• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

الخدمات التربوية

الوظائف المعرفية :

1-                الوظائف المعرفية :

أ‌-        تعريف علم النفس المعرفي للوظائف المعرفية:

الوظائف المعرفية ،هي نشاطات معرفية،و عليه يعتبر علم النفس المعرفي النشاطات المعرفية عملية عقلية تستوجب تدخل شبكة من العصبونات، و لا يمكن ان نجد نشاط معرفي منفرد لوحده و إنما يعمل بتناسق مع مجموعة من العمليات العقلية ، فمثلا القراءة تعتبر نشاط عقلي يتطلب تدخل كل من الإدراك و الذاكرة لمعالجة المعلومات.

إذا فان الوظائف المعرفية هي مجموعة من النشاطات العقلية المتداخلة فيما بينها و المرتبطة يبعضها البعض، ارتباطا وثيقا، و التي تساعد الفرد على التكيف مع البيئة.

        ب - نمو الوظائف المعرفية :

تعتبر نظرية بياجيه، من النظريات الهامة في مجال النمو المعرفي، و التطور الفكري،و التي لاقت استحسانا ، من طرف العلماء في هذا المجال و تعتبر دراسة بياجيه متعمقة في مجال علم النفس المعرفي حيث وضع مراحل لنمو الوظائف المعرفية عند الطفل متناسقة مع بعضها البعض و لا نستطيع فصل مرحلة عن الاخرى ،فكل مرحلة تعتمد على سابقاتها ، و تؤثر فيها .

 ج - العوامل المؤثرة في النمو الوظائف المعرفية :

يرى بياجيه Piaget  ، بأن هناك أربعة عوامل تؤثر في نمو العمليات المعرفية و هي:

1-    النضج البيولوجي :

و هو مرتبط بتطور الغدد الصماء و الجهاز العصبي الذي يضع أمام الطفل إمكانيات جديدة للتعلم و اكتساب الخبرات .

2-    التجارب و المهارات المكتسبة :

و هذا العامل له اثر بالغ في تطور العمليات المعرفية ، فالتعلم و التدريب و المهارات التي يكتسبها الشخص خلال مراحل حياته يؤثر في تنسيق العمليات المعرفية و تطويرها .

 

 

3-    العوامل الاجتماعية :

إن الوسط الاجتماعي و التعزيزات التي يقدمها تساعد على تطوير العمليات المعرفية عند الفرد ، و إذا أخذنا اللغة مثلا فهي لها أهمية بالغة في نطاق العمليات المعرفية و في التواصل الاجتماعي .

4-    القدرة التنظيمية للبناءات الذهنية :

و هو ما يعرف بالتنظيم الذاتي ، باعتبار ان العمليات المعرفية تتجه دائما نحو التوازن ، و هي تنتقل من الانبناء البسيط إلى انبناء المنظم عن طريق مبدأ التعويض(غسان 1997 ص 150)

    مراحل النمو المعرفي عند بياجيه :

أ‌-       المرحلة الحسية الحركية من الميلادالى سنتين:

توافق هذه المرحلة نمو و تنسيق القدرات الحسية و الحركية لدى الرضيع ، تتميز بتمارين الافعال الحسية الحركية . فالذكاء الذي سوف يظهر في نهاية العام الاول ، راجع لحركية الاسكامات و هو مرتبط بالفعل فقط .

في نهاية العام الثاني تظهر التمثيلات العقلية التي تسمح للرضيع بالسلوك على اساس الفكر لا الفعل، و هي عملية استذخال الافعال.

ب‌-  مرحلة ما قبل العمليات من 2 حتى 7/8 سنوات :

هي مرحلة استذخال الفعل ، حيث يستعمل الطفل التمثيلات العقلية للإشارة الى الموضوعات او الظواهر التي واجهها ، و هذا رغم غيابها ، انها الوظيفة لرمزية ، اين يتعلم الطفل تحديد الدال و المدلول .

يبقى الطفل في هذه المرحلة سجين لرايه الخاص،حيث انه يجد صعوبة في الفصل على انه ليس الوحيد.

ج- مرحلة الذكاء المملموس 7/8 الى 11/12 سنة :

ان الحركية التطورية للهياكل الفكرية للطفل تقوده الى مجال اوسع ، اذ يصبح قادرا على العمليات العقلية ، اي الافعال المستدخلة . يستطيع الطفل التقدير انه بعد القيام بفعل ما، هناك فعل اخر يسمح بالرجوع الى الحالة الاصلية.

كذلك القدرة على فهم الموضوعات و تغييرها.تمس العمليات العقلية لهذا السن الادوات الملموسة التي تعد قاعدة التفكير .

د- مرحلة العمليات الشكلية من 11/12 الى 15/16 سنة :

يصل الطفل الى القدرة على التفكير ، ليس على أساس الأدوات الملموسة فحسب بل المحسوسة ايضا ، كالاقتراحات اللفظية او الاشارات الجبرية ،اذ يصبح قادر على الاستنباط.ويطور الطفل منطق شكلي ، بالتالي تفكير افتراضي استنتاجي ، يعني هذا ، القدرة على صياغة فرضيات و التحقق منها.

تكون التحولات في الفكر مع مرور السنوات ، بشكل تدريجي و ذلك في نطاق التبادلات اللا منتهية(استيعاب-ملائمة) بين الفكر و معطيات التجربة . ( الزيات،1996،ص 89/90/91 )

الخصائص المعرفية للتوحديين

 

يظهر أكثر من 70%من الأطفال التوحديين قدرات عقلية متدنية تصل أحيانا إلى حدود الإعاقة العقلية ، وتصل أحيانا أخرى إلى الإعاقة العقلية المتوسطة والشديدة ، وأن ما نسبته حوالي 10% منهم يظهرون قدرات مرتفعة فى جوانب محدودة مثل الذاكرة ، والحساب والموسيقى ، والفن أو يظهرون قدرات آلية متكررة بدون استيعاب ( جميل الصمادى ، 2007 ، ص 326 ) وتشير الدراسات والأبحاث إلى أن اضطراب النواحي المعرفية تعد أكثر الملامح المميزة للاضطراب التوحدى ، وذلك لما يترتب عليه من نقص في التواصل الاجتماعي ، ونقص في الاستجابة الانفعالية للمحيطين ( نصر، 2002 ،ص 29 )

 وحسب ما تشير بعض الدراسات فإن ثلاثة أرباع الأطفال التوحديين لديهم درجة من التخلف ، في حين أظهرت دراسات أخرى أن بعض الأطفال يتمتعون بدرجة المتوسطة من الذكاء ، وقد ذكر لويس مليكه( 1998 )، أن المستويات المعرفية للأطفال التوحديين تتراوح ما بين25% يعانون من توحد وتخلف عقلي شديد و50%يعانون من توحد ونسبة ذكاء حوالي 70 % في سلم وكسلر لقياس الذكاء .

وقد يظهر الأطفال التوحديين اضطرابات في الانتباه والنشاط الزائد والتشتت السريع وفقدان الاهتمام بالمهمات بعد وقت قليل من الانخراط  (Frith,2003,p33) .

وحيث إن الانتباه  والفهم والإدراك واللغة والتخيل من أهم الوظائف المعرفية التي يتأثر بها أداء الأطفال في حالة اضطرابها ، فإن الأطفال التو حديين يعانون من اضطرابات واضحة في التفكير  .

 )على أن الاطفال التو حديين يعانون من قصوروا في وظائف Elisabth D, 1991) وهذا ما أوضحته دراسة ، التفكير خاصة فقد الكلام ، وأيضا الاستجابات الفكرية غير المناسبة.

، فالطفل التوحدى يجد صعوبة كبيرة في الإدراك والتعرف على الأشياء المرئية ، فقد لايعرف الطفل منزله من على بعد ، ويكون التعرف على الموضوعات المتحركة أسهل و أسرع من التعرف على الأشياء الثابتة ، فقد يستطيع الطفل التوحدى التعرف على الحصان المتحرك الذي يراه في التلفزيون ولا يستطيع  التعرف على صورة الحصان في الواقع . (هدى أمين ، 1999،ص 49 ).

فيما يلي عرض لاهم الوظائف المعرفية اللتي تتاثر بوجود اضطراب التوحد:

1.الانتباه:

تمهيد :

يعد الانتباه عملية حيوية تكمن اهميتها في كونها احد المتطلبات الرئيسية للعديد من العمليات العقلية كالادراك و التذكر و التفكير و التعلم ، فبدون هذه العملية ربما لا يكون ادراك الفرد لما يدور حوله واضحا و جليا ، و قد يواجه صعوبة في عملية التذكر مما ينتج عنه الوقوع في العديد من الاخطاء ، سواء على صعيد عملية التفكير او اداء السلوك و تنفيذه .

لقد تنبه فلاسفة اليونان القدماء الى اهمية موضوع الانتباه على اعتبار انه عنصر هام في عمليات بناء المعرفة و تكوين محتويات العقل ، و قد اعتبروه تركيز العقل او عضو الحس في شيء معين .فنجد ارسطو في معرض حديثه عن الروح الحاسة و العقل يؤكد اهمية الحواس على اعتبارها نوافذ العقل التي يطل من خلالها على هذا العالم ، و يولي اهمية الى عنصر الانتباه على اعتباره تركيز العقل في الفكر ، فهو يفترض ان الافراد يولدون و عقولهم صفحة بيضاء " " تتشكل فيها الخبرات جراء تفاعلهم مع المثيرات و المواقف التي في بيئاتهم .و يرى ان هذه الخبرات هي بمثابة ارتباطات بين مثيرات و استجابات تتشكل وفقا لإحدى المباديء الثلاثة التالية و هي :

-  التجاور و التشابه و التنافر ، و مثل هذه الارتباطات تكون في بداية الامر بسيطة و قليلة العدد ، لكنها تزداد تعقيدا و عددا في ضوء فرص التفاعل المستمرة .

ان مثل هذه النظرة تطورت عبر العصور اللاحقة ، و يكاد يكون الفيلسوف الفرنسي ديكارت ممن اولى اهمية بالغة لموضوع اعضاء الحس و عمليات الانتباه في التحصيل المعرفي   فهو يرى ان الافراد يعملون على نحو آلي و يستثارون بالضوء و الصوت و غيرها من المؤثرات الاخرى ، بحيث تعمل اعضاء الحس على فتح مسام الدماغ

و اكد الفلاسفة الانجليز اصحاب اتجاه الفلسفة الترابطية امثال هربرت سبنسر و جون لوك و بركلي و غيرهم دور عملية الانتباه في التعلم .  

ففي هذا الصدد ، يرى سبنسر ان عقل الإنسان كالصلصال يمكن ان تنقش عليه الخبرات المختلفة وفقا لعمليات التفاعل الحسي المباشر مع البيئة ، بحيث يشكل الانتباه الحسي عنصرا بارزا في تشكيل هذه الخبرات .كما و يؤكد جون لوك فكرة الصفحة البيضاء للعقل الانساني التي تنطبع علها الاثار الحسية للأشياء اعتمادا على عامل الانتباه الذي يوليه الفرد لمثل هذه الاشياء اثناء تفاعلاته مع البيئة .

و يلاحظ انه بالرغم من اهتمام الفلاسفة بموضوع الاحساس و الانتباه في عمليات التكوين المعرفي ، الا ان التفسيرات التي قدموها لم تخضع لمناهج البحث العلمي الموضوعية ، اذ ان معظم هذه التفسيرات اعتمدت على الاراء الذاتية و مباديء الاستقراء و القياس . و نتيجة لانفصال العلوم عن الفلسفة و اعتمادها المنهج العلمي القائم على الملاحظة و التجريب في دراسة الظواهر الطبيعية ، داب بعض العلماء امثال جوستاف فنجر و غيرهم الى اخضاع بعض الظواهر النفسية كالاحساس و الانتباه الى التجريب ، و توصل الى قياس ما يسمى بعتبة الاحساس و الذي يتمثل بالحد الادنى لشدة المثير الذي يمكن لعضو الحس التاثر به (

و مع ظهور المدرسة البنائية في المانيا على يد عالم النفس وليم قونت و تاسيس اول مختبر في مجال علم النفس ، ازداد الاهتمام بدراسة الظواهر النفسية المختلفة ، و قد اعتمد في ابحاثه طريقة تحليل الخبرة الشعورية الى مكوناتها من خلال التامل الباطني ، او ما يسمى بالاستبطان . و رغم مساهماته في ظهور علم النفس كحقل مستقل ، الا ان اسلوبه المستخدم في دراسة الظواهر لم يكن موضوعيا كونه يخضع كثيرا الى الاراء الذاتية .

اهتمت المدرسة البنائية بموضوع الانتباه حيث اعتبره تيتشنر عملية اختيارية تعتمد على تركيز الوعي او الشعور بمثير او حدث معين دون غيره من المثيرات الاخرى. و اعتبر ان ادراك الخبرة يتغير تبعا لتغير الانتباه .فعلى سبيل المثال ، اذا تعرض الفرد الى مثيرين او حدثين معا بنفس الوقت ، فإدراكه يعتمد على درجة الانتباه التي يوليها لهما

و يعد  عالم النفس الامريكي وليم جيمس (1842-1910) من اوائل علماء النفس في العصر الحديث الذين اهتموا بدراسة عملية الانتباه بطريقة موضوعية على اعتبار انها احدى الظواهر النفسية الهامة في السلوك الانساني ، فهو يرى ان كل ما ندركه او نعرفه او نتذكره ما هو الا نتاج لعملية الانتباه. و قد نظر الى الانتباه على انه عملية تركيز الوعي او الشعور على الاحساسات الناتجة بفعل المثيرات الخارجية ، او تلك الصادرة من داخل الفرد . و قد اكد جيمس على سعة الانتباه المحدودة للفرد حيث لا يمكن للفرد ان يوزع انتباهه الى اكثر من ىمثير واحد في الوقت نفسه الا في حالة كون احدها مالوفا او اعتياديا بالنسبة له و لعل اهم اسهامات جيمس بهذا الشان ، هو توجيه اهتمام علماء النفس الى موضوع الانتباه و اهميته في الحياة العقلية بالنسبة للافراد.

