• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

الخدمات التربوية

نماذج التدريس

نماذج التدريس

 

1-           مقاربة تاريخية

إذا كانت نماذج التدريس من المفاهيم الحديثة نسبيا، فان التدريس كعملية يضرب بجذوره في أعماق التاريخ ، ذلك أن التعليم من اقدم المهن التي عرفتها البشرية. و على الرغم من تعدد متغيراته و تنوع مصطلحاته و الدلالات التي اكتسبها، إلا أننا نحاول أن نتتبع التطور التاريخي لحركة التدريس من خلال أهم الأعلام الذين اثروا هذه الحركة منذ فلاسفة اليونان حتى الظهور الحديث لنماذج التدريس.

اهتم سقراط  Socrate (480-399 ق م) بالتدريس من خلال سلسلة محاوراته اللفظية المبنية على نسق من الأسئلة الذكية، و اعتبر التعلم عملية يقوم بها الطالب عن طريق الاستيضاح والتساؤل و الاختبار و إعادة تنظيم الأفكار و حل المشكلات و تفحص ما كان يعرفه مسبقا (علي الفنيش. 1982 ص 69) فأقام بذلك تصورا جديدا عن فعل التعليم/ التعلم ينبني على منطلقات مغايرة تماما لما كان سائدا في عصره. حيث جعل من فعل التعليم بحثا مشتركا بين المدرس والمتعلم عن المعرفة و ليس مجرد تلقين و تحصيل، و يمكن القول أن ما يعرف اليوم بالطريقة الحوارية في التدريس قد ظهرت على يد سقراط و طورها بعده افلاطون و تلميذه ارسطو و من جاء بعدهم. و اهتم القديس اوغسطين Augustine (354-430 م) بالتدريس من خلال تناوله لما يعرف اليوم بالطريقة الاستبصارية التي تقوم على أن المعرفة تخيل و استبصار، و أن كلمات المدرس تحث المتعلم على البحث عن الحقائق التي لم تكن معروفة لديه عن طريق الإيحاء

 و التخيل الذاتي. C.Bernard, 1977, p100) ).

كما اهتم ابن خلدون (1332-1406) بالتدريس حيث أشار إلي ضرورة البدء بالأمثلة الحسية لدى المتعلم لان المبتدئ ضعيف الفهم، ثم يحدث التدرج شيئا فشيئا بان يلقي المعلم على المتعلم مسائل في كل فن، مراعيا قوة عقله و استعداداته حتى تحصل له ملكة في ذلك العلم. و أكد على تجنب الموسوعية و حذر من الشدة و العقاب، و اعتقد أن التهذيب الفعال يعتمد على القدوة و المحاكاة التي هي أكثر تأثيرا على نفس الطفل من النصح و الإرشاد. و يمكن القول أن ابن خلدون ساهم في صياغة الكثير من مبادئ التدريس و التي لا يزال بعضها قائما حتى اليوم.                     

وعني فرنسيس بيكون F.Bacon   (1561- 1626م) بالتدريس و كسب المعرفة باستخدامه أسلوب الاستقراء الذي لم يكن شائعا من قبل و ساهم في تأسيس ما يعرف اليوم بالطريقة الاستقرائية في التدريس. (صالح عبد العزيز و عبد المجيد عبد العزيز. 1982، ص 37)

كما عني جون اموس كومينيوس J.A.Comenius (1592-1670) بالتدريس حيث اقترح في كتابه المرشد العظيم أو الديداكتيكا الكبرى “Didactica magna” ما اسماه بالفن العام للتدريس، اي فن تدريس جميع الناس كل المواد و اعتبر بذلك المؤسس الفعلي لما يعرف اليوم بالتعليمية      و تعليمية المواد. (Develay. 1992. P 68)

 بدوره اهتم جون لوك J.Locke  (1632-1704) بالتدريس من خلال الطريقة الانطباعية التي تقوم على أن العقل أداة لغربلة و تخزين الانطباعات الخارجية التي يستقبلها، و أن جميع معارف الإنسان و أفكاره تكتسب عن طريق الخبرة أو التجربة فأعطى بذلك أهمية للعادة في التعلم         و التدريس. (صالح عبد العزيز و عبد المجيد عبد العزيز. 1982، ص 38)

و تناول الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط I.Kant (1724-1772) التدريس من خلال ما عرف بالطريقة القاعدية التي ترى أن التدريس لا يعني مجرد نقل المعلومات و التبصر، و لكن غرس الأحكام القائمة على المبادئ و السلوك و بالتالي بناء الإنسان الذي يتحرك ذاتياوعقليا

 و تكمن فيه مفاهيم العلم و الأخلاق و المنفعة.

