• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

الخدمات التربوية

اكتساب القراءة والكتابة: البعد التطوري والتفكيري

اكتساب القراءة والكتابة: البعد التطوري والتفكيري

 إن العلاقة ما بين اكتساب مهارة القراءة ومهارة الكتابة شكلت محورا مهما في عمليات البحث العلمي المتعلق بأمور علم النفس المعرفي وأمور البحث التربوي الباحثة في مجال اكتساب القراءة والكتابة. هذه المقالة تستعرض شرحا للميكانيكيات التطورية التفكيرية المتعلقة بأكتساب القراءة والكتابة انتقالا الى شرح الاسباب والتفسيرات للعسر القرائي وعسر الكتابة السطحي والعلاقة القائمة بينهما. كذلك تم شرح المفهوم العلمي لجهاز الذاكرة الفعالة والاجهزة المتعلقة بعملية المعالجة النغمية وعلاقتها في عملية اكتساب القراءة والكتابة.

على مر عقدين من الزمن توصلت الابحاث الجاريه في مجال علم النفس المعرفي والعلوم المختصه في بحث سيكولوجية اكتساب القراءة الى النتيجة العلمية التي تطرح وتشدد العلاقة الايجابية بين التطور السليم للوعي النغمي والمعالجة النغمية لمعطيات كلامية وبين الاكتساب السليم للمهارات اللغويه وخاصة الاكاديميه كالقراءة والكتابة

(Snowling, 2001; Stanovich, 1988  Passenger, Stuart, & Terrell, 2000;).

وفي هذا المجال يتفق معظم الباحثون في عملية اكتساب القراءة  لدى الاطفال المتحدثون باللغات المختلفة.  فما هو الوعي النغمي؟

اذا اردنا تحليل الكلمات الملفوظة الى مركباتها فاننا نصل الى اصغر وحدة صوتية في الكلمة والتي تسمى النغمة (Phoneme) ومن هنا تنطلق عملية القراءة. فالقراءة هي إستنباط النغمات التي تكوّن الكلمات الملفوظة من خلال الاشكال والتي تسمى الاحرف فلذلك الصورة الشكلية للكلمة او الصورة الحرفية(Orthographic Pattern)  تحوي بداخلها هذه النغمات الصوتية التي تشكل اللفظ النغمي للكلمة.

من هنا عملية القراءة بشكل عام تصبو الى تعليم القارىء ان يفك النغمات الملائمة بحسب الاحرف بالكلمة وضمها بحسب تسلسلها من اجل ان يصل الى اللفظ السليم للكلمة. ان عملية المعالجة هذه (اي فك النغمات حسب الاشكال الصورية للاحرف ومن ثم ضمها بشكل تسلسلي) هي عملية تفكيرية تحتاج الى مهارات لغوية كالذاكرة الفعالة اللغوية والمقدرة على ملائمة الصوت او النغمة الملائمة للشكل الحرفي. وهذة العملية تعرف بالمعالجة النغمية (Phonological Processing)  بحيث ان هذه المكانيكيات المتعلقة بعملية المعالجة النغمية تبدأ اولا من الوعي للنغمات المكونة للالفاظ الكلامية (Snowling, 198; 2001). وذلك من اجل ان يتسنى للطفل الذي يبدأ بتعلم القراءة ان يربط ما بين النغمات التي تلفظ بالكلمة وما بين تمثيلها الحرفي وبالعكس.

في مقالة سابقة لي (طه، 2001) طرحت الإشكال الذي يعاني منه ذوي عسر القراءة وهو الإشكال في الوصول للفظ الصحيح للكلمات التي يحاولون قراءتها وخصوصا تلك التي يواجهونها لاول مرة (جديدة) وذلك تبعا للاشكال الذي يعانون منه في عمليات المعالجة النغمية وهنا سأوضح كيف وبأية طرق من الممكن ان يتجلى هذا الاشكال:

