن تكون متعددة ، كما أن قوة التعلق لا ترتبط بطول الفترة الزمنية التي يقضيها الآباء مع الطفل ولكن المهم هو نوع و جودة الانتباه و الاهتمام و الرعاية التي تعطى للطفل أي محتوى النشاط الفعلي والعلاقات المتبادلة . أما المكون الثالث فيتضمن استمرارية العلاقة بين الطفل ووالديه ، إذ أن غياب أحد الوالدين لفترة طويلة     و متكررة يكون له آثار ضارة على الطفل ، فمسألة الاستمرارية و الانفصال تكون حاسمة في الإساءة الانفعالية للطفل . كما أن التغير في بناء الأسرة و تركيبها يؤثر على فرصة الطفل في تحقيق ذاته فالأطفال الدين يفصلون عن أسرهم يعانون خسارة و ضررا في تقدير الذات لديهم. ( طه عبد العظيم حسين ، 2007، 191 ،192 ).

كما يرتبط مفهوم أساليب المعاملة الوالدية بمفهوم "اضطراب الوالدية  أو عسر الوالدية   " ( la defaillance parentale ou dysparentalité) حيث يبدأ مند تكوين الجنين  و يبرز مع الولادة من خلال مرور الأم أو الأب من كونه فقط الوالد البيولوجي  (l’etre géniteur)  ليتتقل إلى كونه أب أو أم بالمعنى التربوي (devenir parent) ، ولهذا قد  تعيد ولادة الطفل  تنشيط ضغوط و نقائص و صراعات كانت كامنة ، فالطفل بإمكانه تضميد الجراح   على مستوى شخصية الوالدين كما بإمكانه بمجيئه إعادة فتح تلك الجروح .

ولهذا اضطراب الوالدية يعني " الاضطرابات في الوظيفة الوالدية التي تظهر في سلوكيات غير ملائمة أو عنيفة من طرف الوالدين . ويمكن أن تأخذ أشكال متنوعة و متناقضة : منها عدم استثمار الطفل ،  عدم الاهتمام و المبالاة به ، العداء الظاهر مع الإساءة أو مع مشاعر الاضطهاد . إن اضطراب الوالدية ليس خاصا بفئة اجتماعية معينة حتى لو أمكن أن تأخذ مظاهرها أشكال مختلفة حسب الوسط الثقافي(Parentalité famidac.fr,2014)

وبالتالي المعاملة الوالدية تتمثل في الأساليب التربوية التي يتبعها الأولياء في تربية الأبناء و مجموعة السلوكيات و الممارسات اليومية التي تكون محتوى العلاقات بين الآباء و الأطفال و مجموعة الاتجاهات التي تحدد دينامية العلاقة بينهم من أجل جعل الطفل يكتسب المهارات التي تؤهله للحياة بما يتلاءم ومراحل نموه الجسدي   و النفسي و الاجتماعي حيث تأخذ اتجاهات الوالدين في التربية معانيها من القيم التي يحملونها و كذلك من الخبرات التي تعرضوا لها وهذا ما يحدد ما إذا كانت أساليبهم التربوية سوية أو غير سوية. فأساليب المعاملة هي ما يمكن ملاحظته من سلوكيات الوالدين التربوية نحو الأبناء أو ما يمكن أن نستدل عليه من خلال آثارها و خاصة في الإساءة الجسدية  وكذلك من خلال إدراك الأطفال للطريقة التي يعاملون بها .

أبعاد المعاملة الوالدية :

هناك عدد من النماذج النظرية التي تصف سلوك الوالدين في معاملة الأبناء . ومنها :

- نموذج (سيموندس – symonds ) في عام 1939و الذي يشتمل على بعدين قطبيين : أحدهما يتمثل في " تقبل الابن " من جانب الوالد أوالوالدة ، يقابله " رفض الابن" من جانب الوالد أو الوالدة .أما البعد الثاني فيتمثل في " السيطرة على الابن " و يكون ضده   " الخضوع للابن " أي لطلباته و أوامره ؛ وبذلك فإن البعدين تبعا لهذا النموذج هما :

       التقبل -  الرفض       /السيطرة - الخضوع

-  وفي عام 1959 ظهر نموذج ( شيفر – Scheafer  ) و المتمثل في بعدي :

    الاستقلال  - الضبط    /     الحب – العداء

كما ذكر هذين البعدين بمسميات أخرى على نحو :

     التسامح – التقييد     /      القبول –الرفض

- ولقد عرض( بيكر – Becker  ) نموذجا مقترحا نموذجا ثلاثي البعد لسلوك الوالدين في معاملة الأبناء عام 1969 على النحو التالي :

  الدفء – العداء   / لتسامح /  الاندماج القلق – الحياد الهادئ.

كما توصلت الباحثة ( بومريند - baumrind ) إلى أربعة طرق يعامل بها الآباء أطفالهم و هي :

الالتزام بالضبط الوالدي / مرعاه مطالب النضج / التواصل بين الوالدين والطفل/ الدفء الوالدي (العطف و الحنان .

و بالاستناد إلى دراسة أخرى عام 1971 قامت هده الباحثة بمراجعة دراستها و ركزت في الأخير على الأبعاد الأربعة التالية في معاملة الوالدين لأبنائهم وهي :

   الحزم    /     التسامح   /    التسلط   /   الانسجام ( زكريا الشربيني ، يسرية صادق ، 2000 ،217-219 ).