كما تناول جان جاك روسو J.J.Rousse (1712-1788) التدريس من خلال نظريته الطبيعية التي تدعو إلى اخذ الطفل بما يوافق ميوله و طبائعه و تشجيع غرائزه و إفساح المجال لنموها، و العمل على تقوية صلة الشيء بالطبيعة، و قد أحدثت أفكاره المتصلة بطرائق التدريس ثورة في الفكر التربوي و النفسي لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.

و من جهته تناول بستالوزي  Pestalozzi(1746-1827) التدريس حيث انتقد الطرائق السائدة في عصره و اعتبرها بعيدة عن مناحي الطبيعة و مخالفة لقوانين النفس، و نادى بضرورة سكلجة التربية  و اقترح مجموعة من المبادئ التدريسية تقوم على الحدس و إضفاء المعنى على الكلمات ,  و البدء بالمدركات الحسية و الانتقال من البسيط إلى المركب ومن العام إلى الخاص

 و من المعلوم إلى المجهول و غيرها من المبادئ التي لا يزال معترفا بها حتى اليوم (ساطع الحصري , 1985 , ص 159 ).

  و من بين الذين أثروا حركة التدريس و التعليم جان فريدريك هربارت   J . F. Herbert (1776-1841) الذي اعتبر أن التعليم الصحيح يقوم على عمليتين أساسيتين هما : عملية امتصاص   و استيعاب الأفكار المراد تعلمها , و عملية انعكاس و ربط الأفكار التي  تم استيعابها بالأفكار و المحتويات الأخرى الموجودة في العقل , و أن مهمة المدرس مساعدة التلميذ على القيام بهاتين العمليتين و حدد بذلك أربع خطوات للتدريس طورها تلاميذه إلى خمس خطوات و هي : التمهيد    و العرض , و الربط و التعميم و التطبيق و التي لا يزال التدريس يقوم عليها حتى اليوم . (سليمان قورة , 1985 , ص 296).

و اهتم فروبل Frobel (1782-1852) بالتدريس و دعا إلى طريقة تقوم على تأكيد مبدأ الحرية الموجهة و الاختيار بدلا من القسر و المحاكاة و التقليد لرغبات الكبار, و مبدأ التعلم عن طريق الخبرة و العمل و الحياة النشطة, و مبدأ التطبيق العملي لكل معرفة يتحصل عليها الطفل,    و مـبـدأ الإعتمـاد علــى الميـول و الدوافــع الداخلــية و الإعــلاء مـن شأن اللعب    (G.Mialaret,1981,p 94)  .  

كما اهتم هربرت سبنسر Herbert Spencer  (1820-1903) بالتدريس و نادى بضرورة قيادة الأطفال ليقوموا باستفساراتهم و يستخلصوا استنتاجاتهم و إمدادهم بأقل ما يمكن من المعلومات و تشجيعهم ليكتشفوا قدر ما يستطيعون باتباع الطريقة الاستقرائية التي تسير من استقصاء الحقائق الخاصة  إلى استنتاج الحقائق العامة و استغلال النشاط الذاتي للمتعلم و إعطائه أكبر قدر من الحرية و التعلم عن طريق الخبرة. (صالح عبد العزيز و عبد المجيد عبد العزيز. 1982، ص 38)

و من جهتها اهتمت ماريا منتسوري Maria Montessori  (1870-1952) بالتدريس       و نادت بضرورة التلقائية و الاستقلال في التعلم و أهمية الحرية و الاختيار و إعطاء الفرصة للطفل ليعمل و يتحرك و يبحث عن أسرار البيئة التي يعيش فيها بنفسه و بمجهوده الفردي . و إن التربية يجب ألا تكون عملية نقل معلومات , بل يجب أن تأخذ طريقا آخر و هو السعي إلى إطلاق إمكانات الإنسان , فالتربية عملية طبيعية يمارسها الإنسان بصورة تلقائية و لا يتم الحصول عليها بالاستماع للكلمات , بل بالخبرة الناتجة عن التعامل مع البيئة . .(G.Mialaret, 1981, p 124)

و اقترح ديكرولي Decroly  (1871-1932) طريقة للتدريس  و تنظيم المنهج الدراسي تقوم حول حاجات التلاميذ و اهتماماتهم و محاولة إشباع هذه الحاجات و مواجهة تلك الاهتمامات عن طريق أنواع النشاطات التي يقومون بها , بجمع المعلومات عن طريق المشاهدة و التفاعل المباشر ثم تنظيم هذه المعلومات و تنسيقها جماعيا و بالتعاون تحت إشراف المدرس (سليمان قورة , 1985 , ص 310).