و يؤكد جيمس ان الانتباه عملية وظيفية تتمثل في التركيز في مثير معين دون غيره من المثيرات ، بحيث يتم اختياره على نحو شعوري او غير شعوري ، و قد ميز بين نوعين من الانتباه : الانتباه المرتبط بالمثيرات الحسية و الذي يتمثل في تركيز عضو الحس على الانطباعات الحسية ، و الانتباه المرتبط بالعمليات العقلية المتمثل في تركيز التفكير او العقل في ما نحن بصدد التفكير فيه .

و يكاد يكون عالم النفس البريطاني برودينت الذي الف كتابا بعنوان الادراك و الاتصال ، اكثر العلماء المحدثين اهتماما بموضوع الانتباه ، فهو يرى ان الانتباه هو بمثابة محصلة الطاقة المحدودة لنظام معالجة المعلومات . ففي نظريته حول الانتباه و التي تعد من اولى النظريات بهذا الشان ، يرى ان العالم المحيط بنا يتالف من الاف الاحاسيس التي لا يمكن معالجتها معا في منظومة الادراك المعرفية ، الامر الذي يدفعنا الى توجيه الانتباه الى بعضها و اهمال بعضها الاخر ، لذلك اقترح برودبنت فكرة وجود المرشح الذي يعمل كحاجز اثناء مراحل معالجة المعلومات بحيث يسمح بالانتباه لبعض المعلومات و اهمال بعضها الاخر .

 

( Bandura , 2006 , p 198 )

طبيعة عملية الانتباه :

تتعدد وجهات النظر حول طبيعة الانتباه و خصائصه المميزة بحيث يمكن ابراز الخصائص التالية للانتباه:

اولا : ينظر الى الانتباه على انه عملية اختيار تنفيذية لحدث او مثير و التركيز فيه ، و ليس باعتباره احد مكونات الذاكرة الهيكلية ، فهو يمثل العملية التي يتم من خلالها اختيار بعض الخبرات الحسية الخارجية او الداخلية و التركيز فيها من اجل معالجتها في نظام معالجة المعلومات . 

ثانيا : ينظر الى الانتباه على انه عملية شعورية في الاصل تتمثل في تركيز الوعي او الشعور في مثير معين دون غيره من المثيرات الاخرى ، و الانتباه اليه على نحو انتقائي ريثما تتم معالجته ، و يمكن لعملية الانتباه ان تصبح عملية لا شعورية (اوتوماتيكية) في حالة الممارسة المكثفة لبعض المثيرات و المواقف ، او في حالة المثيرات او العمليات المالوف.

فالانتباه عملية اختيارية قد تكون مقصودة او غير مقصودة ,على سبيل المثال فالانتباه القصدي يحدث عندما يتم اختيار مثير معين على نحو مقصود و التكيز فيه (كالاستماع الى اغنية مثلا ) بحيث يتم هنا استثناء او كبح الانتباه الى اية مصادر اخرى ، في حين الانتباه غير المقصود يحدث على نحو لا ارادي كالاستجابة الى مثير خارجي او داخلي على نحو مفاجيء مثل الانتباه الى صوت مرتفع او رائحة شديدة او ضوء مبهر و غيرها .

لقد اظهرت نتائج دراسات جاكوبي وينلينز و جيننجز ان الانتباه يكون في الاصل موجها نحو مثيرات محددة و يتطلب التركيز ، و لكن بالممارسة و التدريب المكثف يصبح عملية اوتوماتيكية لا تتطلب التركيز على بعض المواقف ، و يظهر هذا واضحا لدى الافراد الاكثر تقدما في العمر ، في حين ان الاطفال و الافراد الاقل عمرا يعتمدون غالبا على عمليات الانتباه المركزة المكثفة.

لقد اظهرت نتائج دراسات شنايدر و فسك  و شنايدر و شيفرن و شيفرن و دوميس و غيرهم في مجال الانتباه البصري ان المهمات التي يتم ممارستها بشكل جيد لا تتطلب الانتباه المركز بحيث يتم معالجتها على نحو اوتوماتيكي ( لا شعوري ) في حين ان المهمات الجديدة و غير المالوفة تتطلب الانتباه و التركيز اثناء المعالجة . فعلى سبيل المثال من السهل استرجاع و تذكر الاشياء الموجودة في الشارع الذي تقطن به نظرا لانه مالوف بالنسبة لك ، بحيث لا يتطلب الامر تركيز الانتباه لموجوداته ، في حين ادراك الاشياء في شارع تمر به لمرة واحدة يتطلب مزيدا من توجيه الانتباه و تركيزه .

ثالثا :

هناك من ينظر الى الانتباه على انه مجهود " او حالة استثارة " " تحدث عندما تصل الانطباعات الحسية عبر الحواس الى الذاكرة الحسية .و يستند هؤلاء الى فكرة ان الفرد عندما يقوم ببعض الانشطة التي تتطلب تركيز الانتباه مثل العمليات الحسابية او قيادة السيارة او المناقشة او السباحة و غيرها من الانشطة ، غالبا ما يبذلون مجهودا عقليا يترافق بتغيرات فسيولوجية و ذلك كما تقيسه المقاييس الخاصة بذلك .ففي التجارب الشهيرة التي اجراها كاهنمان و بيتي و واجنر  و التي استخدموا فيها ادوات لقياس قطر بؤبؤ العين كدلالة على الانتباه اثناء الانشغال في عملية عقلية ، اظهرت نتائجها ان قطر العين يتوسع اثناء تركيز الانتباه على المهمات ، و يزداد توسعا كلما كانت المهمات المطلوبة التركيز فيها تتطلب عمليات عقلية اكثر تعقيدا ، اي المهمات الأكثر صعوبة . ( الفقي ,  1995ص  95

التداخل في عملية الانتباه :

 هناك بعض العلماء لا يعطون اهمية لمسالة اعتبار الانتباه على انه طاقة او سعة محدودة توجه نحو مثير او مهمة معينة في وقت ما ، و انما يؤكد هؤلاء على عملية التداخل التي تحدث اثناء توجيه الانتباه

و يتناول هؤلاء العلماء موضوع الانتباه بدلالة عملية التداخل التي تحدث بين مهمتين اثناء تنفيذ احداهما . فمثلا عند انشغال الفرد في الانتباه الى المهمة(أ) فوجود المهمة (ب) ربما يؤدي الى حدوث تداخل في الانتباه لهاتين المهمتين ممثلا في احدى الاحتمالات التالية :

الاستمرار في الانتباه الى المهمة(أ) مع اعطاء قليل من الانتباه الى المهمة (ب).

توزيع الانتباه بين المهمتين مما يؤدي الى سوء في تنفيذهما.

الاستمرار في الانتباه الى المهمة(أ) و كبح الانتباه الى المهمة (ب) او تجاهلها .

التحول في الانتباه الى المهمة (ب) و كبح الانتباه الى المهمة (أ).

و يرى مثل هؤلاء العلماء انه في حالة تنفيذ المهمتين (أ) و (ب) معا في الوقت نفسه ، فهذا يعني ان احدى هاتين المهمتين تمت معالجتها على نحو اتوماتيكي (لا شعوري) حيث انها لا تتطلب الانتباه .و لكن في تنفيذ احداهما على نحو فعال و الاخرى بشكل سيء ، فهذا يشير الى ان احداهما استحوذت على الانتباه، في حين ان الاخرى لم يتم الانتباه لها بشكل جيد ، مما يشير الى حدوث التداخل في عملية الانتباه.  ( Bandura , 2006 , p 198 )

هناك نوعان من التداخل يؤثران في عملية الانتباه و هما :

التداخل التنظيمي:

 و يحدث مثل هذا النوع بين المعلومات الواردة من خلال اكثر من عضو حس واحد ، و مثال ذلك الكتابة في احدى الايدي و ادارة قرص التلفون في اليد الاخرى .و قد يحدث هذا النوع على مستوى عضو الحس الواحد كاستخدام اليد الواحدة في اكثر من مهمة او تركيز حاسة البصر على اكثر من شيء في نفس الوقت .

اماالنوع الثاني من التداخل فهو المرتبط بسعة الانتباه و المتمثل في صعوبة التركيز العقلي على تنفيذ مهمتين بنفس الوقت.و قد يحدث هذان النوعين من التداخل في تنفيذ الكثير من المهمات مثل استخدام التلفون اثناء قيادة السيارة ، او الانشغال في حل مسالة رياضية و تجاذب اطراف الحديث مع صديق (Achim et chevalier , 2006, p130)

نظريات الانتباه :

تختلف النظرة الى موضوع الانتباه من حيث كونه قدرة ذات سعة محدودة و من حيث دوره في مراحل بناء المعلومات و معالجتها ، اذ ان هناك مجموعة من النظريات بهذا الشان و التي تتلخص بالاتي :

أولا : مجموعة نظريات الانتباه احادية القناة – نظريات المرشح –

  و تتفق هذه النظريات حول عدد من المسائل و التي تتمثل بما يلي :

اولا : ان المعلومات اثناء معالجتها تمر في عدد من المراحل و هي :

1-    مرحلة التعرف: و تشمل عمليتي:

                        ـ الاحساس و الادراك .

2-    مرحلة اختيار الاستجابة.

3-    مرحلة تنفيذ الاستجابة.

ثانيا : ان الانتباه طاقة احادية القناة :

لا يمكن توجيهها الى اكثر من مثيرين او عمليتين بالوقت نفسه ، فهي طاقة محددة السعة يتم تركيزها على مثير معين دون غيره من المثيرات الاخرى .

ثالثا : ان هناك مرشحا يعمل كستارة يسمح لمعالجة بعض المعلومات من خلال تركيز الانتباه عليها ، و يمنع بعضها الاخر من المعالجة لعدم الانتباه اليها .

 

 

و بالرغم من اتفاق هذه النظريات حول المسائل السابقة ، الا انها تختلف فيما بينها حول مكان وجود المرشح ، فنجد ولفورد يفترض في نظريته ان المرشح يوجد في مرحلة الاحساس ، حيث يتم اختيار مثير دون غيره من المثيرات الاخرى ليتم الانتباه اليه ريثما تتم معالجته ، و يؤكد ان جميع مراحل المعالجة اللاحقة تتطلب تركيز الانتباه .

اما النظريات الاخرى كنظرية برودبنت(1958) و دوتشدوتش (1963) و كيلي (1973) و كر(1973) و نورمان (1969)و تيريزمان(1969) فهي ترفض فكرة ان جميع المراحل تستدعي تركيز الانتباه و تفترض ان المراحل الاولى من معالجة المعلومات تتم دون الحاجة الى تركيز الانتباه ، في حين تتطلب المراحل اللاحقة مزيدا من الانتباه.و تؤيد هذه النظريات فكرة المعالجة المتوازية لعدد من الانطباعات الحسية في المراحل الاولى من المعالجة دون حدوث اي تداخل فيما بينها ، و لكنها تختلف في اي من المراحل اللاحقة التي يحدث التداخل فيها ، و التي تستدعي الانتباه الى مثير معين دون غيره .لذا تفترض هذه النظريات ان المرشح يوجد في مرحلة لاحقة من معالجة المعلومات ، بحيث يسمح لمعالجة بعض المعلومات و يكف عن معالجة بعضها الاخر  ريثما يتم الانتهاء من معالجة الاولى و ذلك حتى يتسنى معالجة المعلومات اللاحقة حسب تسلسل معين .

يقترح (برودبنت) ان مكان وجود المرشح في مرحلة الادراك (التمييز) و ما بعدها من المراحل حيث انها تتطلب الانتباه ، اما (دوتش دوتش و نورمان) فيروا ان مرحلة التعرف تتم على نحو اوتوماتيكي حيث لا تتطلب الانتباه ، و ان وجود المرشح يقع في المراحل التي تأتي بعد هذه المرحلة ، في حين نجد ان (كيلي) يرى ان المرشح يوجد في مرحلة اختيار الاستجابة و ما بعدها .

بالرغم من ان النظريات السابقة اعتبرت الانتباه طاقة محدودة السعة توجه نحو مثير معين من خلال وجود مرشح يتحكم بهذه العملية ، الا انها لم تحدد الالية التي من خلالها يعمل هذا المرشح ، بحيث يسمح بمعالجة بعض المعلومات دون غيرها من المعلومات  الاخرى  ، و هذا يعد بمثابة الانتقاد الرئيسي الذي وجه الى هذه النظريات . ( Bandura , 2006 , p 198

ثانيا : نظرية التوزيع المرن لسعة الانتباه

تختلف هذه النظرية مع النظريات السابقة من حيث اعتبار الانتباه سعة محدودة توجه الى مثير او عملية في وقت معين و تحجب عن غيره من المثيرات الاخرى . يفترض (كاهنمان) ان سعة الانتباه يمكن ان تتغير على نحو مرن تبعا لتغيرات متطلبات المهمة التي نحن بصدد الانتباه اليها .ففي الوقت الذي ينتبه فيه الفرد الى مهمتين مختلفتين فان سعة الانتباه يمكن ان تتغير في تذبذب مستمر تبعا لتغير مطالبهما ، فقد يزداد الانتباه الى احدهما نظرا لزيادة صعوبة مطالبها في الوقت الذي يقل الانتباه الى الاخرى مع عدم تجاهلها كليا . و يؤكد كاهنمان ان الانتباه بالرغم من تغيره بين المهمة الاولى و الاخرى ، فهو يستمر على نحو متواز خلال جميع مراحل المعالجة . و يرى ايضا انه في حالة زيادة متطلبات احدى المهمات بحيث تستوجب الطاقة العليا من الانتباه ، فان التداخل يحدث بحيث يكف الانتباه عن الاخرى .

