• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

الخدمات التربوية

نماذج التدريس والتعلم

نماذج التدريس والتعلم[*]

إن هدف عرض هذه النماذج يتمثل في تقديم نظريات التعلم والتدريس للقارئ والتي من خلالها ينجز الفعل التعليمي – التعلمي بشكل أكثر نجاحا إذا ما اعتمدت في تنفيذ هذا الأخير، فالاعتماد على المنهجية التقليدية في تقديم المعرفة في الصف الدراسي: المدرس موجب والمتعلم سلبي، سوف يصبح المتعلم وعاء لحزن هذه المعرفة دون التصرف فيها ولا استخدامها في حل المشكلات التي قد تواجه حاملها. ومن هنا ظهرت هذه النماذج والنظريات قصد تخطي التدريس التقليدي والاعتماد على التعلم والتدريس الفعال من أجل جعل اكتساب المعرفة منطلقا من حاجات ورغبات المتعلم وبالتالي إشراكه فعليا في بنائها وبلوغ النتائج التي يخطط لإكسابها للمتعلم.               

1- النموذج التكويني للمعرفة لجان بياجيه 

تعتبر دراسات جان بياجيه   Jean  Piaget (1896 – 1980) من أهم الجهود في مجال النمو المعرفي، حيث قدمت تفسيرا متميزا لارتقاء التفكير من ناحية، وبناء المعرفة من ناحية ثانية بافتراض أنّ التفكير ينمو والمعرفة تبنى  (L’intelligence se développe, le Savoir se Construit  ).
انطلق بيـاجيه في دراساته من تحليل طبيعة التفكير استنادا إلى نظريات علم الأحياء و الفلسفة والفيزياء ، نتيجة تأثره بتكوينه الأولي في البيولوجيا وبعلم المعرفة الوراثية (الإبستمولوجيا) التي طبعت أعماله فيما بعد ؛ ( Freman , 1993 , p 51) . 

وقد كان لأعمال بياجيه أثر واضح في الكثير من التطبيقات التربوية، بل وتعتبر من الأسس الأكثر صلابة لحركة التربية الجديدة (Delandsheere , 1992 , p 50). ولعل من أشهر أعماله النظرية العملياتية للذكاء التي قدّم فيها تفسيرا لكيفية نمو التفكير وحدد فيها هذا النمو في أربعة مراحل هي:

أ  – المرحلة الحسية الحركية  Stade Sensori-moteur  

ب – مرحلة ما قبل العمليات     Stade pré-opératoire 

ج – مرحلة العمليات الحسّية   Stade Des opérations concrètes   

د – مرحلة العمليات الشكلية Stade Des opérations Formelles  

وتتميز كل مرحلة نمائية بنمط معين من التفكيـر والتعلّم، ( Brossard et Fijalkow , 1998 )

مفهوم البنية المعرفية  Structure Cognitive    

يشيـر مفهـوم البنيـة المعرفية إلى أن التفكير ينمو كأبنية أو تراكيب معرفية تتغير مع العمر نتيجة تفاعل الفرد مع بيئته ( Piaget  , 1975 , p 10 ) .

تعبر البنية المعرفية عن مجموعة الخلايا الدماغية التي تتعلق بتحديد مستوى الذاكرة طويلة المدى ، والذاكــرة قصيـرة المـدى، وكذلك الإدراك المعرفـي الـذي تتـم فيه عمليـة الاستيعـاب وربط الأسباب والمسببات والتفسير والتحليل ؛ وهناك أيضا البنية الحسية التي هي بمثابة القنوات التي تنقل المعلومات من العالم الخارجي إلى الدماغ .

تمر البنية المعرفية بأربع مراحل مختلفة حسب مراحل النمو السالفة الذكر، تمثل كل واحدة منها شكلا من أشكال التفكير، ويمكن تحديد عدة اعتبارات لهذه المراحل منها :

- تتألف كل مرحلة من فترة تشكيل للبناء المعرفي وتمتاز بالتنظيم المطرد للعمليات العقلية كما تكون نقطة انطلاق لتشكيل المرحلة التي تليها، فالمراحل الأربع متداخلة فيما بينما  تداخلا عضويا، كما يسير الاطراد من مرحلة سابقة إلى مرحلة لاحقـة حسـب قانـون يشبـه قانـون التكامـل، بمعنى أن الأبنية المعرفية السابقة تصبح جزءا لا يتجزأ من الأبنية اللاحقة (César. C, 1998 , p 17 ).

مفهوم التنظيم  L’organisation

ينظر بياجيه إلى أن للتفكير وظيفتين أساسيتين ثابتتين لا تتغيران مع العمر وهما وظيفة التنظيم و وظيفة التكيف. تمثل وظيفة التنظيم نزعة الفرد إلى ترتيب العمليات العقلية وتنسيقها في أبنية كلية متناسقة ومتكاملة،  وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يبقى إلا إذا نظم العمليات البيولوجية بطريقة تحقق التناسق والتكامل فيما بينها؛ نفس الشيء بالنسبة للعمليات المعرفية، حيث أنّ الذات المتعلمة تعمل على ترتيب وتنظيم هذه العمليات في أبنية معرفية متكاملة .

      كما يشير التنظيم إلى طبيعة البنى العقلية التي تقوم بالتكيّف، ويعتقد بياجيه أنّ العقل منظم بطريقة بالغة التعقيد والتكامل ، وأبسط مستوياته المخطط (Schème) وهو تمثيل عقلي ReprésentationMental  لبعض الأفعال الفيزيقية أو العقلية التي يمكن أن تؤدى إلى شيء. فبالنسبة للطفل حديث الولادة تعتبر الرضاعة أو المص والقبض على الأشياء و النظر هي مخططات وهي طرق يتعرف عن طريقها الطفل على العالم المحيط به. ومن خلال الارتقاء تصبح هذه المخططات تدريجيا متكاملة و متآزرة بطريقة منظمة لتشكل في نهاية الأمر عقل الراشد. فالمعلومات بالنسبة للطفل الصغير تتضح من خلال أفعال حركية ظاهرية مثل القبض على الأشياء، ومن ناحية أخرى فإنه مع الارتقاء تصبح مخططات الأفعال هذه مستدخلة "Intériorisée " بشكل تدريجي بمعنى أنها تحدث داخل الرأس في تتابع متلاحق و سريع من الأفكار .

مفهوم التكيف  L’adaptation

يعتبر التكيف الوظيفة الثانية للتفكير ويشير إلى نزعة الفرد إلى التلاؤم والتآلف مع البيئة التي يعيش فيها، ولكل فرد طريقة خاصة في التكيف، وهو لا يستطيع البقاء إذا لم يتمكن من التكيف مع البيئة التي يعيش فيها. (Piaget  1967)

يرى بياجيه أن الطفل يتطور معرفيا من خلال تفاعله مع بيئته الطبيعية وإن كل سلوك يصدر عنه يظهر وكأنه عملية تكيف أو إعادة تكيف وأن الطفل لا يتصرف إلا إذا شعر بالحاجة إلى ذلك. (Piaget , 1963 , p 10 ). فكل سلوك يفرض مظهرا ديناميكيا وشعوريا ومظهرا ذهنيا انبنائيا.

ينظر بياجيه إلى التكيف على أنه عمليتين متكاملتين هما التمثيل و المواءمة  .

التمثيل l’Assimilation

وهو عبارة عن نزعة الفرد لأن يتمثل المعارف والمعطيات المكتسبة من العالم الخارجي في بنائه العقلي، بأن يستوعبها ويدمجها؛ كأن يغير الفرد من صورة الشيء لتناسب ما يعرفه.

 كما يشير التمثيل إلى العملية التي تسمح للفرد بإدماج المعطيات والمعلومات الصادرة عن المحيط الخارجي في إطار نشاطه و أفعاله الحركية أو الفكرية، وتتمثل في جملة الأفعال المنظمة: الجمع ، العكس، الترتيب، التصنيف الإمساك، النفي، الإثبات … تسمى هذه العملية تمثيل أو استيعاب لأنها تمكن من إدخال المعطيات الخارجية إلى الذهن حيث تفهم وتؤول وتفسر طبقا لما يتضمنه من عمليات وبنيات فكرية متنوعة لتخرج في نهاية المطاف عبارة عن أشكال معرفية. ( Piaget, 1989, p 114 )

1-3-2- الموائمة l’Accommodation

تسمى هذه العملية أيضا بالتلاؤم لأنها تقود الفرد إلى تعديل أنشطته وعملياته وبنياته الفكرية حتى تصبح في مستوى فهم وتفسير ما يجري في المحيط الخارجي من أحداث وتغيرات مختلفة. وهي عبارة عن نزعة الفرد لأن يغير استجابته لتتلاءم مع البيئة المحيطة به، كأن يغير من تراكيبه المعرفية ليواجه مطالب البيئة، أو هي العملية التي تجبر الفرد على الإنصات والانتباه لما يحدث في المحيط الخارجي من تغييرات ليصبح فعله أو نشاطه الفكري في حالة اضطرار لكي يتوافق مع كل تنوع خارجي. (Piaget, 1981, p 15)                 

يعتقد بياجيه أنه عن طريق هاتين العمليتين (الاستيعابوالمواءمة) يتحقق الفعل المعرفي وبالتالي الفعل التعليمي، وبواسطتهما يحدث التفاعل المطلوب بين الذات والموضوع أو بين المتعلم و موضوع التعلم إلى أن يتم التوصل إلى بناء شكل المعرفة المطلوب الذي يعكس من الناحية السيكولوجية حالة توازن محددة.

1-4- التوازن L’équilibre

استعمل مفهوم التوازن في حقول معرفية متنوعة قبل أن يدخل إلى حقل التفكير السيكولوجي (Piaget, 1981, p 172) و قد استعمله بياجيه في إطار دراسته للنمو المعرفي واعتبره محركا أساسيا لكل نشاط فكري أو حركي لدى الفرد . فالتعلم أو المعرفة لا يمثلان أنشطة عينية، بل أنهما تستهدفان بلوغ حالة توازن فقدت عند الفرد من جراء إحدى العاملين . إما تغيرات ظهرت في محيط الفرد و أنشأت لديه حاجة إلى المعرفة أو إلى التعلم ، أو تغيرات طرأت على مستوى تفكيره ( تعارض فكرتين مثلا ) وتطلب منه الأمر فهم وتفسير هذه التغيرات. (Piaget, 1975, p 16 ). غير أن كل حالة توازن نفسي لا تعتبر إلا حالة مؤقتة إذ سرعان ما يعقبها خلل أو اضطراب جديد يستدعي بدوره نشاطا جديدا قصد تجاوزه وعلى هذا الأساس يتسم التوازن بما يلي :

- يتميز بصفة الاستقرار لا الثبات، فهو توازن متحرك ومستقر في نفس الوقت .

- نتحدث عن التوازن عندما يتم تعويض التغيرات الخارجية بواسطة أنشطة صادرة عن الذات .

