• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

الخدمات التربوية

اكتساب اللغة عند الطفل

اكتساب اللغة عند الطفل

1. مراحل اكتساب اللغة عند الطفل:

يكتسب الطفل من وسطه العائلي العمليات الأولية للاتصال على مستوى غير لفظي، ثم ينتقل تدريجيا للتعبير عن انفعالاته بحركات جسمية عفوية لتصبح عملية الاتصال تتركز على الجهاز الخاص بها، أي جهاز النطق والتصويت (FLORIN A., 1999, pp. 24-42).

فمنذ الولادة يقوم بإنتاجات صوتية، في شكل أصوات غير لفظية، ثم بعد ذلك يبدأ بإدراك وتنظيم واستخلاص الأصوات انطلاقا من الكلمات التي يسمعها في المحيط الذي يعيش فيه، بمعنى أنه يبدأ بإنتاج أصوات تنتمي للغة الأم، وهذا ما يسمى بالمناغاة (Le babillage)، والذي يظهر في حوالي 6-7 أشهر. ويسير عموما ببطء كبير في المحاكاة اللغوية، فقد تمضي أشهر دون أن ينطق إلا ببعض الكلمات، رغم قدرته على فهم معظم ما يسمعه، ثم تزيد كمية الكلمات مع نهاية السنة الثانية وبداية السنة الثالثة (قاسمي أ. 2001، ص. 8).

يتسع الرصيد الصوتي للطفل في المرحلة قبل اللغوية لأنماط صوتية مختلفة تتعدى حدودها الأصوات التي تحتويها اللغة الأم، ويحدث في أحيان كثيرة أن يعجز الراشد عن تقليد بعض المقاطع الصوتية لهذا الطفل. وينمو الميل لدى هذا الأخير لمحاكاة الأصوات اللغوية وحتى غير اللغوية التي تنبعث من وسطه العائلي والمادي، وبالتالي فإن الأصوات التي لم يكن يخضع استعمالها في البداية إلى تسلسل خاص أو قاعدة نطقية معينة تصبح أكثر عرضة لتحكم الطفل وصياغتها في قوالب مقاربة لتلك التي تصل مسامعه من طرف المتكلمين من حوله. ويغلب سلوك المحاكاة هذا على هذه المرحلة حتى أطلق عليها "مرحلة التقليد"
(FLORIN A., 1999, p. 30).

فحسب ما جاء به فلورين  يحاول الطفل ترديد المقاطع الصوتية التي يأتي على سماعها وكأنه بذلك يرسخها في ذهنه، ذلك أن له ميل للاستجابة الصوتية، فالكلمة التي يرددها للمرة الأولى تعتبر حافزا لترديدها لمرات متعاقبة، فيظهر تقليده لنفسه بإحداث سلسلة أصوات متكررة مثل  [ba ba ba]. يضع الطفل في معظم بداية الكلمات التي يقلدها، الأصوات نفسها التي كان يغلب عليه تكرارها في مرحلة المناغاة. ومنذ سن الثالثة، لا يدع كلمة أو عبارة جديدة يسمعها إلا ويرددها، ويحرص على تكرار هذه المفردات والعبارات، ليؤلف من مقاطعها جملا. لكنه لا ينتقل مباشرة من استعمال الكلمات إلى تركيب الجمل، بل إن ذلك يتم تدريجيا تبعا لتطور مستوى الفهم لديه، فبالرغم من أسبقية هذا الأخير على التعبير اللغوي، إلا أن درجته تظل مدة طويلة غير دقيقة في المرحلة ما بين السنة والسنتين. لذلك فإن الطفل وإلى غاية نهاية هذه المرحلة يعبر بالكلمة الواحدة عن عدة معاني، حيث يستعمل الكلمة محل الجملة (FLORIN A., 1999, p. 43).

كل هذه المراحل ضرورية حتى يستطيع الطفل أن يكتسب كل ما هو قاعدي للتوصل إلى التمتع برصيد لغوي يجعله في المستوى العادي والطبيعي الذي يصل إليه الفرد بعد مرحلة الطفولة. لذا فإن وجود اختلال في هذه المراحل أو حتى بعدها سوف يؤدي بالضرورة إلى غياب التواصل بين الشخص المصاب والمحيط الخارجي، وهذا ما قامت به الباحثة من خلال هذه الدراسة وذلك بتناول أحد الاضطرابات الحادة في اكتساب اللغة ومقارنته باضطراب آخر الخاص بفقدان هذه الكفاية اللغوية وذلك بدراسة البنية الزمانية المكانية كونها أحد أهم مقومات اللغة الشفهية وفيما يلي سنعرض اكتساب هذين المفهومين (الزمان والمكان) وعلاقتهما باللغة.

. اكتساب مفهومي الزمان والمكان:

    2- 1- اكتساب مفهوم الزمان واللغة:

     ويشمل مفهوم الزمان ثلاثة عناصر أساسية: المدة، التعاقب أو التسلسل والإيقاع. فالنشاطات الحركية التي يقوم بها الطفل يوميا تخضع لهذا المبدأ، حيث أن مجموع الحركات التي يتضمنها نشاط معين تجري في مدة زمنية معينة تتم خلالها، تتعاقب فيها الحركات في تسلسل مستمر، فالتقاط شيء ما يتطلب التوجه إليه ثم مد الذراع ففتح راحة اليد والأصابع. أما الإيقاع فيتعلق بصفة السرعة أو البطء مع التكرار في حركة معينة كالدق على الأشياء مثلا.