وبهدا  تكون الأساليب الوالدية في السيطرة والإذعان حسب الأشكال التالية :

-  الآباء الذين يسارعون إلى تحقيق مطالب الطفل ولا يثقلون عليه بمطالبهم .

- الآباء الذين يسارعون إلى تحقيق مطالب الطفل و يثقلون عليه بمطالبهم .

- الآباء الذين لا يسارعون إلى تحقيق مطالب الطفل و لا يثقلون عليه بمطالبهم .

- الآباء الذين لا يسارعون إلى تحقيق مطالب الطفل و يثقلون عليه بمطالبهم. (هدى الناشف،2007  ، 78 ) .

أنماط المعاملة الوالدية :

تتعدد أنماط أو أساليب المعاملة الوالدية باختلاف اتجاهات الوالدين في عملية التنشئة والتي تتمثل في الأساليب التالية :

أسلوب الاستقلال مقابل التقييد : الاستقلال مقابل الضبط و التحكم ؛ فأسلوب الاستقلال يشير إلى سماح الوالدين للطفل بممارسة نشاطاته و ألعابه وأعماله بحرية و توسيع دائرة حركة الطفل من أجل إبراز قدراته و تنمية تفكيره . ( مصباح عامر ، 2003، 96)؛ حيث تتجلى مزايا هدا الأسلوب في تدريب الطفل على الاعتماد على النفس و ينمي تقديره لذاته و الثقة بالنفس و الطمأنينة و عدم الخوف من الآخرين و الاستقلال بشخصية خاصة به . ( مصباح عامر ، 2003، 96).

أما التقييد فيكون بكف ميول الطفل من خلال قواعد ونظم يطلب منه الالتزام بها دون مراعاة لرغباته  أو تزويده بمعلومات عن نتائج سلوكه . ( زكريا الشربيني ، يسرية صادق ، 2000 ،224 )، كما لا تعطى للطفل الفرصة للتصرف في أي شيء دون الرجوع إليهم و لو كان قرارا يخص حياتهم و ذلك إما عن حب للطفل أو عن حب للتسلط من طرف الوالدين وخوفا في خروج الطفل عن سيطرتهما . ( مصباح عامر ، 2003، 96 ). و بالتالي تكون نتائج هذا الأسلوب واضحة في كف الطفل عن التعبير الصريح عن الرأي و التردد في اتخاذ القرار وصعوبة معرفة الصواب والخطأ و عدم الاتزان الوجداني.( زكريا الشربيني ، يسرية صادق ، 2000 ،224).بالإضافة إلى الثورة والعصيان على أوامر الأولياء و استعمال وسائل دنيئة في التعامل مع الآخرين كالغش و الكذب و عدم تحمل المسؤولية  و السلبية  وإظهار الروح العدائية  ، ذلك لأن الوالدين ينتظران الطاعة الكاملة من الأبناء      وفق نماذج سلوكية معينة. ( مصباح عامر ، 2003،96 ،97 ) .

الديمقراطية مقابل الاستبداد : فالديمقراطية كأسلوب تربوي تعني البعد عن فرض النظام الصارم أو كبح إرادة الطفل على اساس حيازة الوالدين على السلطة و معتمدين على قوتهما و مقيمين سلوك الطفل وفقا لمعايير مطلقة و إجباره على التصرف وفق ما يرضي رغبتهما حيث هناك دائما اللجوء إلى لغة الحوار ( زكريا الشربيني ، يسرية صادق ، 2000،225).

وبالمقابل فالاستبداد كأسلوب في معاملة الأبناء يضع اهتماما كبيرا للطاعة و الإذعان و يميل أكثر إلى العقاب باستخدام الإيلام الجسدي و العنف المقترن بالغضب أو التهديد، أو الشتائم و التحقير و الإهانة. وفي هذا النمط يكون أسلوب الضبط باتجاه واحد ، ولا تواصل بين الطرفين . فنتيجة هذا الأسلوب التربوي هي تكوين شخصيات ضعيفة، و أكثر ميلا للتبعية و الانحراف ، ففي هذا الجو يتوجه الطفل إلى الخارج يبحث عمن يفهمه  و بالتالي خطر التأثر بجماعة الرفاق .( أحمد العموش ، حمود العليمات ،2008/2009 ،283 ).

كما يؤدي إلى تبني الطفل نفس الأسلوب عندما يكبر  و ينخفض مفهوم الذات لديه بالإضافة إلى تقلب الانفعالات و العزلة . ( زكريا الشربيني ، يسرية صادق ، 2000،225).

التسامح مقابل التسلط : يعبر الاتجاه الوالدي المتسامح  عن سماح الوالدين للطفل بحرية التصرف  و النشاط والتجاوز عن أخطائه و عدم إعارتها أي اهتمام، و يسمحون له بأن يسيطر عليهم و يسايرا رغباته و حاجاته في البيت (مصباح عامر، 2003 ،97 ) . كما يمكن أن يسمى النمط التسامح بالنمط المتساهل الذي لا يهتم بتقييد حرية الطفل أو وضع ضوابط لسلوكه ، إد يعد مثل هده الضوابط خطرة على الطفل ولا يتصرف الأولياء وفق هذا الأسلوب كجهات فاعلة ومسؤولة.(أحمد العموش، حمود العليمات ،2008/2009 ،283 ). حيث أفضت دراسة قام بها سيموندس إلى أن الأطفال الآباء المتسامحين أكثر عصيانا و عديموا المسؤولية و يتصفون بالعناد والتمرد على السلطة ولكن بالمقابل يتصفون بالثقة في أنفسهم    و لهم أصدقاء خارج الأسرة . (مصباح عامر، 2003 ،97 )