يعتبر يباجيه أن كل الأنشطة التي يقوم بها الشخص في وضعية معينة هي أنشطة هادفة ، أي أن الفرد يستخدمها في اتجاه تحقيق غاية محددة تتمثل أساسا في إشباع حاجة معينة من حاجاته المختلفة ، ويمكن القول بصفة إجمالية أنّ كل نشاط أي كل حركة أو تفكير أو شعور يجيـب علـى حـاجـة ، والحالة هذه أن الحاجـة هـي دائما مظهـر من مظاهـر اللاتوازن  فهنـاك حاجـة عنـدما يتغيـر شيء مـا خارجنـا وداخلنـا ويقتضي ذلك إعادة ضبط تصرفـاتنا وفقـا لذلك التغير (     Piaget , 1981 , p 12 – 13 ) .

     وإذا كان التعلم نشاطا ذهنيا وحركيا مثله في ذلك مثل سائر التصرفات والسلوكات ، فإنه يمثل بدوره نشاطا وظيفيا لا يتم دون أن تكون هناك حاجة إليه من طرف المتعلم ، تجعله يتّخذ من التعلم نفسه وسيلة للإجابة على سؤال ما ، أو لإيجاد حل لمشكل ما أو لفك أسرار موضوع يشغله أو لمواجهة وضعية ذهنية أو ملموسة ، وبحصول هذا الشرط يصبح فعل التعلم ذا معنى وظيفي بالمعنى الذي يتيح فيه لهذا الأخير الوصول إلى حالة من التوازن النفسي الضروري .

1-5- بناء المعرفة Construction du Savoir  

      ينظر بياجيه إلى بناء المعرفة على أنها عملية وظيفية يجيب بواسطتها الفرد على سؤال أو مشكلة أو وضعية محددة ، وهي إلى جانب ذلك عملية توازنية تمكن من ضبط العلاقة بين التلاؤم والاستيعاب ، وأخيرا إنها عملية ديالكتيكية بنائية تتطلب :

-         التأثيـر على الموضوعات والأشياء الخارجة عن الذات ، بتحويلها وتجزئتها وتحليلها ، أو الجمع بينها وتقسيمها …أي التأثير على نظامها أو على بنيتها أو ترتيبها وفك العلاقات فيما بينها أو إقامة علاقات جديدة . 

-          دمج هذه المعلومات في إطار بنية ذهنية محددة لدى الفرد وتتشكل أساسا من مجموعة من العمليات والأنشطة الذهنية الممكنة في مستوى عمري معين، ومن شأن هذا الدمج أو الاستيعاب أن يقود إلى صنع أشكال محددة من المعرفة مضمونها مكون من المعطيات الملتقطة وصياغتها على نحو ما ناتجة عن إخضاعها لعمليات ذهنية محددة... إنها على الأصح عملية تجريد لمعطيات أو موضوعات ملموسة تتم عن طريق نشاط ذات إبستمية ، وهو نشاط ذو بعدين أساسيين :

   - بعد حسي حركي خارجي وبعد ذهني مستبطن ، إلا أنّ التجريد في النظرية التكوينية يتنوع بتنوع الموضوعات  التي يمارس عليها و على هذا الأساس ميّز بياجيه بين صنفين من التجريد ، أي طريقتين لبناء المعرفة ، وهما : التجريد الأمبريقي والتجريد المفكر( Piaget ,1977 , p 5  ) .

      يمكن تمثيل أهم المفاهيم التي جاءت بها نظريات بياجيه لتفسير عملية التفكير والتعلم بالمعادلة التالية :

التمثيل + التنظيم = التلاؤم .

 التمثيل + التنظيم + التلاؤم = التوازن .

  التمثيل + التنظيم + التلاؤم + التوازن = التكيّف .

   فتكون النتيجة النهائية التي تسعى إليها الذات المتعلمة عبر كل تلك العمليات هي التكيف ، ويغدو كل بحث عن المعرفة هو بحث عن التكيّف .

2- النظرية الثقافية الاجتماعية للتعلم المعرفي لفيجوتسكي :

lathéorie Socio-Culturelle du développement et d’apprentissage Cognitive

يعتبر ليف فيجوتسكي Lev . Vygotsky (18961934) أول من صاغ نظرية اجتماعية ثقافية للتعلم، وأدخل أطروحة التكون الاجتماعي للنفسوالعقل ، معتبرا أنّ العقل اجتماعي في جوهره ، وأن ارتقاء التفكير لا يسير من الفرد إلى المشترك ، بل من المجتمع إلى الفرد. (César. C, 1998 , p 17 ) .

    على الرغم من أن فيجوتسكي كان معاصرا  لبياجيه وعاش في روسيا، إلا أنهما لم يلتقيـا أبدا ، وقـد عرف كـل منهما أعمـال الآخر ، حيث عرف فيجوتسكي بياجيه جيدا قبل معرفـة بياجيه بفيجوتسكي ، وهناك أوجه شبه واختلاف بين نظريتهما (سولو، 1996، ص 595 ).

   تقبّل فيجوتسكي فكرة المراحل العامة للارتقاء التي حددها بياجيه ، لكنه رفض أن تتابعها محكوم بالوراثة؛ ويعتقد بياجيه أن الارتقاء يسبق التعلم بينما يذهب فيجوتسكي إلى أن التعلم يسبق الارتقاء … وفيما يلي كلمة عن النمو العقلي والمعرفي، وهو المجال الذي يهمنا أكثر هنا.  

درس فيجوتسكي عملية النمو النفسي عند الطفل من حيث تأثره بالبيئة المحيطة ، وقد انطلق من أن ظروف الحياة نفسها لا تحدد بشكل مباشر نمو الفرد ، بل تتوقف قبل كل شيء على العلاقات المتبادلة بين الفرد والبيئة التي يعيش فيها ، فكل عنصر من عناصر البيئة يؤثر على الفرد بشكل مختلف عن سواه ، وبما يتناسب مع المرحلة الزمنية التي يجتازها .

النمو العقلي والمعرفي :

يعتبر فيجوتسكي النمو العقلي والمعرفي بأنه عملية استيعاب أو تمثل للخبرة الإنسانية  وهي عملية نشطة ، ولكي يتمكن الطفل من أن يتمثل الأشياء والظواهر التي تحيط به لابد من نشاط عملي أو معرفي محدد يقابل ما يتجسّد فيها من نشاط إنساني ، إن الخاصية الأساسية لعملية الاستيعاب أو التمثّل تكمن في أن هذه العملية تخلق لدى الإنسان قدرات ووظائف نفسية جديدة ، ومن هنا فإن إيصال الخبرة المتراكمة إلى الطفل الذي يقوم به الراشدون في نهاية المطاف تجري عن طريق التربية في البداية ثم عن طريق التعليم المنتظم. ( Vygotsky , 1985 ,p 274  ) .

كما أبرز فيجوتسكي أهمية المجتمع في المعرفة ونمو الجوانب المعرفية ، وأنّ التعلم الموجّه الذي ينادي به يتطلب فهما لما يستطيع أن يعمله المتعلم وحده ، ولما يستطيع أن يعمله حين يتولاه بالرعاية معلم مستنير ؛ والفرق بين هذين المستويين من الأداء الوظيفي هو منطقة " النمو القريبة "  ومفتاح الارتقاء بالنمو المعرفي يتمثل في تحديد أبعاد المنطقة التي يعمل فيها التعليم والتعلم ويركز عليها (جابر عبد الحميد ، 1998 ،ص 67 )

مفهوم منطقة النمو القريبZone proximale de développement    

انطلق فيجوتسكي في تحديده لمفهوم منطقة النمو القريب  من فكرة أساسية تتصف بوجوب تحديد مستوى النمو وعلاقته بإمكانات التعلم ، فالمستوى الأول للنمو والذي أطلق عليه المستوى الضروري يمثل مستوى نمو الوظائف النفسية عند الفرد الذي تكون نتيجة حلقات نموه المحددة. إن الفرد بمساعدة عملية التقليد الاجتماعي يستطيع وبإشراف الراشدين أن ينجز الكثير من الأعمال التي لا يستطيع أن ينجزها وحده ، أن الفرق بين إمكانية حل المسائل تحت إشراف المدرس أو بمساعدة الراشدين وبين مستوى إمكانية حلها عن طريق النشاط الفردي يحدد منطقة النمو القريب ، وإن ما يفعله الطفل أو المتعلم اليوم بمساعدة الراشدين يفعله غدا بنفسه و هكذا فإن منطقة النمو القريب يمكن أن تحدد لنا مستقبل نمو الفرد وحالة نموه الديناميكي .

يمكن أن يحدد مستوى النمو العقلي للفرد مستويين هما: مستوى النمو الضروري ومستوى النمو القريب ، وهذا التحديد له أهمية كبيرة ويعد انقلابا جذريا في النظرة إلى العلاقة بين عمليتي التعلم والنمو.

إن هذا الفهم الجديد لعلاقة التعلم بالنمو يبدل قبل كل شيء وجهة النظر التقليدية حول كيفية استنباط النتائج التربوية من خلال تشخيص مستوى النمو ، إذ كان الأمر سابقا يقوم على أن الروائز يمكن أن تحدد مستوى النمو العقلي عند الطفل ، وعلى التربية أن لا تتخطى هذا المستوى  أي أن التعلم يجب أن يتوجه إلى المراحل التي تكونت  ومضت بينما دلت البحوث على خطأ هذا التصور ( جبرائيل بشارة 1983 ، ص 52 ). 

وبذلك فإن منطقة النمو القريب تسمح لنا أن نعرض الصيغة المقابلة القائلة بأن التعلم الفعال هو ذلك الذي يجري النمو وراءه ( التعلم يسبق النمو ) .

     كما توضح هذه النظرية أن نمو الوظائف النفسية تظهر على المسرح مرتين ، أولا كنشاط جماعي أي كوظيفة ذات علاقة خارجية ، ثانيا كنشاط فردي وكوسيلة داخلية للتفكير أي كوظيفة نفسية داخلية ، وهذا ما أكدته الكثير من البحوث .

3- نظرية التفاعل  والوساطة لبرونر La  Théorie De L’interaction et de la Médiation  

يعـد جيروم برونر J . Bruner  ( 1915… ) كعالم نفس اجتماعي متخصص في بحوث  الإدراك ، ثم انتقل إلى الاهتمام بالعمليات المعرفية محاولا الكشف عن طبيعتها والتعرف على طرق تنميتها ( جابر عبد الحميد ، 1989 ، ص285 ) .

تأثـر برونـر بفيجوتيسكي في إعطائـه أهمية أساسية للأدوات والأساليب المستخدمـة فـي اكتساب المعرفـة وتفسير تكون الوظائف والكفاءات النفسية ، وتجلى ذلك جليا في كتابه " لان الثقافة تحدد شكل النفس أو العقل "  (   Car  La Culture donne forme  a L’espri) .

     فسر النمو على أنه عملية مساندة أو تعاون بين الطفل والراشد حيث يتصرف الراشد كوسيط للثقافة ( 8p, 1983 , Bruner

ركـز برونـر في دراساته على أهمية الاستقلال الـذاتي للمتعلـم ومبادءته وإيجابيته ، وأهمية العملية الادراكية في التعلـم والمثيـرات التـي يتعـرض لها الفرد وطرق استقبال المعلـومات والتعـرف عليهـا والاحتفـاظ بهـا واستخدامها ،   ( M. Deleau , 1983 )

     كما أعطى برونـر أهمية خاصة للغة والثقافة الاجتماعية ودور الوساطة التي يلعبها الراشدون في نقل ثقافة المجتمع عبر أنشطة الدعم والمساندة . ( Activité D’aide , de tutelle , d’étayage ) .