و كان لجون ديوي J . Dewey  (1859-1952) أثرا واضحا في حركة التدريس من خلال أفكاره و نظريته التربوية و مفهومه الجديد لطرائق التدريس التي صاغ بموجبها العديد من المبادئ الموجهة منها الإعلاء من شأن الخبرة المباشرة و الربط بين الخبرات داخل المدرسة و خارجها , و مراعاة الفروق الفردية و الميول و الدوافع و الاستقلال و الاعتماد على النفس و التفكير  و المنطق و أهمية التعاون و الخلق و الإبداع و المعنى , تجسدت كل تلك المبادئ في طرائق التدريس التي اقترحها خاصة طريقتي المشروع و حل المشكلات . ( جون ديوي. د.ت)

ثم تطورت حركة التدريس في إطار التيارات الكبرى التي سيطرت على الفكر التربوي  والنفسي في القرن العشرين نذكر منها : التيار السلوكي , التيار الإنساني , التيار الاجتماعي التيار المعرفي , و فيما يلي توضيحا لذلك :

1-1-التيار السلوكي : اعتمد في تناوله لموضوع التدريس على أعمال بافلوف  و واطسون      و ثورنديك و سكنر و ما تم التوصل إليه من دراسات و أبحاث السلوكيين في مجال التعلم ,      و يمكن تلخيص فكرتهم في التدريس بأنها تدبير يقوم فيه المعلم بتحديد مؤثرات المواقف          و استجاباتها و أنماط التعزيزات التي ستلحق بهده الاستجابات بهدف زيادة احتمالية ظهورها

 وضمان رغبة المتعلم و ما يحقق أهدافه . ساهم هذا التيار في ظهور الكثير من النماذج التدريسية لعل أهمها التدريس المبرمج و التدريس بواسطة الأهداف .

1-2-التيار الإنساني : اعتمد في تناوله لموضوع التدريس على أهمية المبادئ الإنسانية في التعلم من حيث مراعاة جوانب شخصية المتعلم المتكاملة و احترام قيمه  و إنسانيته و إمكاناته . مثل هذا التيار كل من ماسلو و جوردون و كارل روجرز و كومبس و باربرا كلارك . و قد تم الاعتماد على أعمالهم في اشتقاق بعض الافتراضات التي يقوم عليها التدريس , و يمكن تلخيص فكرتهم في التدريس بأنه المجال الذي يتم فيه تهيئة مواقف و خبرات و نشاطات تساعد المتعلم على استغلال طاقاته الإبداعية و قدراته و تتيح له فرصا لإظهار مشاعره و انفعالاته بما يساعده على تطوير شخصيته و فهم دوره ضمن المجموعات التي يعمل فيها.  ساهم هذا التيار في ظهور العديد من النماذج التدريسية لعل أهمها نموذج كارل روجرز .

 

1-3- التيار الاجتماعي : و يعتمد في تناوله لموضوع التدريس من خلال التركيز على أهمية التنشئة الاجتماعية و نظريات التعلم الاجتماعي و التعلم بالملاحظة و النمذجة . يمثل هدا التيار باندورا و سالفين Salvin و ولفولك  Woolfolk  و يمكن تلخيص فكرة هذا التيار في التدريس بأن جميع الظواهر التعليمية ناتجة عن الخبرة المباشرة و يمكن أن تحدث من خلال ملاحظة سلوك الآخرين و نتائجها على الشخص الملاحظ  الذي يفتقر إلى ذلك السلوك , و أن التعلم يتم عن طريق الملاحظة و التمثل و النمذجة.  ساهم هذا التيار بدوره في ظهور الكثير من النماذج التدريسية منها نموذج لعب الدور و نموذج التحري الاجتماعي لـ هربرت ثيلين.

1-4-التيار المعرفي : و يعتمد في تناوله لموضوع التدريس على النتائج التي تم التوصل إليها في علم النفس المعرفي و نظرية معالجة المعلومات , يستند عموما إلى ما وصل إليه بياجيه

 و برونر   و اوزوبل و جاردنر و الذين جاءوا بعدهم . 1993 ) Gardner  )  يركز هذا التيار على أهمية الجوانب المعرفية و الوجدانية و دراسة طرق التفكير و استراتيجياته و عملياته

 و تطور البنية المعرفية التي تزود المتعلم بركائز أساسية لفهم عملية التعلم بهدف تطوير خبرات تساهم في تطوير و إعادة بناء البنى المعرفية  و تطوير استراتيجيات التفكير و العمليات المعرفية في المواقف الجديدة . ساهم هذا التيار في ظهور العديد من النماذج التدريسية منها : نمودج برونر , اوزوبل  جانييه, كلوز ماير … .