وإذا رجعنا إلى اللغة، فإننا سندرك حتما أن الكلام يتم كذلك في مدة زمنية معينة تتعاقب فيه الكلمات التي تكوّن الجمل في تسلسل معين حسب طول أو تكرار الوقفات، أي فترات الصمت التي تفصل بين العبارات والألفاظ،
ويختلف الإيقاع أيضا حسب الحالة النفسية والذهنية للمتكلم
(FLORIN A., 1999, pp. 24-42).

2- 2- اكتساب مفهوم المكان واللغة:

مع نمو المعرفة الذاتية والتحكم في أعضاء جسمه، يصبح الطفل قادرا على تصحيح إدراكاته السمعية والبصرية بالنسبة لمحيطه المادي والاجتماعي. فهو عند سماعه لصوت أحد يناديه من أي مكان بعيد عن مجال رؤيته، ففي البداية يتكون في ذهنه ارتباط بين الكلمة التي تحتويها عبارات الأم، عندما تطلب منه شيئا ما من "فوق" أو من "تحت" الطاولة مثلا، من جهة. وبين الإشارة إليه من جهة أخرى، فتعمم هذه التجارب في غياب التعليمات والأوامر بفضل حب الاستطلاع وتلقائية الحركة لديه ليتجه إلى أي شيء يشد انتباهه، وهو في هذه العمليات يقدر المسافات التي تفصله عن تلك الأشياء ويدرك مواقعها، فقد يكون الشيء "هناك" بعيدا عنه أو "فوق" الكرسي، وقد يكون أيضا "تحت" أو "بجانب" الطاولة...

وإن كان لهذا الإدراك البصري للمكان أهمية في الجانب الحركي باتخاذ الوضعيات الملائمة والقيام بحركات أكثر دقة واقتصادية، فإنه من الناحية اللغوية تسمح بفهم واستعمال تلك المفاهيم لغويا وتبقى كنقاط أو علامات إشارة في طريق النمو اللغوي وخاصة اللغة الكتابية، فالكتابة تتطلب ترتيب الكلمات في سطر مستقيم في اتجاه أفقي وترتيب عمودي للسطور (كرم الدين ل.، 1993)

3. نظريات اكتساب اللغة عند الطفل:

أولى  (1937)(PIAGET)بياجي منذ بداية أعماله اهتماما بالغا بالعمليات المعرفية العليا، كما أكد على تبعية اللغة للفكر من خلال الدراسات التي جمعها في مؤلفاته،فقد بحث عن مصادر الوظيفة التصورية السابقة للغة التي تستند عليها، فقام بمتابعة خطوة بخطوة المظاهر الأولى للتقليد واللعب الرمزي، فالطفل يمسك جانب من جوانب الوسادة التي تفكره بالثدي، إذن فهو يجمع أشياء وينسب إليها معاني خيالية مشتقة من تجاربه الماضية، وقبل استقرار اللغة فإنه يكون مزودا بتقليدات مختلفة، فهو يتظاهر أو ينسب للأشياء صفات مختلفة في ألعابه، إذن فكل هذه السلوكات تدل على طغيان الوظيفة الرمزية ومع أن اللغة تكون في طور البناء والتشكل في كل هذه الفترة، إلا أن بياجي  يرى أنها ليست مصدر مختلف هذه الظواهر الخاصة بالنشاط الرمزي وإنما ترجع إلى تطور في السلوكات الحسية الحركية في المرحلة الأولى خصوصا في السلوكات الأولى للتقليد، والتصورات ليست في البداية إلا مجرد تقليدات (PIAGET J., 1937).

إذن فالوظيفة الرمزية هي نتاج التطور الذهني للفرد، حيث تمكنه من اكتساب اللغة التي هي نتاج اجتماعي مصدره الحس البشري بفضل قدراته التصورية. فاللغة بالنسبة لـبياجي عبارة عن مجموعة منتظمة من الإشارات الاصطلاحية تتضمن تنظيمات أو روابط. فالطفل لا يحمل في تعلّمه اللغة قدرات لغوية بحتة ولكن ما يحمله هو تدعيم وسند وظيفة أكثر شمولية وهي الوظيفة الرمزية، إلا أن اكتساب الطفل للأشكال اللغوية عن طريق التقليد البسيط لا يضمن أبدا من أنه سوف يتمكن من السيطرة على العمليات المرتبطة بها عن طريق التحليل الشكلي. فقد نجد الطفل متمكنا من بعض الأشكال اللغوية بطريقة جد مُرضية غير أن هذا غير مانع عن سطحية هذه الأشكال مثال: عندما يستخدم أداة شرطية فهو لا يكون بالضرورة أجمع بين العمليات النحوية المنطقية التي وضعها النحو من أجل تحليل وإظهار هذا النوع من الأدوات ما عدا التكرار التقليدي للألفاظ اللغوية. (بارة س.، 2004، ص. 26)