-31-الدافعية والاستعداد للتعلمLa Motivation et La prédisposition à L’apprentissage             

أعطى برونـر أهمية خاصة لدور الدافعية في التعلم وتناولها ضمن ما أسماه بالاستعداد أو الرغبة في التعلم من جهة ، والتعاون المتبادل بين المتعلم والراشد من جهة ثانية . يتعلـق الاستعـداد للتعلـم بالظـروف التـي تجعـل المتعلـم يريد التعلم وقـادرا عليـه (Bruner  , 1968 ) .

ويرى برونر أن مشكلة الرغبة في التعلم يجب أن توجد بشكل كامل وذلك عندما يبنى التعلم على طرائق الكشف والبحث ، بحيث يكون المتعلم مساهما فعالا في الكشف عن الحقائـق . وعمـوما يلخـص برونر دافع الاستعداد والرغبة في العناصر التالية :

 حب المعرفة ، دافع بلوغ الكفاءة ، التوافق ، التعاون المتبادل  Bruner , 1968 ,p128)  )

كما ناقـش العوامـل الثقافيـة والشخصية التـي تؤثـر في الرغبة في التعلم والاستطلاع وحل المشكلات ، وركّز على ثـلاثـة جوانـب معرفيـة وهـي: التنشيط (Activation) ، والمثابرة (persévérance) ، والاتجاه ( Direction)

فاستكشاف البدائل يتطلب شيئا ينشط الفرد ويدفعه إلى البدء في العمل ، وشيئا يدفع على الاستمرار في العمل والمحافظة عليه ، وشيئا يبتعد به عن أن يكون نشاطا عشوائيا .  أما التعاون المتبادل فينظر إليه على أنه دافع ثانوي للتعلم ، إلا أننا لا نعرف إلا القليل عنه ، وأن ما نعرفه يشهد على أنّ هذا  الدافع يمكن أن يصبح القوة المحركة في التعليم (  Bruner , 1968 ,p 225  )

بحيث تظهر كل مرة حاجة عند مجموعة من الأفراد إلى توحيد القوى من أجل تحقيق هدف ما ، وتنشأ تلك العمليات التي تجذب الفرد إلى التعلم وتجبره على تحقيق المعارف التي تحتاج إليها المجموعة ، وتصبح المعرفة ذاتها دعما للجماعة ؛ إلا أنّ المدرسة تهمل هذا الطابع الجماعي للمعارف ، حيث لا تقوم  الدراسة عن طريق التعاون المتبادل أو عن طريق توحيد أعضاء المجموعات والأدوار الخاصة لحلقات البحث والمناقشة ؛ ويؤكد على أنّ لب العملية التعليمية يكمن في تقديم المساعدة لتحويل الخبرة إلى نظام رموز وتنظيم أكثر فاعلية ، ويبرز دور المعلمين والراشدين في تقديم هذه المساعدة ولعب دور الوساطة بين الخبرة أو الثقافة والمتعلم  ( Bruner, 1968  , p27  ).

بنية المعرفة Structure de Savoir

بلور برونر في كتابه: "السيرورةالتربوية"( The proces of Education) تفكيره في كيفية تدريس المعرفة، وأكّد على الفكرة الأساسية القائلة بأنه ينبغي على المتعلمين أن يتعلّموا أو تدرس لهم البنية الأساسية للمعرفة بدلا من تدريسهم مجموعة أساسية من الحقائق ومعلومات ثانوية ، ويرى أنّ البنية الأساسية للمعرفة هي :

أ – المفاهيم المفتاحية .

ب – المبادئ الأساسية أو التعميمات .

ج – طرق البحث في المواد الأكاديمية على اختلافها .

يقترح برونر وجوب تحول المناهج التعليمية من الاهتمام بالحقائق الجزئية إلى الاهتمام ببناء المعرفة .

هذا الاهتمام ضروري لأنه يساعد المتعلم على ربط الحقائق الجديدة بما لديه من حصيلة معرفية سابقة، ولكي يتحقق هذا التغير في التدريس فإننا في حاجة إلى التعرف على البناء الأساسي للمادة الدراسية أو هيكلها الأساسي ، والبحث عن العمليات التي تكفل ترتيب ظروف التعلم .

     يعتقد برونر أنّ تعلم أساسيات المعرفة سوف  يحقق للمتعلمين فهما أعظم وسوف يشجّعهم على البحث في المسائل وحل المشكلات على نحو مستقل ، ويمكنهم من نقل أثر أفكارهم التي تعلّموها من موقف إلى موقف آخر ؛ ويساعدهم على أن يتعلّموا كيف يتعلّمون ، وهو أمر حيوي وحاسم للمتعلمين الذين يواجهون مرحلة من الحياة تتسم بتفجّر المعرفة .

   ويحـث بذلك المـدرسين على جعل المتعلمين بارعين في حل مشكلات بوضعهم في مواقف يستطيعون فيهـا أن يستخدمـوا أفكـارا أساسيـة ليتـوصلوا إلـى معنى البيانات التي درسوها أو بحثـوها ؛ ويؤكد على وجوب اندماج المتعلمين في عملية الاكتشاف .

   إنّ المتعلمين الذين يدرس لهم بهذه الطريقة سوف يتعلمون مفاهيم مركبة ومعقدة نسبيا في البداية عند مستوى أولي ثم بعد ذلك عند مستوى متقدم ، والمتعلمون الذين يملكون فهما مبدئيا للمفاهيم يستطيعون أن يعودوا إليها المرة تلو الأخرى في دراساتهم ، وأن يتعلموا في كل مرة مستوى أكثر تقدما ، ومع تقدم المتعلم في المدرسة قد يواجه من جديد الأفكار الأساسية على شكل حلزوني (spiral (، (Bruner , 1960 ) .

الاكتشاف والحدس

أعطى برونر أهمية خاصة لعملية الاكتشاف ( Discovry ) في التعلم ، وأكد بأن خبرة الإنسانية تدل على أن المعارف التي تم الحصول عليها بطريقة الاكتشاف الشخصي أكثر رسوخا وتأثيرا على الإنسان وتوصّل بذلك إلى النتيجة القائلة بأنّ على طرق التدريس أن تقود المتعلم إلى الكشف الذاتي، (Bruner  1960  , p132 ) .

كما أكّد على أهمية الحدس (Intuition  ) وفائدته في العملية التعليمية ، ويقصد به الأساليب العقلية التي تكفل الوصول إلى صياغات تقريبية معقولة ومقبولة دون الدخول في الخطوات التحليلية التي تكفل التحقق من صدق هذه الصياغات أو النتائج ، وتحدّث بذلك عن التخمين المثقف الذي يستخدمه العلماء والفنانون، وغيرهم من المبتكرين، ويسلم بأن المرء يستطيع أن يقوم بتخمينات حدسية إذا كان مثقفا وعالما بالموضوع، ويحذر من إعاقة التفكير الابتكاري للمتعلمين ومن الإصرار على أن تكون هناك إجابة صحيحة واحدة لكل سؤال ، ويقترح في هذا الشأن أن تكرس البحوث العلمية والتنظير للتعرف على الوسائل التي تكفل تنمية التفكير الحدسي,  كما يرى أن الحدس هو الإحاطة بمعنى المشكلة وأهميتها وبنائـها دون الارتكاز على جهاز محلل (الدماغ) ( Bruner  , 1960  , p60  ).

أنّ التفكير الحدسي القائم على إحدى التجـارب الشخصية المعممة والمكثفة يعطي القدرة علـى الإحـاطة بالمشكلـة فـورا وعلى حلهـا بسـرعة دون الانتقـال مـن مرحلـة إلـى أخرى .فالإنسان يستطيع بمساعدة التفكيـر الحـدسي أن يحقـق حلا لتلك المسائل التي لم يحل مثلها إطـلاقا أو التـي حـل مثلهـا فـي أحسن الأحـوال بواسطـة التفكيـر التحليلي ولكـن ببطء شديـد .

ويحث برونر بذلك المتعلمين على التفكير في مجال دراساتهم كما يفكر العلماء في هذا المجال ، وبطبيعة الحال فإن العلماء في مستوى أعلى وأكثر تقدما ، ويرى أن الفرق بين المتعلمين والعلماء في العمليات المعرفية والتفكير فرق في الدرجة وليس في النوع ، ومن ثمّ ذهب إلى تأكيد أهمية تعلم العمليات المعرفية للمتعلمين عندما يبدأون تعلّم أي من هذه العلوم. إنّ المتعلم في المدرسة يتعلم الفيزياء كما يتعلّمها عالم الفيزياء ، ومن الأيسر له أن يتعلّم الفيزياء بنفس طريقته ، ويصعب عليه أن يعمل غير ذلك .

  ويخلص برونر إلى أنّ للمدارس وظيفة أساسية هي تمكين المتعلمين من معالجة بيئاتهم بفاعلية أكبر وتحسين هذه البيئات فيزيقيا واجتماعيا ، وألاّ تقتصر الأهداف التربوية على الأوصاف المجردة لعالمنا وعلى مجرد نقل المعلومات والحقائق والمعارف التي جمعتها الأجيال السابقة ، بل ينبغي الاهتمام بالطريقة الشخصية التي ينمي كل فرد من خلالها مفهومه عن نفسه وعن عالمه ، وأن يقوم المتعلم بدور نشط جدا في العملية التعليمية بمعالجة الحياة بصفة عامة .

التعزيــــز  Renforcement  

يؤكد هذا المبدأ على أنّ تعزيز السلوك الصادر عن المتعلم في الاتجاه المرغوب يزيد من احتمال تكرار ذلك السلوك عند تكرار الموقف ، تستخدم المعززات داخل الفصل الدراسي على اختلاف أنواعها على أنها تغذية راجعة (Feed  Beack ) ؛ وعلى المدرس أن يقدم هذه التغذية الراجعة عن مستوى أداء المتعلم إلى أن يكتسب هذا الأخير القدرة على تقويم أعماله بنفسه، مع اختيار التوقيت الملائم لتقديمها ، وأن يعرف المتعلم كيف يؤدي الأعمال أو المهام المطلوبة منه ، وما هي معايير أو محكات تقويم هذه الأعمال في ضوء الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها.

كما يجب على المدرس أن ينتقل تدريجيا من الاعتماد على المعززات الخارجية كالمكافآت أو حتى المعاملة والاستلطاف والتشجيع إلى الاعتماد على المعززات الداخلية كالشعور بالإنجاز أو تحقيق الذات أو الرضا عن الذات ؛ وأن يراعي المكافآت الفورية التي هي أكثر أهمية عند المراحل الأولى للتعلم  ويمكن تأخير هذه المكافآت وتخفيضها عندما يصبح المتعلم أكثر ألفة بمواد التعلم وأكثر ثقة بقدراته ومعلوماته ومستوى أدائه .