مثلا طفل يحاول ان يقرأ الكلمة "بَلَد" , من اجل ان يقوم هذا الطفل بقراءة سليمة للكلمة عليه ان يلائم الصوت الملائم (النغمة) للشكل الحرفي الذي امامه ومن ثم ان يضم هذه الاصوات بترتيبها الصحيح وصولا الى اللفظ الدقيق للكلمة. في هذه العملية فأن الطفل يحتاج لمهارة ملاءمة الصوت للشكل الحرفي ومن ثم ملائمة اللفظ النغمي بحسب التوجيه النغمي بحسب الحركة مثلا (ب) هي [B] ولكن بَ هي Ba. اثناء هذه العملية اي عملية فك الاصوات من خلال الرموز فأن القاريء بحاجة الى ان يتذكر تلك النغمات التي قام بأستنباطها من خلال الاشكال الحرفية وبترتيبها الصحيح حتى يتسنى له ضمها وعدم نسيانها لكي يحصل على اللفظ المراد للكلمة. عملية التذكر هذه التي تحدث بشكل متواصل اثناء قراءة الكلمات تدعى عملية التذكر الفعال. بحيث ان القاريء يقوم بحفظ النغمة التي توصل اليها واثناء ذلك يعمل على فك النغمة التالية اي انه يبذل مجهودا تفكيرا يرتكز بالاساس على تذكر متواصل وعمليات ملائمة النغمة للشكل الحرفي. من هنا جاء اسم هذا النوع من الذاكرة "الفعال او العامل" او بالانجليزيه(Working Memory)  (Baddeley, 1992a, 1992b; Baddeley & Hetch, 1974).

من اجل ان يستطيع القاريء ان يحافظ على التذكر الفعال بشكل متواصل والذي يمكنه من تذكر جميع النغمات التي قام بتحليلها وبترتيبها الصحيح , لذلك هناك حاجه لان يعمل هذا الجهاز المسمى بالتذكر الفعال بشكل سليم. ان العمل السليم لجهاز التذكر الفعال منوط بالقدره على تجهيز وتجنيد اصغاء سليم ومتواصل بشكل يمكن القاريء من ان يفعّل ذاكرته الفعاله بشكل سليم بحيث يستطيع ان يتركز فيما يعالجه تفكيريا وان يتذكره بصوره انجع.

بعد هذا الشرح فبأمكاننا الان ان نشرح ما هي الصعوبات التي تواجه معظم عسيري القراءه:

من الممكن ان يستصعب عسير القراءة في ملائمة الصوت الملائم للشكل الحرفي بحيث تنبع هذه الصعوبة من عدم الاكتساب السليم للعلاقة القائمة ما بين النغمات والاشكال الحرفية التي تمثلها في اللغة، او ان ذلك القاريء عسير القراءة يعاني من بطىء في معالجة المعلومات وبطىء في الاستخراج اللفظي والتسمية التي من شأنها ان تبطىء بشكل ملحوظ قدرة القاريء على استخراج النغمات الملائمة للاشكال الحرفية في الكلمة المستهدفة. ان هذا الاشكال او ذاك يضعان القاريء في موضع يستنفذ فيه معظم مصادر التركيز لديه في عملية فك النغمات والملائمة الحرفية  نغميه بحيث ان النتيجه الحتميه لهذا الاشكال هو عدم نجاعة عمل جهاز التذكر الفعال نتيجة للجهد التفكيري المبذول في عملية الفك النغمي ونتيجة لاستنفاذ جميع مصادر التركيز.  بناءا ًعليه فأن القارىء يستصعب الوصول الى الى اللفظ الدقيق لذلك نراه ينسى ما قد قام بفكه من نغمات او استصعب ملائمة النغمة لشكل حرفي معين او قام بضم النغمات بترتيبها الغير صحيح وهكذا مما يولد اخطاء في القراءة. مثلا من الممكن ان يقوم الولد بقراءة الكلمة صوريا نتيجة لفشله بقراءتها عن طريق الفك النغمي، مثلاً: دراجه تقرأ دَرَج.