 إن أسلوب التسامح التام و التساهل ينطبق عليه القول في أنه كذلك أسلوب التدليل: حيث ينشأ المدلل أنويا  égocentrique) لا تتحدد ذاته من خلال الأطر المرجعية الخارجية (قانون الأب و المدينة ) و إنما على العكس تتحدد من خلال الذات كإطار مرجعي أساسي ، فذات الطفل تصاب بالتضخم بينما تتقلص الأهمية المعطاة لأشخاص والقيم والأحداث الخارجية ، فيرفض الطفل المدلل نظام المدرسة و النظام و تتولد لديه مشاعر الإحباط و ينتهي به الأمر إلى ترك المدرسة لأنه تعلق بحياة اللهو لأنه لم يتمثل قانون الأب كحد لنزواته ، فيثور عليه خصوصا إذا تواطأت الأم لتحول دون تدخل الأب . فالانحراف في مثل هذه الحالة قد يبدأ من ازدياد ميل الطفل نحو العبث و مخالطة أطفال منحرفين مما يضعه في خطر الانحراف الفعلي فيما بعد ، سواء كان الانحراف مقصودا ، أو بالصدفة كنتيجة للمغامرة . و عندما يفلت الطفل في النهاية من سلطة الأسرة تستعين هده الأخيرة بسلطة تمثل الهيئات المكلفة بتأهيل الأحداث . ( مصطفى حجازي،1981، 259-262).

أما التسلط فمن خلال فرض الصرامة والعقاب المستمر و التهديد يولد لدى الطفل مشاعر الذنب و الانسحاب من المواقف الاجتماعية و الشعور بالنقص و كره السلطة و العدائية مع الأطفال الآخرين . ( زكريا الشربيني ، يسرية صادق ، 2000،225) مع عدم الشعور بالأمن و الخضوع و الخجل و فرط الحساسية في المواقف الاجتماعية. (مصباح عامر، 2003 ،97 ).

الحماية الزائدة مقابل الإهمال : تتمثل الحماية الزائدة في المغالاة في المحافظة على الطفل و الخوف عليه لدرجة مفرطة ليس  في أوقات  المرض فحسب بل في أوقات التغذية واللعب و ممارسة المهام التي يكلف بها؛ هذا الأسلوب التربوي يؤدي إلى جعل الطفل يخشى اقتحام المواقف وانخفاض مستوى الجرأة (زكريا الشربيني ، يسرية صادق ، 2000،225) ، كما يغرس في نفس الطفل الأنانية والعناد و قسوة الطبع و الاتكالية و ضعف التفكير و ربما يخيل للطفل أنه ضعيف عاجز عن فعل أي شيء. (مصباح عامر، 2003،99).

أما الإهمال فيميز أسلوب الآباء الذين لا يعيرون الاهتمام لأطفالهم ويظهر ذلك جليا في عدم السؤال عن الأطفال وعن حاجاتهم أو عدم الاهتمام بدراستهم و الفرح بنجاحهم ولا يبالون بمرضهم أو صحتهم و يتعاملون مع الطفل و كأنه غير موجود. (مصباح عامر، 2003،100). إن عواقب إهمال الطفل تتمثل في جعله يشعر بالإحباط و الفراغ العاطفي و اهتزاز الثقة بالنفس وعدم التكيف الاجتماعي ، كما يؤدي تطور السلوك العدواني كانتقام من الواقع الذي يأخذ شكل كراهية الوالدين وعدم طاعتهما و إما الجنوح نحو السلوك الاجرامي خارج الأسرة (مصباح عامر، 2003 ،100) .

التقبل ( الدفء) مقابل الرفض ( الجحود ): إن الدفء في المعاملة  يتمثل في السعي إلى مشاركة الطفل ، و التعبير الظاهر عن حبه و تقدير رأيه و إنجازاته و التجاوب معه و التقرب منه من خلال حسن الحديث إليه و الفخر المعقول بتصرفاته و مداعبته بالإضافة إلى رعايته ، و استخدام لغة الحوار و الشرح لإقناعه ، أو توضيح الأمور له مع البعد عن الاستياء منه و الغضب من تصرفاته و الضيق بأفعاله  و إشعاره بعدم الرغبة فيه و الميل إلى انتقاده و بخس قدراته     و عدم التمتع بصحبته واظهار النفور من وجوده . ( زكريا الشربيني ، يسرية صادق ، 2000 ،224).لهذا الاتجاه نتائج إيجابية حيث يغرس في شخصية الطفل الحب لوالديه و القبول الاجتماعي للآخرين و يساعده على النجاح في المدرسة و ينمي فيه الدافعية للإنجاز و روح التفكير و الرأي الصواب و القدرة على تحمل المسؤولية . (مصباح عامر، 2003 ،101)

أما الرفض فيأخذ عدة أشكال منها :

- تكرار الإشارة إلى نواحي النقص في الطفل وتركيز جل ملاحظات الوالدين عليها .

- تعريضه للعقاب الشديد و الضرب المبرح و احتقار طلباته و السخرية من أفعاله و أقواله و التأنيب المستمر .