ويؤكد برونر على أهمية أن يصبح المتعلم مكتفيا بذاته قادرا على حل المشكلات التي تواجهه ، ولذلك فلا يمكن أن يصبح متكلا على تعزيز المدرس بحيث يتطلب وجوده وحضوره على نحو مستمر ، أي أن المتعلم لابد أن يصبح قادرا على تصحيح مساره بنفسه .

ينظر برونـر إلــى التعـزيـز علـى أنـه نـوع مـن الدعـم أو المسانـدة الذي يقـوم بـه المدرس في دوره الوسيطي ( Le rôle de médiation ) الإشرافي وحدد بذلك ستة ست (6) وظائف للمساندة  في كتابه "Savoir faire ,savoir dire  "  وهي:

أ- التجنيد  L’enrôlement  : فالمهمة الأولى للمدرس أو المشرف هي أن يجند انتباه ومشاركة المتعلم تجاه متطلبات مهمة التعلم .

ب- تخفيض درجات الحرية  La réduction des degrés de Libertéأي تبسيط المهمة من خلال تخفيض عدد الأفعال المكونة لحل المشكلة وعلى المدرس أن يكمل جوانب النقص لدى المتعلم ويعدل من المهمة ليضبط التغذية الراجعة .

ج- التوجيه  Le mention de L’orientation : بحيث يحافظ المدرس على توجيه المتعلم نحو الهدف المحدد وضمن المجال المحدد للمهمة ، وأن يكون لديه اتجاه إيجابي لدعم الدافعية وتجنب الروتين الممل وتدريب المتعلم على الاكتشاف الإبداعي .

د - الإشارة إلى الخصائص المحددة  La   Signalisation  Des caractéristiques déterminantes  

بحيـث  يشير المدرس أو المشرف إلى الخصائص المختلفة والملائمة لحل المشكلة (المهمة)، تقدّم هذه الإشارة معلومات للمتعلم تمكّنه من تحديد الفجوة بين إنتاجه وما يتوقّعه منه المدرس ، ثم يعمل المدرس على تقليص هذه الفجوة .

هـ- مراقبة الإحباطات   Le contrôle  De La Frustration

    بحيث يعمل المدرس على جعل المتعلم يقبل على التعلم ، وأن لا يكترث بالأخطاء التي قد يرتكبها ، أي لا يعتبرها عائقا محبطا ، بل يستفيد منها في إعادة توجيه مساره .

و- البرهنة أو عرض النموذج La  démonstration ou  présentation De Modèles   :  حيث يقوم المدرس بعرض الحلول الصحيحة للمشكلات المقترحة والتي هي أكثر من مجرد التنفيذ البسيط للمهمة من طرف المتعلم وبحضور المشرف ، وإنما تتطلب عادة الأساليب المختلفة للأنشطة والتتابع أو البرهنة على المهمة التي أنجزت جزئيا من طرف المتعلم ( Bruner  , 1982  ,p 277 – 279 ).

نموذجكارول Carrol الزمني (1973) (مجلة علوم التربية عدد 7)

يرتبط التعلم لدى كارول بنوعين من العوامل الأساسية:

1. عوامل ذاتية: متصلة بالفرد الذي يدخل إلى تجربة تعلمية وهو مزود بقدرات وخبرات متنوعة، وأهمها:

1.1. القدرة: وتعني القدر الذي يحتاجه المتعلم من الزمن ليتعلم شيئا معينا ضمن وضعية تعليمية – تعلمية، وتتوفر على كل الشروط النموذجية لحدوث التعلم، وغالبا ما تختلف هذه القدرة من تلميذ إلى آخر، لأنها رهينة بمتغيرات أخرى منها خاصة: الخبرة السابقة لكل متعلم.

2.1. القدرة على فهم عملية التعلم، أي قدرة المتعلم على فهم نوعية المهمة المطلوبة منه وطبيعة الوسائل والعمليات اللازمة لإنجاز تلك المهمة.

3.1. المثابرة (Persévérance) وتشير إلى المدى الزمني الذي يحتاج إليه المتعلم في فعل التعلم، لأن كل متعلم يحتاج إلى مدة معينة قد تختلف عن تلك المدة التي يحتاج إليها المتعلمون الآخرون، وهذا العامل مهم جدا، لأن بدون توفيره يكون فعل التعلم أبتر، ومعنى ذلك أن المتعلم لا يتمكن من التحكم في موضوع التعلم. ولعل الفروق التحصيلية الموجودة لدى المتعلمين تعود إلى هذا العامل الزمني.

2. عوامل متصلة بالوضعية الخارجية:

1.2. نوعية التعليم، والذي يتضمن الطريقة التي يستخدمها المدرس بكل ما فيها من استراتيجيات المعلم الاتصالية، وأدوات مسهلة، وخطوات مرتبة، وتقييمات جزئية... وللعلم فإن هناك زمنا حقيقيا للتعلم، وهو الزمن الذي يتضمن المثابرة والزمن المتاح بالفعل، والزمن الضروري الذي يتضمن القدرة ونوعية التعليم بالإضافة على القدرة على الفهم. هذا الزمن الضروري الذي قد يختلف من متعلم إلى آخر هو الذي ينبغي معرفته لدى كل متعلم حتى يمكن تكييف الفعل التعليمي حسب كل فئة منهم من قبل المدرس.

فالزمن الضروري الذي إن لم يحترم ولم يؤدى سوف تتعثر العملية التعلمية وبالتالي لا يحدث الفعل التعليمي فيحصل المتعلم على أجزاء من المعرفة غير المتكاملة وعلى شتات لا تؤدي أية وظيفة تذكر. فالزمن الضروري يتطلب أيضا القدرة كأساس للتعلم أولا ثم تكييف التعليم على أساس هذه القدرة وبعدها قدرة المتعلم على فهم ما يقدم إليه، وهذه القدرة الأخيرة تعتمد على المعارف السابقة وعلى مستوى معالجة المعلومات أثناء تلقيها، وكذا إمكانية تمثيلها ودمجها مع المعارف السابقة لتصبح ضمن المخزون المعرفي للمتعلم.

 المدخل الاجتماعي في التعلم

و يدعى أيضا المدخل التفاعلي، لأنه يقيم التفاعل بين المدخل الاجتماعي و المدخل المعرفي من ناحية، و بين المدخل الاجتماعي و المدخل السلوكي من ناحية ثانية. و هو تفاعلي لأنه يركز على العلاقة التبادلية بين الفرد و بيئته و كذلك التفاعل بين المعرفة و السلوك. يحدد هذا المدخل العوامل الأساسية لهذه العلاقة التبادلية  بثلاث عوامل هي: معلومات الفرد، مثيرات البيئة، العلاقة التبادلية بين الفرد و البيئة، من أعلام هذا المدخل البرت باندورا و روتر.

5-1-2-1- نظرية باندورا للتعلم الاجتماعي بالملاحظة

اهتم باندورا Albert Bandura   بالأصول الاجتماعية للتفكير منذ 1962 وأجرى بحوثا حول التعلم بالتقليد و أدرك أننا نتعلم كثيرا عن طريق اعتبار الآخرين كنماذج وأن للبيئة أثرا كبيرا على سلوكاتنا. انتقد النظريات السلوكية باعتبارها لا تأخذ في اعتبارها تأثير العالم الرمزي الذي يبنى بواسطة المحيط الواقعي، كما انتقد نظريات التربية التي تعزل المحيط و اقترح بذلك الذهاب إلى المحيط الواقعي للمتعلم.( Y. Bertrand, 1993, p 11). وأسس نظرية تتصف بالصبغة الاجتماعية للتعلم نشرها أول مرة سنة 1971 في كتابه Social learning theory  ، بعدها اقترح نظرية الأصول الاجتماعية للتفكير والفعل سنة 1986، وهي نظرية اجتماعية معرفية تفاعلية تفسر استخدام الخبرة الاجتماعية المعرفية وتأثير التفكير على الدافعية و الوجدان و العاطفة. (Y. Bernadet, 1993. P 11).

يقصد بالتعلم الاجتماعي واكتساب الفرد أو تعلمه لاستجابات أو أنماط سلوكية جديدة من خلال موقف أو إطار اجتماعي. تؤكد هذه النظرية على أهمية التعلم القائم على الملاحظة والتفاعل الحتمي المتبادل والمستمر للسلوك والمعرفة والتأثيرات البيئية؛ وبأن السلوك الإنساني و محدداته الشخصية والبيئية تشكل نظاما متشابكا من التأثيرات المتبادلة والمتفاعلة ولا يمكن إعطاء أي من هذه المحددات الرئيسية الثلاثة أية مكانة متميزة على حساب المحددين الآخرين (فتحي الزيات، 1996. ص 362).

يعتقد باندورا أن السلوك لا يتأثر بالمحددات البيئية فحسب ولكن البيئة هي أيضا –جزئيا - نتاج لمعالجات الفرد لها. فالأفراد يمارسون بعض التأثير على أنماط سلوكهم من خلال معالجتهم للبيئة ومن ثم فهم ليسوا فقط مجرد ممارسين لردود الفعل إزاء المثيرات الخارجية ولكنهم قادرون على التفكير والابتكار وتوظيف عملياتهم المعرفية لمعالجة الأحداث والوقائع البيئية. (R. Viau, 1997, p 30).

و يرى باندورا أن المعرفة تلعب دورا رئيسيا في التعلم الاجتماعي القائم على الملاحظـة وتأخذ عملية المعرفة شكل التمثيل الرمزي للأفكار والصور الذهنية وهي تتحكم في سلوك الفرد وتفاعله مع البيئة كما تكون محكومة بهما. ويعتقد أن معظم أنماط السلوك الإنساني لا تكون محكومة بالتعزيزات الفورية الخارجية التي يؤكد عليها السلوكيون، حيث تتحدد توقعات الأفراد في ضوء خبراتهم السابقة، وأن أنماطا أخري تحدث نتائج غير مرغوبة. كما قد يكون تقدير الأفراد لبعض الأنماط السلوكية الأخرى أكثر إيجابية ومن ثم فان السلوك على هذا النحو يتحدد إلى حد كير بآثاره المتوقعة المبنية على خبرات الفرد الماضية، ويمكن أن تكتسب أنماط جديدة من السلوك في غياب التعزيز الخارجي من خلال ملاحظة سلوكيات الآخرين والنتائج المترتبة عليها وكذا أنماط تفاعلهم مع المتغيرات والمثيرات البيئية أو ما أسماه الاقتداء بالنموذج(Y. Bernadet, 1993, p 13).

تتميز نظرية باندورا بخاصية تنظيم أو ضبط الذات Self Régulation  وهي خاصية ينفرد بها الإنسان عن طريق ترتيب المتغيرات البيئية الموقفية وابتكار أسس معرفية وإنتاج الآثار المرغوبة التي يمكن اشتقاقها من هذه المتغيرات البيئية الموقفية.

أقام باندورا نظريته على عدد من الافتراضات منها:

!          إن معظم أنماط التعلم الإنساني تحدث من خلال الملاحظة و التقليد و المحاكاة.

!          يقوم التعلم بالملاحظة على عمليات من الانتباه القصدي بدقة تكفي لاستدخال المعلومات والرموز والاستجابات المراد تعلمها في المجال المعرفي الإدراكي للفرد.