في دراسه اجريناها لتحليل الاخطاء التي تتجلى في عملية القراءة لدى طلاب عسيري قراءة وطلاب عاديون من نفس الجيل الزمني وطلاب عاديون من نفس الجيل القراءي لعسيري القراءة Taha,) (2003، تبين ان النسبة العالية للاخطاء كانت الاخطاء التي صنفت كأخطاء مرفولوجية وهي عمليا قراءة كلمة الهدف بشكل مخطوء ولكن الكلمة الملفوظة من قبل القاريء تنتمي الى نفس الجذر مثلا اذا عرضت للقاريء كلمة "كتابة" , فأنه يقرأها "كتاب" او اذا عرضت كلمة "باعة" فأنه يقرأها "بائع". ان نسبة هذا النوع من الاخطاء كانت العالية بين جميع مجموعات القراءة وقد عزي ظهور مثل هذه الاخطاء الى الحقيقة بأن اللغة العربية هي لغة ذات كتابة مرفولوجية واشتقاقية عالية والتي تغني القاموس اللفظي للمتكلم بأشتقاقات مرفولوجية (تابع لنفس الجذر) كثيرة وعند الكتابة فان الاشكال الحرفية التي تميزالجذر تظهر في الكلمات بشكل واضح. لذلك فأن عملية معالجه نغميه جزئية مع الاتكال على معالجة صورية للكلمات تحتم الوصول الى قراءة صورية ولكن المعالجه النغميه الجزئيه مع المعالجه الصوريه تحتم الوصول الى قراءه مرفولوجية اي استبدال كلمة الهدف بكلمة اخرى تابعة لنفس العائلة الجذرية لانه في اللغة العربية كلمات ذات تقارب لفظي نغمي وشكل صوري تكون ذات احتمال كبير لان تنتمي الى نفس العائلة الجذرية (Beland & Mimouni, 2001) ومن هنا ونتيجة للحقيقه بأن عسيري القراءة يعتمدون معالجة نغمية جزئية نتيجة للخلل في تطور تلك العمليات ويتكلون على المعالجة الصورية فأن احتمال حدوث الاخطاء المرفولوجية هو كبير لحد ما. ولكن الصعوبة في المعالجة النغمية من شأنها ان تكون سببا في حدوث اخطاء اخرى وبنسبة عالية كنتيجة مباشرة للخلل في المعالجة النغمية مثلا اخطاء كلفظ غير صحيح لكلمات الهدف بحيث ان اللفظ في بعض الاحيان يكون قريب جدا لكلمة الهدف ويحمل او لا يحمل معناً ( مثلا: يُؤَمِّن  تقرأ يُؤمِن =  كلمتين ذوات معاني مختلفة. او: بَيتٌ تقرأ بَت = اي كلمة بدون معنى)

او اخطاء اخرى يكون فيها اللفظ المخطوء للكلمة مخالفا بشكل كبير لكلمة الهدف المرادة وهذا كله نتيجة للصعوبة في اتقان عمليات الفك والدمج النغمي.

التفسير العصبي النفسي – الادراكي لاستراتيجيات القراءة لدى عسيري القراءة والقراء العاديين:

ان تقدم البحث العلمي والتقنيات العلمية التي تمكن من قياس الفعاليات الدماغية عند اداء وظائف تفكيرية والتي تمكن من اظهار نماذج دماغية في حال تنفيذ العمليات التفكيرية مكنت من الوصول الى تقدم كبير في فهم الاشكال الدماغي المنسوب الى عدم نجاعة مناطق دماغية معينة والتي تشكل الاجهزة الدماغية لعمليات القراءة والتعرف على الكلمات في حال القراءة لدى عسيرى القراءة مقارنة مع اترابهم القراء العاديون. بحيث ان الابحاث تؤكد ان ادمغة عسيري القراءة تعتمد مناطق دماغية مختلفة في عملية القراءة عن تلك التي تعتمدها ادمغة القراء العاديونFlowers, Wood, & Naylor, 1991; Pugh, Mencl, Jenner, Lee, Katz,) Frost, Shaywitz, & Shaywitz,2001  (بحيث ان عسيري القراءة يعتمدون على منطقة الالتفاف المتدني الامامي (Inferior frontal gyrus) ومنها منطقة الاستخراج اللفظي –  بروكا (Broca) بينما يعتمد القراء العاديون على الجهاز الدماغي المسمى  temporo – parietal  نسبة الى موقعه الدماغي و الذي يحتوي على الالتفاف الزاوي  (angular gyrus) والجهاز التزامني العلويSuperior temporal system)) بالاضافه الى المنطقه المسماة بالOccipito – Temporal  وتضم اجزاء من القسم البصري التزامني وهي تتطور متأخرةً نسبياً ومسؤولة بالاساس عن التعرف على الكلمات بعد الانكشاف عليها لمدة طويلة. البحث العلمي يؤكد بـأن هذه المناطق التي ذكرت والتي اكتشف بأن القراء العاديون يعتمدون عليها بشكل اساسي في عملية القراءة هي غير متطورة بالشكل السليم لدى عسيري القراءة لذلك نرى ان اعتمادهم هو على مناطق امامية كما ذكر اعلاه. للتوضيح انظر الشكل ادناه ( شكل رقم 1).

من هنا فأن الابحاث تلاحظ وجود اعتماد دماغي على المناطق الاماميه في الجزء الايسر من الدماغ لدى معظم عسيري القراءه (Anterior region) في حال عدم نجاعة المناطق الخلفية Posterior) (region في النصف الايسر من الدماغ والتي تشكل المناطق الاساسية التي تعتمدها ادمغة معظم القراء العاديون كما تظهر الابحاث.