- هجر الطفل و عدم الكلام معه أو الجلوس إليه أو طرده من البيت لأتفه الأسباب، ومنع الطعام عنه و عدم الإنفاق عليه أو شراء الأشياء التي يحتاج إليها ، كالملبس و الأدوات المدرسية ، وعدم الرغبة في تعليمه ، وعدم الفرح عندما ينجح أو يقوم أفعال إيجابية .

- مقارنة الطفل بغيره بما يشعره بأنه ليس على نفس الدرجة مع زملائه ، و إحباط همته حتى يبقى دائما دون زملائه.

- إشعار الطفل بأن ميلاده كان أمرا غير مرغوب فيه ، و ذلك إما بسبب جنسه    أو بسبب أنانية الوالدين و عدم القدرة على تحمل المسؤولية نحو الأبناء.

- البعد عن الطفل و الغياب عنه معظم الأوقات أو أخذه إلى دور الحضانة حتى يتفرغ الوالدان لمصلحتهما الخاصة ، مما يعمق في الطفل الشعور بالحرمان و الوحدة. (مصباح عامر، 2003 ،101)

يؤدي اتباع الرفض أو الجحود للطفل إلى صعوبة في بناء شخصية مستقلة نتيجة شعوره بالرفض ، كما أنه يكره السلطة الوالدية و ينسحب شعوره هذا إلى معارضة السلطة الخارجية و يصبح متمردا متسلطا ولديه شعور بالنقص (زكريا الشربيني ، يسرية صادق،2000،224). بالإضافة إلى اندماجه في حياة الشارع و يكون عرضة للانحراف و يصبح عدوانيا و ضد المؤسسات التربوية التي يتكون فيها    و تتنامى في نفسه روح الانتقام من المجتمع . (مصباح عامر، 2003 ،101 ،102) .

الاتساق مقابل التذبذب : وهنا لا يكون نمط محدد من الضبط ،فقد يكون الأب حازما في موقف ما ، ومتراخ في موقف مشابه ، وكذلك الأم تكون حازمة وقت اللين و لينة في وقت الشدة . كما هناك نوع من التذبذب و يتمثل في الأسلوب التربوي المتناقض حيث يكمن في اختلاف نمط الضبط عند الأم عنه عند الأب ، أي لا اتساق بين النمطين . ( أحمد العموش ، حمود العليمات ، 2008/2009 ،283 ). ومن آثار هذا الأسلوب على الطفل أنه يكون مترددا ومتشائما و لا يصلح للقيادة ومنخفض الاتزان الوجداني ، و يمارس السلوك ضد الاجتماعي ( زكريا الشربيني ، يسرية صادق ، 2000 ،226) وهذا لأنه  ليس لديه تصور عن ما هو صواب أو ما هو حق ، وما يجب أن يفعل في أوقات مختلفة و هذا ناتج أصلا عن الاختلال القيمي  والمعياري لدى الأطفال الذي كان السبب فيه التصرفات المتذبذة للوالدين. ( أحمد العموش ، حمود العليمات ،2008/2009 ،283).

التفرقة مقابل المساواة : و تعني التفضيل و الاهتمام بأحد الأبناء عن طريق الحب و المساعدة و العطاء أو منح السلطة أو التمتع بمزايا دون الاكتراث بمشاعر الأبناء الآخرين. و يؤدي ذلك إلى الغيرة والخوف من المستقبل و الأنانية بالإضافة إلى فقدان الثقة بالآخرين. ( زكريا الشربيني ، يسرية صادق ، 2000 ،227) . و بالمقابل المساواة تشير إلى التسوية بين الأبناء دون التمييز بينهم على أساس السن أو الجنس ، فيخضع الصغار و الكبار إلى نفس المعاملة من ناحية الحب و العطف و المكافئة و العقاب و التشجيع و التثبيط و نفس الأوامر و التوجيهات ، ولا يسمح لأحد تجاوزها لمكانة يملكها في قلب والديه . (مصباح عامر، 2003،103).

الحزم مقابل اللامبالاة : الحزم يتصف بالحميمية ، و يضع توقعات سلوكية للطفل و لكنه يراعي حاجاته النمائية وقدراته . يثمن عاليا قيم الذاتية والاستقلالية ولكنه يتحمل المسؤولية الكاملة عن سلوك الأبناء. فالوالدان الحازمان يتعاملان مع أطفالهما  بعقلانية واعية ، و استنتاج سليم للموقف ومتطلباته ،و يدخلان في حوارات مشتركة ،و يشرحان لأبنائهما آراءهما ، مما ينمي لديهم رؤية سليمة للمواقف و متطلباتها . ( أحمد العموش ، حمود العليمات ،2008/2009 ،282 ،283  ) . أما اللامبالاة فتؤدي إلى التسيب في أداء الأعمال ، ممارسة التخريب و ألعاب العنف ، رفض النظام و عدم الضبط الذاتي  ( زكريا الشربيني ، يسرية صادق ، 2000،226).