!          تتأثر عملية التعلم بالملاحظة بعدة عوامل بعضها يرجع إلى الفرد الملاحظ و البعض إلى النموذج الملاحظ والبعض الآخر إلى الظروف البيئية التي يتم فيها التعلم.

!          تشكل عمليات الاحتفاظ بسلوكيات النموذج في الذاكرة بعيدة المدى واستيعابها وتمثلها وترميزها وتحويلها إلى صيغ رمزية إحدى الأسس الهامة للتعلم بالملاحظة.

!          تؤثر الدافعية والتعزيز على التعلم من خلال الانتقاء الذاتي لأنماط السلوك المعززة.

!          تشكل المعرفة أساسا هاما من الأسس التي يقوم عليها التعلم بالملاحظة.

!          تختلف الآثار التي ينتجها التعلم بالملاحظة باختلاف الأهداف التي يسعى المدرس إلى نمذجتها لملاحظتها والاقتداء بها (R. Viau, 1997 p 29)

كما أولى باندورا أهمية خاصة لدور التعزيز في التعلم بالملاحظة واعتبره ميسرا لعملية التعلم لكنه ليس ضروريا لإتمامها أو لاكتساب التعلم، لان هناك العديد من العوامل الأخرى غير التعزيز ومرتباته تقف خلف ما يعمله الأفراد أو يسلكونه فقد يجد الفرد نفسه مدفوعا لأداء نمط سلوكي دون سبب أو تفسير واضح على الأقل.

قدمت هذه النظرية تأكيدات هامة لعدد من القضايا الأساسية التي يمكن في ضوئها اشتقاق العديد من التطبيقات التربوية لكل من المدرس و المتعلم أهمها:

E     محددات اكتساب أو تعلم الاستجابات الجديدة.

E     الميكانيزمات أو العمليات التي تحدث بين الملاحظ والاحتفاظ وبين الاحتفاظ و الاستجابات أو الأداء.

E     العوامل التي تقف خلف الخاصية الانتقائية للتعلم بالملاحظة.

E     المحددات الدافعية و الانفعالية للاقتداء أو النمذجة أو التقليد أو الأداء القائم على محاكاة النموذج.

يرى الكثير من العلماء أن نظرية باندورا قدمت إطارا تفسيريا ذا قيمة نظرية وتطبيقية للسلوك الإنساني في سياقه الاجتماعي والبيئي الذي يحدث فيه، وهو ما أغفلته غيرها من النظريات.

في النهاية يمكن القول بأن التعلم في الإطار الاجتماعي التفاعلي هو الذي نادت به نتائج البحوث والدراسات في علم النفس الاجتماعي التربوي، والذي يدمج المتعلم في السياق الاجتماعي الذي من خلاله يستخدم الموضوع المتعلم، وان الملاحظة والمشاركة أساس كل فعل تعلم تشاركي ذو النتائج الفعالة دائما.  

نظرية روتر للتعلم الاجتماعي    J. Rotter  

ولد جوليان روتر في 22 أكتوبر 1916 بالولايات المتحدة الأمريكية. تأثر بكل من ادلر فرويد، كيرت ليفين. و تأثر في صياغة نظريته للتعلم بثورنديك و هل و كانتور و ليفين.

تتميز هذه النظرية بتأكيدها على الجمع بين ثلاثة اتجاهات رئيسية في علم النفس هي السلوك و المعرفة و الدافعية بالإضافة إلى السياق الذي يحدث فيه التعلم. كما تتميز بأنها أضافت إلى معادلات التنبؤ بالسلوك القائمة على المعززات الموجبة   و السالبة مفهوم التوقع و المعرفة أو الإدراك القائم على الموقف المركب الذي يحدث فيه التعلم (فتحي الزيات، 1996. ص 338).

أقام روتر نظريته على مجموعة من الافتراضات منها:

- إن السلوك الإنساني هو دالة لنمط من التفاعل بين الفرد المدرك و بيئته المعنوية المدركة او ذات المعنى.

- إن الشخصية الإنسانية متعلمة، و هي وحدة أساسية تقوم على التماسك و الاتساق.

- إن الدافعية موجهة للهدف، فسلوك الأفراد لا يكون محكوما بدوافعهم الأولية فقط  و لكن بتوقعاتهم التي تحدد مدى تقدمهم نحو الهدف الموجه بالدوافع.

تعتبر نظرية روتر متعددة المحاور بتعدد المتغيرات التي تعالجها و هي:

أ- التعزيز و قيمة التعزيز: ميز روتر بين التعزيز و قيمة التعزيز، و مع انه يسلم بان التعزيز يزيد من احتمال حدوث الاستجابة أو السلوك عند تكرار نفس الموقف في ظل نفس الظروف إلا انه يعطي أهمية اكبر للقيمة المدركة من قبل الفرد للتعزيز و تتوقف على عدة محددات هي:

- مدى إشباع المعزز للحاجة المباشرة الأكثر إلحاحا في طلب الإشباع.

- ترتيب الحاجة على سلم الحاجات.

- ارتباط الحاجة التي يجري إشباعها من خلال التعزيز بغيرها من الحاجات و في ضوء ذلك فان فهم حاجات المتعلم و تحديد أشكال التعزيز المشبعة لها من العوامل المؤثرة على اكتساب السلوك و تعلمه و التنبؤ به.

ب- التوقعات و تعميم التوقعات: عرف روتر التوقع بأنه احتمال ذاتي مدرك يرى الفرد من خلاله وجود علاقة بين سلوك ما و تعزيز ما و يتحدد وفق محددين هما:

- الاحتمالية القائمة بين السلوك و التعزيز و ما تنطوي عليه من عوامل الارتباط و السببية       و الحداثة و النمذجة التي تقف خلف قوة هذا الاحتمال.

- تعميم التوقعات المرتبطة بأنماط السلوك و التعزيز الأخرى ذات العلاقة في الموقف أو المواقف المشابهة.

ج- مركز الضبط أو مركز التحكم: يعد مفهوم مركز الضبط  Locus Of  Control  من أهم مفاهيم نظرية التعلم الاجتماعي لروتر طور هذا المفهوم كل من فارس و جيمس Phares Et Gemes        و احتل مكانة هامة في دراسات التعلم و الشخصية. يشير هذا المفهوم إلى كيفية إدراك الفرد للعوامل التي تتحكم بالأحداث و المواقف التي يخبرها  و الشروط التي تضبط أحداث البيئة من حوله  و توجيهها، فالفرد يعزو سلوكه غالبا في المواقف المختلفة أما إلى أسباب داخلية شخصية  و بذلك يكون مركز الضبط لديه داخليا، أو يعزوه إلى أسباب خارجية لا علاقة لها بقدراته        و إمكاناته مثل: القدر و الحظ و الصدفة و نفوذ الآخرين… و بذلك يكون مركز الضبط لديه خارجيا. مع العلم انه يصعب تصنيف الأفراد إلى نمطين متمايزين إذ أن مركز الضبط كغيره من الأبعاد النفسية التي يتوزع الأفراد بموجبها على مقياس مستمر مما يجعلهم يختلفون اختلافا كميا على هذا المقياس (عبد الله احمد و عسكر علي، 1994. ص 33-55) يفسر هذا الاختلاف بعوامل عديدة تربوية و اجتماعية و اقتصادية و غيرها.

يتلقى الفرد جراء سلوكاته المختلفة في المواقف و الظروف المتباينة التي يتعرض لها تعزيزا، يكون هذا التعزيز إيجابيا عندما يعزو نجاحاته أو فشله إلي قدراته المعرفية   و مهاراته  و إمكاناته الخاصة. و يكون التعزيز سلبيا عندما يعزوها إلى الصدفة و الحظ أو غيرها من العوامل الخارجية. و بذلك يكون الفرد أمام نوعين من المواقف التي يتم من خلالها اكتساب السلوك أو تعلمه، فالمتعلم الذي يدرك العلاقة البينية بين سلوكاته و المعززات الداعمة لها سواء كانت إيجابية أم سلبية ينشا لديه اعتقاد بالضبط الداخلي و يولي المهارة مكانة هامة في تعلمه مختلف أنماط السلوك و أساليبه في معظم المواقف التي يمر بها، أما المتعلم الذي لا يدرك هذه العلاقة البينية و المعززات الداعمة لها ينشا لديه اعتقاد بالضبط الخارجي و يولي الصدفة و الحظ الدور الأكبر في تعلمه. حظي مفهوم الضبط فيما بعد بالكثير من الدراسات قدرها البعض بالآلاف حيث أجريت بين سنة 1969 و سنة 1977 حوالي 1345 دراسة حول هذا المتغير مكنت من الوصول إلى عدد من المؤشرات منها :

- ارتباط الدرجات على مركز الضبط الداخلي ارتباطا دالا موجبا بالذكاء و الحرية السياسية      و المرغوبية الاجتماعية.

- ارتباط الضبط الداخلي بالتحصيل المرتفع.

- يرتبط الضبط بالطبقة الاجتماعية و المستوى الثقافي و العمر العقلي و الزمني.

- يكون الأطفال من ذوي الضبط الخارجي في مراحل نموهم الأولى ثم يحدث تحول تدريجي لديهم في اتجاه الضبط الداخلي مع تزايد عمرهم الزمني (فتحي الزيات، 1996. ص 346) .

كما وضع روتر فيما بعد مقياسا عرف بمقياس الضبط الداخلي/ الخارجي للتعزيز حظي بدوره بالكثير من التطبيقات و الدراسات.

د- الحاجات/ الأهداف : ينظر روتر إلى التعلم على انه حاجة أو هدف يسعى الفرد إلى إشباعها أو تحقيقه، و بقدر أهمية هذه الحاجة الهدف بالنسبة للمتعلم تكون حركته و استجاباته في اتجاه إشباعها، و على ذلك يمكن التنبؤ بسلوك المتعلم حيال موقف التعلم من خلال حرية الحركة و قيمة الحاجة و يكونان ما أطلق عليه قوة أو جهد الحاجة.

هـ- موقف التعلم: تتحدد استجابات المتعلم  إزاء موقف التعلم بالتفاعل الدينامي بين المحددات الشخصية للمتعلم من حيث حاجاته و أهدافه و قيمة التعزيز كما يدركها، و المـحددات البـيئيـة و المتمثلة في المعلم و المادة موضوع التعلم و غيرها. و من ثم فان موقف التعلم هو موقف دينامي متفاعل يحدد درجة فعالية كل من المجموعتين من المحددات.

أسفرت هذه النظرية على الكثير من التطبيقات التربوية منها ضرورة مراعاة المرونة في بيئة التعلم بحيث تستجيب لتوقعات الطلاب القائمة على الارتباط بين السلوك و معززا ته ، و أن تنطوي على نوع من الاتساق بين الأنماط السلوكية الموجبة، و أن يبنى موقف التعلم على حاجات المتعلم و أهدافه و تدعيم مسؤولية المتعلم عن الأنماط السلوكية التي تصدر عنه في إطار العلاقة البينية بين الفعل و نتيجته.