شكل رقم 1: الاعتماد الدماغي عند عسيري القراءة والقراء العاديين.

Temporo-Parietal-(Dorsal) Region

- قراءة كلمات زائفه < قراءة كلمات عادية

- زياة الجهد اثناء عملية التحليل النغمي

قراء عاديون مقارنةََ مع عسيري قراءة:

قراء عاديون <  عسيري قراءة في قراءة كلمات وكلمات زائفة.

 
  

 -قراءة كلمات عادية > قراءة كلمات زائفة

قراء عاديون مقارنةََ مع عسيري قراءة:

قراء عاديون <  عسيري قراءة في قراءة كلمات وكلمات زائفة.

- قراءة كلمات زائفة > قراءة كلمات عادية

قراء عاديون مقارنةََ مع عسيري قراءة:

 قراء عاديون  <  عسيري قراءة في قراءة كلمات وكلمات زائفة.

 العلاقة بين اكتساب القراءة وتطور المقدرة الكتابية الاملائية  :

ان عملية اكتساب القراءة تشكل عاملا اساسيا في تطور المقدرة على الكتابة وتمثيل الكلام كتابيا بصورة احرف بشكل سليم. فعند القراءة تبدأ عمليات "تغذية" القاموس الشكلي للكلمات Orthographic Lexico )  (بأشكال  الكلمات التي يتم استخراجها عند الكتاب

(Curtin, Manis, & Seidenberg, 2001; Ellis, .1993; Frith, 1985; Steffler, 2001  (في حالة ان عملية الكتابة هي عكسية لعملية القراءة، فأذا كانت عملية القراءة مرتكزة على استخراج النغمات من الاشكال الحرفية ودمجها للوصول الى اللفظ الصحيح للكلمة فان عملية الكتابة او التهجئة الاملائية مرتكزة على تمثيل تلك النغمات بواسطة الرموز الشكلية (الاحرف) الملائمة لها. لذلك على الكاتب ان يعي ما هو الشكل المناسب للصوت في الكلمة من اجل ان يصل الى تمثيل دقيق للاصوات بواسطة الاشكال الحرفية الملائمة.

ولكن في لغات عديدة ومنها اللغة العربية اصوات متشابهة لحدٍ كبير لها تمثيل حرفي مختلف، الامر الذي يتطلب من الكاتب ان يكون ذو وعي نغمي دقيق لتميز الاختلاف بين هذه الاصوات وصاحب وعي قاموسي شكلي لكي يستطيع استخراج الشكل الدقيق للكلمة. ان هذا الوعي القاموسي لاشكال للكلمات هو نتيجة حتمية لتخزين الاشكال الصحيحة للصور الكتابية للكلمات في القاموس الشكلي بحيث ان تطور هذا القاموس الشكلي هو نتيجة حتمية لممارسة صحيحة ومتقنة لعملية القراءة والتي تعتبر المغذي لهذا القاموس الشكلي. ومن هنا تتضح العلاقة ما بين عسر القراءة وعسر الكتابة السطحي (Surface dysgraphia)  والذي يعرف بعدم قدرة الطالب على كتابة كلمات شاذة والتي تكتب ليس كما تقرأ اي ان على الكاتب ان يعتمد على قاموسه الشكلي للكلمات من اجل كتابة تلك الكلمات وبسبب عدم نجاعة ذلك القاموس نرى الكاتب صاحب هذا النوع من العسر يتكل على كتابة نغمية  سمعيه اي يكتب كما يسمع (1986; Snowling, 1987; Temple, 1985 Frith,). مثلا: الكلمه "لكن" يكتبها "لاكن". او يستصعب التمثيل الحركي في كلمات تحتوي على اصوات متشابهة كأن يكتب ضفدع:  دفضع او دفدع أو أن يكتب التنوين في اخر الكلمة كحرف نون والخ .. ان عدم قدرة هذا الشخص صاحب هذا النوع من عسر الكتابة السطحي هو نتيجة حتمية للصعوبة التي يواجهها في عملية القراءة وبذلك عدم القراءة بشكل صحيح وابتعاد الشخص عن ممارسة القراءة تحد من التطور والتغذية السليمة للقاموس الشكلي للكلمات وتدفع ذلك القاريء الى ان يعتمد اساليب نغمية عند الكتابة والاملاء، هذا المعطى من اخطاء الكتابة النغمية ظهر بشكل واضح في الدراسة التي اجريناها لتحليل اخطاء القراءة والكتابة الهجائية (الاملاء) لدى طلاب عسيري القراءة.