وهذه التحليلات لا تلخص دور اللغة إطلاقا لأن اكتساب اللغة يخدم بدوره تقدم النمو المعرفي في المراحل الأكثر تطورا للطفل. ويتضح أن الأداة اللغوية ضرورية لمنطق الافتراضات ولكنها لا تنتجها بأتم معنى الكلمة. فبالنسبة لـبياجي  العمليات عبارة عن تنسيقات وارتباطات بين الأفعال قبل أن تتحول إلى شكل لغوي، فالطفل يجمع أقسام الأشياء المادية ويفككها ويكوّن تشكيلة ما، فهو قادر على ترتيب مقاييس مختلفة للأشياء من الأصغر إلى الأكبر، ويحدد مكان شيء ما في سلسلة مرتبطة قبل أن يصبح قادرا على تسلسل معطيات لغوية، فهذه الأفعال موجودة أولا، وبالتالي اللغة ليست المتسببة في تعلّمها
 (RICHELLE Mc., 1981, pp. 136-142).

أما (VYGOTSKY)  فيغوتسكي فمن المواضيع التي اهتم بها هي تطويره لأفكار بياجي. حيث درس هذا الأخير تمركز اللغة حول الذات، وقال أنها ليست لديها وظيفة وهذا النوع من اللغة يشبه لغة الطفل التوحدي فهي منطوية حول ذاته، لكن فيغوتسكي يرى أنه يوجد هذا النوع من اللغة إلا أنها ليست كما ذكرها بياجي بل في البداية تكون أساسا وسيلة للاتصال وخارجية في شكلها ووظيفتها، وتمر عبر القناة التبليغية مع طبيعتها الفونولوجية الصوتية التركيبية، وحتى الدلالة والبراغماتية، ورغم أن اللغة خارجية لكن مع نمو الطفل حتى وإن بقيت خارجية تبدأ في الاستدخال (Intériorisation)، وهنا تصبح متمركزة حول الذات (مختلفة عن تمركز اللغة حول الذات عند بياجي) (TRUFFAUT F., 1969).

ورغم أن أفكار فيغوتسكي تختلف عن أفكار بياجي إلا أن لغة التمركز حول الذات كذلك لديها وظيفة التبليغ وهي وظيفة اجتماعية، فهذه اللغة أولا تكون خارجية (أصوات، حركات) وظيفتها الاتصال، فيستفيد الطفل منها بتطوير معارفه والاحتكاك بمجتمعه، فيأخذ ثقافته، وهكذا اللغة وسيلة لإشهار الثقافة، وشيئا فشيئا تبدأ في التبني من طرف الطفل أي يبدأ في امتلاكها وهنا يصبح لدينا نوع من التمركز حول الذات، وشيئا فشيئا تدمج هذه اللغة داخل شخصية الفرد فتصبح هي الفكر (TRUFFAUT F., 1969).

وعندما قلنا أن اللغة المتمركزة حول الذات ليست لها أهمية عند بياجي، لكن عند فيغوتسكي لديها أهمية كبيرة في حياة الطفل، فالتمركز حول الذات تزداد أهميته في نشاط الطفل الذي قد يصادف مشاكل تتطلب الحل، ولاحظ فيغوتسكي أن هذا النوع من اللغة يساعد الطفل في التوجه نحو إيجاد الحلول، أي أنها تنظم فكره وتوجهه وتخطط نشاطه.

وحاول فيغوتسكي شرح الأصل الوراثي للغة والتفكير، إذ يقول بأن اللغة والفكر لديهما أصول مختلفة، ففي البداية تكون للغة وظيفة اجتماعية أي تكون خارجية في شكلها، ثم يحدث أن تتطور اللغة المتمركزة حول الذات فتلتصق بالفكر وتلتحم به في العام الثاني، ثم يفترقان وتستدخل اللغة لتصبح الفكر في حد ذاته بينما مظهرها الخارجي الصوتي فيبقى. والأصل القبل كلامي خاص بتطور الذكاء، بينما الأصل القبل ثقافي خاص بتطور اللغة (CULIOLI  A., BOUSCAREN J., 2004) .

ومن المهم جدا طرح إشكالية العلاقة بين العنصر اللساني والاجتماعي واكتسابات الطفل، لأنه من خلال الأبحاث حول هذه العلاقة تبين أن المفهومين مرتبطين، ففي أحد الأبحاث التي قام بها نواني ح. طلب من مجموعة الأطفال تتراوح أعمارهم بين 11 و12 سنة القيام بمهمة (شرح قاعدة لعبة الشطرنج) فلاحظ أن آداءات الأطفال متباينة جدا، وهي كالتالي:

-      قدرة فائقة على اللعب دون التّمكن من صياغة قواعد اللعبة وإيصالها للسامع في قالب لغوي فعال

-      استعمال عبارات لغوية سليمة دون النجاح في إيصال مبدأ القاعدة بوضوح، رغم أن المستوى العقلي للأطفال عادي.