التشجيع على الإنجاز مقابل التثبيط : اتجاه التشجيع على الإنجاز يعبر عن تشجيع الوالدين الأبناء على أداء الأعمال الموكلة إليهم و إتقانها و تحفيزهم باستمرار على النجاح في الدراسة في الحياة العامة .فهذا الأسلوب ينمي دافعية الطفل للإنجاز و الرغبة في التحصيل العالي و حب العمل و عدم الركون إلى الراحة و الاتكال على الآخرين . (مصباح عامر، 2003 ،104).أما التثبيط سواء كان اتجاها مقصودا أو غير مقصود هو عدم تشجيع الطفل على أداء أعماله و إتقانها   و تثبيط همته و إرادته وترسيخ في ذهنه أنه طفل لا يصلح لشيء في هذه الحياة  و أنه ولد متخلف و غير مؤدب ولا يستطيع النجاح في الحياة . وهذا يؤدي إلى شخصية محطمة نفسيا و محبطة و مزعزعة الثقة بنفسها يائسة من الحياة تنظر للمستقبل بعين مظلمة و قلقة من الواقع وغير قادرة على تأمين المستقبل ولا قوت اليوم . (مصباح عامر، 2003 ،104).

الضبط الإيجابي مقابل الضبط من خلال الشعور بالذنب : يشير الضبط الإيجابي إلى اهتمام الوالدين بتصحيح تصرفات الطفل و ذلك بتعريفه ما له وما عليه و بما هو جائز و ما هو ممنوع و بضرورة التزامه  بالقواعد السلوكية في الأسرة . (مصباح عامر، 2003،105) . هذا الاتجاه  يكسب الطفل مجوعة القيم      و المعايير التي تحكم السلوكيات و المعاملات في الأسرة و المجتمع و تجعله يحترم النظام و الانضباط في مختلف أنشطة الحياة.

وبالمقابل هناك آباء يميلون إلى تحقير الطفل و السخرية منه و التقليل من شأنه مهما كان سلوكه ، و المنة عليه ، مما يجعله يشعر بالإثم وتأنيب الضمير و إثارة الألم في نفسه كلما أتى سلوكا غير مرغوب فيه و تعبيره بأوصاف بغيضة .و هذا يؤدي بالطفل إلى الاكتئاب و تعرض صحته النفسية للخطر وتشوه شخصيته  وعدم القدرة على التكيف الاجتماعي. (مصباح عامر، 2003 ،105 ،106).

يتضح مما سبق  ذكره أن الأساليب الوالدية في معاملة الأطفال متعددة وعلى الرغم من التقدم الذي تعرفه الإنسانية  خاصة نتيجة البحوث النفسية و الاجتماعية لا يزال هناك آباء يتبنون الطرق السلبية في التربية التي تقترن في محتواها بطرق التفكير في قرون ماضية و ومتعلقة أيضا بالتنظيمات النفسية للأولياء و نوع الثقافة التي يحملونها بغض النظر عن المفهوم الحضاري للثقافة. إن كل شكل من أشكال أو أنماط المعاملة التي تم ذكرها هنا قد يميز في حد ذاته اتجاها يميز أسرة معينة ، لكن قد يتحد نموذجان أو أكثر في الأب الواحد أو الأم الواحدة .ومهما تعددت التسميات و الأوصاف في أساليب المعاملة فالإيجابية منها تعني الحب و التقبل      و التسامح التي تبعث الثقة و الطمأنينة في نفس الطفل و الثقة في الحياة بأكملها . وبالمقابل تعني الأساليب غير السوية علاقة بين الوالدين والطفل قائمة على النبذ  و الرفض و عدم التفهم و العقاب . وهذا ما يبعث على الدخول في الاكتئاب و التشاؤم و فتور الإرادة لاستثمار الحياة و بكلمة واحدة تحطيم الذات بشكل واع    أو غير واع .

العوامل المؤثرة في المعاملة الوالدية  :

تتعدد العوامل التي تؤثر في طرق معاملة الآباء لأطفالهم ، فمنها  عوامل ذاتية تتعلق بالوالدين و أهما تاريخ حياتهما  ومنها عوامل متعلقة بالظروف الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية التي تعيش فيها الأسرة.

عوامل متعلقة بالوالدين : يقصد بها تاريخ الآباء و خبرات الطفولة لديهم   و اتجاهاتهم في التنشئة الاجتماعية وكذلك حالتهم الصحية و خصائص شخصيتهم .

يقول ( م. رويير و م. درووي –M.Rouyer  et M. Drouet  ) : عن الآباء المسيئين " إن عدم قدرتهم على الاحساس بالمعاناة التي يلحقونها بأبنائهم مرتبط بجانب كبير بالعواطف المكبوحة (blocage des affects) و عدم امكانية التعرف و الاعتراف بمعاناتهم  الذاتية  ."

(pathologie du lien et compétence parentale,oned.gouv.fr)

إن الخلل الذي يصيب الوظيفة الوالدية يكون على ما يبدو خلال فترات حساسة من نمو الطفل و التي تودي إلى تغيرات داخل علاقة الوالد بالطفل . فالعوامل المثيرة تتعلق بالتاريخ الشخصي للأولياء و مراحل صادمة التي بصمت عجزا رمزيا في علاقتهم مع والديهم والذي يؤدي إلى عجز في التنبؤ لتبعات السلوك أو الوقاية منها. و إذا لم يكن هناك نموذج واضح لاضطراب خاص بالإساءة أو ملمح نفسي للوالد المسيء ، فإننا نجد من خلال الاضطرابات الموجودة حقيقة تتمثل في اضطراب سيرورات التعلق التي عاشها الآباء في طفولتهم .(Parentalité , famidac.fr , 2014) .

- كما يؤثر عامل الصحة النفسية و العقلية للآباء في طريقة معاملتهم للأبناء وكذلك الإدمان على الكحول و المخدرات .