من هنا تظهر العلاقة الواضحة بين عسر القراءة وعسر الكتابة السطحي بشكل خاص.

ابحاث عديدة تظهر وبشكل واضح تلك العلاقة القائمة بين اكتساب القراءة وعملية اتقان الكتابة وابعاد الصعوبة في اكتساب القراءة على عدم الالمام بعملية الكتابة والتهجئة الاملائية. بعض الباحثين يقترح تفسير الصعوبة في التذكر المرموز (implicit memory) (Steffler, 2001) كتفسير لصعوبة استخراج الشكل الصوري الملائمة للكلمة الهدف بحيث ان تلك الصعوبة في تذكر الشكل الصوري الملائم هو نتيجة حتمية للفشل في مرحلة تذويت الشكل عند القراءة (decoding) وذلك لان القراءة نفسها وعملية التذويت لم تكن سليمة.

اهمية تطوير الوعي النغمي في الجيل المبكر في المرحلة ما قبل اكتساب القراءة والكتابه:

كما اسلفت سابقا في هذه المقالة، فأن عملية اكتساب القراءة مرتكزة اساسا على عمليات المعالجة النغمية بدءاً من الوعي للنغمات المكونة للكلمات، فك النغمات من خلال الاشكال الحرفية التي تمثلها في الكلمة المكتوبة ودمجها للوصول الى اللفظ الصحيح ارتكازا على عمليات تذكر فعال نغمي. هذه العمليات تتطلب من القاريء الضعيف او المبتدىء عبئا تفكيرياً لذلك فأنها تحدث ببطىء عند بداية القراءة ومع الوقت تصبح اتوماتيكية لا تتطلب جهدا تفكيريا وتجنيد مكثف لمصادر التركيز الا اذا كان هناك اشكال في عمليات المعالجة النغمية والتي تحد من عملية اكتساب القراءة وبالتالي تؤدي الى عدم "طلاقة القراءة" اي ان لا تصبح اتوماتيكية.

ان مرونة عمليات المعالجة النغمي وتطوير الاجهزة التفكيرية المسؤولة عن تلك العمليات في سن مبكر (كالذاكرة الكلامية والنغمية والوعي النغمي) من شأنها ان تساهم في سهولة اكتساب عمليات القراءة والكتابة وذلك من خلال كشف الطفل على مهام بشكل العاب مختلفة والتي تقوي وتمرن عمليات المعالجة النغمية لديه. بحيث ان هذه التمارين تمارس سمعيا وكلاميا في جيل قبل المدرسه مدخلين فيها تمارين الملائمه النغميه الحرفيه (ملائمه الصوت للحرف) في جيل المدرسة.

التوصيات العلمية في مجال تطوير المقدرات التفكيرية والذهنية تصر على ضرورة بناء وملائمة برامج تعليمية وبرامج خاصة في روضات الاطفال من اجل صقل المهارات الادراكية والتفكيرية بشكل عام ومنها المهارات المتعلقة بالمعالجة والوعي النغمي بشكل خاص كأن يتعرف الطفل على النغمات التي تكون كلمات مختلفة وشائعة في بيئتهِ او يتعرف على الاصوات او النغمات التي تبدأ بها تلك الكلمات او تتوسطها اوتنتهي بها Adams, Foorman, Lundberg, & Beeler, ) (1998. او ان يقوم الطالب بدمج اصوات تلفظ له من قبل المعلمة للوصول الى كلمة ومن ثم الى اختيار الصورة التي تدل على معنى  الكلمة من بين عدد من الصور، او ان يجد الاصوات المتشابهة بين كلمات والفاظ مختلفة تعطى له عن طريق صورة الجسم    (مثلا تعطى صورة شمس وصورة شجرة وصور اخرى) ونسأل اي صور تبدأ بنفس الصوت؟  وهكذا ... ( طبعا لم افصل هذه التمارين لانها بحاجة الى تفصيل مطوّل). هذه البرامج والتي تمرر بشكل ترفيهي للاطفال من شأنها ان تمرن عملية المعالجة النغمية في سن الطفولة ومن شأنها ان تترك اثرها الايجابي مستقبلا على عمليتي اكتساب القراءة والكتابة المترابطتين والمرتكزتين على عمليات المعالجة النغمية.