والنتيجة التي توصل إليها الباحث تتمثل في أن الأطفال الذين يتمتعون بفعالية لغوية ومهارة معرفية هم أولائك الذين ينتمون إلى أوساط اجتماعية محظوظة، رغم أن السبب الحقيقي للنجاح ليس الانتماء الاجتماعي فحسب، ولكنه مرتبط بنوعية الممارسات اللغوية الرفيعة المستعملة داخل البيت.

إن الأبحاث التي أجريت في هذا الميدان والتي لا تزال تجرى تحاول أن تبين أنه على الطفل أولا أن يتعلم الحوار بإدماج مختلف الاستعمالات والتوظيفات اللغوية المتعددة، فالفعل الاتصالي عملية معقدة في حد ذاته وهو لا يتجلى في مجرد إنتاج الأصوات بل هو نتاج مسار أو سيرورة معرفية قوامها الأخذ بعين الاعتبار المرسلة، المتكلمين ووضعية الاتصال، وهذا يقودنا إلى إبراز الدور الأساسي للحوار في اكتساب ونمو اللغة عند الطفل، وحتى فيما يخص الحوار الذاتي الداخلي، فاكتساب اللغة حسب ما جاء به (BRUNER) برونر لا يظهر عندما يبدأ الطفل بالنطق بالكلمات الأولى، لكن يبدأ بمرحلة قبلية، فالطفل قادر على الاتصال عن طريق الإيماءات والأصوات، وهذه الإيماءات والأصوات تعتبر أفعالا تؤدي في حد ذاتها وظائف اتصالية، ثم أن اللغة عبارة عن ظاهرة أساسا رمزية لتفاعل الفرد مع وسطه (بارة س.، 2004، ص. 40-41).

فعلى عكس فيغوتسكي الذي يرى أن اللغة ظاهرة اجتماعية يتقاسمها أفراد مجتمع أو قرية، ولجوء الإنسان للغة يعني انسجامها مع شخصيته، وهي تعطي فكرة على طريقة التعامل مع الآخرين، نجد البراغماتية التي تحاول إعطاء تعاريف مغايرة. فهي ترى أن اللغة معقدة وهي وسيلة للتواصل والتبليغ، متباينة في مظاهرها تربط بين مضامين الفكر لتصدر كلاما، وهي كوضعها شيء وكاستعمالها شيء آخر، وبالتالي فإن هذه النظرية تحاول تأكيد نظرية الخطاب أي عندما أتكلم فأنا أتكلم في مكان ما بمناسبة ما وما هي العمليات الحاصلة عندما أمتلك اللغة، فالكلمات تعتبر آثار لما يدور بعقلي، وبهذه الكلمات أحاول التغلغل في تصورات شخص معين. ومن هذا المنظور طرحت أسئلة عديدة حول إمكانية دراسة المنتوج اللفظي دراسة براغماتية بحتة، وقد اقترح لذلك منهج تحليل اللغة من طرف نواني ح  فالتحليل البراغماتي الذي اقترحه الباحث يعد تطويرا منهجيا لتحليل الخطاب لأنه يعتمد أساسا على السلوك اللغوي كفعل وليس على اللغة كبنية (نواني ح.، 1995-1996).

وانطلاقا من هذه الاعتبارات ارتأى الباحث إعداد شبة تحليل الخطاب وذلك سواء كان هذا الخطاب عاديا أم مرضيا عند المتكلم الناطق بالعربية. فقد أصبح ذلك أمرا ضروريا خاصة للمختصين الأرطوفونيين، لأنهم يعتمدون على ملاحظة السلوك اللغوي كمادة أولية في تحاليلهم، وكذلك لكونهم يفتقدون لشبكة مرجعية يستندون إليها لأداء مهمتهم، وتجدر الإشارة حسب نفس الباحث إلى كون الشبكات السائدة من قبل كانت تؤكد على الجانب النحوي أو المعجمي، غير أنه اتضح استحالة الكشف عن حقائق الملفوظ (من الناحية النحوية أو الدلالية) ما لم يدمج هذا الأخير داخل الخطاب في كليته آخذين بعين الاعتبار البعد البراغماتي (NOUANI H., 2004, p. 37). واعتمدت الباحثة في هذه الدراسة على تطبيق هذه الشبكة وذلك لتحليل مدونات الحالات وللتأكد من صحة الفرضيات الموضوعة.

فالبراغماتية ترفض أن تكون اللغة مجرد كلمات وجمل لأنها تسلم وتقول -كما ذكر سابقا- بأن اللغة كوضع ورمز شيء واستعمال هذه اللغة كأداة للاتصال شيء آخر، لأن الكلمة ليست فقط مفهوم وصورة صوتية كما جاء بها (SAUSSURE)  سوسور، بل هي القدرة على استحضار الغائب وهي عملية معرفية عكس ما يقوله السلوكيون بأنها مجرد عادات لفظية نتيجتها وجود منبه يعطي استجابة، فالكلمة مجرد استجابة لمنبه خارجي. فهي ترفض كل فكرة تدور حول النية في التبليغ وترفض كل ما هو داخلي، وهم يرفضون كل الاتجاهات الاستبطانية ولا يسلمون إلا بالشيء الظاهري، كذلك اللغة، لأن الشخص يصدر الكلام عند تنبيهه وهم بذلك يسلكون مسلك وظيفي بحت، فعلى سبيل المثال أن السلوك اللغوي هو مجرد سلوك مثل السلوكات الأخرى الصادرة عن الشخص، فإذا ما وخزت شخص ما يستجيب، كذلك اللغة فهي تتم بهذه الطريقة. لكن البراغماتية ترى بأن اللغة فعل ليس مجرد كلمات، أي الطفل عندما يكتسب اللغة فإنه يكتسب أفعال لغوية ومكانة اللغة هي مكانة مرموقة وفعّالة (CULIOLI  A., BOUSCAREN J., 2004).

