• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

الخدمات التربوية

نماذج التدريس

نماذج التدريس

يتناول هذا الفصل نماذج التدريس باعتبارها محورا أساسيا في هذا البحث ، حيث يسعى إلى اقتراح نموذج عملي للتدريس ، و لن يتسنى ذلك إلا بتشرب أهم المعطيات التي يتطلبها تصميمه ، و في هذا الصدد نلقي أولا نظرة تاريخية على تطور مفهوم التدريس ، ثم نحاول تعريفه انطلاقا من أحدث التصورات النظرية ، و نتناول بعد ذلك النظريات التي تناولته بالتفسير مع محاولة مناقشتها ، ثم نتطرق إلى عوامل التدريس و متغيراته و عملياته ، و بعدها يتم التطرق إلى أهم الأسس التي يقوم عليها ، و أخيرا عرض بعض نماذج التدريس الشائعة و التعليق عليها  و المقارنة بينها.

 1-          مقاربة تاريخية

إذا كانت نماذج التدريس من المفاهيم الحديثة نسبيا، فان التدريس كعملية يضرب بجذوره في أعماق التاريخ ، ذلك أن التعليم من اقدم المهن التي عرفتها البشرية. و على الرغم من تعدد متغيراته و تنوع مصطلحاته و الدلالات التي اكتسبها، إلا أننا نحاول أن نتتبع التطور التاريخي لحركة التدريس من خلال أهم الأعلام الذين اثروا هذه الحركة منذ فلاسفة اليونان حتى الظهور الحديث لنماذج التدريس.

اهتم سقراط  Socrate (480-399 ق م) بالتدريس من خلال سلسلة محاوراته اللفظية المبنية على نسق من الأسئلة الذكية، و اعتبر التعلم عملية يقوم بها الطالب عن طريق الاستيضاح والتساؤل و الاختبار و إعادة تنظيم الأفكار و حل المشكلات و تفحص ما كان يعرفه مسبقا (علي الفنيش. 1982 ص 69) فأقام بذلك تصورا جديدا عن فعل التعليم/ التعلم ينبني على منطلقات مغايرة تماما لما كان سائدا في عصره. حيث جعل من فعل التعليم بحثا مشتركا بين المدرس والمتعلم عن المعرفة و ليس مجرد تلقين و تحصيل، و يمكن القول أن ما يعرف اليوم بالطريقة الحوارية في التدريس قد ظهرت على يد سقراط و طورها بعده افلاطون و تلميذه ارسطو و من جاء بعدهم. و اهتم القديس اوغسطين Augustine (354-430 م) بالتدريس من خلال تناوله لما يعرف اليوم بالطريقة الاستبصارية التي تقوم على أن المعرفة تخيل و استبصار، و أن كلمات المدرس تحث المتعلم على البحث عن الحقائق التي لم تكن معروفة لديه عن طريق الإيحاء

 و التخيل الذاتي. C.Bernard, 1977, p100) ).

كما اهتم ابن خلدون (1332-1406) بالتدريس حيث أشار إلي ضرورة البدء بالأمثلة الحسية لدى المتعلم لان المبتدئ ضعيف الفهم، ثم يحدث التدرج شيئا فشيئا بان يلقي المعلم على المتعلم مسائل في كل فن، مراعيا قوة عقله و استعداداته حتى تحصل له ملكة في ذلك العلم. و أكد على تجنب الموسوعية و حذر من الشدة و العقاب، و اعتقد أن التهذيب الفعال يعتمد على القدوة و المحاكاة التي هي أكثر تأثيرا على نفس الطفل من النصح و الإرشاد. و يمكن القول أن ابن خلدون ساهم في صياغة الكثير من مبادئ التدريس و التي لا يزال بعضها قائما حتى اليوم.                     

وعني فرنسيس بيكون F.Bacon   (1561- 1626م) بالتدريس و كسب المعرفة باستخدامه أسلوب الاستقراء الذي لم يكن شائعا من قبل و ساهم في تأسيس ما يعرف اليوم بالطريقة الاستقرائية في التدريس. (صالح عبد العزيز و عبد المجيد عبد العزيز. 1982، ص 37)

كما عني جون اموس كومينيوس J.A.Comenius (1592-1670) بالتدريس حيث اقترح في كتابه المرشد العظيم أو الديداكتيكا الكبرى “Didactica magna” ما اسماه بالفن العام للتدريس، اي فن تدريس جميع الناس كل المواد و اعتبر بذلك المؤسس الفعلي لما يعرف اليوم بالتعليمية      و تعليمية المواد. (Develay. 1992. P 68)

 بدوره اهتم جون لوك J.Locke  (1632-1704) بالتدريس من خلال الطريقة الانطباعية التي تقوم على أن العقل أداة لغربلة و تخزين الانطباعات الخارجية التي يستقبلها، و أن جميع معارف الإنسان و أفكاره تكتسب عن طريق الخبرة أو التجربة فأعطى بذلك أهمية للعادة في التعلم         و التدريس. (صالح عبد العزيز و عبد المجيد عبد العزيز. 1982، ص 38)

و تناول الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط I.Kant (1724-1772) التدريس من خلال ما عرف بالطريقة القاعدية التي ترى أن التدريس لا يعني مجرد نقل المعلومات و التبصر، و لكن غرس الأحكام القائمة على المبادئ و السلوك و بالتالي بناء الإنسان الذي يتحرك ذاتياوعقليا

 و تكمن فيه مفاهيم العلم و الأخلاق و المنفعة.