و من هنا نلاحظ أن الجهود السالفة الذكر مثلت بعض المحاولات التي بذلت عبر التاريخ لصياغة نظرية أو نظريات لتفسير عملية التعلم و التعليم و بمفهوم آخر عملية التدريس , حيث حاول البعض الانطلاق من تصور نظرية تعالج الطرق و الأساليب التي يتعلم الفرد من خلالها , بينما حاول البعض الآخر الانطلاق من تصور نظرية للتعليم أو التدريس توضح الطريقة أو الطرق التي يستخدمها المعلم ليحدث التعلم لدى المتعلم.

يكشف هذا الاختلاف عن طبيعة النقاش الذي ميز حركة التدريس و النظر إلى عمليتي التعلم و التعليم كطرفين متقابلين و الفصل الميكانيكي بينهما و طغيان النظرة الأحادية بالتركيز على أحدهما دون الآخر .إلا أن البحوث و الدراسات التي أجريت في النصف الثاني من القرن العشرين بينت خطأ هذين التصورين و اعتبرت أن التعليم و التعلم كلا متكاملا و أنه من الصعوبة الفصل بينهما . سمحت هذه النتائج بنقد نظريات التعلم العامة و اتهامها بالفشل في تفسير كل أشكال التعلم و أنواعه . وقد أعزى كل من توق و عدس فشل و تقهقر نظريات التعلم في تقديم نظرية  للتعلم الصفي بالمعنى الشمولي و الدقيق للنظرية إلى تعقد موقف التعلم الصفي و كثرة العوامل المؤثرة فيه و عوامل أخرى كتطوير نظريات ضيقة ذات متانة علمية كبيرة بدل الإهتمام بتطوير النظريات العامة العريضة على الرغم مما لها من تطبيقات واسعة (توق و عدس , 1984 , ص 11) . كما اعتبر غاج Gage  (1975) أن مجال تطبيق نظريات التعلم لا تقدم حلولا للمشاكل و القضايا التي يواجهها المعلم في غرفة الصف و اقترح استبدال نظريات التعلم بنظريات التدريس . و اعتبر اوزوبل Ausubel  (1968) أن نظرية التدريس تعني تحويل نظريات التعلم من نظريات عامة تصطبغ بصبغة المختبر إلى نظريات خاصة ترتبط ارتباطا وثيقا بالتعلم الصفي , فعملية الوصول إلى أساليب تدريس فعالة ترتبط ارتباطا كليا بنظريات التعلم و الكشف عن المبادئ التي تسهل عملية التدريس الصفي , و إن نواحي التدريس التطبيقية التي تشتق من هذه المبادئ تكون نظرية التدريس .  و أمام الفشل في التوصل إلى نظريات في التدريس تتصف بكل خصائص النظرية العلمية بدأ التفكير في الانتقال من نظريات التدريس إلى نماذج للتدريس و من طرائق التعلم إلى استراتيجيات التعلم , و ظهرت بذلك نماذج عديدة للتدريس تنوعت بتنوع المنطلقات  و المناظير التي تستند إليها و هو ما نحاول أن نوضحه في هذا الفصل .

 

2-محاولة لتعريف التدريس :

التدريس لغة مصدر الفعل( درس ) . جاء في لسان  العرب تحت مادة (درس)  درس الكتاب درسا و دراسة : عائده حتى انقاد لحفظه . (ابن منظور , د ت , ص 968 ) , كما ورد الفعل درس في القرآن الكريم في عدة آيات تفيد عموما فعل القراءة و التعلم الناتج عن المراجعة و التكرار (بن بريكة , 1994 , ص 33) .

أما من حيث الاصطلاح فإن التدريس مصطلح واسع يشير إلى أنشطة عديدة متباينة بعضها واسع لدرجة أنه يشمل الشرطية و التوجيه العقائدي , في حين أن البعض الآخر صنف أنشطة التدريس على أساس الأنواع و المستويات و النماذج أو الطرق    (علي الفنيش , 1982 , ص 104 ) .

 يستخدم البعض مصطلح التدريس بمعنى التعليم أو التوجيه أو التدريب و يميز البعض الآخر بينهما من حيث أن التدريس يفيد اكتساب المعرفة في  غياب أو حضور المعلم , في حين أن التعليم يشترط وجوبا وجود معلم و متعلم و أن التوجيه يتضمن التدريس و ليس العكس . أي أن التوجيه أشمل و أوسع من التدريس . أما التدريب فيمثل جزءا من التدريس حيث يعمل على تشكيل السلوك و يتضمن التدريس كلا من تشكيل السلوك و نقل المعلومات . كما قد يفتقر التدريب للفهم بأن يكون آليا عبر التمرين و التكرار بينما يتطلب التدريس الفهم و الإدراك الواعي .