4. الأسس القاعدية لاكتساب اللغة:

4- 1-الأسس العضوية الفيزيولوجية:

إن الأصوات التي ننطق بها والتي تتشكل منها الكلمات التي نستعملها، هي حصيلة مجموع الحركات المتناسقة لجهازي التصويت والنطق، حيث تتطلب عملية الكلام أو التلفظ تناسقا بصفة آنية بين عملية التنفس وحركات أعضاء النطق.

أ) فيزيولوجية التنفس: تتم عملية التنفس بظاهرتين ظاهرة ميكانيكية (الحركات التنفسية)، ظاهرة كيميائية (المبادلات الغازية بين الرئة والأنسجة الدموية) (AIMARD P., 1974, pp. 77- 88).

-الظواهر الميكانيكية: وهي حركات التنفس والتي تنقسم إلى زمن الشهيق وزمن الزفير (Inspiration – Expiration) (LACOMBE M., 2005, p. 95).

       أولا/ الشهيق (Inspiration): هي عملية إدخال الهواء من الخارج إلى داخل الرئة، وهي ظاهرة فعالة (Phénomène actif) حيث يتدخل فيها عدد من العضلات، القفص الصدري والغشاء الرئوي:

* عموديا: يعمل الحجاب الحاجز بتقلصه على دفع الأحشاء الباطنية نحو الأسفل، وبالتالي زيادة في القطر العمودي للقفص.

* القطر الأمامي الخلفي: يزيد بفضل لعبة الأضلاع، هذه الأخيرة التي تحرك للأعلى، الخارج والأمام نهايتها الأمامية وبالتالي تحريك عظم القفص إلى الأعلى والأمام.

* القطر العرضي: هو نتيجة حركة الأضلاع فيما بينها، حيث تسمح العضلات بين الأضلاع بتوسيع هذا الحيز، وبالتالي السماح للأضلاع بالحركة نحو الأعلى والخارج. كل هذه الحركات، وبفضل تماسك الغشاء الرئوي، ووريقاته تسمح بتوسيع الرئتين وامتلائها بالهواء (LACOMBE M., 2005, p. 95).

       ثانيا/ الزفير (Expiration): هي ظاهرة غير فعالة تتم برجوع الظواهر السابقة إلى حالتها الأولى، حيث لا تتدخل أية قوة عضلية فعالة (Phénomène passif). بفضل مرونة النسيج الرئوي فإن هناك تقلص تلقائي للرئتين، وبالتالي
فإن الغشاء الرئوي يجذب معه القفص الصدري نحو حالته العادية
(LACOMBE M., 2005, p. 96).

-الظواهر الكيميائية: تضم ثلاثة (3) مراحل:

* المبادلات الغازية في الرئة

* نقل الغازات عبر الدم

* المبادلات الغازية الخلوية

ب) فيزيولوجية النطق: تشكل أعضاء النطق حواجز في طريق الهواء (الذي يخرج من الرئتين) والتي بفضلها تتميز الأصوات وتختلف في اللغة
(ROULIN D. M., 1980, p. 44-45).

4- 2-الأسس العصبية:

       نظرا لكون اللغة هي التي تكشف عن نشاط الفكر، فإنه من الضروري أن يكون في الدماغ مناطق مسؤولة عن تنسيق العمليات الحسية الحركية اللازمة للإنتاج والتلفظ بالكلام، ويكتسب الشخص اللغة بصورة تدريجية اعتمادا على تطور مجموعة من الوظائف المترابطة باللغة الشفوية والكتابية
(FLORIN A., 1999, p. 43).

       فاللغة ناتجة عن أفعال انعكاسية مسجلة في المخ، أي أن هذا الأخير يشبه إلى حد ما الحاسوب فهو يسكن بجوف عظمي يدعى الجمجمة. فالمدخلات توصل إلى المخ المعلومات الآتية من: المستقبلات الداخلية والمستقبلات الحسية، أما المخرجات تسمح بمرور الأوامر الآتية من المخ عبر الطريق الحركي والموجهة إلى تحريك عضلات الجسم (سعد الله ي. إ.،2001، ص. 3). وبالتالي هناك ثلاثة طبقات رئيسية في الجهاز العصبي المركزي (ROULIN D. M., 1980, p. 11)، وهي ممثلة في المخطط التالي:

1: مضيق الدماغ (Tronc cérébral)

2: المراكز تحت القشرية (Les centres sous-corticaux)