كما تناول جان جاك روسو J.J.Rousse (1712-1788) التدريس من خلال نظريته الطبيعية التي تدعو إلى اخذ الطفل بما يوافق ميوله و طبائعه و تشجيع غرائزه و إفساح المجال لنموها، و العمل على تقوية صلة الشيء بالطبيعة، و قد أحدثت أفكاره المتصلة بطرائق التدريس ثورة في الفكر التربوي و النفسي لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.

و من جهته تناول بستالوزي  Pestalozzi(1746-1827) التدريس حيث انتقد الطرائق السائدة في عصره و اعتبرها بعيدة عن مناحي الطبيعة و مخالفة لقوانين النفس، و نادى بضرورة سكلجة التربية  و اقترح مجموعة من المبادئ التدريسية تقوم على الحدس و إضفاء المعنى على الكلمات ,  و البدء بالمدركات الحسية و الانتقال من البسيط إلى المركب ومن العام إلى الخاص

 و من المعلوم إلى المجهول و غيرها من المبادئ التي لا يزال معترفا بها حتى اليوم (ساطع الحصري , 1985 , ص 159 ).

  و من بين الذين أثروا حركة التدريس و التعليم جان فريدريك هربارت   J . F. Herbert (1776-1841) الذي اعتبر أن التعليم الصحيح يقوم على عمليتين أساسيتين هما : عملية امتصاص   و استيعاب الأفكار المراد تعلمها , و عملية انعكاس و ربط الأفكار التي  تم استيعابها بالأفكار و المحتويات الأخرى الموجودة في العقل , و أن مهمة المدرس مساعدة التلميذ على القيام بهاتين العمليتين و حدد بذلك أربع خطوات للتدريس طورها تلاميذه إلى خمس خطوات و هي : التمهيد    و العرض , و الربط و التعميم و التطبيق و التي لا يزال التدريس يقوم عليها حتى اليوم . (سليمان قورة , 1985 , ص 296).

و اهتم فروبل Frobel (1782-1852) بالتدريس و دعا إلى طريقة تقوم على تأكيد مبدأ الحرية الموجهة و الاختيار بدلا من القسر و المحاكاة و التقليد لرغبات الكبار, و مبدأ التعلم عن طريق الخبرة و العمل و الحياة النشطة, و مبدأ التطبيق العملي لكل معرفة يتحصل عليها الطفل,    و مـبـدأ الإعتمـاد علــى الميـول و الدوافــع الداخلــية و الإعــلاء مـن شأن اللعب    (G.Mialaret,1981,p 94)  .  

كما اهتم هربرت سبنسر Herbert Spencer  (1820-1903) بالتدريس و نادى بضرورة قيادة الأطفال ليقوموا باستفساراتهم و يستخلصوا استنتاجاتهم و إمدادهم بأقل ما يمكن من المعلومات و تشجيعهم ليكتشفوا قدر ما يستطيعون باتباع الطريقة الاستقرائية التي تسير من استقصاء الحقائق الخاصة  إلى استنتاج الحقائق العامة و استغلال النشاط الذاتي للمتعلم و إعطائه أكبر قدر من الحرية و التعلم عن طريق الخبرة. (صالح عبد العزيز و عبد المجيد عبد العزيز. 1982، ص 38)

و من جهتها اهتمت ماريا منتسوري Maria Montessori  (1870-1952) بالتدريس       و نادت بضرورة التلقائية و الاستقلال في التعلم و أهمية الحرية و الاختيار و إعطاء الفرصة للطفل ليعمل و يتحرك و يبحث عن أسرار البيئة التي يعيش فيها بنفسه و بمجهوده الفردي . و إن التربية يجب ألا تكون عملية نقل معلومات , بل يجب أن تأخذ طريقا آخر و هو السعي إلى إطلاق إمكانات الإنسان , فالتربية عملية طبيعية يمارسها الإنسان بصورة تلقائية و لا يتم الحصول عليها بالاستماع للكلمات , بل بالخبرة الناتجة عن التعامل مع البيئة . .(G.Mialaret, 1981, p 124)

و اقترح ديكرولي Decroly  (1871-1932) طريقة للتدريس  و تنظيم المنهج الدراسي تقوم حول حاجات التلاميذ و اهتماماتهم و محاولة إشباع هذه الحاجات و مواجهة تلك الاهتمامات عن طريق أنواع النشاطات التي يقومون بها , بجمع المعلومات عن طريق المشاهدة و التفاعل المباشر ثم تنظيم هذه المعلومات و تنسيقها جماعيا و بالتعاون تحت إشراف المدرس (سليمان قورة , 1985 , ص 310).

و كان لجون ديوي J . Dewey  (1859-1952) أثرا واضحا في حركة التدريس من خلال أفكاره و نظريته التربوية و مفهومه الجديد لطرائق التدريس التي صاغ بموجبها العديد من المبادئ الموجهة منها الإعلاء من شأن الخبرة المباشرة و الربط بين الخبرات داخل المدرسة و خارجها , و مراعاة الفروق الفردية و الميول و الدوافع و الاستقلال و الاعتماد على النفس و التفكير  و المنطق و أهمية التعاون و الخلق و الإبداع و المعنى , تجسدت كل تلك المبادئ في طرائق التدريس التي اقترحها خاصة طريقتي المشروع و حل المشكلات . ( جون ديوي. د.ت)

ثم تطورت حركة التدريس في إطار التيارات الكبرى التي سيطرت على الفكر التربوي  والنفسي في القرن العشرين نذكر منها : التيار السلوكي , التيار الإنساني , التيار الاجتماعي التيار المعرفي , و فيما يلي توضيحا لذلك :