و اعتمادا على وجهة النظر هذه ، فان الانتباه يمكن توزيعه على نحو مرن الى عدة مهمات او عمليات بالوقت نفسه ، و ذلك اعتمادا على اهميتها و صعوبتها النسبية بالإضافة الى عوامل أخرى تتعلق بالموقف او ترتبط بالشخص ذاته . فعملية التحول في الانتباه و اعادة توزيعه في عدة قنوات تؤيده ايضا نظريات اخرى مثل نظرية نورمان و بوبرو و بسنر و سنيدر و نوفان و جوفر (البطانية و اخرون،2005،ص47 ).

ثالثا : نظريات الانتباه متعدد المصادر

تفترض هذه النظريات ان الانتباه يجب ان لا ينظر اليه على انه عبارة عن مصدر او طاقة محدودة السعة (احادي القناة )  و انما مصادر متعددة القناة لكل منها سعة معينة و مخصصة لمعالجة نوع ما من المعلومات .

و حسب هذه النظريات ، فان الانتباه يمكن توجيهه الى اكثر من مصدر من المعلومات المختلفة ، و يستمر خلال مراحل معالجة المعلومات دون اي تداخل فيما بينها ، او تأثر مستوى الانتباه الموجه اليها .

ينتقد نيومان (مجموعة النظريات التي تعتبر الانتباه على انه طاقة او مصدر محدد السعة ، بل يفترض ان اختيار النشاط او الفعل هو الالية الاساسية في عملية الانتباه و في توجيهه فهو يفترض ان الفرد يحدد انتباهه في اية لحظة من اللحظات من اجل تحقيق هدف ( يركض ، يقرا ،او ينظر الى شيء او يستمع الى الى صوت مثلا ) و يرى ان الفرد في اي لحظة من اللحظات يستقبل العديد من المنبهات الحسية ، او يواجه عدة مثيرات معا ، و لكن المحصلة النهائية للانتباه تتوقف على اختيار الفعل المناسب . و بناءا على عملية الاختيار يتم كبح العديد من العمليات الاخرى نظرا لتوجيه الانتباه الى فعل اخر ، بحيث ينتج  عن ذلك صعوبة في ادراك و تنفيذ المهمات الاخرى ، في حين يتم اداء الفعل او المهمة التي تم توجيه الانتباه اليها على نحو سهل . و يرى نيومان  ان التداخل في الانتباه بين مهمتين لا يحدث بسبب ان الانتباه طاقة محدودة السعة ، و انما بسبب عملية اختيار الفعل المنوي تنفيذه او القيام به . و يرى ان اختيار الفعل لتوجيه الانتباه اليه يعتمد على مدى اهمية هذا الفعل و الحاجة الى تنفيذه .

( انيس، 2003،ص، 89)

العوامل التي تؤثر في الانتباه :

يتاثر الانتباه بعدد من العوامل التي تحد من قدرة الفرد على التركيز و بالتالي تنفيذ المهمات التي هو بصدد القيام بها ، و يمكن اجمال هذه العوامل في مجموعتين ، مجموعة العوامل المرتبطة بالفرد ، و الاخرى تلك التي ترتبط بخصائص الموقف او المثير .

اولا : مجموعة العوامل المرتبطة بالفرد و تشمل ما يلي :

ـ الحالة الانفعالية و المزاجية التي يمر بها الفرد : ان مثل هذه العوامل غالبا ما تصرف انتباه الفرد سواء عن المثيرات الخارجية او عن عملية التفكير بحد ذاتها. فمثل هذه الحالات عادة تستنزف انتباه الفرد و تفكيره .فالفرد الذي يعاني من مزاج سيء او متقلب او يعاني من حالة التوتر النفسي او الالم الشديد تتاثر درجة انتباهه الى المنبهات الاخرى .

ـ الحاجات و الدوافع الشخصية : ان وجود دوافع ملحة بحاجة الى الاشباع غالبا ما تصرف انتباه الفرد عن العديد من المنبهات و المؤثرات الاخرى .فالجائع مثلا يركز جل اهتمامه على الكيفية التي من خلالها يشبع هذا الدافع مهملا في الوقت نفسه المنبهات الاخرى ، كما ان وجود دافع لدى الفرد لتحقيق غاية او هدف تجعله يركز طاقته الانتباهية الى تحقيق هذا الهدف او الغاية .

ـ التوقع : يوجه الفرد في الغالب انتباهه الى المثيرات المرتبطة بالتوقع و ذلك عندما يتوقع حدوث شيء ما ، و هو بذلك يهمل المنبهات الاخرى و لا يعطيها القدلر الكافي في الانتباه .

ـ القدرات العقلية و لا سيما الذكاء : تزداد قدرة الفرد على الانتباه و التركيز بالرتفاع القدرات العقلية لديه و تحديدا بارتفاع نسبة ذكائه .

ـ الاختلافات البينية التي ترتبط بالجنس و الميول و الاهتمامات و الثقافة السائدة و نوع المهنة : فغالبا ما يختلف الانتباه لدى الافراد باختلاف العوامل السابقة

ثانيا : مجموعة العوامل المرتبطة بالمثير او الموقف و تشمل ما يلي :

الخصائص الفيزيائية للمثير او الموقف: كاللون و الشكل و الحجم و الشدة و الموقع بالنسبة للخلفية التي يقع عليها المثير : فالمثيرات التي تمتاز بشدة عالية غالبا ما تجذب الانتباه اكثر من المثيرات الضعيفة . فعلى سبيل المثال الاصوات العالية تحتل بؤرة الاهتمام اكثر من الاصوات الخافتة ، كما ان الضوء الشديد يجذب الانتباه اكثر من الضوء الخافت ، و الالوان الزاهية تجذب الانتباه اكثر من الداكنة ، و الروائح الشديدة تنال اهتمام الافراد اكثر من الروائح الاعتيادية . و في اغلب الحالات ،عندما يقع المثير على خلفية متجانسة يصعب تمييزه و يكون الانتباه له اقل مما  لو وقع على خلفية مختلفة ، فمثلا وجود رجل في صورة بين مجموعة من النساء يجذب الانتباه اليه اكثر مما لو كان ضمن صورة تحوي رجالا .

ـ التباين او التغاير في شدة المثير : ان المثيرات التي تمتاز بشدة معينة و متجانسة لا تجذب الانتباه لها ، فمثلا المثيرات التي تسير حسب وتيرة ثابتة غالبا ما تؤدي الى الملل و عدم الانتباه اليها و لكن التغاير او التذبذب في شدتها يعمل على جذب الانتباه اليها ، ففي اغلب الحالات لا ننتبه الى صوت محرك السيارة اثناء القيادة عندما يكون صوته منتظما و لكن سرعان ما يجذب انتباهنا  عندما يتغير .

ـ الجدة و الحداثة و الغرابة في المثيرات : ان المثيرات المالوفة لا تجذب الانتباه اليها و ذلك بسبب ان الفرد اصبح معتادا عليها ، في حين ان المثيرات الجديدة او غير المالوفة سرعان ما تحتل بؤرة اهتمام الفرد .

ـ الممارسة و التدريب : ان عملية التدريب على توزيع الانتباه الى اكثر من مثير شانه ان يؤدي الى تنفيذها معا ، حيث ان احدهما ربما يتم تنفيذه على نحو اوتوماتيكي و باقل قدر من الانتباه. . ( انيس 2003ص90 )

ولكى نتعلم شيئا يجب أن ننتبه إليه وأن ندركه
لذلك هناك علاقة وثيقة بين الانتباه والادراك بشخصية الفرد وتوافقه الاجتماعى ، فهما عمليتان متلازمتان :
* الانتباه : هو تركيز الشعور فى شيئ.
* الادراك : هو معرفة هذا الشيئ .
- فالانتباه يسبق الادراك ويمهد له أى يهيئ الفرد للادراك .
- قد ينتبه مجموعة من الناس لشيء واحد ، لكن يختلفون في إدراكه تبعا لاختلاف ثقافاتهم وخبراتهم السابقة ووجهات نظرهم وذكائهم ودوافعهم .

أنواع الانتباه :

يقسم الانتباه من حيث مثيراته إلى ثلاثة أنماط :

1 – الانتباه القسري :هو الانتباه للمثير الذي يفرض نفسه رغما عن إرادة الفرد . مثل طلقة المسدس ، والضوء الخاطف.

2 – الانتباه التلقائي : هو انتباه الفرد لما يهتم به ويميل إليه ،وهو لا يحتاج إلى بذل مجهود في سبيله .

3 – الانتباه الإرادي : هو الذي قد يقتضي من المتنبه بذل جهد قد يكون كبيرا مثل الانتباه لمحاضرة أو حديث جاف أو ممل . ( عبد الحميد، ص 23،2003

مشتتات الانتباه :

1 - العوامل الجسمية : كالتعب والمرض وعدم النوم .

2 – العوامل النفسية : فهناك شرود ذهني يختص بمواقف معينة  نتيجة عدم اهتمام الطالب بالمادة ،وهناك شرود ذهني متواصل ينتج عن أفكار وسواسية تفرض نفسها على الفرد .

3 – العوامل الاجتماعية : ويختلف تأثيرها على الفرد باختلاف قدرته على التحمل والصمود ، مثل نزاع بين الوالدين أو صعوبات مالية .

4– العوامل الفيزيقية : عدم كفاية الإضاءة والتهوية ،وارتفاع درجة الحرارة والرطوبة ،و الضوضاء  (Bruneau , 2004, P235 )  

الانتباه لدى أطفال التوحد
أن ضعف الانتباه يكون احد المشكلات الأساسية لدى أطفال التوحد بل هو الشغل الشاغل للقائمين على تعليمه وإكسابه المهارات الحياتية والانتباه من المشكلات المتعددة الأبعاد والأوجه ,والعلاقة وثيقة بين عدم مقدرة المعلمين والقائمين على تعليم الطفل التوحدى,ومبادئ تعليم المفاهيم الحسابية والنطقية بسبب صعوبات الانتباه والصعوبات الإدراكية عموماً.
مما لا شك فيه أنه لتحسين حالة الطفل التوحدي لابد من التدخل المبكر من خلال استخدام برامج علاجية تستخدم استراتيجيات تعمل على تعلم وتحسين ونمو العديد من المهارات وإكسابه بعض السلوكيات التي تساعد على أن يستمر نمو الطفل بشكله الطبيعي كما ينبغي أن يسير. ويجب أن تتضمن تلك المهارات مهارات تحسين الانتباه، ومهارات لتحسين مستوى التفاعلات الاجتماعية، ومهارات تحسين التواصل، ومهارات تحسين المستوى اللغوي، والإقلال أو الحد من السلوكيات النمطية غير المرغوبة.
ونظراً لأن ضعف الانتباه كما أكدت كريستنا وآخرون (2003) عامل أساسي في حدوث كافة أوجه النقص والعجز في اللغة واللعب والتطور الاجتماعي لدى الأطفال التوحد وجدوا أنه من الضروري استخدام استراتيجيات تدخل لتحسين الانتباه. وحددوا السلوكيات المستهدفة التي يمكن من خلالها تحسين الانتباه وهى : الاستجابة للإشارات، تحويل النظر – التركيز بالبصر المتناسق، الإشارة بهدف المشاركة وليس طلب السؤال، كما أوضح إيملى وادوارد أن الانتباه يلعب دوراً بالغ الأهمية في النمو الاجتماعي واللغوي لدى الأطفال التوحد، ولذلك فمن الضروري أن ننمى هذه المهارة من خلال التدخل المبكر ودعم الانتباه. .(Bruneau, 2004, p103 )

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2.الإدراك

تمهيد:

 يحتل موضوع الإدراك أهمية كبرى لدى المختصين بالدراسات النفسية عموما و المهتمين بعلم النفس المعرفي على وجه الخصوص ، فهو يمثل العملية الرئيسية التي من خلالها يتم تمثل الأشياء في العالم الخارجي و اعطائها المعاني الخاصة بها .فالإدراك عملية معرفية تمكن الافراد من فهم العالم الخارجي و إعطائها المعاني الخاصة بها .فالادراك عملية معرفية تمكن الافراد من فهم العالم الخارجي المحيط بهم و التكيف معه من خلال اختيار الأنماط السلوكية المناسبة في ضوء المعاني و التفسيرات التي يتم تكوينها للأشياء .و هو بمثابة عملية تجميع الانطباعات الحسية المختلفة عن العالم الخارجي و تفسيرها و تنظيمها في تمثيلات عقلية معينة ليتم تشكيل خبرات منها تخزن في الذاكرة ،بحيث تشكل نقطة مرجعية للسلوك او النشاط يتم اللجوء اليها خلال عمليات التفاعل مع العالم الخارجي.

1 تعريف الادراك :

تشترك غالبية تعريفات الادراك على اعتباره عملية تحويل الانطباعات الحسية الى تمثيلات عقلية معينىة من خلال تفسيرها و اعطائها المعاني الخاصة بها .

و من التعريفات المتعددة للادراك ما يلي :

1-    الادراك : عملية تحويل الانطباعات الحسية و تحويلها الى صورة عقلية Conn) 1986)

2-    الادراك :عملية تفسير و فهم للمعلومات الحسية (Ashcraft .1989)

3-     الادراك : عملية تفسير المعلومات التي تاتي بها المجسات الحسية levin et shefner 1981)

4-    الادراك : عملية التوصل الى المعاني من خلال تحويل الانطباعات الحسية التي تاتي بها الحواس عن الاشياء الخارجية الى تمثيلات عقلية معينة ، و هي عملية لا شعورية و لكن نتائجها شعورية Guenter 1998  ( الزغلول,1999,ص 111)

-          الاحساس و الادراك

لا يمكن الحديث عن عملية الادراك بمعزل عن عملية الإحساس ، حيث يرتبط الإدراك ارتباطا وثيقا بالإحساس . و هذا لا يعني تحديدا انهما عملية واحدة ،اذ توجد بعض الفروق بين هاتين العملتين .فالاحساس عملية فيزلوجية تتمثل في استقبال الاثارة الحسية من العالم الخارجي و تحويلها الى نبضات كهروعصبية في النظام العصبي ،في حين الادراك هو عملية تفسير لهذه النبضات و اعطائها المعاني الخاصة بها .