3: القشرة الدماغية (Le cortex cérébral)

مخطط (1)الطبقات الثلاث للدماغ

(ROULIN D. M., 1980, p. 11)

       أ) مضيق الدماغ: يشكل مضيق الدماغ امتدادا من الجهة العليا للنخاع الشوكي، وهو يسكن مع المخ داخل تجويف الجمجمة، وبمثابة دعم للطبقة

 2 و3 (LACOMBE M., 2005, p. 49)، ويعتبر مضيق الدماغ منطقة عبور لـ:

-المسالك الصاعدة بمعنى المسالك العصبية التي تنطلق من المحيط الداخلي (الأعضاء)، أو من المستقبلات الحسية (العين، الأذن، المستقبلات اللمسية، الشمية، والذوقية) والتي تنقل إلى المخ الإحساسات الملتقطة.

 
  

مخطط (2)المسالك الصاعدة

      (ROULIN D. M., 1980, p. 12)

- المسالك النازلة بمعنى المسالك العصبية التي تنقل إلى العضلات الأوامر الحركية الآتية من المراكز الحركية الأوتوماتيكية (الطبقة 2) أو المراكز الحركية الإرادية (الطبقة 3).

 
  

مخطط (3)المسالك النازلة

      (ROULIN D. M., 1980, p. 12)

       ب) المراكز العصبية تحت القشرية: المهاد، تحت المهاد، الأجسام المخططة، الأجسام الرمادية،...إلخ، هذه المراكز تضمن تنظيم الحركات الآلية للجسم، وكذا تنظيم عمل الأعضاء، وما يهمنا أكثر هو المكان الذي يتم فيه تنظيم المقوية وطبيعة الانفعالات والمستوى العاطفي، فالعلاقة بين المقوية وطبيعة الانفعالات والمستوى العاطفي يمكن تجسيدها في هذا السلم:

                                                                                    مقوية عالية

                                                                                    مقوية ضعيفة

                                                                       علاقة بين المقوية وطبيعة الانفعالات

(ROULIN D. M., 1980, p. 13)

       إن حقل الانفعالات الإيجابي يحرر السيالات العصبية، أين تسهل عملية الإدراك أو الحركة. وبالعكس، حقل الانفعالات السلبي يكبح السيالات العصبية، وكنتيجة فإن التعلم الجيد يتم في جو من الراحة والثقة، أما إذا كان عكس ذلك فالوظيفة الإدراكية والحركية تكون مضطربة لدى المتعلم.

    
   
  
 

 

 

 

 

 

 

 

 

مخطط (5) أثر الانفعال على عملية التعلم

                (ROULIN D. M., 1980, p. 14)

 


ج) القشرة المخية:

       أ) المدخلات الحسية حسب ترقيم برودمان (BRODMAN):

 
 

شق رولاندو

 

 

 

فص قفوي

 

 

فص جبهي

 

 

شق سيلفيوس

 

 

فص صدغي

 

 

فص جداري

 

 

الشكل (1) المدخلات الحسية

      (ROULIN D. M., 1980, p. 15)

 

 

 

 

 

-الباحات السمعية (مبينة بالحرف A في المنطقة الصدغية)

الاستقبال السمعي: في الباحات 41 و42 تستقبل السيالات العصبية الآتية من الأذن

الإدراك السمعي: في الباحة 21 يتم على مستواها تحليل المنبهات الصوتية المستقبلة من طرف الباحات 41 و42

-الباحات الذوقية: استقبال المنبهات الذوقية وتحليلها يتم في الباحة المبينة بالحرف G في المنطقة الجدارية

-الباحات الشمية: مبينة بالحرف O في المنطقة الجدارية

-الباحات اللمسية: مبينة بالحرف T في المنطقة الجدارية

- الباحات الحركية: مبينة بالحرف K في المنطقة الجدارية

-الباحات البصرية: مبينة بالحرف V في المنطقة القفوية

ب) المخرجات الحركية: تقع المناطق الحركية كلها في المنطقة الجبهية، وبالضبط في التلفيف الجبهي الصاعد، ونجد فيها المراكز الحركية التالية:

 
 

شق ر ولاندو

 

 

 

فص جبهي

 

 

شق سيلفيوس

 

 

الشكل (2) المخرجات الحركية

      (ROULIN D. M., 1980, p. 17)

 

 

 

 

 

I . التحكم في تحريك عضلات الوجه والرقبة، وبصفة خاصة تحريك الحنجرة، الحلق، الحنك، اللسان، والشفتين (أعضاء النطق)

II . التحكم في تحريك الذراع، اليد والأصابع

III . التحكم في تحريك بقية الجسم (ROULIN D. M., 1980, p. 17)

4- 3-الأسس الإدراكية:

       لا شك أن التعلّم المتعدد الحواس يساعد الطفل على اكتساب المهارات بطريقة أفضل وأسرع، فهو يقوم بترتيب وتصنيف كل ما تستقبله حواسه أي خبرته ضمن إطار معرفي منظم داخل بنية عصبية سليمة (ESTIENNE F., 1977, p. 41).