5-1-3- المدخل المعرفي في التعلم

ترجع جذور المدخل المعرفي إلى علماء النفس الجشتالتيين، و نظرية المجال لكيرت ليفين         و المعرفيين الأوائل مثل بياجيه و برونر و اوزوبل. يرى المعرفيون إن السلوك وظيفة للفرد      و يؤكدون أن البنية المعرفية لا تتألف من المعرفة السابقة للمتعلم فقط و لكنها تتضمن أيضا الاستراتيجيات التي يوظفها لمعالجة الموقف التعليمي الراهن، و هذا يعني أن هناك تفاوتا بين المتعلمين على الرغم من تشابه ظروفهم الخارجية، لان شبكة المفهومات و الاستراتيجيات المكونة لديهم هي المسؤولة عن معالجة الموقف التعلمي الراهن و استدخاله في بناهم العقلية. يركز المعرفيون على إمكانات المتعلم الداخلية (ذكاءاته) و يولون اهتماما كبيرا لمسالة الفروق الفردية لدى المتعلمين (أمل الأحمد، 2001. ص 176).

سنقتصر في هذا المدخل على نظرية التعلم الجشتالتي و نظرية المجال و التعلم المعرفي من منظور نظرية معالجة المعلومات، في حين سنتطرق للتعلم عند برونر و اوزوبل في نموذجيهما للتدريس اما التعلم عند بياجيه فسنتناوله في فصل لاحق.

5-1-3-1- نظرية الجشتلت    Le Gestaltismeأو نظرية الشكل

تناول كل من ماكس ورتهيمر Werthemeir  (1880-1943)  و كيرت كوكفا K. Koffka (1886-1941) و ولفقانج كوهلرW. Köhler (1887-1967) التعلم من منظور مختلف عن التصورات التي كانت سائدة خاصة السلوكية (W. Barais et al, 1993 p 43) و بنوا نظريتهم على ثلاثة محاور رئيسية هي :

- طبيعة عملية الإدراك، علاقة الكل بالأجزاء التي تكونه و موقف العقل من المثيرات التي يستقبلها.

- بالنسبة لطبيعة عملية الادراك يعتقد الجشتالتيون أن الإدراك هو عملية تأويل  و تفسير للمثيرات و إكسابها المعنى و الدلالة. فما يدرك ليس مجموعة الاحساسات أو المثيرات الحسية التي تفتقر إلى المعنى، و ليست مجرد رموز خالية من المعنى، بل لها معنى خاص يدرك نتيجة نشاط عقلي يقوم به العقل للربط بين هذه الاحساسات و المثيرات مكونا ما يسمى بشكل الإدراك. تخضع عملية الإدراك لمجموعتين من العوامل المتمايزة هما: مجموعة العوامل الموضوعية التي تنظم من خلالها المثيرات الحسية وفق قوانين التنظيم الحسي، و مجموعة العوامل الذاتية التي تضفي على المثيرات الحسية المدركة المعنى و الـدلالة، ترتبط بالفرد المـدرك في ضوء خبراته السـابقة  و المفاهيم التي تكونت لديه و حالته النفسية لحظة الإدراك. تحدث عملية الإدراك في مرحلتين: تتضمن الأولى تنظيم المثيرات الحسية في وحدات متمايزة، و تتضمن الثانية تأويل و تفسير المثيرات الحسية.

- و بالنسبة لعلاقة الكل بالأجزاء التي تكونه فهم يرون أن الكل لا يساوي مجموع الأجزاء التي تكونه، بل يختلف عن مجموع أجزائه. فهو بالإضافة إلي مجموع الأجزاء يضاف إليها الشكل أو الخاصية الجشتالتية و أن الجزء لا يكتسب معناه ألا من خلال وجوده في الكل. و قد تناول فرتهيمر علاقة الكل بالأجزاء التي تكونه معترضا على فكرة الجمع للأجزاء التي تكون الكـل   و أن تنظيم هذه الأجزاء اكثر أهمية من مجرد جمعها. أما بالنسبة لموقف العقل من المثيرات التي يستقبلها فهم يؤمنون بأهمية النشاط الإيجابي للعقل في استقبال المثيرات الحسية و إكسابها المعاني و الدلالات و لا يقوم بدور إذعانيا جامدا أو سلبيا كما يرى السلوكيون                          (فتحي الزيات، 1996. ص 244). كما أن العقل يستوعب المعلومات التي تدخل في خبرات الفرد بعد تحويلها عن طريق المخ وفقا لقانون إضفاء المعاني أو الامتلاء   و الإكمال، و أن نشاط المخ يقوم على التفاعل الدينامي مع محتواه أي ما يكتسب   و يصبح جزءا من خبرات الكائن الحي فضلا عن أن هذا التفاعل ينسحب على المثيرات التي يستقبلها الكائن الحي، و من جانب آخر استخدم الجشتالتيون بعض المفاهيم التي ميزتهم مثل مفهوم الجشتلت Gestalt (الشكل) و الاستبصار  و المعنى و التوازن و إعادة التنظيم الادراكي و التي يمكن اعتبارها بمثابة مبادئ أساسية في التعلم الشكلي.

- يمثل التعلم بالاستبصار أهم النتائج التي جاءت بها مدرسة الجشتالت و يعتمد على إعادة التنظيم الادراكي لعناصر و محددات الموقف المشكل، يرتبط حدوثه بعدد من العوامل و الشروط منها ما يتعلق بالموقف المشكل و خصائصه و منها ما يتعلق بالكائن الحي و تكوينه العقلي و من هذه العوامل:

ا-  أن تكون المشكلة او الموقف المشكل قابلا للحل و في مستوى إدراك المتعلم و تكوينه العقلي.

ب- ان تتضمن عناصر المشكلة إمكانات الحل أي تكون هناك علاقات كامنة تقبل إعادة التنظيم.

ج- ان يستثير الموقف المشكل دافعيه المتعلم بحيث يكون هناك حد أدنى من الدوافع التي تضمن استمرار المتعلم في العمل على حل المشكلة.

د- لا يحدث الاستبصار مستقلا عن الخبرات السابقة حيث ينقل المتعلم خبراته و يوظف ما سبق تعلمه في موقف الاستبصار و نزعته إلى إعادة التنظيم الادراكي لعناصر الموقف المشكل.

كما أشار أصحاب هذه النظرية إلى خصائص التعلم بالاستبصار و منها  أن الاستبصار يحدث بصورة مفاجئة و منحنى التعلم بالاستبصار ذو بداية بطيئة و أن الحل القائم على الاستبصار يكتسب كلية من محاولة واحدة إضافة إلى انه يقوم على الفهم و القابلية للتعميم و انه معزز ذاتي. و من جانب آخر أشاروا إلى مبادئ الإدراك و منها: مبدأ علاقة الشكل بالأرضية      و مبدأ الاستمرار و مبدأ التقارب و مبدأ التماثل أو التشابه و مبدأ القدر المشترك و مبدأ الإغلاق. إضافة إلى عدد من المبادئ التي تحكم عملية التعلم و منها :

- استعادة التوازن المعرفي دافع أساسي للتعلم.

-  الكل يحدد الجزء بحيث لا ندرك جزئيات أو احساسات منفصلة أو غير مرتبطة  و إنما ندرك ما يسمى بالكل المدرك و هو ايسر في الإدراك من جزئيا ته المكونة له.

- يساعد البناء على المألوف المتعلم على الاستمرار في التعلم، بحيث تكون الخبرات الجديدة مرتبطة عضويا بالخبرات السابقة و مبنية عليها. و تكون مهمة كل من المعلم والمتعلم إحداث نوع من التكامل بين نوعي الخبرات.

أسفرت نظرية الجشتالت عن العديد من التطبيقات التربوية الهامة التي تم إدخالها في الممارسات التربوية و منها:

- ربط المادة العلمية بالواقع و استثارة دافع الفضول و حب الاستطلاع لدى المتعلم  و تنظيم موقف التعلم بحيث يمكن للمتعلم اكتشاف و إدراك العلاقات و ترتيب مهام  و مواقف التعلم       و عرض المادة العلمية في شكل بنية جديدة التركيب عضويا و وظيفيا و الانتقال من المألوف إلى غير المألوف مع مراعاة خصائص البناء المعرفي للمتعلم.

 تتفق الكثير من مبادئ الجشتالت مع المبادئ التي توصل إليها علماء علم النفس المعرفي فيما بعد خاصة بياجيه و برونر في نظرتهما إلى البناء المعرفي للفرد و خصائصه.

5-1-3-2- نظرية المجال لكيرت ليفين     Kurt lewin  (1890- 1947)

تقوم نظرية ليفين على فكرة أساسية مفادها أن السلوك يتحدد بالمجال النفسي المدرك الذي يوجد فيه الفرد في لحظة ما و من ثم فان تفسير السلوك يرتبط بالمجال الذي يحدث فيه. تأثر ليفين بعلماء النفس الجشتالتيين في نظرتهم إلى الإدراك الكلي للموقف أو المشكل حيث صاغ مبدأ التعامل مع كلية الموقف ككل. و التي تمثل قوى المجال الحيوي، و كل جزء من هذا المجال يتفاعل مع باقي الأجزاء في تزامن واحد، و استخدم لذلك مفهوم الحيز الحيوي الذي مثل مفهوما أساسيا في نظريته. وقد أقام ليفين نظريته على عدد من الافتراضات منها:

- أن كل شيء يوجد في مجال من القوى التي تحركه آو تغيره أو تحدده أو التي تعطيه درجة من الثبات و الوجود.

- إن سلوك الفرد في أي موقف هو محصلة تأثير القوى الفاعلة المتزامنة في المجال النفسي له.

- إن اتجاهات الفرد و توقعاته و مشاعره و حاجاته تشكل القوى الداخلية التي تتفاعل مع القوى الخارجية في تحديد الاستجابة التي تصدر عن ذات الفرد.

- إن التغيرات التي تحدث في هذه القوى تنتج تغيرا في السلوك الذي يصدر عن الفرد أي أن هذه التغيرات دالة للسلوك.

- يمثل المجال النفسي المحددات أو المكونات البيئية كما يستقبلها الفرد أو كما يدركها متفاعلة مع المحددات الداخلية الذاتية.

- يسهل فهم مشاعر المتعلم و اتجاهاته و مجاله النفسي التنبؤ بالسلوك.

كما حدد ليفين عدد من العوامل التي تؤثر في المجال النفسي للفرد و هي:

- البنية المعرفية للفرد، أهداف الفرد و طموحاته و توقعاته، ميول الفرد و اتجاهاته  و نسقه القيمي، عمره الزمني و جنسه، مهنته، الوضع الاجتماعي و الاقتصادي للفرد، بحيث يختلف الأفراد في المجال النفسي لكل منهم رغم وحدة تواجدهم المكاني أو البيئي أو الزماني.  و من جهة أخري استخدم بعض المفاهيم تعكس تأثره الواضح بعلوم الفيزياء  و الرياضيات و منها:

- الحيز الحيوي و يشير إلى مجموعة القوى الفاعلة المتزامنة التي توجد في المجال النفسي للفرد المحددة لسلوكه في لحظة ما.