 فالادراك عملية نفسية لها بعدان :بعد حسي يرتبط بالاحساس من جهة ، و بعد معرفي يرتبط بالتفكير و التذكر من جهة اخرى .اذ ان تفسير الانطباعات الحسية يعتمد على الخبرات المخزنة في الذاكرة ، فعندما نقول هذه وردة حمراء فمثل هذا المعنى او التفسير جاء اعتمادا على الخبرات المخزنة سابقا لدينا و الملرتبطة باللون و الشكل . و هكذا يمكن القول بان الاحساس هو الوعي او الشعور بوجود الشيء من خلال الاثارة القادمة عبر المجسات الحسية ، في حين ان الادراك هو المعنى او التفسير الذي يعطي لمثل هذه الاثارة اعتمادا على الخبرة السابقة .

   و لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل بالضرورة ان يكون الادراك دائما مراة يعكس الواقع ؟ اي هل يعتمد الادراك دائما على الاحساس ؟.بالرغم من ارتباط الادراك دائما بالاحساس في الكثير من الحالات ، الا انه في حالات اخرى لا يرتبط ادراكنا للاشياء بعملية الاحساس بها .فعلى سبيل المثال ،الطاقة المنبعثة من بعض الاشياء كالاشعة فوق البنفسجية ، او تحت الحمراء ، و الامواج الكهرومغنا طيسية و اصوات الاسماك و بعض الحشرات و الطيور لا يمكن لحواسنا التاثر بها او استقبالها ،و لكن يمكن ادراكها و تشكيل صور ذهنية لها.كما يمكن للجهاز العصبي ادراك العديد العديد من المنبهات رغم عدم وجودها او الاحساس بها.

و لتوضيح الفرق بين عملية الاحساس و الادراك بشكل واضح وجلي ، يمكن ايراد المثال التالي : تخيل انك تنظطر الى الشجرة على بعد ثلاثة امتار ، ثم على يعد ستة امتار ، فسوف تلاحظ ان الخيال الواقع على الشبكية (صورة الشجرة) لا يتاثر باختلاف هذه المسافة .فعلى ارتفاع معين على سطح الارض اثناء الركوب في الطائرة يمكن تمييز و ادراك المباني و الشوارع و بعض المعالم الاخرى بالرغم من كونها تبدو صغيرة الحجم .

 و عليه يمكن القول ان الاحساس هو بمثابة تشكيل تصور او انطباع حسي ، في حين ان الادراك هو تفسير لهذا الانطباع و اعطاءه المعنى الخاص به . ( الزغلول,1999,ص 112)

وجهات النظر حول الادراك

تختلف النظرة الى طبيعة الادراك من حيث اعتباره عملية مباشرة ، او عملية معالجة داخلية ، حيث يوجد وجهتا نظر مختلفتين في هذا الشان و هما :

اولا : وجهة النظر البيئية :

يعد كل من جبسن gibson ،1979 و تورفي وريد ميس turvey .show.reed et mace 1981 من اكثر المدافعين عن وجهة النظر هذه .حيث ينظر هؤلاء الى الادراك على انه عملية مباشرة  لا شعورية تعتمد بالدرجة الاولى على خصائص الاشياء الموجودة في العالم الخارجي و التي تزودنا بها الطاقة المنبعثة عنها. فالاثارة الحسية التي تحدثها الطاقة المنبعثة عن الاشياء فيها من الخصائص ما يكفي لتمييزها و التعرف عليها دون الحاجة لتدخل النظام الادراكي percptual System  الى اجراء عمليات داخلية توسيطية intervening process عليها .فالضوء المنعكس عن الشيء الخارجي مثلا فيه من الخصائص و المعلومات ما يكفي الى تمييز هذا الشيء .و التعرف عليه دون الحاجة الى اجراء عملية التحليل الداخلي لهذه الاثارة

و حسب وجهة النظر هذه ،فان النظام الادراكي لدينا سلبي تتمثل مهمته في التقاط خصائص الاشياء و الحوادث الخارجية و تجميعها تماما كما يتم التزود بها من خلال المجسات الحسية دون ان يجري عليها اية تحويلات او معالجات . ومن هذا المنطلق ،فان دراسة الادراك تتطلب دراسة طبيعة المثيرات الخارجية التي تتفاعل معها ، لان مثل هذه الخصائص هي التي تعطي هذه المثيرات المعاني الخاصة بها .

تؤكد وجهة النظر هذه النظر هذه ان الخطأ في الإدراك يرجع بالدرجة الأولى الى عدة عوامل منها ما يرتبط بخصائص الأشياء ،في حين البعض الأخر يرتبط بخصائص الفرد .فقد يرجع الخطأ في الإدراك إلى غموض الأشياء في الخارج و عدم وضوحها ، او لعدم وجود معلومات كافية عنها ، او ربما يرجع الى عوامل شخصية مثل التوتر و التعب و الحاجات و القابليات .( الزيات,1998,ص123).

لقد اطلق جبسن علي مجموعة المظاهر المميزة للاشياء الخارجية اسم (affordances) حيث يتوقف عليها اعطاء المعاني المناسبة لها .ويري ان النظام الادراكي يحدد الانتباه الى هذه الخصائص اعتمادا على الاستخدامات التي من اجلها وضع المثير او المنبه.

لقد ايدت بعض التجارب مثل (1973.cooper &shepard ) وجهة النظر البيئية للادراك وهي ما تعرف بتجارب التدوير العقلي (rotation mental) التى فيها يعرض علي الافراد اولا شكل في وضع معين (A)وهو يمثل المثير الهد (target stimulus) ثم يعرض عليهم مجموعة اشكال مماثلة ولكن باوضاع مختلفة (AAA) ويطلب منهم الحكم ما اذا كانت هذه الاشكال مماثلة للشكل الهدفي .

اظهرت النتائج ان الافراد تمكنوا من الحكم علي ان هذه الاشكال باوضاعها المختلفة هي مماثلة للشكل الهدفي وهذا مايشير الي ان الافراد عادة ما يلجاون الى اعادة تكييف صورة الشى الخارجي لياخذ الوضع المدرك سابقا لهذا الشكل.وهذه العملية تتم من خلال الية داخلية تعرف بالتدوير العقلي لصورة الشى ومن الجدير ذكره ان هذه العملية تستغرق زمنا بحيث يزداد زمن تنفيذها بازدياد زاوية التدوير المطلوب احداثها وذلك اعتمادا على الوضع الذي يتخذه الشكل الخارجي . ( الزغلول,1999,ص 121).

ثانيا:وجهة النظر البنائية Constructed perspective

تؤكد وجهة النظر هذه الطبيعة البنائية للادراك ، حيث تفترض ان الادراك عملية تقدير تخمينية computational process  للاشياء و ليست مجرد عملية مباشرة تقوم على التقاط الخصائص التي تزودنا بها الطاقة المنبعثة على الاشياء .و يعد العالم الالماني هيرمان هلمهولتر 1966-1962 الذي اشتهر في القرن التاسع عشر من اوائل المدافعين عن وجهة النظر هذه.

كما يعد كل من مار و اتلسون و سانترل و بست من المؤيدين ايضا لوجهة النظر هذه .

تؤكد وجهة النظر هذه الطبيعة النشطة لنظامنا الادراكي ، فهو يعمل على تعديل الانطباعات الحسية عن الاشياء الخارجية من اجل تقديرها و تفسيرها. 

فالإنطباع الحسي يخضع إلى عملية معالجة داخلية ، تعتمد على استخدام مصادر إضافية من المعلومات غير تلك التي يتم التزود بها من خلال المجسات الحسية(Lindsy & Norman , 1977)، ومثل هذه المعلومات يتم التزود بها من خلال النظام الإدراكي اعتماداٌ على طبيعة العمليات المعرفية المستخدمة في المعالجة والخبرات السابقة المخزنة في الذاكرة.

فالإدراك يعتمد على مجموعة واسعة من المعلومات بعضها ما يقع ضمن نطاق الإحساس، في حين بعضها الآخر يقع خارج نطاقه، وتشمل مثل هذه المعلومات على التوقعات والخبرات السابقة التي تم بناؤها من الأنشطة السابقة لعمليات الإدراك Guenther ,1988) (،ومن هنا فالعالم الخارجي ليس كاف لتزويدنا بالمعلومات الملائمة التي تمكننا من إدراكه بشكل مباشر، إذ لابد من وجود آلية معرفية تتضمن إضافة بعض المعلومات إلى المنبهات الخارجية لتسهيل عملية فهمها أو إدراكها،  ومثل هذه المعلومات يتم استرجاعها من الخبرات المخزنة، ويصار إلى دمجها مع الإنطباعات الحسية مما يتيح بالتالي بناء خبرات جديدة (إدراكات جديدة). ( الزيات,1998,ص123).

خصـــائــص الإدراك:

     في ضوء افتراضات وجهتي النظر السابقة حول الإدراك، يمكن استنتاج الخصائص التالية:

1- يعتمد الإدراك على المعرفة والخبرات السابقة "Knowledge Based": حيث تشكل المعرفة أو الخبرة السابقة الإطار المرجعي الذي يرجع إليه الفرد في إدراكه وتمييزه للأشياء التي يتفاعل معها. فبدون هذه المعرفة يصعب على الفرد إدراك الأشياء وتمييزها.

2- الإدراك هو بمثابة عملية استدلال "Inferential process": حيث في كثير من الأحيان تكون المعلومات الحسية المتعلقة بالأشياء ناقصة أو غامضة، مما يدفع نظامنا الإدراكي إلى استخدام المتوفر من المعلومات لعمل الإستدلالات والإستنتاجات.

3- الإدراك عملية تصنيفية "Categorical": حيث يلجأ الأفراد عادة إلى تجميع الإحساسات المختلفة في فئة معينة اعتمادا على خصائص مشتركة بينها مما يسهل عملية إدراكها. فالفرد الذي لم ير طائر النورس سابقا من السهل عليه لإدراكه على أنه طائر نظرا لوجود خصائص مشتركة بينه وبين الطيور الأخرى. لأن مثل هذه الخاصية تساعدنا في ادراك  وتمييز الاشياء الجديدة او غير المألوفة بالنسبة لنا , حيث يعمل نظامنا على استخدام المعلومات المتوفرة لدينا و مطابقتها مع خصائص الاشياء الجديدة ’الامر الذي عملية تصنيفها و ادراكها .

4- الادراك عملية علائقية (ارتباطية ) : حيث ان مجرد توفر خصائص معينة في الأشياء غير كاف لادراكها .لان الامر يتطلب تحديد طبيعة العلاقات بين هذه الخصائص . ان ارتباط الخصائص معا على نحو متماسك و متناغم يسهل في عملية ادراك الاشياء .فعلى سبيل المثال ,الذيل في الغالب يقع في مؤرخة طائر النورس ,و الجناحان على الجانبين , و العينان تبدوان بارزتين على جانبي الراس , و مثل هذه الخصائص ترتبط معا على نحو منتظم و متماسك مما يسهل عملية تمييز الطائر عن بقية الاشياء الاخرى .

5- الادراك عملية تكيفية: حيث يمتاز نظامنا المعرفي بالمرونة و القدرة على توجيه الانتباه و التركيز على المعلومات الاكثر اهمية لمعالجة موقف معين , او التركيز على جوانب و خصائص من ذلك الموقف . كما تتيح هذه الخاصية امكانية الاستجابة على نحو سريع لاي مصدر تهديد محتمل

6الادراك عملية اتوماتيكية : حيث تتم على نحو لا شعوري و كن نتائجها دائما شعورية , ففي الغالب لا يمكن ملاحظة عملية الادراك اثناء حدوثها و كن يمكن ملاحظة نتائجها على نحو مباشر او غير مباشر ( الزيات,1998,ص126).

 

ابعاد عملية الادراك(تغيير النمط)

الادراك عملية نفسية بالغة التعقيد تتألف من ثلاثة ابعاد مترابطة معا و هي :

1-العمليات الحسية :و تتمثل في الاستثارة للخلايا الحسية التي تستقبل المنبهات الخارجية , حيث ان اثارة الخلايا الحسية يعتمد على شدة الطاقة المنبعثة عن المثيرات الخارجية ,فاذا كانت هذه الطاقة التي يحدثها المثير اقل من مستوى عتبة الاحساس ,فمن الصعب حدوث الاستثارة لعضو الحس المستقبل , و بالتالي يصعب عملية تمييزه و ادراكه .و في واقع الحياة العملية , عادة ما تتفاعل اكثر من حاسة في استقبال الخصائص المختلفة للمنبهات الخارجية ,فنحن نحس و نسمع و نرى ,و نشم و نتذوق في ان واحد . و هنا يعمل نظامنا الادراكي على تجميع هذه الاشياء و ترميزها مما يسهل بالتالي عملية ادراك الاشياء .

-2العمليات الرمزية : و تتمثل في المعاني و الصور الذهنية التي يتم تشكيلها للمنبهات الخارجية في ضوء العمليات الحسة فينا .فالإحساسات عادة لا يتم التعامل معها بصورتها الاولية او كما جاءت من مصادرها البيئية ,و انما يتم تحويلها الى معاني او رموز او  صور تحل هذه المعاني او الرموز محل الخبرة الاصلية .