       أ) التصور الجسدي ((Le schéma corporel:هو عبارة عن نظام للمراقبة والتقييم الذي يرجع إليه كل إحساس جديد، وهو الذي يعطينا المعلومات الضرورية لنشاطنا آخذين بعين الاعتبار تبليغ حواسنا والتأثيرات الخارجية، الأحاسيس اللمسية، البصرية، الشمية والذوقية. فالتخطيط الجسدي هو الفكرة التي نعطيها لجسمنا والتي من خلالها نمثله ونتصوره في كل الأوقات والظروف، وفي مختلف الهيئات. وهي نموذج دائم يخص كل ما هو لمسي، بصري. ويعتبر إدماج التخطيط الجسدي في حقل شعور الفرد الخبرة الأساسية التي بفضلها يتميز كل فرد عن الآخر، إذ يشعر بذاتيته وبأنه هو (GIROUX J., 1969, p. 35 –36).

       إن هذه المعرفة تكون عند الطفل مبكرة ما بين ستة واثني عشرة سنة، حيث أنه من خلال تناسق النشاطات الحسية وكذا إدراكاته المتعددة لجسمه مقارنة مع العالم الخارجي تسمح له بأن يعي تدريجيا جسمه وكذا العالم الخارجي. فجسم الإنسان يحتوي على قسمين نسبة إلى المحور العمودي، وأن نمو التخطيط الجسدي عند الطفل يستلزم معرفة مفهوم الاتجاه أي تمييز اليمين من اليسار وسيطرة جهة عن الأخرى (ROULIN D. M., 1980, p. 24).

       ب) التآزر العضلي العصبي (La latéralité): هي السيطرة الوظيفية لجهة من جسم الإنسان على الجهة الأخرى والتي تظهر خاصة بتفضيل لاستعمال بطريقة اختيارية للعين، أو أحد الأطراف لإنجاز العمليات التي تتطلب نوع من الدقة (SILLAMY R., 1995, p. 259). والتآزر العضلي العصبي هو نتيجة الهيمنة الدماغية، وهذه الهيمنة تظهر باستعمال تمييزي عفوي لجانب من الجسد، هذا التمييز المنظم يمس الأطراف والأعضاء الحسية (PIALOUX P., 1975, p. 95).

       والبنية الفضائية تعتبر جزء من الجانبية، فلكي يتمكن الطفل من تمييز يمينه من يساره، وإدخال هذا التمييز في سلوكه يجب أن يكون علائقيا، أي يكتسب البنية، يعني الشكل والبعد المجرد، وبهذا يتمكن من العيش في الفضاء (COSTE J. C., 1977, p. 78).

       ج) البنية الزمانية-المكانية (La structure spatio-temporelle): يقول العالم (MUCCHIELLI) ميوشيلي بأن البنية المكانية-الزمانية هي كيفية وعي الإنسان نفسه بالنسبة للزمان والمكان المعاش، وهو كل ما يحدده المجتمع من المفاهيم المكانية والزمانية. كما يدخل فيه تكوين الصورة الجسمية، وبعبارة أخرى نستطيع القول بأن البنية الزمانية المكانية هي إعداد ذهني طويل وتنظيم في المستوى الذهني لكل ما يكتسبه الطفل من مفاهيم زمانية ومكانية في المحيط الذي يعيش فيه(MUCCHIELLI R., 1979, p. 55).

       وحسب (DEFONTAINE) دوفنتان "تعتبر البنية الزمانية المكانية من بين المعطيات الأولية بالنسبة للتكيف الملائم للفرد، فهي لا تسمح له فقط بالتحرك والتعرف على نفسه في الحيز، بل تسمح له كذلك بربط وتسلسل حركاته، كشف أجزاء جسمه ووضعها في حيز مكاني، وربط الزمان بالمكان اللذان يكونان وحدة متكاملة تستحيل تجزئتها" (DEFONTAINE A., 1980, p. 216).

* البنية الزمانية: يعرف قاموس علم النفس الزمن بكونه المدى الموضح بتعاقب الأحداث، وهو بناء سيكولوجي للإنسان يمكنه من التعود على تغيرات محيطه، ومبني على عوامل اجتماعية وحسية-حركية. فالزمن هو في نفس الوقت مدة، ترتيب وتعاقب، وإن إدماج هذه المفاهيم الثلاث مهمة بالنسبة للبنية الزمانية للفرد (SILLAMY R., 1995, p. 259).

فالزمان مثل المكان يتكون شيئا فشيئا، ويتضمن إعداد نظام من العلاقات. فحسب بياجي هناك ستة مراحل لنمو الزمن عند الطفل. فخلال المرحلتين الأولى والثانية كل شيء يحدث وكأن الزمن ينحصر تماما في حالات الانتظار، الرغبة والنجاح أو الفشل، ورغم أنه يشكل بداية لتتابع مرتبط بحدوث مراحل مختلفة لنفس العمل، لكن كل تتابع يشكل كل منعزل عن الآخرين، دون أن يلجأ الطفل إلى تكوين قصته الخاصة واعتبار أفعاله كتتابع الواحد للآخر.