 عسر الكتابة التطوري:

كما رأينا سابقا فأن عسر القراءة يعتبر عاملا مؤثرا على عملية اكتساب الكتابة وبالتالي فأن الابحاث العلمية تؤكد على الترابط القائم بين عسر القراءة  وعسر الكتابة السطحي Surface dysgraphia، لقد تم الشرح عن عسر الكتابة السطحي اعلاه ان التفسير العلمي المطروح لوجود مثل هذا النوع من عسر الكتابة منسوب الى تلف القناة القاموسية (Lexical route)  التي تحوي الاشكال الحرفية للكلمات وبما ان الاشكال هو تطوري فأن السبب في وجود مثل هذا العسر لدى عسيري القراءة هونتيجة لعدم تطور هذه القناة بشكل سليم (Temple, 1986).

الدراسات العلمية تظهر وجود انواع اخرى من عسر الكتابة المنسوب للمجال الكلامي وهو عسر الكتابه النغمي Phonological dysgraphia. هذا النوع من عسر الكتابة منسوب الى خلل في القناة النغمية (Phonological route) والتي تحد من نجاعة عمليات الفك النغمي والتمثيل النغمي الحرفي (Temple, 1986). ان مثل هذا النوع من عسر الكتابة يتصف بكثرة الاخطاء الكتابية الناتجة عن عدم ملائمة الصوت للشكل الحرفي المناسب، بحيث ان الناتج الحرفي المكتوب لا يمثل الاصوات المسموعة في الكلمة. مثلا اذا طلبت من صاحب هذا النوع ان يكتب كلمة بيت من الممكن ان يواجه صعوبة في ملائمة الاشكال الحرفية للاصوات التي سمعها فيكون الناتج مثلا تيب، او في كلمات ذات مقاطع متعدده ككلمة "ينفرد"، يواجه ذلك الكاتب صاحب هذا النوع من العسر الكتابة صعوبة في تمثيل جميع الاصوات في الكلمة بواسطة الاحرف وذلك للصعوبة التي يواجهها في عميلة الفك النغمي وتعرِّفه على النغمات التي تمكنه من كتابة الكلمة، فنراه ينقص من الاحرف او يدخل احرف غير موجودة اصلا في الكلمه. في الفحص العلاجي لاستبيان وجود مثل هذا النوع من عسر الكتابة للمفحوص كلمات زائفة لم يراها من قبل بحيث انه من اجل كتابة هذه الكلمات يتطلب منه الارتكاز على عملية الفك النغمي والملائمة النغمية – الحرفية، والحكمة من ان لا نعطي له كلمات عادية هي بانه من الممكن ان يقوم بكتابة هذه الكلمات من ذاكرته القاموسية، حيث ان بهذه الطريقة من الممكن ان تعرف نجاعة عملية الكتابة التهجئة المبنية على اساس الفك النغمي والملائمة النغمية الحرفية.

في فحص وجود عسر الكتابة السطحي يعطى للمفحوص كلمات تضم اصوات تتمثل بواسطة احرف مختلفة في اللغه  (مثلا د -  ض، ظ -  ذ، ط -  ت والخ...)  مثلاً: ضفدع ، مضطرب، ارض او كلمات شاذة كتابيا مثل: لكن، هذا،  او كلمات تحتوي على تنوين لكي نفحص ما اذا كان الكاتب يعتمد على كتابة  قاموسية مبنية على تعرفه على اشكال الكلمات وقوانين الكتابة او مبنية على كتابة نغمية فقط (اي يكتب ما يسمع).

الكاتب الماهر يعتمد على اسلوبي الكتابة النغمي والقاموسي فحتى يستطيع الكاتب ان يكتب بشكل صحيح يجب ان يكون صاحب مهارة جيدة في عملية الفك والتمثيل النغمي ومن جهة اخرى بحيث ان يكون صاحب قاموس متطور لاشكال الكلمات.

 الذاكرة الفعالة وعملية القراءة:

ان المهارات اللغوية متعلقة بعمليات معالجة لغوية بواسطة اجهزة تفكيرية ذات سعة محدودة. ان احدى تلك الاجهزة التفكيرية والتي اخذت حيزا كبيرا في البحث العلمي لفهم عمليات المعالجة اللغوية بشكل خاص والمعالجة التفكيرية بشكل عام كان جهاز الذاكرة الفعالة.

في سنة 1974 اقترح العالمان باديلي وهيتش (Baddeley& Hetch, 1974) نموذجا يصنف اجزاء هذا الجهاز التفكيري المسمى بالذاكرة الفعالة. وبحسب هذا النموذج فان الذاكرة الفعالة هي جهاز محدود السعة يعمل لخزن ومعالجة زمنية للمعلومات, مع التشديد على عملية المعالجة اي ان عملية التخزين ترافقها عملية معالجة للمعلومات Baddeley, 1992a; 1992b,) Baddeley& Hetch 1974).