3-العمليات الانفعالية :يترافق لاالاحساس عادة بحالة انفعالية معينة تتمثل في طبيعة الشعور نحو الاشياء اعتمادا على الخبرات السابقة ، فعند رؤية منظر طبيعي مثلا فربما يثير هذا المشهد لدى الفرد مشاعر وجدانية ، او يثير لديه ذكريات مؤلمة او مفرحة . (Godfroy   2008, p87)

4 - ادراك الفرق بين الاشياء:ان عملية الادراك لا تعني بالتحديد استشعار وجود الاشياء او غيابها فحسب ,و اعطاء المعاني  لها و انما تتضمن ايضا تحديد مدى التشابه و الاختلاف فيما بينها .فعند الاستماع الى مقطوعة موسيقية على سبيل المثال ,فلا يكف انها مقطوعة موسيقية و ليس صوتا اخر ,و انما يتطلب ايضا تحديد  ما اذا كانت تتالف من مجموعة اصوات تؤديها ادوات موسيقية مختلفة تحديد اذا كان لهذه الاصوات نفس الايقاعات و ايقاعات مختلفة. فقدرة الافراد على الحكم على الاختلافات بين  المثيرات و لا سيما المتشابه بينها يعتمد على مقدار شدتها .(Chevalier , 2006 ,p 38 )

نماذج الادراك Models of Perception :      

تبدا عملية الادراك بالإحساس بوجود المثيرات ، و اختبار بعض المعلومات الحسية الواردة الى النظام الادراكي عبر الحواس المختلفة و ذلك من خلال توجيه اليات الانتباه اليها من اجل معالجتها .وتتم هذه العملية من خلال اعادة تنظيم هذه المعلومات لتعطي معنى معينا او لتدل على شيءما. و تختلف الالية التي من خلالها يتم اعادة تنظيم المعلومات ،حيث توجد عدة وجهات نظر في هذا الشأن تتمثل في :

اولا :نماذج مطابقة النمط Template-Matchinge:

تفترض هذه النماذج ان الخيال الواقع على الشبكية ينتقل الى الدماغ ليتم مقارنته مباشرة مع النماذج المخزنة في الذاكرة .فالنماذج المخزنة في الذاكرة تسمى بالأنماط و هي ثابتة و محددة لأي مثير تمت معالجته تم التفاعل معه في السابق

.فالنظام الادراكي يقوم على مقارنة خيال الاشياء مع هذه النماذج المخزنة ليقرر ما اذا كانت تطابق الانماط الموجودة ام لا بحيث يصار الى تمييزها و التعرف عليها .

     إن مثل هذه العملية تحدث داخل الدماغ ،حيث تعمل العمليات الداخلية على  مقارنة الاشياء الخارجية التي نتفاعل معها بالأشياء (الانماط المخزنة في الذاكرة  (فعندما تستقبل المستقبلات الحسية البصرية الضوء المنعكس عن الاشياء الخارجية يتم تحويل الطاقة الضوئية الى نبضات كهروعصبية في مستقبلات الصورة الموجودة في الشبكية و تعمل على نقلها الى الخلايا العقدية حيث توجد فيها حقول الاستقبال Receptivefields و من هناك يتم نقلها الى المناطق الخاصة بها في الدماغ لمقارنة الصورة مع النمط المخزن ،و في ضوء ذلك يتم التعرف على المثير و تمييزه. (Godfroy , 2008 ,p 40 )       

ان مثل هذا النموذج يواجه بعض الانتقادات من حيث كيفية تمييز الأشياء الجديدة ، غير المألوفة عن الأشياء المألوفة ،حيث تشير الأدلة التجريبية إلى أن الأفراد يستطيعون تمييز الكثير من المثيرات رغم عدم رؤيتهم السابقة لها . فمن السهل على الأشخاص تصنيف حيوان ما على انه ينتمي الى فصيلة القط مثلا بالرغم من عدم رؤيتهم لهذا الحيوان سابقا ، كما يمكن تصنيف سيارة على انها سيارة رياضية بالرغم من عدم رؤيتها سابقا . و تشير نتائج دراسات أخرى  ((Intraub 1981 ان الافراد يستطيعون التعرف على الأشياء و تمييزها في أوضاعها المختلفة. (الزيات , 1998, ص 124)

مما سبق ، يتضح لنا أن هذه النماذج قاصرة عن تفسير ظاهرة الإدراك كونها ركزت على خصائص معينة من المثيرات ، و هي تلك المتعلقة بالجوانب البصرية او المرئية و لم تقدم تفسيرا لكيفية مطابقة خصائص أخرى كالصوت مثلا .كما أنها تفترض عدم معرفة النظام الإدراكي يقارن خيال الأشياء و صورها مع أنماط ثابتة و محددة في النظام الإدراكي علما ان الأدلة العلمية تشير إلى قدرة نظامنا الإدراكي على تعديل هذه الأنماط للتناسب مع الأوضاع و الأشكال التي يأخذها المثير بالخارج . (الزيات , 1998, ص 124).

ثانيا : نموذج تحليل الملامح FeaturesAnalysis Model:

يرى أصحاب هذا الاتجاه انه في الكثير من الحالات عدم فعالية نموذج مطابقة النمط في إدراك الكثير من المثيرات او المواقف ، لذا يؤكد هؤلاء مبدأ تحليل ملامح الأشياء في عملية إدراكها يفترض هذا النموذج إن المثيرات تتألف من مجموعة من الملامح التي تميزها عن غيرها و تعطيها الطابع الخاص بها ،و هي بمثابة خصائص رئيسية تحدد نمط الأشياء .فعلى سبيل المثال ، الحرف الانجليزي H يتالف من خطين عمودين بزاوية مقدارها 90° يربطهما خط افقي بزاوية مقدارها 180° في حين الحرف Aيتالف من خطين مائلين بزاوية مقدارها 45 ° و خط افقي – بزاوية مقدارها 180° و هذه الخطوط ترتبط معا بكيفية معينة . و هكذا فان عملية إدراكها تتم في ضوء  تحليل هذه الملامح دون الحاجة الى مطابقتها مع النموذج المخزن بالذاكرة.

يرى مؤيدو هذا الاتجاه ان هذه العملية تتم في القشرة الدماغية البصرية Visual cortex  حيث يجري تحليل الانطباعات في ضوء ملامحها الرئيسية ، و يؤكدون إن لعملية التحليل فوائد تتمثل في :

1-إن عمليات تحليل الملامح للانطباعات الحسية المرتبطة بالمثيرات يساعد في تحديد العلاقات بين هذه الملامح و التي تعتبر حرجة بالنسبة لهذه المثيرات.ففي الحرفA  فان الملامح الحرجة لهذا المثير هي خطان مائلانت يرتبطان بزاوية بالاعلى مقدارها 45° و يجمع بينهما في منطقة الوسط خط افقي بزاوية مقدارها 180 °

2- ان عملية تحليل الملامح المميزة تسهل عملية ادراك الكثير من الاشياء التي يصعب مطابقتها مع النمط المخزن في الذاكرة نظرا لوجودها في اوضاع او احجام مختلفة .

3- بما ان الملامح المميزة توجد في جميع اوضاع او حالات المثير الواحد المختلفة ،فان ذلك لا يتطلب مطابقة كل شكل منفرد مع النمط او مع النموذج المخزن بالذاكرة ، و انما يكفي مطابقتها جميعا كمجموعة واحدة مع النفط (الزيات , 1998, ص 132).

الافتراض الرئيسي الذي تنطلق منه هذه النماذج يتمثل في وجود آليات معرفية داخلية تعمل على تحليل ملامح الاشياء التي تتفاعل معها ،و مقارنتها مع ملامح فئات او اصناف من المثيرات المكتسبة سابقا في الذاكرة . وفي ضوء هذه المقارنات ، يتم استخلاص الملامح المميزة و التي على اساسها يتم اصدار الاحكام على الاشياء الجديدة .

  لقد تم توجيه انتقادات الى هذه النماذج ، حيث في الكثير من الأحيان يتم الخلط بين الأشياء المتشابه نظرا لوجود ملامح مميزة تجمع بينهما ، مما يتسبب بالتالي في صعوبة التعرف عليها و تمييزها.ففي احدى التجارب التي تم فيها عرض مجموعة من الحروف على نحو سريع على الافراد مثل G.C وجد ان الافراد كانوا يخطئون بين هذه الحروف بحيث لم يتم تمييز هذه الحروف على نحو جيد . ( قشقوش ’ 1998 ’ص 79 ) .

اقترح Selfridgeنموذجا اسماه نموذج شبكية الجحيم في الادراك موضحا فيه الكيفية التي تتم من خلالها تحليل الملامح للاشياء و تمييزها . حيث يقترح ان هناك اليات معرفية مختلفة Mental Machanisns كل منها يختص بعمل معين ، و قد اطلق على هذه الاليات اسم الشياطين او العفاريت المعرفية Mental Demons و تتمثل هذه الشياطين بالتالي :

1-عفاريت التعرف: Data image Demons: و مهمتها استقبال الانطباع الحسي و تحويله الى شيفرة معرفية ،اي ترميزها Encoding

2-عفاريت عمليات المعالجةComputationalDemons: و مهمتها تحليل ملامح ععالائياء و مقارنة كل منها مع ملامح النموذج المخزن بالذاكرة .

3-العفاريت المعرفية cognitive Demons: و مهمتها مطابقة مجموعة الملامح المميزة ككل مع النموذج بالذاكرة . ( قشقوش ، 1998 ،ص 79 )

مبادئ التنظيم الادراكي :

تكاد تكون نظرية الجشتلت التي ظهرت على يد ماكس فريتماير في بداية القرن العشرين في المانيا من اكثر النظريات المعرفية اهتماما بموضوع الادراك و تعد نظرية الجشتلت ثورة علمية على النظريات السلوكية و المدرسة البنائية  التي تؤكد ضرورة تحليل الظاهرة النفسية الى مجموعة اجزاء او عناصر من اجل فهمها و ادراكها .فهي ترى ان مجموعة العناصر تشكل كلا متكاملا و متناسقا يشتمل على معنى معين او يؤدي وظيفة ما.بحيث لا يمكن ادراك هذا المعنى على مستوى الاجزاء او العناصر ،لان تحليل الكل الى عناصر يفقده المعنى او الوظيفة .و بهذا فان هذه المدرسة تنطلق من مبدا ان الكل هو اكبر من مجموع العناصر المكونة له، فمدرسة الجشتلت تؤكد ضرورة دراسة الخبرة النفسية ضمن الاطار او السياق الكلي الذي توجد فيه . و ذلك من اجل فهم البنية التنظيمية المتاصلة بها .

و تؤكد نظرية الجشتلت الطبيعة الديناميكية للذاكرة ،اذ ترى ان الذاكرة تعمل على اعادة تنظيم مكوناتها لتشكيل ما يسمى بالكل الجيد good Gestalt  حيث تسعى الى اعادة تنظيم العلاقات القائمة بين عناصر الخبرة لتحافظ على المعنى او البنية الكامنة فيها .فعملية الادراك لا تتم على تحو مباشر ، و إنما  تحكمها اليات و مبادئ اطلق عليها الجشتلتيون مبادئ التنظيم الادراكي و التي من خلالها يتمكن الأفراد من فهم الاشياء و تمييزها  .  (الزيات , 1998, ص 132).

الشكل و الخلفية figure and Ground:

إن الأشياء التي نتعامل معها في هذا العالم لا تتواجد بشكل مستقل و منفصل عن غيرها من الأشياء الأخرى. فالإشكال و الأصوات و غيرها من المثيرات الأخرى عادة ما تقع ضمن سياق كلي ، اذ يصعب تمييزها دون وجود هذا السياق ،فالكلمات التي نقراها في الكتاب على سبيل المثال لا توجد في فراغ ، و إنما تقع في سياق و هو ما يمثل خلفية معينة في عملية تمييزها و ادراكها . فعندما ننظر الى مشهد ما او نستمع الى مجموعة اصوات ،ففي الغالب نختار مثيرا معينا (مشهد معين او صوت ) و التركيز عليه دون غيره من المثيرات الاخرى .و مثل هذا المثير يمثل الشكل و هو بمثابة جزء معين يقع ضمن  السياق الكلي (الخلفية ) و الذي يبدو اكثر تميزا عن غيره من الأجزاء الأخرى ، بحيث يجذب انتباه الفرد و يظهر على انه ذو معنى و قيمة بالنسبة له.

فعند قيادة السيارة على سبيل المثال عند تقاطع طرق ما ،فان اشارة الوقوف تمثل الشكل الذي يبدو اكثر اهمية بالنسبة للاشياء الاخرى كالاشجار و السيارات و المباني و غيرها .كما ان صوت المدرس في المحاضرة يبدو اكثر اهمية بالنسبة للطالب مقارنة بالاصوات الخارجية ، و مثل هذه الاجزاء و لا سيما في المشاهد الغامضة او الاصوات غير الواضحة اذ يصعب تحديد الشكل او الخلفية.

إن  إدراك الفرد في مثل هذه الحالات يتأثر الى درجة كبيرة بعدد من العوامل تتمثل في خصائص الأشياء و خبرات الفرد ،حيث يقوم الفرد الى تحليل الشيء الى عناصر و من ثم استخدام هذه العناصر لتكوين مدرك معين متاثرا بالمحتوى و الخبرة السابقة، و هذا ما يعرف بالتحليل بواسظة التركيب ،و السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا يعتبر الفرد جزءا معينا على انه الشكل و الاجزاء الاخرى المحيطة به على انها الخلفية ؟

فحسب نظرية الجشتلت ،فان ذلك يعتمد على خصائص الاشياء ، حيث ان الاشياء تمتاز بمجموعة خصائص تدفع الى تجميعها معا في مجموعة ما لتمثل الشكل و ذلك وفقا للمبادئ التالية :

1-مبدا التقارب Proximity:

حسب وجهة نظر نظرية الجشتلت ،فان الادراك يمتاز بالخاصية التجميعية ،حيث يتم ادراك المؤثرات الحسية المتقاربة في الزمان او المكان على انها تنتمي الى مجموعة واحدة ، و هذا بالتالي يسهل عملية تخزينها و تذكرها لاحقا .

فعل سبيل المثال ،الاحداث التي تقع معا تدركى على انها تنتمي الى مجموعة واحدة ،كما ان الاصوات  التي تسمع في زمان و مكان محدد تدرك على انها تنتمي الى مجموعة واحدة .