- بالإضافة إلى الاتجاهات التي يتمسكون بها في التنشئة الاجتماعية التي تتمثل في مجموعة القيم الثقافية التي يحملها الوالدان وما يتعلق بها من توقع و إدراكهم لعملية تنشئة الصغار وكذلك توافق شخصية  كل من الوالدين و الرضا عن الدور الاجتماعي لكل منهما . (مصباح عامر، 2003 ،87). كما أن العنف في الأسرة يكون مرتبطا بالقيم الثقافية و الاجتماعية السائدة. فما يعتبر عنفا في بيئة معينة لا يعتبر كذلك في بيئة أخرى ، و هذا ما يسمى   " بالنسبية الثقافية " التي لابد من أخذها بعين الاعتبار عند دراسة ظاهرة العنف الأسري .  ( باسمة المنلا ، 2012 ، 21-22 )

- كما يتميز الآباء السيئون بمستوى ذكاء في المتوسط و مستوى تعليمي منخفض و لديهم صعوبة في بناء علاقات اجتماعية مع الآخرين كما يدركون سلوك الطفل بطريقة خاطئة و سلبية مقارنة بالآباء غير المسيئين ، وهذا يكون غالبا مصحوبا بمركز ضبط خارجي لديهم و الذي من خلاله يدركون عوامل الصدفة و الحظ وقوة الآخرين بوصفها هي المسؤولة عن سلوكهم كما يتصف الآباء المسيئين جسديا للأطفال بالحاجة إلى توكيد الذات و إثبات كفاءتهم من خلال أطفالهم ويستخدمون القوة للحصول على ما يريدون خاصة في التحكم في الطفل ؛ كما لديهم استثارة و نشاط زائد نحو المثيرات و يتصفون بعدم النضج الانفعالي والاجتماعي و نقص المهارات الاجتماعية.(طه عبد العظيم حسين ،2007 ،187 ). 

- لعامل نضج الأهل للعب دورهم الطبيعي مع الطفل دوره : فبدلا من اعتماد الحوار و الصراحة و تأمين الجو الآمن، يعتقدون أن اللجوء إلى القوة و العنف هو الأسلوب الأمثل في التربية و تبيان امتلاكهم للسلطة و لحقهم في استعمالها . فالأب الرحيم ليس أقل سلطة من الأب المتسلط ، لكن الفرق الوحيد بينهما هو أسلوب ممارسة السلطة و هذا ما لا يدركه جميع الأهل . ( باسمة المنلا ، 2012 ، 60)

- إحباط الأهل الناجم عن فشل أولادهم في تحقيق أحلامهم مما يؤدي إلى مشاعر اليأس و خيبة الأمل ، فيسقطون على الطفل مشاعر النبذ الواعية واللا واعية .      ( باسمة المنلا ، 2012،60 ،61 )

عوامل اجتماعية : وتتمثل في مجموعة من العوامل أهمها :

- القيم و الثقافات و الإيديولوجيات: أي سيادة الأعراف الاجتماعية التي تتسامح إزاء العنف الأسري و التي تؤكد سيطرة حقوق الأهل على حقوق الطفل ، و التي تبرر استعمال العنف كنمط مفضل للتربية القائمة على الطاعة والتأديب وهذه الذهنية مستمدة من سيطرة النظام الأبوي ومن الطابع الذكوري لمجتمعاتنا حيث ترى أن للرجل السلطة المطلقة على عائلته . ( باسمة المنلا ، 2012 ،51 ) .

كما أن القائمين على تربية الاطفال في المجتمعات التي لا تزال تحتفظ بالنظام التقليدي لا يتوانون عن العقاب الجسدي للأطفال من أجل أن يوضحوا لهم طرق التصرف و التفاعل في المجتمع دون ترك أي مجال للأطفال في سؤال الكبار عن هذا التصرف حيالهم و الكبار غير ملزمين بتقديم أي شرح عن ذلك و إنما يوضحوا لهم ما عليهم فعله فقط. من أجل السلوك وفق ما ينتظره المحيط الاجتماعي .( محفوظ عشايبو ،سليمان مظهر،2004 ،80)

- سيطرة القيم الفردية وانغلاق العائلة على نفسها ، و ضعف روابطها مع الأسرة الممتدة مما يجعلها تتحمل وحدها مشاكلها و مما يفقدها جماعات دعم في الأوقات الصعبة .     ( باسمة المنلا ، 2012 ،52 ).

- التفكك الأسري : الذي يتضمن وفاة أو غياب أحد الوالدين أو وجود طلاق مستتر ( أي طلاق عاطفي ) بينهما ، الأمر الذي يجعل محيط الأسرة متوترا أو ناقصا في أداء مسؤوليته التنشيئية فيتحمل الأب و حده أو الأم وحدها أعباء شؤون الأسرة مما يجعله أو يجعلها فاقدة السيطرة في إدارة المنزل و اللجوء إلى استعمال العنف إذا لم يستجب الأطفال لأوامرها و طلباتها . (معن خليل العمر ،2010 ،133 ) .

- العلاقات العنيفة بين الزوجين و الخلافات الدائمة بينهما مما ينتج عنه جو عائلي متوتر وضاغط، الأمر الذي يجعلهما عاجزين عن الحصول على الإشباع المرجو من الزواج ومما لا يمنح الطفل فرصة تنمية صورة عن الكبار كأشخاص سعداء مطمئنين. فالأم المعرضة للعنف من الشريك تميل وفق آلية نفسية دفاعية مسماة التماهي بالمعتدي إلى إهمال أولادها أو تفريغ ضغوطها عبر ممارسة العنف الجسدي على أطفالها كونهم العنصر الأضعف في الأسرة .   ( باسمة المنلا ،2012 ، 58، 59).