بحسب هذا النموذج فأن جهاز الذاكرة الفعالة مكون من 3 اقسام او اجهزة مركبة. اولا جهاز التنفيذ المركزي (Central executive) والذي يعمل كمجند للتركيز والمراقبة اثناء المعالجة بالاضافة الى جهازين اخرين وهما الملف البصري (Visuospatial sketchpad)  الذي يختص بالتذكر الفعال لمعلومات بصرية فراغية غير كلامية وجهاز الربط النغمي

 (Phonological loop)  والمختص في عملية تذكر فعال ومعالجة معطيات كلامية ونغمية لغوية.

ان جهاز الذاكرة الفعالة للربط النغمي (Phonological loop) يلعب دورا هاما في عملية اكتساب القراءة وتنفيذها بشكل دقيق. بحيث ان التذكر الفعال هو تذكر المعطى وممارسة معالجه بواسطة ذلك المعطى. مثلا اذا قلنا لكم سنذكر لكم كلمات وعليكم بعد كل كلمة نذكرها لكم  ان تقولوا ما عكسها في النهايه يجب ان تذكروا جميع الكلمات التي ذكرتموها انتم (اي العكس) مثلا نقول طويل عليكم ان تقولوا قصير، اسود – ابيض، بارد – حار في النهايه عليكم استرجاع الكلمات المعكوسة وبترتيبها الصحيح اي:  قصير، ابيض، حار. في هذه العملية قمتم باستخراج الكلمة المعكوسة الاولى وبالتالي حفظتموها في الذاكرة للمدى القصير في حال انكم تمارسون عملية العكس للكلمة الثانية وبعدها للثالثة في حال انكم تتذكرون العكسين الاول والثاني للكلمات السابقة، اذا تلاحظون انكم تتذكرون وتمارسون معالجة كلامية معينة، هذا النوع من التذكر يسمى التذكر الفعال بحيث اننا نمارس فعالية تفكيرية اثناء التذكر.

 لننتبه الآن لما يحدث اثناء عملية القراءة وبالذات لدى طالب مبتدىء في عملية اكتساب القراءة او طالب عسير القراءة:  لكي يقوم الطالب بقراءة الكلمة عليه ان يفك كل صوت بحسب الشكل الحرفي (كما اسلفنا سابقا) وعليه ان يحفظ الصوت الذي قام بفكه في ذاكرته منتقلا الى الحرف التالي لكي يفك الصوت منه وهكذا وصولا الى الحرف الاخير، في اثناء عملية الفك هذه يقوم هذا القاريء بعملية دمج للاصوات التي فكها وبحسب ترتيبها اذا فنحن نلاحظ بأنه لدينا عملية تذكر فعال،  فك الصوت اولا وحفظ في الذاكرة للمدى القصير ثانيا، ثم ننتقل الى الحرف التالي لفك الصوت ودمجه مع الصوت السابق ومن ثم ننتقل الى الحرف الذي يليه وهكذا. اذا بالاضافة الى اهمية تطور الوعي النغمي وقدرتنا على ملائمة الصوت الملائم للشكل الحرفي الملائم ولكي تتم عملية الفك والدمج النغمي فهناك حاجة لان يعمل جهاز التذكر الفعال بشكل سليم لكي يتسنى لنا ان نقوم بعمليات الفك والدمج النغمي بشكل سليم.

ان الطالب عسير القراءة والذي يستصعب في عملية الملائمة الحرفية النغمية  يستنفذ معظم مصادر التركيز الموجودة لديه في عملية الملائمة هذه وبالتالي كما اسلفنا في جهاز التنفيذ المركزي والذي يعتبر المحرك لجهاز الذاكرة الفعالة يعطب نتيجة لعدم وجود مصادر تركيز كافية وبهذه الطريقة يستصعب القاريء عسير القراءة تذكر الاصوات التي قام بفكها وعندها يصل الى لفظ غير صحيح للكلمه.

من الممكن ان يكون هذا الجهاز المنسوب للذاكرة الفعالة اللغوية معطوب اصلا في حالة قراء عسيري القراءة وذلك تبعا للقصر اللغوي الذي يعاني منه هؤلاء القراء نتيجة لعدم التطور السليم للمناطق الدماغية اللغوية.