أما في المرحلة الثالثة، الأحداث الخارجية تبدأ في الترتيب تبعا لردود الأفعال الدائرية الثانوية أي بداية الفعل على الأشياء، لكن بما أن الطفل لا يدرك بعد ترتيب الظواهر إلا إذا كان هو السبب فإنه يبقى عاجزا عن إدراك قصة عالمه مستقلة عن الفعل في حد ذاته، ومنه فهو عالم بدون أشياء دائمة، وبدون مجموعة موضوعية للتنقلات في المكان، وبدون سببية، ولا يستطيع التصرف بسلسلة زمانية أخرى غير التي هي مرتبطة بالفعل الذي يحدثه، ولا يستطيع أن يندمج في المدة العامة للمحيط مع عدم تمكنه من إعطاء تقدير كمي للزمن.

وفي المرحلة الرابعة، ينتقل إلى الموضوعية في استعمال الوقت، وينجز عن ذلك ديمومة الأشياء، تنظيم مجموعات التنقل وجعل السببية مرتبطة بمفهوم المكان التي تجعل الطفل يرتب الأحداث في حد ذاتها، وليس أثناء وقوعها فقط.

أما في المرحلة الخامسة، لا ينحصر هذا الترتيب للوقت فقط في بعض الأحداث، ولكن في كل الحقل الإدراكي. فيمتد إلى استعمال الذاكرة البعيدة المدى، وهذا يعني استذكار أوقات الزمن الماضي بدون أثر إدراكي حالي.

وفي المرحلة السادسة، نجد موضوعية السلسلة الزمانية تمتد إلى تقديمها، يعني أن الطفل يصبح قادرا على استحضار ذكريات ليست مرتبطة بالإدراك مباشرة. ويستدعي تكوين الزمن خلال النمو المعرفي استعمال العلاقات الزمانية في اللغة والتنظيم الزماني للذكريات في الذاكرة، مع تحليل الخطاب الزماني للنشاطات الحركية والعقلية (PIAGET J., 1937, pp. 187 – 195).

* البنية المكانية: يتكون المكان حسب بياجي ابتداء من المعرفة الحسية المرتبطة في آن واحد بالحركة والإدراك، ويظهر بعد التصور الذهني الذي يصادف الوظيفة الرمزية   .(PIAGET J., 1977, p. 10)وإنشاء الفضاء يتم بموازاة مع نمو الصورة الجسدية، هذان الاثنان يتوقفان على تطور الحركات. فيتحرك الطفل في فضاء متكون من أمكنة متعددة غير متناسقة فيما بينها ومرتبطة بالإدراكات البصرية، السمعية واللمسية. وتسهل اللغة اكتساب المفاهيم الأولى للمحيط "أمام، خلف، يمين، يسار"، وفي آخر هذه المرحلة يكون توجيه الجسم مكتسب في الفضاء (PIALOUX P., 1975, p. 95).

يتطور مفهوم المكان وفق آليات حسية حركية وتصورات ذهنية، فمن الملاحظ أن العلاقات المكانية تنضج وفق مستويين:الأول حسي حركي وفيه تتم معرفة الأشياء بالاتصال المباشر لاكتشاف العلاقات المكانية، ترتيب، مسافات، حجم، في تنظيم مجال إدراكي منذ الولادة إلى غاية المرحلة التصورية. والثاني تمثيلي يشمل المكان التمثيلي أو التصوري إما على استحضار الأشياء غير المشاهدة أو على تكميل المعرفة الإدراكية للأشياء بالرجوع إلى الأشياء المشاهدة
 (PIAGET J., 1977, p. 10).

* علاقة الزمان بالمكان: لما يمشي الطفل ويجري يتعلم مفهوم المكان، ثم يقوم بعد ذلك بعملية التعميم على الأشياء والمواضيع التي حوله، وكل هذا مرتبط كما أشرنا بنضج وسلامة الجهاز العصبي المركزي، وتصبح هذه المفاهيم هي القاعدة التي يعتمدها من أجل أن ينظم خبراته على مستوى التوجه المكاني. ويقترن مع هذا المفهوم، مفهوم آخر وهو البنية الزمانية، إذ على الطفل أن ينظم أيضا تجاربه ويُموضع نفسه بالنسبة للزمان فيتعلم مثلا أنه أصغر من أخيه أو أكبر منه، ويتعلم أن السنة تنقسم إلى شهور والشهر إلى أسابيع، واليوم إلى ساعات، وأنه يبدأ بالصباح ثم يأتي المساء فالليل (ESTIENNE F., 1977, p. 42). فاكتساب المكان يكسب مفهوم الزمان، والعمليات النسبية المتعلقة به مع العلم أنها القواعد الأساسية لاكتساب اللغة عند الطفل مع التكوين الفضائي
 (PIAGET J., 1976, p. 56).

وتعتبر كل هذه المفاهيم اكتسابات أولية (Pré-requis) في تعلم القراءة والكتابة، فمثلا الطفل الذي يفرق بين "فوق" و"تحت"، بين "قبل" و"بعد" يمكنه بعد ذلك أن يفرق بين "خ" و"ج"، وأن يتعلم بأن المفعول به يأتي بعد الفاعل، وهكذا.

 

 

أرسلها إلى صديق