- الإرهاق الجسدي و النفسي للأهل ، إذ أن أغلب الحالات التي يمارس فيها العنف على الطفل يكون أحد عواملها المسهلة إرهاق الأهل مما يفقدهم السيطرة على تصرفاتهم  فيلحقون الأذى بأولادهم دون إدراك منهم للضرر الذي يحدثونه .

- إصابة أحد الوالدين بأمراض عضوية مزمنة تستتبع ردات فعل عصبية ، بالإضافة إلى تأثيرات سن اليأس عند المرأة.

- ولادة طفل غير شرعي وما ينجر عنها من محاولات التخلص منه عبر التخلي عنه أو إهماله أو في أحسن الأحوال عبر نبذه العلني أو الضمني .( باسمة المنلا،2012 ، 59).

-كما يلعب حجم الأسرة دورا في المعاملة الوالدية أي كثرة الأولاد مما يقلص فترات الراحة للأهل ، و يشكل ضعفا نفسيا مستمرا يولد عدم السيطرة على التصرفات و تفريغ العدائية فيكون الطفل هو الضحية الأولى .

- سوء الوضع الصحي للمسكن ، وصغر حجمه مما يؤدي إلى ضيق الأهل و إرهاقهم النفسي بصخب الأولاد .( باسمة المنلا ،2012 ، 62).

- تفشي العنف الجذاب في الأفلام التلفزيونية التي تمجد أبطالا يتسمون بالقدرة على تحقيق أفضل المكاسب بواسطة العنف .( باسمة المنلا ،2012 ، 55).

عوامل نفسية اجتماعية : إن أكثر النظريات شيوعا ومنها نظرية التعلم الاجتماعي هي التي تقول بأن الأشخاص يتعلمون العنف بنفس الطريقة التي يتعلمون بها أنماط السلوك الأخرى ، حيث أن الأطفال الذين يشاهدون السلوك العدواني لا يتذكرونه فحسب بل يقلدونه، و خاصة عندما يرتكب هذا السلوك الأشخاص البالغون الذي يعد سلوكهم نموذجا يحتذى به . و بالتالي فالعلاقة المتبادلة بين الآباء و الأبناء و الخبرات التي يمر بها الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة تشكل شخصية الطفل عند البلوغ ، لذلك فإن سلوك العنف ينتقل عبر الأجيال . (منى يونس بحري ، نازك عبد الحليم قطيشات ،2011 ،46 - 47).

- كما تتمثل العوامل النفسية الاجتماعية في التفاعل السلبي بين الأبوين والطفل أي عدم تفهم حاجاته ، بل إسماعه عبارات قاسية وسيئة تعبر عن عدواينتهم اللفظية معه وعدم إحساسه و إشعاره بالمحبة والرعاية الوالدية عندما يحتاج لمساعدة الأكبر منه سنا ، أي لا يستجيبون له  ، وهنا يؤدي عدم استجابة الوالدين لطفلهما إلى عدم استجابة هذا الأخير لضوابطهما و أوامرهما و إرشاداتهما .( معن خليل العمر ،2010 ،134 ).

عوامل اقتصادية :

- تشير النظرية البنائية إلى أن العنف الأسري يتزايد في الطبقات الاجتماعية والاقتصادية المنخفضة، حيث يعاني الأفراد والأسر من الإحباطات نتيجة تدني مكانتهم الاجتماعية و شح مصادرهم المادية والعاطفية و النفسية و الاجتماعية ، فالإحباط من الناحية المادية يمكن كذلك أن يكون أشد قسوة لأنه يؤدي إلى الإيذاء الجسدي و النفسي للأولاد و الموجه من قبل الزوج بسبب شح الموارد المالية التي تعينه على مسؤولياته اتجاه الأسرة .(منى يونس بحري ، نازك عبد الحليم قطيشات،2011 ،45).

- كما أن تدني المستوى الاجتماعي للأسرة و القهر الاجتماعي المتمثل في تدني مستوى الخدمات الاجتماعية المرتبطة بالطبابة و الاستشفاء و التعليم  و تدهور ظروف الحياة المادية وما ينتج عنه من إحباط و ضيق و تأزم الأهل يجعلهم ينشغلون بواجباتهم عن الطفل دون الانتباه إلى ضرورة إشباع حاجاته . كما أن تقلب الحياة الاقتصادية التي تمس الأسرة وتوازنها النفسي يزيد من سوء تنظيم المحيط العائلي و يضاعف من التوتر الذي يعيشونه . ( باسمة المنلا ،2012 ، 61 - 62).

4.5- عوامل متعلقة بالطفل : قد تبين أن الدور الذي يلعبه الطفل في تنشيط العنف نحوه قد ينتج عن سماته الخاصة ، شرط أن تدرك هذه السمات بشكل سلبي من قبل الوالدين اللذان يعيش أحدهما أو كلاهما ظروفا حياتية أو تاريخية غير مشبعة .ومن بين هذه السمات المتعلقة بالطفل نذكر :

- تأثير طباع الطفل : فالطفل ذو الطباع الصعبة هو أكثر عرضة للوقوع ضحية للعنف الأسري ، فهو أقل ودا من الأطفال العاديين ، ولا يمكن بسهولة التقرب منه و الحصول على حبه . فإذا ما تظافر هذا الأمر مع وجود سيرة حرمان أو عنف في تاريخ الوالد ، فإنه يتم تفسير سلوك الطفل هذا بأنه إشارة نبذ ويتم الاستجابة لهذا النبذ بالنبذ المعاكس.