أما في اللغة الفرنسية فنجد مصطلح Enseignement  و يعني التدريس و التعليم. و في الإنجليزية مصطلحي Teachingو Instruction و يستخدمان بمعنى التدريس و التعليم و يحاول البعض التمييز بينهما .

يشير علي الفنيش أن التدريس مصطلح غامض يفتقر إلى الحدود الواضحة الدقيقة إلا أن هذا لا يعني أنه ليس في الإمكان إدراك معناه , الشيء الوحيد هو أن تعريف التدريس كما لاحظ توماس جرين  T . Grean   لا يشتمل على أي قاعدة تحدد في كل حالة فيما إذا كان يمكن استعمال المصطلح لأنه مرتبط في أذهان الكثيرين بمجموعة من الأنشطة مثل التوجيه العقائدي , الدعاية  النصح , التدريب , التوجيه الشرطي , التمرين و حتى بغسل الدماغ بكل ما يشتمل عليه من تضمينات و دلالات سلبية (علي الفنيش , 1982 , ص 105 ) و عموما يستخدم مصطلح التدريس بطرق مختلفة و بمعان متباينة قد تشير إلى المتعلم مثل التعاليم (Doctrine  ) أو العقيدة أو إلى وظيفة أو عمل الشخص الذي يدرس أو يربي , أو إلى طرق جعل الشيء معروفا للآخرين في الإطار المدرسي.

 إلا أننا سنركز على مفهوم التدريس كنشاط و ليس كعقيدة . في هذا الصدد عرف زياد حمدان التدريس بأنه : عملية تربوية هادفة تأخذ في اعتبارها كافة العوامل المكونة للتعليم , يتعاون خلالها كل من المعلم و التلاميذ لتحقيق ما يسمى بالأهداف التربوية ( زياد حمدان,1984,ص23) .

يكشف هذا التعريف عن مضمون التدريس و العوامل المكونة له من حيث أنه عملية تعاونية بين هذه المكونات لغرض محدد . و عرفه علي راشد بأنه نظام من الأعمال مخطط له يقصد به أن يؤدي إلى نمو و تعلم التلاميذ في جوانبهم المختلفة و هذا النظام يشتمل على مجموعة من الأنشطة الهادفة يقوم بها كل من المعلم و المتعلم و يتضمن  عناصر ثلاثة : معلما و متعلما و منهجا دراسيا.  هذه العناصر ذات خاصية دينامية كما أنه يتضمن نشاطا لغويا هو وسيلة اتصال أساسية بجانب وسائل الاتصال الصامتة و الغاية من هذا النظام إكساب التلاميذ المعارف و المهارات  و القيم و الاتجاهات و الميول المناسبة  ( علي راشد , 1988 , ص91 ) . يكشف هذا التعريف عن الطابع النظامي و التخطيطي للتدريس من حيث أنه عملية منظمة تتضمن ثلاث مكونات هي المعلم و المتعلم و المادة . تتفاعل هذه المكونات عبر مجموعة من الأنشطة التي يقوم بها كل طرف تتحدد عبرها طبيعة العلاقة بين المكونات , أي علاقة معلم له شخصية ناضجة مكتملة بمتعلم له شخصية لم تكتمل بعد لنقل و إكساب المعارف و المهارات   و الاتجاهات .  كما عرف إسحاق أحمد فرحان و آخرون التدريس بأنه عملية توفير الشروط المادية  و النفسية التي تساعد المتعلم على التفاعل النشط مع عناصر البيئة التعليمية في الموقف التعليمي و اكتساب الخبرات و المهارات و الاتجاهات و القيم التي يحتاجها هذا المتعلم و تناسبه و ذلك بأبسط الطرق الممكنة  (إسحاق  فرحان و آخرون , 1984 , ص 247-248 ) يكشف هذا التعريف عن الشروط التي ينبغي أن تتضمنها عملية التدريس لتحقيق التفاعل الإيجابي للمتعلم مع المعلم و المادة في الموقف التدريسي . و قد حاول فينسترماشر Fenstermacher  (1986 ) توضيح مفهوم التدريس حسب المعادلة القائلة ان القدرة على التدريس تتمحور حول التالي : معلم يعرف شيئا ما غير مفهوم لدى آخرين، يفترض ان يكونوا هم الطلبة , و يستطيع المعلم أن يحول الفهم و مهارات الأداء أو المواقف و القيم المنشودة إلى عمل تدريسي باستخدام طرق مختلفة للتعبير عن الأفكار أو تمثيلها حتى يصبح عدم معرفة الشئ معرفة به و يصبح أولئك الذين لا يفهمون الشيء المعني على علم به , و يصبح من تنقصه المهارة قد امتلك ناصيتها . و هكذا فإن طبيعة الأشياء تقتضي أن يبدأ التدريس بفهم المدرس لما يراد تعلمه و كيفية تعليمه و يسير التعليم من خلال سلسلة من النشاطات يعطى  الطلبة أثناءها تعليمات محددة و فرصا للتعلم . و إن ظل التعلم في نهاية المطاف مسؤولية الطالب نفسه , و ينتهي التعليم بفهم جديد لدى المدرس و الطالب على حد سواء . تركز هذه المعادلة على أهمية الفهم في التدريس , فهم المدرس لما يراد تدريسه و تنمية الفهم لدى المتعلم لما يراد تعليمه . و على الرغم من أهمية الفهم في العمل التدريسي إلا أنه لا ينبغي أن يفهم اقتصار التدريس على تنمية الفهم , بل إنه أكثر من ذلك حيث ان هناك وظائف أخرى يعمل التدريس على تحقيقها و تنميتها سواء كعمليات معرفية أو وجدانية أو مهارية حركية.