1-1-التيار السلوكي : اعتمد في تناوله لموضوع التدريس على أعمال بافلوف  و واطسون      و ثورنديك و سكنر و ما تم التوصل إليه من دراسات و أبحاث السلوكيين في مجال التعلم ,      و يمكن تلخيص فكرتهم في التدريس بأنها تدبير يقوم فيه المعلم بتحديد مؤثرات المواقف          و استجاباتها و أنماط التعزيزات التي ستلحق بهده الاستجابات بهدف زيادة احتمالية ظهورها

 وضمان رغبة المتعلم و ما يحقق أهدافه . ساهم هذا التيار في ظهور الكثير من النماذج التدريسية لعل أهمها التدريس المبرمج و التدريس بواسطة الأهداف .

1-2-التيار الإنساني : اعتمد في تناوله لموضوع التدريس على أهمية المبادئ الإنسانية في التعلم من حيث مراعاة جوانب شخصية المتعلم المتكاملة و احترام قيمه  و إنسانيته و إمكاناته . مثل هذا التيار كل من ماسلو و جوردون و كارل روجرز و كومبس و باربرا كلارك . و قد تم الاعتماد على أعمالهم في اشتقاق بعض الافتراضات التي يقوم عليها التدريس , و يمكن تلخيص فكرتهم في التدريس بأنه المجال الذي يتم فيه تهيئة مواقف و خبرات و نشاطات تساعد المتعلم على استغلال طاقاته الإبداعية و قدراته و تتيح له فرصا لإظهار مشاعره و انفعالاته بما يساعده على تطوير شخصيته و فهم دوره ضمن المجموعات التي يعمل فيها.  ساهم هذا التيار في ظهور العديد من النماذج التدريسية لعل أهمها نموذج كارل روجرز .

 1-3- التيار الاجتماعي : و يعتمد في تناوله لموضوع التدريس من خلال التركيز على أهمية التنشئة الاجتماعية و نظريات التعلم الاجتماعي و التعلم بالملاحظة و النمذجة . يمثل هدا التيار باندورا و سالفين Salvin و ولفولك  Woolfolk  و يمكن تلخيص فكرة هذا التيار في التدريس بأن جميع الظواهر التعليمية ناتجة عن الخبرة المباشرة و يمكن أن تحدث من خلال ملاحظة سلوك الآخرين و نتائجها على الشخص الملاحظ  الذي يفتقر إلى ذلك السلوك , و أن التعلم يتم عن طريق الملاحظة و التمثل و النمذجة.  ساهم هذا التيار بدوره في ظهور الكثير من النماذج التدريسية منها نموذج لعب الدور و نموذج التحري الاجتماعي لـ هربرت ثيلين.

1-4-التيار المعرفي : و يعتمد في تناوله لموضوع التدريس على النتائج التي تم التوصل إليها في علم النفس المعرفي و نظرية معالجة المعلومات , يستند عموما إلى ما وصل إليه بياجيه

 و برونر   و اوزوبل و جاردنر و الذين جاءوا بعدهم . 1993 ) Gardner  )  يركز هذا التيار على أهمية الجوانب المعرفية و الوجدانية و دراسة طرق التفكير و استراتيجياته و عملياته

 و تطور البنية المعرفية التي تزود المتعلم بركائز أساسية لفهم عملية التعلم بهدف تطوير خبرات تساهم في تطوير و إعادة بناء البنى المعرفية  و تطوير استراتيجيات التفكير و العمليات المعرفية في المواقف الجديدة . ساهم هذا التيار في ظهور العديد من النماذج التدريسية منها : نمودج برونر , اوزوبل  جانييه, كلوز ماير … .

و من هنا نلاحظ أن الجهود السالفة الذكر مثلت بعض المحاولات التي بذلت عبر التاريخ لصياغة نظرية أو نظريات لتفسير عملية التعلم و التعليم و بمفهوم آخر عملية التدريس , حيث حاول البعض الانطلاق من تصور نظرية تعالج الطرق و الأساليب التي يتعلم الفرد من خلالها , بينما حاول البعض الآخر الانطلاق من تصور نظرية للتعليم أو التدريس توضح الطريقة أو الطرق التي يستخدمها المعلم ليحدث التعلم لدى المتعلم.