2- مبدا التشابه Similarity :

 وفقا لخاصية التجميع او التصنيف catorizing، ففي الغالب يسهل ادراك الاشياء المتشابهة اكثر من غيرها من الاشياء المتباينة . فالاشياء التي تشترك في خصائص معينة كاللون او الشكل او الايقاع او او الحجم او التركيب او الشدة او الاتجاه او السرعة غالبا ما يتم ادراكها على انها تنتمي الى مجموعة واحدة ، بحيث يكون اكتسابها و تذكرها بشكل اسرع من الاشياء المتباينة .

1ـ مبدأ الاتصال :

نميل بطبيعتنا الادراكية الى ادراك التنبيهات الحسية التي تشكل نمطا مستمرا على انها تنتمي الى مجموعة واحدة .

4-مبدا الإغلاق :

في اغلب الحالات يتم ادراك الاشياء المكتملة و التي تمتاز بالاستقرار على نحو اسهل من الاشياء الناقصة . فالتنبيهات الحسية التي تمتاز بالاكتمال و الاستقرار و البساطة تشكل تكوينا ادراكيا ذا معنى و يؤدي وظيفة معينة ،بحيث تكون عملية ادراكه اسهل و اسرع من التنبيهات الحسية التي تمتاز بالنقص و عدم الاكتمال .و لكن في حالة التنبيهات الحسية الناقصة او غير المكتملة ،فان نظامنا الادراكي يعمل على توفير بعض المعلومات بناء على الخبرات السابقة لسد الثغرات و اكمال النقص فيها بغية الوصول الى حالة الاكتمال او الاستقرار و لتكوين ما يسمى الكل الجيد . فعلى  سبيل المثال ، عند قراءة قطعة نثرية غالبا ما نحاول الوصول الى المعنى المتضمن فيها و ان لم تكن المعلومات كافية ،حيث نسعى الى ملء الفراغات و اكمال النقص فيها . كما ان الموسيقي يسعى الى ادراك المقطوعة الموسيقية ككل موحد اولا ،و يحاول ايجاد النقص فيها في سبيل اخراجها بصورة اكثر انسجاما او اتساقا .

5- مبدا التشارك بالاتجاه common Direction

تمتاز طبيعة الادراك لدينا بانها تاخذ نمطا تكيفيا معينا Orientation ، بحيث ننزع الى ادراك الاشياء التي تاخذ وضعا معينا او تسير في اتجاه معين على انها تنتمي الى مجموعة واحدة ، في حين ان الاشياء التي تختلف معها بالاتجاه ،ففي تدرك على انها مجموعة اخرى.

 6- مبدا البساطة : Simplicity 

يميل الافراد عادة الى تجميع خصائص المثيرات معا على نحو يمكنهم من تحقيق تفسير ابسط و اسهل لها، و ذلك في محاولة منهم الى تجنب الصعوبة و التعقيد .( الزيات , 1998, ص 132)

العوامل التي تؤثر في الإدراك

يتأثر الإدراك بجملة عوامل منها ما يرتبط بخصائص الأفراد والبعض الأخر يرتبط بخصائص الأشياء أو المواقف التي تحدث فيها  وفيما يلي عرض لبعض هذه العوامل

1-المثيرات والمواقف المألوفة : تم عادة إدراك التنبيهات الحسية أو المثيرات والمواقف المألوفة على نحو أسهل وأسرع مقارنة مع المثيرات والمواقف الجديدة غير المألوفة  فغالبا مايسهل علي الفرد تحديد وتمييز محتويات بيئته أو الشارع الذي يسكن فيه بشكل أسهل من الأماكن الاخري غير المألوفة له أو تلك التي خبرها لمرة واحدة.

فعلي سبيل المثال يسهل تذكر وتمييز ملامح وجوه الأشخاص الذين يتم التعامل معهم باستمرار أكثر من تلك الوجوه الغربية التي تقل فرص التعامل معهم فلو عرضت صورة علي فرد تحوي وجوه واحدها مألوف إليه فسرعان مايحدد صاحب هذه الصورة واهم ملامحها والذكريات المرتبطة بصاحب الصورة.

2-الوضوح والبساطة والتقارب: طبقا لمبادئ التنظيم الإدراكي فان المثيرات التي تمتاز بخصائص معينة كالوضوح والبساطة والتقارب وغير ذلك تسهل عملية إدراكها أكثر من تلك الغامضة فغالبا ما يواجه الأفراد صعوبة في إدراك المثيرات والمواقف الغامضة والمبهمة.

 3-التوقع :غالبا مايتم إدراك المنبهات الحسية كماهي في الواقع حيث يتأثر الإدراك بالجوانب النفسية والعوامل الذاتية لدي الفرد ويلعب التوقع دورا هاما في هذه العملية  إذ يغلب على إدراكنا للكثير من المواقف طبيعة التوقعات المسبقة والمرتبطة بحدوث تلك المواقف فلو توقع الفرد على نحو مسبق حصول شى ما فهو غالبا مايفسر أية حوادث تقع على أنها مؤشرات لحدوث ذلك الشى  .

4-مستوى الدافعية :يتأثر إدراك الفرد  للمواقف في ضوء دوافعه وحاجاته إذ غالبا ما  يسعي الأفراد إلي تفسير الكثير من الحوادث أو المثيرات اعتمادا على مدي وجود دافع أو حاجة لديهم فعلي سبيل المثال ينزع الفرد الجائع إلى تفسير الأشياء أو المثيرات ولاسيما تلك الغامضة منها على أنها أشياء ترتبط بطعام ففي هذا الصدد وجد مورفي آن الفرد الجامع يدرك الصور الغامضة التي تعرض عليه أنها أشياء ترتبط بطعام .

5- الحالة الانفعالية :تؤثر المواقف الانفعالية التي يمر فيها الفرد كحالات القلق والغضب والخوف والحزن والفرح وغيرها في طريقة إدراك الفرد للمواقف والمثيرات التي يواجهها إذ أن مثل هذه الحالات الانفعالية غالبا ما تصرف انتباه الفرد عن المثيرات وتقلل من مستوي التركيز فيها  الأمر الذي يؤدي إلي تفسيرها علي نحو غير موضوعي .

6-طبيعة التخصص أو المهنة : يتأثر إدراك الفرد للعديد من المواقف والمثيرات بطبيعة التخصص أو المهنة التي يعمل بها فعلى سبيل المثال إن أدراك المزارع للحقل يختلف عن إدراك الفنان له ونظرة عالم النباتات إذ إن كلا منهم يسعى إلي تشكيل انطباع أو تفسير معين عن هذا الحقل في ضوء طبيعة توجهاته المهنية .

7- المنظومة القيمية :تؤثر طبيعة القيم والمعتقدات التي يؤمن بها الفرد في إدراكه للعديد من المواقف والمثيرات وفي طبيعة المعاني والتفسيرات التي يعطيها لها فشخص المتدين على سبيل المثال ينظر إلى القضايا الوجودية بطريقة مختلفة عن تلك عند الرجل العلماني كما آن الأفراد الذين يعيشون في بيئة محافظة  متشددة يفسرون الحوادث والمثيرات بطرق مختلفة عن تلك التي يقدمها الآخرون الذين ينشؤون في بيئات متحررة هذا ويلعب الإدراك دورا في صياغة الإدراك الفردي لدي أفراد المجتمع أو البيئة الواحدة إذا عادة يغلب على إدراكهم لبعض المواقف أو المثيرات صبغة متماثلة وموحدة.

8-الميول والاتجاهات والتحيزات الشخصية :يتأثر الإدراك الفرد عادة بمدي توفر الميول والاتجاهات الايجابية نحو موضوع  اوحدث معين فالفرد المحايد في اتجاهاته وميوله غالبا ما يفسر الأشياء ويدركها بطريقة مختلفة عن الآخرين الذين يمتازون بتحيز أو لديهم اتجاهات سلبية نحو تلك الأشياء.

9-درجة الانتباه:يعتمد الإدراك علي درجة الانتباه التي يليها الفرد إلى المثيرات أو المواقف فكلما كانت درجة الانتباه كبيرة لدي الفرد كان إدراكه للمثيرات أسرع وأفضل فالانتباه للفرد اكتشاف خصائص الأشياء وتمييزها ويسهل عليه عملية استرجاع الخبرات المرتبطة بها الأمر الذي يساعد في سهولة إدراكها وتمييزها. ( (Best, 1995, p 132

مقومات الإدراك :

يتطلب الإدراك السليم للمثيرات أو الظواهر المختلفة نوعا من التأهب العقلي قوامه :

القدرة على التمييز بين المدركات بناءا على سلامة عمليتي الجرد (استخلاص الصفات الأساسية للمثير الحسي) و التعميم ، و يتطلب هذا سلامة عمليتي الإحساس و الانتباه .

2- القدرة على التمييز بين شكل المدرك أو صيغته الإجمالية العامة أو الخلفية البيئية التي يستند إليها (مثل الصورة و الظلام/ الحيوان في الغابة/ الكتابة على السبورة).

3-القدرة على غلق المدرك الحسي لتكوين مدرك عام أو مفهوم ذي معنى(فالحلقة الناقصة تستكمل دائرة ،و الكلمة غير مستكملة الحروف و تكتب او تنطق كاملة ) و الفشل في هذا يوقع الشخص عموما و التلميذ خصوصا في دائرة الحيرة و التوتر النفسي فضلا  عن عدم المعرفة و الإحساس بالغموض . (الوقفي ،2000:ص228).

-         الادراك البصري :

1-    تعريف الادراك البصري :

- هو وضع الأشياء او المدركات في الفراغ حين يتعين على الطفل أن يتعرف على إمكانية تسكين شيء أو رمز أو شكل ( حروف-كلمات-أعواد-صور-أشكال) في علاقة مكانية لهذا الشيء مع الأشياء المحيطة به ،والإدراك من خلال حاسة البصرهو إدراك الأشياء بألوانها و حجومها و أشكالها و لمعانها و اتجاهها ، و مسافاتها و كلها صفات ثابتة لها .(الحفني،1994 :ص 956 ).

2-           الانتباه و علاقته بالادراك البصري :

إذا كنا نشير إلى الإحساس بأنه ما يحدث حينما يستقبل أي عضو حسي تنبيها معينا من البيئة الخارجية أو الداخلية ، فان الانتباه هو ميكانزم الانتقاء أو الاختيار الذي ينظم هذه العملية إما بشكل إداري ، و ذلك حين نبذل جهدا مقصودا و نبحث عن نوع خاص من المنبهات ، أو بشكل لا إرادي ،و يستخدم بعض الباحثين في هذا المجال بدلا منه تعبيرا استجابة التوجه أو رد الفعل التوجيهي .

و ما ينبغي الالتفات إليه هنا أن انتباهنا لصورة أو لملمس مادة ما مثلا إنما يمثل جزءا من القصة ، ذلك لأننا ما نزال في حاجة  لأن نفسر في ضوء خبراتنا السابقة هذه المحسوسات مما يتم عن طريق المخ هو ما اصطلح علماء النفس على تسميته بالإدراك الحسي (الصبوة ،1987 :ص44)

 

 

 2-النظريات المفسرة للادراك البصري : يمكن تقسيم هذه النظريات الى ما يلي :

   2-1-نظريات ادراك الاشكال :

 لقد اعد العلماء عدة نظريات تفسر كيف يتم إدراك الأشكال و تتفق جميع هذه النظريات على أن إدراك الشكل يمر بثلاث مراحل رئيسية ، ففي المرحلة الأولى تسقط الأشعة الضوئية من مصدر الإضاءة على سطح الشكل لكي تكشف عن ملامحه و خواصه التي تميزه ، إما المرحلة الثانية فان العين تستقبل الأشعة الضوئية التي تنعكس من سطح الشكل و التي تحمل معها المعلومات البصرية المختلفة عن مكونات هذا الشكل و صفاته...الخ ،أما المرحلة الثالثة فيتم فيها تجميع المعلومات البصرية التي تتلقاها المستقبلات الضوئية في شبكية العين و تحولها إلى نبضات عصبية يتم إرسالها إلى مراكز المعالجة البصرية بالقشرة المخية حيث يتم تشفيرها و معالجتها إدراكيا ، و نظرا لتعدد هذه النظريات سنعرض فقط أهمها باختصار(بدر احمد 2001 ص 70) .

2-2نظرية ادراك الشكل بناء على النموذج : تعتمد هذه النظرية على الذاكرة ،و الخبرات السابقة لدى الفرد عن الشكل و السياق ، و الاستراتيجيات التنظيمية العامة ، و التوقعات المبنية على المعرفة بمكونات السياق ،و لذلك نجد أن عملية التعرف على الإشكال من وجهة نظر أنصار هذه النظرية تتم بناء على النموذج الذهني للشكل و هذا يعني أن الجهاز البصري يقوم بمقارنة الشكل الذي يراه الفرد بالنموذج المخزن عن هذا الشكل في ذاكرة الفرد البصرية مع وجود عدة اقتراحات مسبقة لدى الفرد عن توقعاته نحو هذا الشكل، و لذلك فان الأشكال التي يدركها الفرد لا بد أن يكون لها نموذج مخزن عنها في ذاكرته البصرية .