كما قدم هندرسون و ليز مفهوما واسعا للتدريس باعتباره عملية معالجة مدخلات التدريس (غرفة الدراسة و التجهيزات و الوقت و المتعلمين و المادة المنهجية) بواسطة أسلوب تعليمي محدد لينتج في النهاية التغير السلوكي المطلوب لدى التلاميذ.

يحدد هدا التعريف ثلاث مكونات لفعل التدريس و هي :

- المدخلات : و تضم خلفية المعلم و خصائصه و خلفية التلاميذ و خصائصهم و المنهج و أهدافه و خصائص المجتمع المدرسي و المجتمع المحلي و المدرسة و خصائصها …

- المخرجات : و تضم التعلم و ما يمثله من معرفة و شعور و قيم و مهارات سلوكية متنوعة .

- العمليات التي تنجم عن تفاعل سلوك المدرس و أساليب تفاعله مع التلاميذ ( عن زياد حمدان , 1984 , ص 56).

 كما شهد مفهوم التدريس تحولا من المفهوم التقليدي الذي يعتبره مجرد نقل المعلومات و المعارف  و تنظيم الموقف التعليمي إلى المفهوم الذي يعتبره نشاطا لإحداث تغير سلوكي لدى التلاميذ ثم إلى المفهوم الذي يعتبر التدريس نشاطا واعيا يقوم به المدرس لإحداث التغير في معرفة المتعلم أو بنائه المعرفي من حيث الكم و الكيف و التنظيم و الترابط و التكامل و التمايز   و الاتساق باستخدامه لعملياته المعرفية و فهم الميكانيزمات التي تتحكم فيها من ناحية . وفهم المحتوى المعرفي الذي تعالجه هذه العمليات من ناحية أخرى . و أصبح ينظر إليه حديثا على أنه فعل يقوم على المنطق  و يستمر كعملية عقلية منطقية تتجسد في الأداء القائم على العطاء        و الاستنتاج و المشاركة التامة  و الإقناع و بأنه أيضا عملية تقوم على الاستيعاب و المنطق      و التحول و التأمل و هي الجوانب التي تتجاهلها الأبحاث و الممارسات التقليدية . و في هذا الصدد يقدم شولمان Schulman  (1988) تعريفا لمفهوم التدريس حسب التصورات الحديثة فيقول بأنه : نشاط يشمل الأداء الذي يمكن ملاحظته لعدد من أشكال الفعل التعليمي , و يضم العديد من فعاليات التعليم بالغة الأهمية , كالتنظيم و إدارة الفصل , عرض الشروح الواضحة و الأوصاف الحية , تحديد العمل والتأكد من أدائه و كذلك التفاعل المفيد مع الطلبة من خلال الأسئلة و تحسس وجهات النظر والإجابات و ردود الأفعال و الثناء و النقد, و هكذا فإن النشاط التدريسي يضم إدارة الفصل والشرح و المناقشة و كل الجوانب التي يمكن ملاحظتها من جوانب التدريس الفعال       و المباشر والكاشف ( شولمان , 1988 , ص 65).

من التعاريف السابقة يمكن القول أن التدريس هو نشاط يقوم به المدرس بهدف تغيير سلوك المتعلم و بنيته المعرفية باستخدام طرائق و أساليب و محتويات محددة و بالتالي فهو نشاط غرضي مقصود صمم ليقدم تعلما . و تشمل ظاهرة التدريس بذلك ثلاث عناصر : المدرس , الطالب والمادة الدراسية , و لا بد لهذا الثلاثي من أن يتسم بسمة المرونة و الحركية , كما أن العلاقة بين المدرس   و الطالب يجب أن تكون موضع اهتمام خاص عند اختيار طريقة التدريس بحيث يجب أن تضع في اعتبارها بالإضافة إلى المجال الإدراكي الفكري و المادة الدراسية , الجانب الوجداني و ما ينتج عنه من انعكاسات إنسانية , أي الإنسان ككل في تركيبة متكاملة (علي الفنيش , 1982 , ص 111)

و عموما يختلف مفهوم التدريس حسب المنظور الذي يتم تناوله منه , و سنركز بدورنا على المنظور المعرفي للتدريس تماشيا مع الإطار العام لهذا البحث .