يكشف هذا الاختلاف عن طبيعة النقاش الذي ميز حركة التدريس و النظر إلى عمليتي التعلم و التعليم كطرفين متقابلين و الفصل الميكانيكي بينهما و طغيان النظرة الأحادية بالتركيز على أحدهما دون الآخر .إلا أن البحوث و الدراسات التي أجريت في النصف الثاني من القرن العشرين بينت خطأ هذين التصورين و اعتبرت أن التعليم و التعلم كلا متكاملا و أنه من الصعوبة الفصل بينهما . سمحت هذه النتائج بنقد نظريات التعلم العامة و اتهامها بالفشل في تفسير كل أشكال التعلم و أنواعه . وقد أعزى كل من توق و عدس فشل و تقهقر نظريات التعلم في تقديم نظرية  للتعلم الصفي بالمعنى الشمولي و الدقيق للنظرية إلى تعقد موقف التعلم الصفي و كثرة العوامل المؤثرة فيه و عوامل أخرى كتطوير نظريات ضيقة ذات متانة علمية كبيرة بدل الإهتمام بتطوير النظريات العامة العريضة على الرغم مما لها من تطبيقات واسعة (توق و عدس , 1984 , ص 11) . كما اعتبر غاج Gage  (1975) أن مجال تطبيق نظريات التعلم لا تقدم حلولا للمشاكل و القضايا التي يواجهها المعلم في غرفة الصف و اقترح استبدال نظريات التعلم بنظريات التدريس . و اعتبر اوزوبل Ausubel  (1968) أن نظرية التدريس تعني تحويل نظريات التعلم من نظريات عامة تصطبغ بصبغة المختبر إلى نظريات خاصة ترتبط ارتباطا وثيقا بالتعلم الصفي , فعملية الوصول إلى أساليب تدريس فعالة ترتبط ارتباطا كليا بنظريات التعلم و الكشف عن المبادئ التي تسهل عملية التدريس الصفي , و إن نواحي التدريس التطبيقية التي تشتق من هذه المبادئ تكون نظرية التدريس .  و أمام الفشل في التوصل إلى نظريات في التدريس تتصف بكل خصائص النظرية العلمية بدأ التفكير في الانتقال من نظريات التدريس إلى نماذج للتدريس و من طرائق التعلم إلى استراتيجيات التعلم , و ظهرت بذلك نماذج عديدة للتدريس تنوعت بتنوع المنطلقات  و المناظير التي تستند إليها و هو ما نحاول أن نوضحه في هذا الفصل .

 2-محاولة لتعريف التدريس :

التدريس لغة مصدر الفعل( درس ) . جاء في لسان  العرب تحت مادة (درس)  درس الكتاب درسا و دراسة : عائده حتى انقاد لحفظه . (ابن منظور , د ت , ص 968 ) , كما ورد الفعل درس في القرآن الكريم في عدة آيات تفيد عموما فعل القراءة و التعلم الناتج عن المراجعة و التكرار (بن بريكة , 1994 , ص 33) .

أما من حيث الاصطلاح فإن التدريس مصطلح واسع يشير إلى أنشطة عديدة متباينة بعضها واسع لدرجة أنه يشمل الشرطية و التوجيه العقائدي , في حين أن البعض الآخر صنف أنشطة التدريس على أساس الأنواع و المستويات و النماذج أو الطرق    (علي الفنيش , 1982 , ص 104 ) .

 يستخدم البعض مصطلح التدريس بمعنى التعليم أو التوجيه أو التدريب و يميز البعض الآخر بينهما من حيث أن التدريس يفيد اكتساب المعرفة في  غياب أو حضور المعلم , في حين أن التعليم يشترط وجوبا وجود معلم و متعلم و أن التوجيه يتضمن التدريس و ليس العكس . أي أن التوجيه أشمل و أوسع من التدريس . أما التدريب فيمثل جزءا من التدريس حيث يعمل على تشكيل السلوك و يتضمن التدريس كلا من تشكيل السلوك و نقل المعلومات . كما قد يفتقر التدريب للفهم بأن يكون آليا عبر التمرين و التكرار بينما يتطلب التدريس الفهم و الإدراك الواعي .

أما في اللغة الفرنسية فنجد مصطلح Enseignement  و يعني التدريس و التعليم. و في الإنجليزية مصطلحي Teachingو Instruction و يستخدمان بمعنى التدريس و التعليم و يحاول البعض التمييز بينهما .

يشير علي الفنيش أن التدريس مصطلح غامض يفتقر إلى الحدود الواضحة الدقيقة إلا أن هذا لا يعني أنه ليس في الإمكان إدراك معناه , الشيء الوحيد هو أن تعريف التدريس كما لاحظ توماس جرين  T . Grean   لا يشتمل على أي قاعدة تحدد في كل حالة فيما إذا كان يمكن استعمال المصطلح لأنه مرتبط في أذهان الكثيرين بمجموعة من الأنشطة مثل التوجيه العقائدي , الدعاية  النصح , التدريب , التوجيه الشرطي , التمرين و حتى بغسل الدماغ بكل ما يشتمل عليه من تضمينات و دلالات سلبية (علي الفنيش , 1982 , ص 105 ) و عموما يستخدم مصطلح التدريس بطرق مختلفة و بمعان متباينة قد تشير إلى المتعلم مثل التعاليم (Doctrine  ) أو العقيدة أو إلى وظيفة أو عمل الشخص الذي يدرس أو يربي , أو إلى طرق جعل الشيء معروفا للآخرين في الإطار المدرسي.

 إلا أننا سنركز على مفهوم التدريس كنشاط و ليس كعقيدة . في هذا الصدد عرف زياد حمدان التدريس بأنه : عملية تربوية هادفة تأخذ في اعتبارها كافة العوامل المكونة للتعليم , يتعاون خلالها كل من المعلم و التلاميذ لتحقيق ما يسمى بالأهداف التربوية ( زياد حمدان,1984,ص23) .