- طوبولوجيا الحيز الحيوي و تشير إلى هندسة المجال النفسي التي تحكم الفرد و ما يرتبط منها بالفرد و البيئة المدركة و التفاعل بينهما.

- التكافؤ الموجب و يشير إلى منطق الجذب و الاهتمام التي تمثل قوى الإقدام لدى الفرد.

- التكافؤ السالب و يشير إلى منطق النفور التي تمثل قوى الإحجام لدى الفرد.

و فسر طبيعة التعلم بأنه تغير في السلوك يرتبط بالتغير في الحيز الحيوي الذي يرتبط بدوره بعدد من الأبعاد و هي:

- التغير في البنية المعرفية و التغير في النسق الدافعي و التغير في أهداف الفرد و طموحاته     و توقعاته و نسقه القيمي و التغير في الضبط الإرادي أو اكتساب المهارات و فيما يلي توضيحا لها :

أ- التعلم كتغير في البنية المعرفية: يشير مفهوم البنية المعرفية إلى المحتوى الشامل للحصيلة المعرفية للفرد و خواصها التنظيمية بما تمثله من خبرات و معلومات التي تميز المجال الحيوي للفرد و هي ذات طبيعة نمائية متغيرة كميا بتراكم الخبرات  و المعلومات و كيفيا بالتفاعل المستمر بين مكوناتها. هذا التغير في بنية الحيز الحيوي يحدث تغيرا في السلوك، كما يحدث التغير في البنية المعرفية من خلال ثلاث عمليات هي:

- التمايز: يحدث التعلم حين تصبح الخبرات و المعلومات متمايزة بدقة و محددة بوضوح        و مرتبطة وظيفيا ببعضها البعض داخل البنية المعرفية للفرد.

- التعميم: يحدث التعلم من تجميع وحدات الحيز الحيوي في فئات اكثر عمومية.

- التكامل: يحدث التعلم عندما ينجح الفرد في إحداث قدر من التكامل بين مناطق الحيز الحيوي بما تشمله من خبرات و معلومات و إدراك ما بينها من علاقات.

ب- التعلم كتغير في النسق الدافعي للفرد: لا يقتصر التعلم على إحداث تغير في البنية المعرفية للفرد بل يواكبه و يدعمه تغير في النسق الدافعي للفرد، لان الحيز الحيوي يكون محكوما بدافعية الفرد، قيمه، ميوله، اتجاهاته و مستوى طموحه، و قد حدد ليفين محددات النسق الدافعي في فئتين الأولى يجد فيها الفرد نفسه محكوما بعدد من القوى في نفس اللحظة و تمثل ثلاثة أنواع من الصراع: إقدام/ إقدام ، إقدام/ إحجام ، إحجام/ إحجام. يكون سلوك الفرد في اتجاه القوة الاكبر. اما الثانية فتمثل مستوى الطموح الذي يكون محكوما بأربعة محددات هي:

- الأهداف التي يسعى الفرد إلى تحقيقها.

- مستوى الأداء السابق للفرد المرتبط بتلك الأهداف (الخبرات السابقة).

- مدى انحراف الأداء اللاحق للفرد عن المستهدف تحقيقه.

- رد الفعل النفسي للفرد و تقويماته لانحراف الأداء اللاحق عن المستهدف.

ج- التعلم كتغير في أهداف الفرد و طموحاته و توقعاته : تؤثر خبرات النجاح و الفشل التي يمر بها الفرد على أهدافه اللاحقة و طموحاته و توقعاته من خلال تأثيرها على المجال النفسي و الحيز الحيوي للفرد، فيرتفع مستوى أهدافه و طموحاته إذا حقق نجاحا ملموسا في الخبرات المرتبطة بالأهداف، و يؤثر على تحديده لأهدافه اللاحقة و توقعاته للنجاح.

أسفرت نظرية ليفين على العديد من التطبيقات التربوية منها:

- توجيه أنظار المدرسين إلى أهمية الوعي بخصائص البنية المعرفية للمتعلم و النسق الدافعي الذي يحكم المجال النفسي.

- تكامل التغيرات الكمية و الكيفية في البنية المعرفية، و تكامل الخبرات السابقة مع الخبرات اللاحقة و ارتباطها الوظيفي.

- ضرورة تشجيع المتعلمين على اختيار أهداف تتناسب مع إمكاناتهم المعرفية و تشجيع حاجاتهم الدافعية و مراعاة التفاعل الاجتماعي الذي يحقق اكبر قدر من التوازن النفسي المعرفي عبر أنماط الصراع بينهم.

5-1-3-3- نظرية معالجة المعلومات

تتناول هذه النظرية التعلم باعتباره طريقة الفرد المميزة و مستوى استقباله و معالجته للمادة المتعلمة، و كيفية تعميمه و تمييزه و تحويله و تخزينه لها، و كم و كيف الترابطات التي يستخدمها او يشتقها او ينتجها بين المعلومات الجديدة و المعلومات القائمة في بنائه المعرفي (الزيات، 1996، ص 394) فالتعلم هو تغير في معرفة الفرد أو بنائه المعرفي. تقوم هذه النظرية على التطبيقات الحادثة في علوم الحاسوب و بصفة خاصة ما يعرف ببحوث الذكاء الاصطناعي، حيث كان للنظريات المنبثقة عن الحاسوب تأثيرا مباشرا و ذا دلالة في علم النفس المعرفي بتوظيف كم كبير من مفاهيم علوم الحاسوب في النظريات السيكولوجية (سولسو، 1996).

كانت البداية الأولى لهذه التطبيقات في الخمسينات، و يحدد جورج ميللر G. Miller يوم 11 سبتمبر 1956 كتاريخ لظهور علم النفس المعرفي و هو أول أيام مؤتمر ميت "Mit" حيث قدم كل من آلن نوويل Allen Nwell  و هوبرت سيمون Herbert Simon  الابوين الروحيين لعلم النفس المعرفي رغم انهما لم يكونا عالمي نفس فالاول تلقى تكوينا في الرياضيات و تلقى الثاني تكوينا في علم الاقتصاد و اشتغلا معا بالإعلام الآلي قدما النظرية المنطقية للآلة "The logic theory machine" و قدم ميللر G. Miller نظريته "سبعة الرقم السحري"  "Magical Number Seven"      و قدم نعوم شومسكي N. Chomsky  نموذجه في وصف اللغة  "three models of the discription of language" و في نفس السنة ظهر كتاب برونر Bruner و رفاقه "دراسة التفكير" "A Study of thinking" (H. Gardner, 1993, p 42)

تقوم هذه النظرية على فكرة التشابه بين الحاسوب و الإنسان في معالجة المعلومات، حيث ان عمليات المدخلات، العمليات، المخرجات، التي يقوم عليها عمل الحاسوب تحاكي او تماثل التعلم الإنساني. (W. Barais, 1993, p 47). فالتعلم نوع من معالجة المعلومات "Information Processing System" يمكن ترتيبها حسب المراحل أو العمليات التالية:

1-الاستقبال :Capter يستقبل المتعلم المعلومات من خلال حواسه و يستقبل الحاسوب المعلومات من خلال قارئ البطاقة.

2-المعالجة Traiter: يعالج المتعلم المعلومات عبر عمليات التلخيص و الفهم و الفرز             و استخراج الأفكار و غيرها من العمليات المعرفية… و يعالج الحاسوب المعلومات آليا عبر الترميز و الفرز و التصنيف…

3-التخزين Stocker: يخزن المتعلم المعلومات في الذاكرة قصيرة المدى و طويلة المدى          و يخزن الحاسوب المعلومات الكترونيا.

4-الاستعمال Utiliser يستخدم المتعلم المعلومات في السلوك أو بناء الإجابة أو استخدام المعارف في وضعيان جديدة و يستعمل الحاسوب المعلومات في معالجة المعطيات حسب برنامج محدد. (Noël Et Parmentier, 1998, P 76)

يمكن تلخيص هذه المراحل على شكل مدخلات، عمليات، مخرجات، فتأخذ المعلومات شكل مدخلات صادرة عن البيئة الخارجية يعالجها المتعلم عبر سلسلة العمليات المعرفية ثم يصدرها على شكل مخرجات.

تسعى هذه النظرية إلى محاولة الإجابة على الأسئلة المتصلة بكيف يكتسب العقـل المعلومات ؟  و كيف يعالجها ؟ و ما هي محددات كم المعلومات التي يمكن اكتسابها  و تعلمها ؟ وكيف يسترجع المعلومات ؟ و لماذا يسهل استرجاع بعضها و يصعب استرجاع البعض الآخر؟   و ما هي أنماط المعلومات التي يسهل استرجاعها؟…

تقوم نظرية معالجة المعلومات على مجموعة من الافتراضات منها:

- إن الاستقبال و المعالجة القائمة على المعنى و عند مستوى اعمق يؤديان إلى تعلم  و احتفاظ اكثر ديمومة و فاعلية من الاستقبال و المعالجة الحاسية عند المستوى السطحي.

- إن الاستقبال و المعالجة الأعمق للمعلومات تقوم على إيجاد و استنتاج أنماط من العلاقات بين محتوى البناء المعرفي للفرد و المعلومات الجديدة المراد تعلمها و من هذه العلاقات التكامل و الترابط و التوافق.

 أعطت هذه النظرية أهمية خاصة للدور الذي تلعبه العمليات المعرفية و الميكانيزمات التي تحكم عملها من ناحية و المحتوى المعرفي الذي تعالجه من ناحية أخرى، و على الرغم من الصعوبات النسبية التي تمثلت في كون العمليات المعرفية غير محسوسة  و غير مرئية و صعوبات قياسها إلا أن العلماء حاولوا تجاوز هذه الصعوبات من خلال مدخلين : تمثل الأول في بناء نماذج توضح تصور كيفية عمل هذه العمليات المعرفية و علاقة كل منها بالأخرى مثل نماذج الانتباه، الذاكرة، الفهم… و تمثل الثاني في ما قدمته المدرسة الإجرائية من أساليب قياس هذه العمليات. و توصلوا عبر ذلك إلى تحديد العديد من الخصائص التي تشكل أهم الأسس التي يقوم عليها التعلم المعرفي  و العمليات المعرفية، و تحديد العلاقة الوثيقة بين التعلم المعرفي و ما وراء المعرفة حيث ظهر مفهوم ما وراء المعرفة "Metacognition"[†] على يد  فلافل Flavell 1976)  اشتقه من خلال سياق البحث حول عمل الذاكرة و عرفه بأنه: معرفة الفرد لما يتعلق بعملياته المعرفية والخصائص المتعلقة بطبيعة المعرفة و المعلومات لديه و ينطوي على نوعين من الأنشطة المعرفية هما: وعي الفرد بتكوينه أو بنائه المعرفي و طبيعته أو خصائص المعرفة لديه و وعي الفرد بتنظيم و ضبط المعرفة.

كما يمثل مفهوم البنية المعرفية مفهوما أساسيا يقوم عليه التعلم المعرفي و هو من المفاهيم المستقرة في كافة النظريات المعرفية حيث أشار إليه كل من علماء الجشتالت و ليفين و بياجيه واوزوبل   و برونر…، عرف اوزوبل البنية المعرفية بأنها المحتوى الشامل للمعرفة البنائية للفرد و خواصها من حيث التنظيم و التمايز و التكامل و الترابط التي تميز المجال المعرفي للفرد و تمثل العامل الرئيسي المؤثر في معنى التعلم و مبناه و الاحـتفاظ به و تغييره و نمـوه        و استرجاعه وتوظيفه.