من التحليل السابق و انطلاقا من المنظور المعرفي يمكن الوصول لتصور  مفهوم التدريس على النحو التالي :

إن التدريس مجموعة من الأنشطة و العمليات المتكاملة المتمثلة في الفهم و التشكيل والتمثيل و التكييف و التنفيذ و التقويم و التأمل و إعادة الفهم .ويمكن توضيح كل ذلك كما يلي :

-         الفهم : يتضمن التدريس الفهم أولا . فلكي يعلم المدرس يجب أن يفهم بطريقة ناقدة المحتويات و الأفكار التي سيقوم بتدريسها , و فهم أفكارها من وجوهها المختلفة و فهم العلاقات المتضمنة بينها ضمن نفس الموضوع , و كذلك علاقتها بأفكار موضوعات أخرى . ولا يمكن للمدرس أن يدرس أمرا لا يفهمه. يتجلى الفهم من خلال قدرة المدرس على تحويل المعرفة بالمحتوى إلى أشكال من التأثير التعليمي و القابلية للتكيف مع اختلاف قدرات الطلاب و خلفياتهم.

-          التشكيل : و يتمثل في قدرة المدرس على تحويل المحتويات و الأفكار التي جرى فهمها       و تشكيلها بصورة أو بأخرى أي تحويل المعرفة العلمية إلى معرفة قابلة للتدريس . يتطلب هذا الأمر إعداد المحتويات و تفسيرها تفسيرا ناقدا و اختيار الطرق و الأساليب الملائمة للتوصيل بمراعاة خصائص المتعلمين و حاجاتهم. فيتحرك المدرس من الفهم الشخصي إلى الإعداد لفهم الآخرين.

-          التمثيل : و يتمثل في تفكير المدرس في المحتويات الموضوعة للتدريس و التعرف على البدائل الخاصة و أنواع المقارنات و الإيضاحات و المحاكاة و ما شابه ذلك مما يمكن من بناء جسور بين فهم المدرس للمحتوى و بين الفهم الذي يرغب أن يصل إليه الطلبة و اختيار أشكال التمثيل و العرض و التعلم المختلفة .

-          التكييف : و يقصد به مواءمة المادة المتمثلة و خصائص الطلبة التي ستؤثر على استجابتهم لمختلف أشكال التمثيل و العرض و ما هي المفاهيم و التوقعات و الدوافع والإستراتيجيات التي قد تؤثر على الطرق التي يحاول الطلبة من خلالها الاقتراب أو تفسير أو فهم المادة التي يتعلمونها .

-          التنفيذ : و يضم النشاط الفعلي للتدريس من تنظيم و إدارة الفصل و الشرح و التوضيح         و المناقشة و التفاعل .

-          التقويم : و يتضمن قيام المدرس بالمراجعة الفورية للفهم أو سوء الفهم و يمثل أنواع التغذية الرجعية  التي يمكن الحصول عليها أثناء الموقف التدريسي أو بعده , كما يعني تقويم الطرق التي يستخدمها المدرس في تدريسه و مدى فعاليتها .

-          التأمل : و يتضمن العملية التي يقوم فيها المدرس باسترجاع التعليم و التعلم الذين حدثا        و إعادة بناء و تمثيل ما تم , و استرجاع الأحداث و المشاعر و الإنجازات , و يعبر التأمل عن نوع من المعرفة التحليلية لخبرات المدرس التي يستعين بها لتطوير تدريسه .

-          إعادة الفهم : و يتضمن الفهم الجديد الذي يتوصل إليه المدرس للأهداف التعليمية و فهما جديدا للطلبة و العمليات التعليمية على حد سواء . هذا الفهم الجديد لا يحدث تلقائيا حتى بعد التقويم و التأمل و إنما يحتاج الأمر إلى استراتيجيات خاصة تقوم على التشويق و التحليل        و المناقشة .