يكشف هذا التعريف عن مضمون التدريس و العوامل المكونة له من حيث أنه عملية تعاونية بين هذه المكونات لغرض محدد . و عرفه علي راشد بأنه نظام من الأعمال مخطط له يقصد به أن يؤدي إلى نمو و تعلم التلاميذ في جوانبهم المختلفة و هذا النظام يشتمل على مجموعة من الأنشطة الهادفة يقوم بها كل من المعلم و المتعلم و يتضمن  عناصر ثلاثة : معلما و متعلما و منهجا دراسيا.  هذه العناصر ذات خاصية دينامية كما أنه يتضمن نشاطا لغويا هو وسيلة اتصال أساسية بجانب وسائل الاتصال الصامتة و الغاية من هذا النظام إكساب التلاميذ المعارف و المهارات  و القيم و الاتجاهات و الميول المناسبة  ( علي راشد , 1988 , ص91 ) . يكشف هذا التعريف عن الطابع النظامي و التخطيطي للتدريس من حيث أنه عملية منظمة تتضمن ثلاث مكونات هي المعلم و المتعلم و المادة . تتفاعل هذه المكونات عبر مجموعة من الأنشطة التي يقوم بها كل طرف تتحدد عبرها طبيعة العلاقة بين المكونات , أي علاقة معلم له شخصية ناضجة مكتملة بمتعلم له شخصية لم تكتمل بعد لنقل و إكساب المعارف و المهارات   و الاتجاهات .  كما عرف إسحاق أحمد فرحان و آخرون التدريس بأنه عملية توفير الشروط المادية  و النفسية التي تساعد المتعلم على التفاعل النشط مع عناصر البيئة التعليمية في الموقف التعليمي و اكتساب الخبرات و المهارات و الاتجاهات و القيم التي يحتاجها هذا المتعلم و تناسبه و ذلك بأبسط الطرق الممكنة  (إسحاق  فرحان و آخرون , 1984 , ص 247-248 ) يكشف هذا التعريف عن الشروط التي ينبغي أن تتضمنها عملية التدريس لتحقيق التفاعل الإيجابي للمتعلم مع المعلم و المادة في الموقف التدريسي . و قد حاول فينسترماشر Fenstermacher  (1986 ) توضيح مفهوم التدريس حسب المعادلة القائلة ان القدرة على التدريس تتمحور حول التالي : معلم يعرف شيئا ما غير مفهوم لدى آخرين، يفترض ان يكونوا هم الطلبة , و يستطيع المعلم أن يحول الفهم و مهارات الأداء أو المواقف و القيم المنشودة إلى عمل تدريسي باستخدام طرق مختلفة للتعبير عن الأفكار أو تمثيلها حتى يصبح عدم معرفة الشئ معرفة به و يصبح أولئك الذين لا يفهمون الشيء المعني على علم به , و يصبح من تنقصه المهارة قد امتلك ناصيتها . و هكذا فإن طبيعة الأشياء تقتضي أن يبدأ التدريس بفهم المدرس لما يراد تعلمه و كيفية تعليمه و يسير التعليم من خلال سلسلة من النشاطات يعطى  الطلبة أثناءها تعليمات محددة و فرصا للتعلم . و إن ظل التعلم في نهاية المطاف مسؤولية الطالب نفسه , و ينتهي التعليم بفهم جديد لدى المدرس و الطالب على حد سواء . تركز هذه المعادلة على أهمية الفهم في التدريس , فهم المدرس لما يراد تدريسه و تنمية الفهم لدى المتعلم لما يراد تعليمه . و على الرغم من أهمية الفهم في العمل التدريسي إلا أنه لا ينبغي أن يفهم اقتصار التدريس على تنمية الفهم , بل إنه أكثر من ذلك حيث ان هناك وظائف أخرى يعمل التدريس على تحقيقها و تنميتها سواء كعمليات معرفية أو وجدانية أو مهارية حركية.

كما قدم هندرسون و ليز مفهوما واسعا للتدريس باعتباره عملية معالجة مدخلات التدريس (غرفة الدراسة و التجهيزات و الوقت و المتعلمين و المادة المنهجية) بواسطة أسلوب تعليمي محدد لينتج في النهاية التغير السلوكي المطلوب لدى التلاميذ.

يحدد هدا التعريف ثلاث مكونات لفعل التدريس و هي :

- المدخلات : و تضم خلفية المعلم و خصائصه و خلفية التلاميذ و خصائصهم و المنهج و أهدافه و خصائص المجتمع المدرسي و المجتمع المحلي و المدرسة و خصائصها …

- المخرجات : و تضم التعلم و ما يمثله من معرفة و شعور و قيم و مهارات سلوكية متنوعة .

- العمليات التي تنجم عن تفاعل سلوك المدرس و أساليب تفاعله مع التلاميذ ( عن زياد حمدان , 1984 , ص 56).

 كما شهد مفهوم التدريس تحولا من المفهوم التقليدي الذي يعتبره مجرد نقل المعلومات و المعارف  و تنظيم الموقف التعليمي إلى المفهوم الذي يعتبره نشاطا لإحداث تغير سلوكي لدى التلاميذ ثم إلى المفهوم الذي يعتبر التدريس نشاطا واعيا يقوم به المدرس لإحداث التغير في معرفة المتعلم أو بنائه المعرفي من حيث الكم و الكيف و التنظيم و الترابط و التكامل و التمايز   و الاتساق باستخدامه لعملياته المعرفية و فهم الميكانيزمات التي تتحكم فيها من ناحية . وفهم المحتوى المعرفي الذي تعالجه هذه العمليات من ناحية أخرى . و أصبح ينظر إليه حديثا على أنه فعل يقوم على المنطق  و يستمر كعملية عقلية منطقية تتجسد في الأداء القائم على العطاء        و الاستنتاج و المشاركة التامة  و الإقناع و بأنه أيضا عملية تقوم على الاستيعاب و المنطق      و التحول و التأمل و هي الجوانب التي تتجاهلها الأبحاث و الممارسات التقليدية . و في هذا الصدد يقدم شولمان Schulman  (1988) تعريفا لمفهوم التدريس حسب التصورات الحديثة فيقول بأنه : نشاط يشمل الأداء الذي يمكن ملاحظته لعدد من أشكال الفعل التعليمي , و يضم العديد من فعاليات التعليم بالغة الأهمية , كالتنظيم و إدارة الفصل , عرض الشروح الواضحة و الأوصاف الحية , تحديد العمل والتأكد من أدائه و كذلك التفاعل المفيد مع الطلبة من خلال الأسئلة و تحسس وجهات النظر والإجابات و ردود الأفعال و الثناء و النقد, و هكذا فإن النشاط التدريسي يضم إدارة الفصل والشرح و المناقشة و كل الجوانب التي يمكن ملاحظتها من جوانب التدريس الفعال       و المباشر والكاشف ( شولمان , 1988 , ص 65).