الابحاث العديدة اقرت بالدور المهم الذي يلعبه جهاز الذاكرة الفعالة النغمي في اكتساب القراءة. وابحاث اخرى تطرح اهميته في تنفيذ مهام كلامية لغوية تفكيرية عليا كفهم المقروء. ففي البحث الذي اجرى من قبل كاسباري , باركينسون , لابوينتي وكاتس Caspari , Parkinson) Lapointne & Katz ,1998 ( على اشخاص يعانون من الحبسة (Aphasia)  )وهو اشكال لغوي ناتج عن خلل يعطب مناطق اللغة والفهم والقناة الواصلة بين مناطق فهم اللغة واستخراجها) وجدوا علاقة قوية بين سعة جهاز الذاكره الفعالة الكلامية وبين اداء الشخص في مهمات لفحص فهم المقروء. بحيث انه كلما زادت سعة هذا الجهاز لاحتواء المعلومات ومعالجتها استطاع الشخص ان يعالج المواد بشكل اكثر فعالية وبالتالي يصل الى تذويت وفهم افضل للمعلومات.

 

المراجع

 

  1. 1.                    Adams, M. J., Foorman, B. J., Lundberg, I., & Beeler, T. (1998). Phonemic awareness in young children: A classroom curriculum. Paul H. Brookes Publishing: USA.
  2. 2.                    Baddeley, A. D. (1992a). Working memory. Science, 225, 556–559.
  3. 3.                    Baddeley, A. D. (1992b). Working memory: The interface between memory and cognition. Journal of Cognitive Neuroscience, 4 (3), 281–288.
  4. 4.                    Baddeley, A. D., & Hitch, G. J. (1974). Working memory. In: G. Bower (Ed.). The psychology of learning and motivation (Vol. 8, pp. 47–89). Academic Press: New York.
  5. 5.                    Beland, R., & Mimouni, Z. (2001). Deep dyslexia in the two languages of an Arabic/ French bilingual patient. Cognition, 82, 77-126.
  6. 6.                    Caspari, I., Parkinson, S. R., LaPointe, L. L., & Katz, R. C. (1998). Working memory and aphasia. Brain and Cognition, 37, 205-223.
  7. 7.                    Curtin, S., Manis, F, R., & Seidenberg, S, M., (2001). Parallels between the reading and spelling deficits of two subgroups of developmental dyslexics. Reading and Writing: An Interdisciplinary Journal, 14, 515-547.
  8. 8.                    Ellis, A, w. (1993). Reading, writing and dyslexia: A cognitive analysis. Hove, UK: Erlbaum.
  9. 9.                    Flowers, D. L., Wood, F. B., & Naylor, C. E. (1991). Regional cerebral blood flow correlates of language processes in reading disability. Archives of Neurology, 48, 637-643.
  10. 10.               Frith, U. (1985). Beneath the Surface of Developmental Dyslexia. In: Patterson, K. E., Marashall, J. C., & Coltheart, M.(Eds), Surface Dyslexia. ( pp, 301-330). London: Lawrence Erlbaum Associates. 
  11. 11.               Passenger, T., Stuart, M., & Terrell, C. (2000). Phonological processing and early literacy. Journal of Research in Reading, 23(1), 55-66.
  12. 12.               Pugh, K. R., Mencl, W. E., Jenner, A. R., Lee, J. R., Katz, L., Frost, S. J., Shaywitz, S. E., &  Shaywitz, B. A. ( 2001). Neuroimaging studies of reading development and reading disability. Learning Disabilities Research and Practice, 16(4), 240-249.
  13. 13.               Snowling , M. (1987). Dyslexia: A cognitive developmental perspective. Gomeh Scientific Publications.Cambridge.
  14. 14.               Snowling , M. (2001). From language to reading and dyslexia. Dyslexia, 7, 37-46.
  15. 15.               Stanovich, K. E. (1988). Explaining the differences between the dyslexic and garden – variety poor reader: The phonological – core variable – difference model. Journal of Learning Disabilities, 21(10), 590- 604.
  16. 16.               Steffler, J. D. ( 2001). Implicit cognition and spelling development. Developmental Review, 21, 168-204.
  17. 18.               Temple, C. M. (1986). Developmental dysgraphias. The Quarterly Journal of Experimental Psychology, 38a, 77-110.
17.               Taha, H. (2003). Reading and Spelling Errors Analysis of Native Arabic Dyslexic Readers, Unpublished M.A thesis, University of Haifa.
 

 

 

 

 

 

 

 

 

أرسلها إلى صديق