-  الإصابة بالأمراض و الإعاقات و بهشاشة التكوين : يسبب الطفل أحيانا بانحرافه عن النمو الطبيعي أو بهشاشة تكوينه أو بمرضه أو بإعاقته عاملا محركا لتنشيط العنف الأسري عليه ، حيث يفترض دراسة سمات الطفل في تفاعلها مع سمات الأهل و مع ظروف حياتهم و مع التوقعات التي ينتظرونها من أطفالهم . وعلى هذا فدراسة الحياة النفسية للوالدين و المعنى الرمزي الذي يحتله إنجاب الطفل في  دينامية حياتهما النفسية  توضح أن ما يؤلمهما هو خيبة الأمل في ما كانا يتمنيانه من الإنجاب و مل حصلا عليه فعلا. حيث يضيف الأولياء إلى صورة الطفل الفعلية صورة هوامية خيالية تنسجم مع طموحاتهم و آمالهم .

 و المهم هنا ليس نوع الإعاقة التي وقع الطفل ضحيتها و إنما الصدمة النفسية الكبيرة التي يعيشها الأهل، فهم يعيشون ولادة الطفل و كأنها عقابا لهم أو كأنها مشروع يواجه إحباطا شبه تام لعزيمتهما و يؤذي مشاعرهما و يجرحها جرحا نرجسيا عميقا، خاصة في ظل بيئات اجتماعية لا تقبل الاختلاف و الإعاقة .

- كذلك يلعب الشكل الخارجي للطفل دورا بإثارته للكثير من الدوافع اللاواعية عند أحد الوالدين مما يساهم في رفضه الاواعي.

-  معاناة الطفل من بعض صعوبات التعلم مما يشعر أهله باستحالة تحقيق أحلامهم من خلاله .

- إصابة طفل بالإعاقة العقلية ، فقد أجريت دراسات حول العلاقة  بين الإعاقات العقلية وممارسة العنف ،  حيث يقول sandground إن 25%  من الأطفال الذين يضربون و20 % من الأطفال المهملين يتصفون بمستوى عقلي متدن .

- إصابة الطفل بأمراض مزمنة و إعاقات جسدية تنهك الأهل للعناية به وفي هذه الحالة يميل الأولياء جراء الإحباط إلى إهمال الطفل المعاق جسديا أو المصاب بمرض مزمن أكثر من إلحاق الأذى الجسدي به .

- الحركة المفرطة لدى الطفل مما يثير أعصاب الأهل و يفقدهم المقدرة على ضبط أنفسهم فيضربونه بقصد قمعه و تهدئة حركته.

- الشكوى و الصراخ الدائم لدى الطفل مما يؤدي إلى إرهاق عصبي لأهله . ( باسمة المنلا،2012 ، 65 - 68).

إن العوامل الاجتماعية الاقتصادية لا يمكن منحها الدور الحاسم في ممارسة الأولياء العنف على أطفالهم بل تعبر عوامل محفزة ومسهلة للعنف إذا ما اقترنت بالعوامل الثقافية التي تبيح القسوة كأداة في التربية مع اقترانها أيضا بعوامل عند الأهل أو عند الطفل أو عندهما معا فالعوامل الاجتماعية تبقى مرهونة بالوضع النفسي والصحي للأهل وبالعوامل التاريخية النفسية الموجودة عندهم و العوامل الموجودة عند الطفل و التي تحفز و تنشط بدورها تاريخ الأهل.

خلاصة الفصل :

إن أساليب المعاملة الوالدية التي تم عرضها في هذا الفصل تعبر في مضمونها عن ما يسمى بالتفاعل الأسري والذي يعني نوع العلاقات بين أفراد الأسرة أي بين الآباء و الأبناء   و كذلك الحب الأخوي الذي ينميه الوالدان في نفوس الإخوة من خلال المحبة والعدل بينهم . إن الحب والتقبل و التفهم لطبيعة الطفل النامية التي تتسم بمجموعة من الحاجات و شرو ط النضج هي التي تمنح الطفولة السعيدة التي لديها ثقة في عالم الكبار على أنه عالم مرحب يقدم نماذج للتماهي تسمح للطفل بأن يصبح راشدا ذي شخصية مستقلة حاملا لقيم الخير التي تشبعها من الأسرة و التي تخلق في نفسه معنى الإخلاص الذي يستمده من التعلق المشبع مع أهله ؛ هذا الإخلاص الذي تمتد آثاره إلى المجتمع الكبير ليصبح فيه الفرد إنسانا بأتم معنى الكلمة بما تحمله من معاني النضال من أجل السعادة الذاتية و مصلحة الآخرين والعطاء وإشاعة المودة من حوله . وبالمقابل كل تباعد وجفاء و عزلة بين الآباء   و الأبناء لها من الآثار المدمرة على حياة الطفل النفسية و الاجتماعية ما يجعل منه إنسانا حاقدا متمردا فاقدا للثقة في قدراته و في من حوله فيصبح مشكلة لنفسه ولمن حوله يصعب غالبا إيجاد الحلول لها و تستدعي الكثير من المشقة والجهود علنا نصلح مل يمكن إصلاحه.

 

أرسلها إلى صديق