من التعاريف السابقة يمكن القول أن التدريس هو نشاط يقوم به المدرس بهدف تغيير سلوك المتعلم و بنيته المعرفية باستخدام طرائق و أساليب و محتويات محددة و بالتالي فهو نشاط غرضي مقصود صمم ليقدم تعلما . و تشمل ظاهرة التدريس بذلك ثلاث عناصر : المدرس , الطالب والمادة الدراسية , و لا بد لهذا الثلاثي من أن يتسم بسمة المرونة و الحركية , كما أن العلاقة بين المدرس   و الطالب يجب أن تكون موضع اهتمام خاص عند اختيار طريقة التدريس بحيث يجب أن تضع في اعتبارها بالإضافة إلى المجال الإدراكي الفكري و المادة الدراسية , الجانب الوجداني و ما ينتج عنه من انعكاسات إنسانية , أي الإنسان ككل في تركيبة متكاملة (علي الفنيش , 1982 , ص 111)

و عموما يختلف مفهوم التدريس حسب المنظور الذي يتم تناوله منه , و سنركز بدورنا على المنظور المعرفي للتدريس تماشيا مع الإطار العام لهذا البحث .

من التحليل السابق و انطلاقا من المنظور المعرفي يمكن الوصول لتصور  مفهوم التدريس على النحو التالي :

إن التدريس مجموعة من الأنشطة و العمليات المتكاملة المتمثلة في الفهم و التشكيل والتمثيل و التكييف و التنفيذ و التقويم و التأمل و إعادة الفهم .ويمكن توضيح كل ذلك كما يلي :

-         الفهم : يتضمن التدريس الفهم أولا . فلكي يعلم المدرس يجب أن يفهم بطريقة ناقدة المحتويات و الأفكار التي سيقوم بتدريسها , و فهم أفكارها من وجوهها المختلفة و فهم العلاقات المتضمنة بينها ضمن نفس الموضوع , و كذلك علاقتها بأفكار موضوعات أخرى . ولا يمكن للمدرس أن يدرس أمرا لا يفهمه. يتجلى الفهم من خلال قدرة المدرس على تحويل المعرفة بالمحتوى إلى أشكال من التأثير التعليمي و القابلية للتكيف مع اختلاف قدرات الطلاب و خلفياتهم.

-          التشكيل : و يتمثل في قدرة المدرس على تحويل المحتويات و الأفكار التي جرى فهمها       و تشكيلها بصورة أو بأخرى أي تحويل المعرفة العلمية إلى معرفة قابلة للتدريس . يتطلب هذا الأمر إعداد المحتويات و تفسيرها تفسيرا ناقدا و اختيار الطرق و الأساليب الملائمة للتوصيل بمراعاة خصائص المتعلمين و حاجاتهم. فيتحرك المدرس من الفهم الشخصي إلى الإعداد لفهم الآخرين.

-          التمثيل : و يتمثل في تفكير المدرس في المحتويات الموضوعة للتدريس و التعرف على البدائل الخاصة و أنواع المقارنات و الإيضاحات و المحاكاة و ما شابه ذلك مما يمكن من بناء جسور بين فهم المدرس للمحتوى و بين الفهم الذي يرغب أن يصل إليه الطلبة و اختيار أشكال التمثيل و العرض و التعلم المختلفة .

-          التكييف : و يقصد به مواءمة المادة المتمثلة و خصائص الطلبة التي ستؤثر على استجابتهم لمختلف أشكال التمثيل و العرض و ما هي المفاهيم و التوقعات و الدوافع والإستراتيجيات التي قد تؤثر على الطرق التي يحاول الطلبة من خلالها الاقتراب أو تفسير أو فهم المادة التي يتعلمونها .

-          التنفيذ : و يضم النشاط الفعلي للتدريس من تنظيم و إدارة الفصل و الشرح و التوضيح         و المناقشة و التفاعل .

-          التقويم : و يتضمن قيام المدرس بالمراجعة الفورية للفهم أو سوء الفهم و يمثل أنواع التغذية الرجعية  التي يمكن الحصول عليها أثناء الموقف التدريسي أو بعده , كما يعني تقويم الطرق التي يستخدمها المدرس في تدريسه و مدى فعاليتها .

-          التأمل : و يتضمن العملية التي يقوم فيها المدرس باسترجاع التعليم و التعلم الذين حدثا        و إعادة بناء و تمثيل ما تم , و استرجاع الأحداث و المشاعر و الإنجازات , و يعبر التأمل عن نوع من المعرفة التحليلية لخبرات المدرس التي يستعين بها لتطوير تدريسه .

-          إعادة الفهم : و يتضمن الفهم الجديد الذي يتوصل إليه المدرس للأهداف التعليمية و فهما جديدا للطلبة و العمليات التعليمية على حد سواء . هذا الفهم الجديد لا يحدث تلقائيا حتى بعد التقويم و التأمل و إنما يحتاج الأمر إلى استراتيجيات خاصة تقوم على التشويق و التحليل        و المناقشة .