2-3 نظرية ادراك الاشكال من خلال مكوناتها :

بالرغم من أن نظرية بيت العفاريت ناجحة بقدر كبير ، إلا انه يؤخذ عليها أنها أكدت على أن التعرف على الشكل يتم من خلال وجود ملامح ثابتة في هذا الشكل علما بان هذه الملامح ليس لها قاعدة ثابتة للحكم عليها ، و لكنها تخضع لحكم الأفراد ، أما نظرية التعرف على الشكل بناءا على النموذج فقد عالجت نقطة ضعف نظرية بيت العفاريت و ذلك من خلال اقتراحها بان الشكل الذي سبق للفرد رؤيته يتكون له نموذج يخزن في ذاكرة الفرد البصرية حيث يتم إدراك الشكل الجديد بمقارنته بمعلومات النموذج المخزن عنه ، و لكن هذه النظرية الأخيرة بها أيضا نقطة ضعف و هي أن الأشياء التي يراها الفرد لأول مرة ليس لها نموذج مخزن عنها في ذاكرته البصرية ، و لذلك جاءت نظرية إدراك الأشكال من خلال مكوناتها لكي تعالج المشكلتين الناجمتين عن النظريتين السابقتين حيث تفترض هذه النظرية أن الأشكال تتكون من مجموعة مكونات أولية حيث يتم التعرف و إدراكه من خلالها ، و فضلا عن ذلك فان هذه النظرية قد قدمت أيضا تفسيرا لبعض المظاهر الرئيسية للتعرف على الأشكال .

2-4 نظرية تكامل الملامح :

لقد أعدت هذه النظرية أن تريسمان و زملاؤها 1986 ، و تفترض هذه النظرية أن إدراك الشكل يتم من خلال مرحلتين رئيسيتين وفقا لدور الانتباه في معالجة معلومات الشكل ، فالمرحلة الأولى من هاتين المرحلتين تسمى مرحلة المعالجة قبل الانتباهية ، و هي تعني أن عملية معالجة معلومات الشكل في هذه المرحلة تتم دون أن يكون للانتباه دور مؤثر فيها حيث تقوم العينان بتجميع المعلومات المختلفة مرة واحدة من المشهد البصري من خلال حركات العين القفزية مثل معلومات اللون و الاتجاه و الحواف...الخ .ثم يقوم الجهاز البصري بعد ذلك بتكوين صورة كلية للمشهد البصري .

أما المرحلة الثانية فإنها تركز على دور الانتباه التلقائي في معالجة معلومات الأشكال المختلفة التي يحتويها المشهد البصري حيث تتم بطريقة متتالية لأشكال المشهد البصري كل شكل على حدى و دور الانتباه في هذه المرحلة هو انه ينتقي شكلا ذا ملامح خاصة في موقع معين و يركز عليه ثم يحول ملامحه إلى خصائص إدراكية و يقوم بتسجيلها في ملف خاص عن هذا الشكل و بعد ذلك يقوم الجهاز البصري بمقارنة المعلومات التي تم جمعها في هذا الملف الخاص عن هذا الشكل بالمعلومات المخزنة عنه في الذاكرة البصرية .

و عندما يتحول الانتباه البصري لشكل آخر فان الشكل السابق يختفي من الرؤية لأن الجهاز البصري في هذه الحالة يقوم بعملية حذف بصري بملف الشكل السابق لذلك يحجب عن الرؤية و يحل محله ملف الشكل الجديد الذي يتركز انتباه الفرد عليه ،و يرى بعض العلماء أن دور الانتباه الانتقائي في هذه المرحلة يكون بمثابة الفتيل الذي يربط بين الملامح المنفصلة للشكل و يجمعها معا في مكون واحد لشكل يمكن إدراكه .

2-5نظرية الجشطالت :

يرى أنصار هذه النظرية أن العقل قوة منظمة تحيل ما بالكون من فوضى إلى نظام و ذلك وفقا لقوانين خاصة ، و بفعل عوامل موضوعية تشتق من طبيعة هذه الأشياء نفسها ، و تعرف هذه القوانين بقوانين التنظيم الإدراكي الحسي ، و هي عوامل أولية فطرية لذلك يشترك فيها الناس جميعا و بفضل هذه القوانين تنتظم المنبهات الفيزيقية و الحسية في أنماط أو صيغ كلية مستقلة تبرز في مجال إدراكنا ،ثم تأتي الخبرة اليومية و التعلم لكي يعطي هذه الصيغ معانيها و من بين هذه القوانين و المبادئ التمييز بين الصورة و الخلفية ، قوانين التجميع (التقارب،التشابه،الاستمرار،الغلق...الخ)

و قد كان الافتراض البارز لعلماء النفس الجشطالتين و خاصة كوهلر هو ان التنظيم التلقائي للنمط وظيفة للمنبه ذاته و ليس له صلة ضعيفة بالخبرة السابقة للفرد .(سولسو،1996،ص:142)

2-6نظريات ادراك الالوان :

هناك نظريتان تفسران إدراك الألوان لدى الإنسان هما :النظرية ثلاثية الرؤية للألوان ،و هي تعالج كيفية تلقي المستقبلات الضوئية في شبكية العين للموجات الضوئية المكونة للطيف و التي تولد لدينا إحساسا نفسيا بالألوان ، و نظرية الخصم و هي تهتم بكيفية التشفير العصبي للألوان و فيما يلي عرض مختصر لهاتين النظريتين :

2-3-1 النظرية التجريبية :

و يرى أنصار هذه النظرية أن عملية الإدراك يكتسبها الفرد من خلال عملية التعلم لأن الفرد كما يرى أنصار هذه النظرية يولد و هو لا يعرف كيف يدرك المسافة أو العمق ، و يعد جورج بيركيلي Berkeleey  و هو رائد هذه النظرية حيث كتب أول مقال له عن هذه النظرية سنة 1907 عرض فيه كيفية إدراكنا للمسافة و العمق حيث بين أن الصورة المتكونة للمنبه البصري على شبكية العين لها بعدان فقط هما الطول و العرض ، و رغم ذلك يستطيع الفرد إدراك العمق و المسافة ،و يكتسب الفرد مهارة إدراك المسافة حسب بيركيلي من خلال عملية التعلم حيث يستطيع من خلالها ربط إشارات المسافة بمعلومات المشهد البصري ، و يعتقد بيركيلي أن الإحساس بالحركة هو أساس هذه النظرية ، أما الإشارات البصرية عن المسافة فإنها تساعد معلومات الإحساس بالحركة في تكامل العملية الإدراكية ، و لذالك يرى بيركيلي أن الإشارات الطبيعية للمسافة و العمق يكتسبها الفرد بالتعلم من البيئة المحيطة به ، و لقد قام انتصار هذه النظرية الذين جاءوا بعد ذلك بتطويرها و أطلقوا عليها النظرية البنائية .

أ‌-       تصور جان بياجيه J.Piaget  

لقد صاغ بياجيه تصوره للإدراك البصري من خلال سياق إدراكي يقوم فيه الطفل أو الكائن البشري بوجه عام بالمقارنة أو المضاهاة بين أكثر من منبه و بالتالي فان عملية الإدراك البصري إذا كانت تتم من خلال المصادفات بين حركة العينين و عنصر المنبه البصري ، فان عملية المقارنة أو المضاهاة  تتضمن إلى جانب ذلك المزاوجة بين العناصر المتقابلة عند المضاهاة بين منبهين بصريين و تتم عملية المزاوجة في صورتين :

  الاولى : هي المزاوجة من خلال التفسيرات الزمنية ،

 و الثانية : هي المزاوجة من خلال التفسيرات المكانية .و يميز "بياجيه" هنا عمليتين إدراكيتين متناميتين في السلوك البصري : الأولى هي الإدراك الأولي و الثانية هي النشاط الإدراكي ،يشمل الإدراك  الأولي للأحداث الأولية التي تلفت انتباه الكائن اتجاه عنصر يحتل موضعا مركزيا في المجال البصري الثابت ، أما النشاط الإدراكي فيعني المقارنة أو المضاهاة بين إدراك سابق و إدراك لاحق أو المقارنة بين نشاطين إدراكيين و تتم من خلال ذلك عملية التعرف و يشمل هذا المصطلح مجموعة العمليات الكلية ذات الفعالية و التي تهدف إلى الاستكشاف و المقارنة و التعرف من اجل معادلة الآثار المترتبة على الإدراك الأولي.

ب‌-   تصور هيب HEBB  :

يرى هيب أن الملامح المميزة للإدراك البصري ليست عمليات موروثة بالكامل كما يرى الحبشطالتيون و لكن الجانب الأكبر منها متعلم ، و تقوم نظرية "هيب" في الإدراك على أساس الاستثارة التي تحدث في خلايا عصبية معينة في مواضع محددة من الجهاز العصبي المركزي ، و قد اهتم "هيب في منحاه بالبيانات الاكلينكية و الفيزيولوجية و السلوكية ، و ينظر "هيب"للكل المدرك على انه يستخلص من خلال الأجزاء ، و يعطي "هيب" أهمية لعملية التعلم ، فالإدراك ليس عملية تلخيص للخصائص و لكنه تحديد و تعريف عياني لشكل معين ،و يعني هذا استخدام التفاصيل لنوعية المميزة للشكل في المعرفة بالمدرك ،اكثر استخدام المزية الكلية الاولية لهذا المدرك.أي أن إدراك الأشكال الهندسية على سبيل المثال بوصفها كليات متمايزة لا يتاح للكائن بصورة مباشرة و لكنه يكتسب تدريجيا من خلال التعلم .

جـ- تصور برونر J.bruner  :

يتضمن الإدراك عند برونر عملية التصنيف إلى فئات فمن خلال المقدمات و النتائج يمكن للمرء أن يجري بعض الاستدلالات التي تمكنه من إرجاع بعض المعطيات إلى بعض الصفوف التي تنظم الأحداث آو الأشياء ،على أساس الخصائص المميزة لهذه المعطيات التي تعد بمثابة الهاديات و يضع المرء المعطى الحسي في فئة من الكائنات في ضوء هذه الهاديات او المعلومات ، و العوامل التي تحكم فعل الإدراك في هذه الحالة هي نفسها العوامل الحاكمة للنشاط المعرفي بوجه عام .و ليس ثمة ما يدعو إلى افتراض أن القوانين الحاكمة للاستدلال الذي يقوم على الانتقال من الهاديات إلى الفئات تختلف عن القوانين الحاكمة لانتقال المرء من الأنشطة الإدراكية إلى الأنشطة التجريدية أو تكوين المفهوم .و خلاصة ما ينتهي إليه برونر أن الملمح الأساسي المميز للإدراك هو التصنيف إلى فئات و إن مختلف الخبرات الإدراكية ما هي إلا محصلة نهائية لعملية التصنيف هذه .

و يتميز الإدراك عند "برونر"بأنه عملية اتخاذ قرار ،فأيا كانت طبيعة المهام فان المدرك يقرر آو يحدد هوية المدرك و يتضمن عملية اتخاذ القرار استخدام الهاديات المميزة discriminatory cues  ، فالخصائص المميزة في هذه الحالة تجعل من الممكن جمع المعطيات في فئات ملائمة .

من خلال ما سبق لا يمكن اختصار الإدراك البصري في مجرد معالجة بسيطة و آلية للمعلومات الضوئية المتوزعة على شبكة كل عين ، بل يتلخص دوره في بناء مذهل ينجزه دماغنا مثلما قال الرسام الشهير دالي 1926 S.DALI  أن تنظر يعني أن تبدع ،بالتأكيد فان الآليات التي توصف بأنها حاسية بحتة تمدنا بالمعلومات المبدئية ، لكن هناك خطوات أكثر تعقيدا ضرورية لإعطاء الدلالة للمعالجات الحسية لتكوين تصور بصري حقيقي حول البيئة المحيطة بنا .و بالعكس يبدو لنا أن الرؤية تعطي بصورة آلية و فورية و سهلة جدا صورة صادقة عن العالم المحيط ،فنحن في الحقيقة لا نعي المعطيات الحسية الخام و المراحل الوسيطة ،لكننا و اعون بالنتائج النهائية لكل المعالجات الحاصلة ،و قد ميز بوني C.BONNET  بين ثلاث مستويات مختلفة للمعالجة هي :

المستوى الحسي : يتعلق بالمعالجات المبدئية للصور ، هذه المعالجات لها علاقة مباشرة مع الخصائص الفيزيائية للمثير ،هذا المستوى من التحليل يستند إلى العلاقات بين المثيرات ،الميكانيزمات الفيزيولوجية و المعالجات العصبية و لهذا يعرف هذا المستوى بمستوى المعالجات الحس – عصبية .

المستوى الإدراكي أو الشكلي : و هو يتفق مع بنية ( صياغة) المعالجات الحسية السابقة و التي توصلت الى التنظيمات الإدراكية و إعداد أو تكون الأشكال ،فإدراك الأشكال الثابتة و المتحركة و الأشياء ثلاثية الأبعاد ،وضعية هذه الأشكال و الأشياء و علاقاتهم المكانية تتحدد من وجهة نظر الملاحظ.

المستوى المعرفي أو المفاهيمي : يتوافق مع التصورات الإدراكية و الدلالة المعطاة للتنظيمات الإدراكية المختلفة ،يتم التعرف على الأشكال كما هي حتى و أن كانت مخفية جزئيا ،أو ينظر لها من زاوية غير اعتيادية ،يكون تقديمها في بناء إدراكي للمكان ، وضعياتهم بالنسبة لبعضهم البعض بعيدا عن وجهة نظر الملاحظ ،هذا المستوى يتفاعل مع تصوراتنا في الذاكرة و معارفا السابقة .

هذا الوصف يقترح تنظيما تدريجيا في السياق الذي يستخدم فيه مستوى معين من المعالجات من جملة المستويات المذكورة سابقا ،و هذا لا يتطلب التشغيل البحت بالوحدات أين لا يمكن لمستوى معين أن يعمل إلا إذا انهي المستوى السابق معالجته بل ستكون المعالجات المختلفة آنية و متواقتة  .(,Bagot,1999 ,p145/146/147/148/149    ).