و يرى كل من فوس و كيل (1984Voss 1981 and Keil ) أن البنية المعرفية تلعب دورا اكثر أهمية من دور العمليات المعرفية في إحداث التغيرات المعرفية لدى الفرد.

فالعمليات المعرفية أيا كانت كفاءتها، و عمليات المعالجة أيا كانت خصائصها يتعين أن تجد محتوى معرفيا تتعامل معه أو تقوم بمعالجته، هذا المحتوى و ما ينطوي عليه من خصائص تميزه أشبه ما يكون بالبرامج بالنسبة للحاسوب، و لا تكفي مكونات الجهاز (العمليات المعرفية) لإتمام عمليات التجهيز و المعالجة (فتحي الزيات، 1996. ص 402) و من جانب آخر تناولت نظرية معالجة المعلومات أهمية الاستراتيجيات المعرفية في التعلم المعرفي باعتبارها من أهم أسس التعلم المعرفي، و تمثل نواتج لكل من البنية المعرفية للفرد و خصائصها و مهارات ما وراء المعرفة.

أسفرت هذه النظرية على العديد من التطبيقات التربوية في التعلم و أسهمت في ظهور الكثير من نماذج التعلم و التدريس، التي أثبتت الكثير من البحوث و الدراسات أهميتها و فاعليتها في فهم عملية التعلم و النتائج الإيجابية التي حققتها على الصعيدين النظري و التطبيقي، و لا تزال تستقطب اهتمام العلماء و الباحثين باعتبار التطورات الحاصلة في الإعلام الآلي.

5-2- الأسس التربوية و الفلسفية:

خضع مجال التربية بصورة عامة لنظريات عديدة في الماضي و الحاضر كانت لها تطبيقاتها التربوية التي لعبت دورا أساسيا في صبغ هذا المجال بصبغة أو بأخرى، مثلت هذه النظريات الأسس التي تم الاعتماد عليها في صياغة أساليب التدريس و نظرياته. حيث قدمت تصورا عن الإنسان و المجتمع و الحياة، و من ثم المرتكزات الأساسية التي يقوم عليها التدريس لتحقيق الأهداف المرجوة. تشتق هذه النظريات عادة أفكارها من الفلسفة التربوية التي تم تبنيها، ويتحدد في ضوئها دور كل من المعلم    و المتعلم و المادة و أساليب نقل المعارف و اكتسابها. و تعنى فلسفة التربية بتحديد المنطلقات الأساسية التي يقوم عليها التدريس و تندرج عادة تحت ما يسمى في العلوم التربوية بأصول التربية، بل قد تتطابق عند البعض معها (سعيد اسماعيل، 1995. ص 42) و تعني الأصول الفلسفية، الاجتماعية، الاقتصادية، التاريخية، النفسية… للتربية، و قد اصبح كل اصل من هذه الأصول علما قائما بذاته.

تمثل هذه العلوم منطلقا أساسيا لفهم عملية التدريس و توجيهها. كما تعنى فلسفة التربية بنظرية المعرفة، حيث أن من مهام التربية التعليم، و التعليم يعني موقفا من مصدر المعرفة  ما هو؟ و هل هي ممكنة أو لا؟ و ما درجة اليقين فيها؟ و بأي الوسائل تتم المعـرفة؟ و ما طبيعتها؟… و هكذا فإن عملية التدريس لا تعنى بمادة المعرفة و محتواها فقط، و إنما تعنى كذلك بالطريقة، إذا قلنا الطريقة نجد أنفسنا قد طرقنا باب المنطق أيا كان المنحنى الذي نتناوله به.

في نفس السياق يرى احمد شبشوب انه يستحيل فهم عملية التدريس إن نحن حصرناها في قضايا المحتوى و طرق تبليغها، فالعلاقة التربوية التي تربط الأستاذ بالتلميذ مثلا تتعدى العملية الظاهرة للتواصل كي تندرج في إطار نسق واسع من العلاقات ينطلق من الفصل ليربط هذا الأخير بالمجتمع و بالثقافة و القيم و الحضارة السائدة (احمد شبشوب 1986، ص 10).

و من جانب آخر تقوم فلسفة التربية بمناقشة و تحليل و نقد جملة المفاهيم الأساسية التي يرتكز عليها العمل التدريسي، مثل الطبيعة الإنسانية، النشاط المدرسي، الخبرة، الحرية، الثقافة، المعرفة، مكانة المعلم و المتعلم و المادة…الخ. بالإضافة إلى تحليل و نقد المشكلات التربوية بالمنهج نفسه و بالطريقة ذاتها (سعيد إسماعيل، 1995. ص 27) و فضلا عن كل ذلك تسعى الى مناقشة الافتراضات الأساسية التي تقوم عليها نظريات التربية، سواء من حيث التعلم، طرق التدريس، تنظيم المنهاج، إدارة القسم، تخطيط التعليم…الخ و هي كلها متغيرات و عوامل للتدريس.

تؤثر الأسس التربوية و الفلسفية تأثيرا بالغا في التدريس و يتجلى ذلك خاصة في المناهج وطبيعة المعرفة، لان جزءا كبيرا من اهتمام المدرس يدور حول المعرفة و التعلم. فتتأثر مثلا أهداف المنهج و محتواه بالمعتقدات الفلسفية لواضع المنهج، فقد يرى ان المعرفة الحقة يمكن أن توجد في عالم الحقيقة و الواقع، او يؤمن بان المعرفة الحقة لا توجد إلا في العقل، في الحالة الأولى يركز  على النشاطات و الدراسات العملية و الموضوعية و على تعلم افكار و مفاهيم ترتكز على الخبرة   و التجربة، أما في الحالة الثانية فيركز على الدراسات الرمزية و المجازية و الفلسفية (ابراهيم بسيوني ، 1987 ، ص 18).

و تؤثر الأسس التربوية و الفلسفية التي تتضمن النظرة إلى طبيعة الكائن البشري كفرد على التدريس، من حيث مراعاة طبيعته البيولوجية و النفسية التي تضع حدودا معينة لأهداف       و لمحتوى و تنظيم المنهج، فما يدرس ينبغي أن يراعي الخصائص البيولوجية و النفسية للمتعلم في كل مرحلة من مراحل عمره المختلفة.

تتضمن الأسس التربوية و الفلسفية أيضا الأفكار المتصلة بالكيفية التي يتعلم بها الإنسان واثر تلك الأفكار على التدريس، فنظرية الملكات التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر ترى أن العقل يتألف من ملكات متمايزة يمكن تقويتها من خلال تدريبات معينة شانها في ذلك شان العضلات، أدت إلى مناهج تؤكد على التدريب و المران بواسطة المواد الأكاديمية الصعبة، واعتبرت التدريس مرادفا للتدريب (O. Reboul, 1993 ). أما النظريات التي نادت بان التعلم يحدث عن طريق العمل و النشاط فقد أدت إلى ظهور مناهج تعرض على التلاميذ المشكلات وتوفر لهم وسائل و مواد تتطلب منهم ان يسعوا بانفسهم الى التوصل الى حلول لها و اكتشاف ما يساعدهم على ذلك من معرفة و مهارات و اساليب للبحث و التقصي، بما يتطلبه هذا من مهارات العمل الجماعي و خصائص نفسية و اجتماعية (ابراهيم بسيوني، 1987، ص 20). و لعل المتتبع للمفاهيم التربوية التي سادت في الماضي، و التي مازال البعض منها يعيش في الحاضر ويساهم في رسم خطوط المستقبل ، يجد ان التركيز كان في بعض الاحيان على المعرفة، و بالتالي اتجه الاهتمام الى عقل التلميذ و ادى ذلك الى ظهور طرق تدريس تتسم بالاصرار على التلقين والحفظ و الاستظهار و الاسترجاع. و في احيان اخرى كان الاهتمام منصبا على تهذيب السلوك وتكوين الخلق، مما ادى الى التركيز على وسائل العقاب و التاديب الصارمة. ثم اتجه الاهتمام في مراحل أخرى إلى الخبرة المباشرة و اصبح التركيز على التفكير و النشاط الذاتي للتلميذ، ثم ظهر اتجاه يؤكد على المستقبل و بالتالي اتجه الاهتمام الى الخبرة غير المباشرة، و على سلطان الكبار في صياغة المستقبل، و حينا اخر ظهر الاهتمام باعداد الفرد لكسب العيش، مما ادى الى تغليب الصفة النفعية على التعليم واهمال وظائفه الفكرية و الخلقية والثـقـافية(الهادي عفيفي ، 1973، ص34).

يتضح من كل ما سبق أن التدريس كنشاط هادف ينبني على تصور فلسفي للإنسان المتعلم و للمعلم و للمادة المتعلمة، يرتبط هذا التصور عادة بالقيم الحضارية السائدة داخل مجتمع ما وثقافة ما تعمل الفلسفة على مساعدة التربية و من خلالها التدريس على إجلاء ملامح الإنسان الذي تروم العملية التربوية تحقيقه، و على جعل الممارسة التدريسية متجانسة مع التصور العام للمتعلم الذي تركز عليه.

بالإضافة إلى الأسس التربوية الفلسفية تستند عملية التدريس إلى أسس نفسية تربوية و هي تلك التي تشتق من علم النفس التربوي في مواجهة المشكلات التي تواجه المدرس أثناء قيامه بعملية التدريس، و قد حددها اوزوبل في المشكلات التالية:

- جوانب التعلم التي تؤثر في اكتساب المعارف و الاحتفاظ بها.

- الخصائص الشخصية و المعرفية للمتعلم ذات العلاقة بالتعلم و اكتساب المعرفة و الجوانب الاجتماعية و العلاقات الشخصية المتبادلة في البيئة التعليمية التي تؤثر في نتائج تعلم المادة الدراسية.

- عوامل دافعية التعلم و الطرق النموذجية لاستيعاب المادة، و الطرق الأكثر كفاءة في تنظيم المواد التعليمية و تقديمها و كيفية توجيه التعلم و استثارته نحو أهداف محددة. (عبد المجيد النشواتي 1985 ، ص 21). و موازاة مع الأسس المشتقة من علم النفس التربوي نجد الأسس المشتقة من علم نفس النمو من حيث مراعاة خصائص نمو المتعلم و قدراته و جوانب نمائه المختلفة، من خلال اكتشاف الأسس و المبادئ التي توجه عملية التدريس و جعلها اكثر مرونة في مواجهة المشكلات المرتبطة بها ، و النظريات النمائية كثيرة في هذا المجال و التي أصبحت تمثل أساسا قويا للتدريس مثل نظرية بياجيه، فيجوتسكي، برونر، جانيه…

 

[*] بعض هذه النماذج والنظريات أخذت بتصرف من أطروحة دكتوراه للسيد قلي عبد الله.

[†] سيتم التعرض لهذا المفهوم باسهاب في الفصل الثاني من الباب الثاني.

أرسلها إلى صديق