 3- نظريات التدريس :

 تندرج نظريات التدريس ضمن النظريات التطبيقية المعيارية لأن التدريس ميدان تطبيقي , لذلك فإن ما يطبع نظرياته هو المعيارية ما دامت تصف و تحدد المعايير  التي توجه العملية التعليمية . فهي بالإضافة إلى ما تزود به من وصف و تفسير توضح السلوك الواجب اتباعه لتحقيق الأهداف المنشودة . و توصف بأنها نظريات افتراضية لأنها تهدف بشكل أساسي إلى افتراض ما ينبغي القيام به لتحقيق أهداف مثلى , في هذا الصدد يفترض ريجيليوث Reigeluth.1983 p 22) ) أن المبادئ الافتراضية و النظريات هي ذات توجه نحو الهدف , في حين أن المبادئ الوصفية و النظريات متحررة من الهدف , ففي الوقت الذي تهدف فيه المبادئ الافتراضية إلى تحقيق هدف تقتصر المبادئ الوصفية على وصف النواتج . لذلك يمكن القول أن النظرية الإفتراضية هي مجموعة من النماذج أي مجموعة من الإفتراضات التي يعمل فيها النموذج على الارتقاء بالنواتج التعلمية المرغوب فيها وفق شروط محددة , بينما تعد النظرية الوصفية مجموعة من الأوصاف التي تحدث وفقها النواتج التعليمية وفق شروط تعلمية محددة باستخدام نموذج تدريسي محدد (قطامي و قطامي  1988, ص 21) تشترك نظريات التدريس مع نظريات التعلم في الموضوع اي فعل التعلم، حيث تبحث نظريات التعلم في كيف يحدث التعلم     و طبيعته و تفسيره، بينما تبحث نظريات التدريس في الشروط التي تحدث التعلم ، اي ما هي الإجراءات و الخطوات التي ينبغي اتباعها لكي يحدث التعلم.

 كما إن نظرية التعلم ينبغي أن تكون شاملة في معالجتها لأسباب حدوث التغيرات التعلمية و قد تكون ناقصة فيما يتصل بالمضامين العملية التي تهم المربين، بينما ينبغي أن تكون نظريات التدريس شاملة فيما يتصل بالمبادئ العملية و قد تكون قاصرة أو غير تامة فيما يتصل بأسباب فاعلية مثل هذه الإجراءات أو عدم فاعليتها. أما الفرق الرئيس بين نظريات التدريس و نظريات التعلم فيكمن في أن الأولي تركز على طرق التدريس و الظروف و تحقيق النواتج المرغوب فيها المخططة و المنظمة و تعنى بما يفعله المدرس، بينما تركز الثانية على ما يحدث للمتعلم و كيف يحدث التعلم. كما ان نظرية التدريس ينبغي ان تتضمن متغيرات طريقة تدريس محددة و اذا لم تتضمن ذلك فهي ليست نظرية تدريس. و ترجع اهمية ذلك الى ان كثيرا مما يمكن تسميته نظرية تدريس هو حقيقة نظرية تعلم، حيث ان نظرية التدريس سهلة التطبيق نسبيا في الصف لانها تصف طرقا في التدريس، بينما يصعب ذلك في نظرية التعلم لانها لا تصف  اسلوبا او طريقة في التدريس و لكنها تتضمن شروط التعلم (Gage 1979  عن قطامي و قطامي 1998. ص 23).

اشتقت بعض نظريات التدريس من نظريات التعلم باستخدامها كأساس للتطبيق تستخلص منه المبادئ التي تفيد النواحي العملية، لكن هذه الجهود لم تحقق الأهداف المعقودة عليها (عبد الحميد جابر 1989 ص 255) فجاءت بذلك نظريات التدريس لتهتم بالمبادئ الأساسية للسلوك اهتماما قليلا و اهتمت بمبادئ التعلم اهتماما كثيرا بالتركيز على النواحي التطبيقية، كما جاءت كمحاولة لتخطيط التعليم على نحو نظامي بدرجة اكبر و تخطيط يستند إلى مبادئ اختبرت علميا.ينصب الاهتمام الأساسي لنظريات التدريس على الإجراءات التي تمت البرهنة على سلامتها، و التي تتسق مع تصورات المجتمع للخبرات التربوية، و في هذا السياق قدم جوردون

(Gordon) تعريفا لنظرية التعليم (التدريس) باعتبارها مجموعة من العبارات التي تعتمد على بحث علمي سديد قابل للإعادة يسمح للمرء بان يتنبأ بكيفية تأثير متغيرات معينة في البيئة التعليمية في

 و نظرية التقويم (عبد الحميد جابر 1989 ص 257).

 بررسيجل Siegel (1967) الحاجة إلى نظريات التدريس بان هناك أسئلة تتصل بالممارسات التربوية و بالمناهج و الإدارة و التعلم تتطلب إجابات لها في ضوء تنظيم نسقي      و ضوء النتائج التي أسفرت عنها الدراسات العلمية التي تتصل بهذه الأسئلة. كما أنها تسهم في اقتراح ممارسات تربوية افضل مما هو سائد و التنبؤ بفاعلية المستحدثات التربوية أو عدم فاعليتها وتوجيه جهود الباحثين في المستقبل على نحو منظم.