3-2-2- العوامل المؤثرة في الادراك البصري : و يمكن تلخيصها فيما يلي :

أ-الحاجات الفيزيولوجية و النفسية :

إن الحاجات الفيزيولوجية كالحاجة إلى الطعام و الهواء و الماء...الخ و كذا الحاجات النفسية التي تشتمل بالإضافة إلى الحاجات الفيزيولوجية على الحاجات الاجتماعية كالحاجة إلى التقدير و المكانة و غيرها ، هي عوامل محددة و موجهة لسلوكنا بشكل عام ،و يعتقد العديد من العلماء أنها أيضا تتدخل في تفسير المعطيات الحسية و إعطائها معنى خاصة المعطيات البصرية ، فهي إذن توجه إدراكنا أيضا .(السيد و آخرون 1990 ص 217)

ت‌-   التوقع و التهيؤ الذهني : يعد التوقع عملية نفسية ذاتية مرتبطة بالتهيؤ الذهني ،و يلعب التوقع دورا هاما في توجيه سلوكنا فنحن في العادة نرى و نسمع ما نتوقع ان نراه و نسمعه من ذلك اننا نقرأ الكلمة الخطأ صوابا،و في تجربة باستخدام جهاز المبصار لعرض منبهات معينة (أشكال،رموز،حروف،...الخ) لفترة زمنية محددة بأجزاء من الثانية،ثم عرض عدد من البطاقات المصورة على شرائح للعرض مرسوم عليها أشياء تختلف في اللون و الحجم ،على عينة من الأفراد،و كان الأفراد يسالون بعد ذلك عن الذي رواه ،فكان بعضهم يذكر عدة أشياء ،وبعض ألوان الأشياء و بعضهم يذكر أحجامها و عندما سألوا عن التفاصيل الأخرى في المنبهات ،كانوا عاجزين نسبيا عن ذكر اي شيء غير ما ذكروه  في البداية و عندما أعيدت التجربة على عينة أخرى من الأفراد كان قد تم تهيؤهم ذهنيا للتنبيه للعناصر المختلفة ،فوجدوا أنهم حققوا نجاحا كبيرا في إدراك هذه العناصر المختلفة مما يوضح أهمية و تأثير التهيؤ الذهني على الإدراك (السيد و آخرون 1990ص 216.217 )

ج-الخبرة السابقة :

للتعلم و الخبرة اثر كبير في الإدراك ،ذلك أن الخبرة السابقة للفرد تساعده غالبا على توقع المعاني التي تحملها المنبهات و أثرها على المواقف المستقبلية ،و قد أجمعت البحوث على ضرورة أن يكون الفرد خبير بالبيئة التي تعيش فيها ،و ذلك حتى يمكنه إدراك منبهاتها بصورة صحيحة ،كما يجب أن يتفاعل الفرد و يتعامل معها حتى تنمو مهاراته الإدراكية و ابرز مثال على ذلك أن إدراكنا لمعنى الضوء الأحمر بوصفه إشارة للمرور تعني التوقف لن يوجد لدينا إلا من خلال الخبرة (عبد الخالق،دويدار1999 ص 153 )

-         الحالات الميزاجية او الانفعالية :

اذا كانت بعض العوامل الذاتية تساعد على توجيه ادراكاتنا في الحياة و تحدد كيفية الادراك الحسي ،فان بعضها الاخر يساهم في تشويه ذلك الادراك .فقد ، وجد العلماء ان الادراك يزداد تشويهها في حالات الانفعال الشديد ،سواء كانت هذه الحالات غضبا او سرورا ،

و التجارب حول ذلك كثيرة .

ان كل هذه العوامل سواء كانت خارجية متعلقة بالمثير او المنبه ذاته او داخلية متعلقة بالفرد او الشخص الذي هو بصدد عملية الادراك البصري من شانها ان تؤثر ايجابا على عملية الادراك فتجعلها اكثر دقة و وضوحا او تؤثر عليها سلبا فتشوهها و بالتالي تؤثر على باقي العمليات المعرفية . (السيد و اخرون 1990،ص ،217 / 218)

 

4-المنحنى المعرفي لوظيفة الادراك البصري :

يقول فريت"ان القدرة الملحوظة لدى البشر على ادراك و فهم النماذج المعقدة كالكلام و الكتابة انتهت الى ظهور حركة حديثة في علم النفس تنظر الى الادراك على انه عملية معرفية بحتة" و قد قدم نيسر (Neisser,1967) هذا المنحنى ، اما الذي اكتشف اسسه فهو جارنر عام 1966 في مقال خاص به ،اما بريبرام(Pribram,1963)فقد بين ان المنبهات يمكن ان تتوفر لها اطر نظرية معرفية هي فقط التي يمكن ادراكها ووفقا لهذا التصور قدم سيمون (simon,1967)تصوره النظري للإدراك و الخاص بتخزين المعلومات و الذي اشتقه من تصوره النظري القديم الخاص بسلوك حل المشكلات .

فضلا على ان النظرية المعرفية تفترض انك عندما تواجه بمنبه في سياقه الطبيعي فإنك سوف تنظمه ثم تدركه ، و يظل تنظيمك و فهمك له حسب سياقه الى ان يحدث تغيير في عمليات التنبيه الخارجية او الداخلية فيحدث هذا التغيير تنظيما اخر جديدا و هكذا ، و يعتمد هذا الموقف على مجموعة من الخصائص التي تلعب دورا اساسيا في وظيفة الادراك ،منها الخاص بالشخص المدرك و منها المتعلق بالمنبه موضوع الادراك .

و السؤال المطروح هو هل الادراك البصري عملية واحدة ام مجموعة من العمليات ؟ و هل ما أدراكه ان يدركه الاخرون مثلي تماما ،ام يختلف المدرك من شخص الى اخر ؟

يرى جارنر W.R.garner  ان وظيفة الادراك تتكون من مجموعة من العمليات ، و بدراسة طبيعتها تبين انها تشتمل على جوانب ثلاثة اولها حسبما يقرر جارنر و بعمومية ان ما ندركه هو ما نعرفه و يدور هذا الجانب حول الادراك باعتباره وظيفة معرفية تتضمن الدراية و الفهم و الاستيعاب او التفهم و التنظيم و حتى العلم او المعرفة .

و تفترض معظم البحوث الحديثة ان الادراك الواعي هو نوع من عمليات الاستجابة او اطلاق المسميات ، او عملية القيام بالتحليل و التركيب ، و يعقب جارنر على هذه التعريفات ذات المنظور الواسع لوظيفة الادراك بقوله :"ان كل هذه العمليات العقلية و السيكولوجية جميعها لها وجود ، و مع ذلك لن يحدث شيء يضير العلم اذا اطلقنا  عليها جميعا مصطلح الادراك ، لأن ما سيحدث اننا سندرس وظيفة الادراك كعملية معرفية تأخذ في اعتبارها كل العمليات السابقة "

و على هذا الاساس يمكننا ان نقرر ان الادراك اشد ما يكون اتصالا بمجموعة من العمليات العقلية الاخرى مثل عمليات التصنيف ، و تكوين المفهوم و التعلم الحر و المقيد أكثر من اتصاله بالعمليات الحسية و التمييزية . ( (Best, 1995, p 132

اما الجانب الثاني ،فيحدث فيه عن السياق الطبيعي العشوائي لأي منبه ، و هو السياق الذي يتم ادراك المنبه من خلاله ، و يعد في نفس الوقت خاصية لمجموعات اخرى من المنبهات و ليس خاصية لمنبه فردي ،و يضل ادراكنا ثابتا و مستقرا لهذا المنبه حتى يتغير السياق الطبيعي فيتغير ادراكنا .(الصبوة،1987 ص 39)

و الجانب الثالث و الاخير يقرر ان الادراك عملية نشطة ، فليس دور الفرد هو استقبال ما يرد من معلومات من البيئة و يقف منها موقف المسايرة و المجاراة ، و لكنه يتبنى دورا نشطا بتفاعله معها و معالجة ما يرد اليه منها من معلومات في اطار خبراته السابقة ، و في اطار ما توفر لديه من شبكة معقدة من العلاقات .

و مظهر اخر من مظاهر نشاط الادراك البشري يتجلى في اعادة تنظيم و بناء العالم الخارجي و تفسيره وفقا لما يتلاءم مع الرؤية الفردية ، رغم ان بيئته و العالم الخارجي من حوله ليس ركاما غير مميز البناء ، فهو بناء و لكن الادراك الانساني يعطيه معنى يختلف من فرد الى اخر .

 نستنتج من ذلك ان وظيفة الادراك ليست احادية البعد بل هي مركبة من مجموعة من العمليات ، و هي وظيفة معرفية نشطة و تعي و تفهم و تنظم و تستخرج المعاني و الدلالات ( الصبوة 1987، ص، 40).

 

2-انواع صعوبات الادراك البصري : يعاني اطفال التوحد واحدة او اكثر من صعوبات الادراك البصري التالية :

1-1-صعوبة التمييز البصري  : ويقصد بالتمييز البصري قدرة الطفل على التفريق بين الشكل المرئي و اخر كالتمييز ما بين الصورة و خلفيتها او التمييز ما بين رجل بستة اصابع ليديه و اخرون باصابع كاملة او ادراك اوجه الشبه و الاختلاف بين الصور من حيث الطول و العرض و اللون و الشكل و المساحات ...الخ ، و عليه يقاس في الجانب القرائي القدرة على التفريق ما بين الحروف الهجائية للكلمة مثل التفريق ما بين (ت ب.ن) او يفرق ما بين الاعداد (2- 6-15-51-....الخ) و تعد هذه القدرة ضرورية لتعلم الفرد القراءة و الكتابة و الحساب و الرسم و التي ترتبط عادة بسرعة الادراك و ادراك التفاصيل الدقيقة و التي يمكن الكشف عنها من خلال اختبارات متعددة من بينها عين الحرف(ج) من بين الحروف التي بين يديك او اشر الى الحرف (ج) فيما يلي او استخرج حرف (ج) من بين الحروف التي بين يديك .

ان عملية القراءة تتطلب من الطفل القيام بعملية التعرف و التحليل و التركيب البصري للكلمة ،لذلك يصعب على الاطفال الذين يعانون من اضطرابات في الادراك البصري ادراك الكلمات ادراكا سليما نظرا لسوء استقبال و تنظيم و فهم معنى المثيرات البصرية التي وقعت ضمن مجالهم البصري مع سلامة حاسة البصر . (البطاينة و اخرون 2005 ص-115)

1-2- صعوبة الاغلاق البصري :

و هو مفهوم يشير الى قدرة الطفل على التعرف الى الاشياء الكلية من خلال رؤية جزء منها (معرفة الكل من خلال الاجزاء) كأن يقرأ الطالب كلمة بعد اخفاء جزء من الكلمة من خلال تلميحات الكلمة في السياق الذي تقع فيه او قراءة جملة بعد حذف كلمة منها .

و عادة ما يفتقر أطفال الثوحد ممن يعانون من اضطرابات في الادراك و الوظائف الادراكية الى هذه القدرة سواء اكانت في الاغلاق السمعي ام البصري .

1-3- صعوبة ادراك العلاقات المكانية :

يتطلب ادراك العلاقات المكانية ادراك الطفل في القراءة مثلا علاقة الحروف مع امكنتها الذي وجدت فيه وفق حجم و شكل و مساحة محددة ، حيث يؤثر بعد المسافة او اقترابها بين الرموز الكتابية على ادراكهم الصحيح لهذه الكلمات مما ينعكس سلبا على القراءة و الكتابة و الحساب ، و يرتبط كذلك بهذه المهارات ادراك الخرائط و الرسوم البيانية .

1-4- صعوبة تمييز الصورة و خلفيتها :

و هي عدم قدرة الفرد على الفصل ما بين الصورة او الشكل من الارضية التي وجد عليها و هي الخلفية المحيطة به ، كالتفريق ما بين الجملة او الكلمة المكتوبة و الارضية التي كتبت عليها و ما يحيط بها ، و يرد على ذلك الى انشغال الطفل بمثير اخر غير المثير المستهدف ( الكلمة او الجملة ) و هو الهدف الذي وجه نحوه الادراك فيتشتت انتباهه و يتذبذب ادراكه فيخطئ في مدركاته البصرية .

1-5 صعوبة سرعة الادراك البصري :

و هي تلك المدة الزمنية المطلوبة حتى تتم عملية الاستجابة من قبل الفرد للمثيرات الحسية البصرية و التعرف اليها و اعطائها معانيها و دلالاتها ، فيحتاج عادة اطفال صعوبات سرعة الادراك البصري الى وقت اطول في عملية تحليل و معالجة المعلومات البصرية التي يشاهدونها مثل الكلمات و الارقام و الاشكال و الصور مما ينعكس سلبا على تعلمهم القراءة و الكتابة و الحساب ، ان سرعة الادراك هي التي تمكن الفرد من القراءة الصحيحة و الكتابة السليمة و تعلم الرياضيات بسهولة و يسر مما يزيد من فاعلية التعلم .

1-6- صعوبة الذاكرة البصرية و التصور :

تعمل الذاكرة البصرية على استرجاع الصور البصرية التي تم تعلمها مما يسهل امام الاطفال امكانية تعلم القراءة و الكتابة من خلال سرعة استذكار صور الحروف  و الكلمات مما يسرع في عملية قراءتها ، في حين ان الاطفال ذووا صعوبات الذاكرة البصرية يواجهون صعوبات في التعرف الى الكلمات مما يدفعهم الى تهجئتها فيظهر عليهم البطء في بداية تعلم القراة ، كما يجدون صعوبة في تذكر قواعد الاملاء و التهجئة و تعرف الكلمات الشاذة .

1-7- صعوبة التازر البصري الحركي :

تلك المهارة التي تتازر فيها العين مع حركة اليد عند التعامل مع الاشياء و خاصة في مجالات النسخ و الكتابة و الثبات على السطر و مسك الاشياء و قذفها ، حيث يعاني الاطفال ذو الثوحد اضطرابات التازر الحركي وعدم القدرة على القيام بمثل هذه الانشطة .

و في الاخير يمكن القول بأن عملية الادراك البصري هي عملية مركبة تهدف الى التعلم البصري على المثيرات الموجودة في البيئة التي تحيط بنا و اضفاء الدلالة عليها ، و هي مرتبطة ارتباطا وثيقا بعمليتي الاحساس ة الانتباه . (البطاينة و اخرون 2005 ص، 119/118).

أرسلها إلى صديق