و من جهته دعا سكنر Skiner  (1969) إلى ضرورة دراسة أنشطة المتعلمين و تطوير المبادئ التي تتصل بالتدريس بدلا من الاكتفاء بفهم العمليات النفسية الكامنة في التعلم، و يرى ان المواقف العملية أساس سليم تشتق منه المبادئ ثم تختبر صحتها في ضوء هذه المواقف              (Skiner, 1969 p 275).

 و بدوره نادى اوزوبل Ausubel  (1978) إلي ضرورة التكامل بين نظريات التعلم ونظريات التدريس و اعتماد كلا منها على الآخر و صاغ في ضوء ذلك نظريته التي اهتمت بالأساس بالتعليم المدرسي ذي المعنى ليبتعد عن التيار السائد في صياغة نظريات التعلم.

و من جانب آخر ميز جوردون Gordon (1963) بين نظريات التدريس و نماذج التدريس  حيث أن النماذج تتآلف من أمثلة معينة لإجراءات تعليمية آما النظريات فتتضمن صياغات اكثر تجريدا  و اقترح مجموعة من المعايير و المحكات لصياغة نظريات التدريس و تقويمها كما يلي:

1- أن تشتمل على مجموعة من المسلمات و تعرف المصطلحات التي تتضمنها.

2- أن توضح مجال اهتمامها و حدودها و نواحي القصور التي تعمل في إطارها.

3-  أن تتميز بنوع من الاتساق الداخلي، أي مجموعة من العلاقات البينية المنطقية.

4-  أن تتطابق مع البيانات الامبريقية و تشتق تعميمها النظري من تلك البيانات.

5-  أن تكون قادرة على توليد الفروض التي يمكن اختبارها تجريبيا.

6-  أن تشتمل على تعميمات و أن تكون قابلة للتحقيق.

7-  أن تصاغ بطريقة تسمح بجمع البيانات لإثبات صحتها أو خطئها.

8-  أن تكون قادرة على التنبؤ بالوقائع المستقبلية.

9-  أن تكون نوعا من التأليف الكيفي تتيح للتطورات المستقبلية التعبير عن متغيراتها كميا.

تصلح هذه المعايير لصياغة و تقويم نماذج التدريس مما يؤكد التداخل القائم بين  نظريات التدريس و نماذجه، إلا انه يمكن القول أن نماذج التدريس تمثل الصياغة المبدئية لنظريات التدريس او هي نظرية للتدريس لم تتضح بعد على حد تعبير محمد الدريج (محمد الدريج و آخرون ،  1988 ).

يتضح مما تقدم التفاعل القائم بين عمليتي (التدريس) التعليم و التعلم  ، فإذا كان التعلم تغيير في السلوك أو البنية المعرفية يتصف بنوع من الديمومة النسبية ينتج عن الخبرة  و التفاعل مع البيئة فان التدريس (التعليم) مجموعة نشاطات تهدف إلى إحداث هذا التغيير و تبدو بذلك عملية التعليم اكثر تحديدا من عملية التعلم خاصة في أوضاع التعلم المدرسي حيث يأخذ التعليم شكلا من التدريب الواعي   و المنظم و يؤدي إلى إنشاء بيئة مشتركة بين المعلم و المتعلم (عبد المجيد النشواتي 1985. ص 547).

من جانب آخر يتضح آن نماذج التدريس تستندا أساسا إلى نظريات التعلم التي تمثل القاعدة الأساسية التي تشتق منها مبادئها و تعميماتها لاقتراح افضل الاستراتيجيات التي يمكن اتباعها لتحقيق أهداف تعليمية محددة. و في ضوء ذلك اتجه العلماء إلى صياغة العديد من النماذج التدريسية المختلفة. تعكس هذه النماذج وجهات نظر معينة حول جوانب التعلم الهامة               و استراتيجيات تعلمها و تعليمها. و رغم الاختلاف الظاهري بينها إلا أن هناك بعض المظاهر المشتركة التي تقارب بينها خاصة اعتمادها على المبادئ السيكولوجية للتعلم و استخدام مفاهيم أساسية هادفة لتحقيق تعلم افضل.

4-عوامل التدريس و متغيراته و عملياته :

انقسم الباحثون في نظرتهم للتدريس، فمنهم من اعتبره فنا يقوم المعلم خلاله بصقل شخصيات التلاميذ و تطوير عادات جديدة لديهم، و منهم من اعتبره علما تطبيقيا يقوم حسب مبادئ و قوانين و نظريات نفسية و تربوية محددة. و منهم من يعتبره علم و فن في آن واحد. فهو فن لان المدرس يظهر من خلاله قدراته الإبتكارية و الجمالية في التفكير و اللغة و الحركة       و التعامل (بن بريكة، 1994. ص 16) و هو علم تطبيقي يستند إلى عدد من العلوم الإنسانية      و الطبيعية و ما تقدمه من تضمينات نظرية و تطبيقية (زياد حمدان 1984.ص 27) و في ضوء النظرة العلمية للتدريس حاول بعض العلماء دراسة عوامل التدريس و متغيراته و عملياته للتحكم فيها و كشف تأثير بعضها على بعض و في هذا الإطار حدد محمد زياد حمدان عوامل التدريس في أربعة عوامل هي: المعلم و المتعلم و المنهج و البيئة الصفية، و هي عوامل متكاملة يؤثر كل منها سلبيا أو إيجابيا بنصيب واضح في توجيه و إنتاج البيئة المدرسية، تتفاعل هذه العوامل بعضها مع بعض حيث يتفاعل المعلم مع التلاميذ من جهة، و يتفاعل المعلم و التلام%

أرسلها إلى صديق