 

3- نظريات التدريس :

 تندرج نظريات التدريس ضمن النظريات التطبيقية المعيارية لأن التدريس ميدان تطبيقي , لذلك فإن ما يطبع نظرياته هو المعيارية ما دامت تصف و تحدد المعايير  التي توجه العملية التعليمية . فهي بالإضافة إلى ما تزود به من وصف و تفسير توضح السلوك الواجب اتباعه لتحقيق الأهداف المنشودة . و توصف بأنها نظريات افتراضية لأنها تهدف بشكل أساسي إلى افتراض ما ينبغي القيام به لتحقيق أهداف مثلى , في هذا الصدد يفترض ريجيليوث Reigeluth.1983 p 22) ) أن المبادئ الافتراضية و النظريات هي ذات توجه نحو الهدف , في حين أن المبادئ الوصفية و النظريات متحررة من الهدف , ففي الوقت الذي تهدف فيه المبادئ الافتراضية إلى تحقيق هدف تقتصر المبادئ الوصفية على وصف النواتج . لذلك يمكن القول أن النظرية الإفتراضية هي مجموعة من النماذج أي مجموعة من الإفتراضات التي يعمل فيها النموذج على الارتقاء بالنواتج التعلمية المرغوب فيها وفق شروط محددة , بينما تعد النظرية الوصفية مجموعة من الأوصاف التي تحدث وفقها النواتج التعليمية وفق شروط تعلمية محددة باستخدام نموذج تدريسي محدد (قطامي و قطامي  1988, ص 21) تشترك نظريات التدريس مع نظريات التعلم في الموضوع اي فعل التعلم، حيث تبحث نظريات التعلم في كيف يحدث التعلم     و طبيعته و تفسيره، بينما تبحث نظريات التدريس في الشروط التي تحدث التعلم ، اي ما هي الإجراءات و الخطوات التي ينبغي اتباعها لكي يحدث التعلم.

 كما إن نظرية التعلم ينبغي أن تكون شاملة في معالجتها لأسباب حدوث التغيرات التعلمية و قد تكون ناقصة فيما يتصل بالمضامين العملية التي تهم المربين، بينما ينبغي أن تكون نظريات التدريس شاملة فيما يتصل بالمبادئ العملية و قد تكون قاصرة أو غير تامة فيما يتصل بأسباب فاعلية مثل هذه الإجراءات أو عدم فاعليتها. أما الفرق الرئيس بين نظريات التدريس و نظريات التعلم فيكمن في أن الأولي تركز على طرق التدريس و الظروف و تحقيق النواتج المرغوب فيها المخططة و المنظمة و تعنى بما يفعله المدرس، بينما تركز الثانية على ما يحدث للمتعلم و كيف يحدث التعلم. كما ان نظرية التدريس ينبغي ان تتضمن متغيرات طريقة تدريس محددة و اذا لم تتضمن ذلك فهي ليست نظرية تدريس. و ترجع اهمية ذلك الى ان كثيرا مما يمكن تسميته نظرية تدريس هو حقيقة نظرية تعلم، حيث ان نظرية التدريس سهلة التطبيق نسبيا في الصف لانها تصف طرقا في التدريس، بينما يصعب ذلك في نظرية التعلم لانها لا تصف  اسلوبا او طريقة في التدريس و لكنها تتضمن شروط التعلم (Gage 1979  عن قطامي و قطامي 1998. ص 23).

اشتقت بعض نظريات التدريس من نظريات التعلم باستخدامها كأساس للتطبيق تستخلص منه المبادئ التي تفيد النواحي العملية، لكن هذه الجهود لم تحقق الأهداف المعقودة عليها (عبد الحميد جابر 1989 ص 255) فجاءت بذلك نظريات التدريس لتهتم بالمبادئ الأساسية للسلوك اهتماما قليلا و اهتمت بمبادئ التعلم اهتماما كثيرا بالتركيز على النواحي التطبيقية، كما جاءت كمحاولة لتخطيط التعليم على نحو نظامي بدرجة اكبر و تخطيط يستند إلى مبادئ اختبرت علميا.ينصب الاهتمام الأساسي لنظريات التدريس على الإجراءات التي تمت البرهنة على سلامتها، و التي تتسق مع تصورات المجتمع للخبرات التربوية، و في هذا السياق قدم جوردون

(Gordon) تعريفا لنظرية التعليم (التدريس) باعتبارها مجموعة من العبارات التي تعتمد على بحث علمي سديد قابل للإعادة يسمح للمرء بان يتنبأ بكيفية تأثير متغيرات معينة في البيئة التعليمية في

 و نظرية التقويم (عبد الحميد جابر 1989 ص 257).

 بررسيجل Siegel (1967) الحاجة إلى نظريات التدريس بان هناك أسئلة تتصل بالممارسات التربوية و بالمناهج و الإدارة و التعلم تتطلب إجابات لها في ضوء تنظيم نسقي      و ضوء النتائج التي أسفرت عنها الدراسات العلمية التي تتصل بهذه الأسئلة. كما أنها تسهم في اقتراح ممارسات تربوية افضل مما هو سائد و التنبؤ بفاعلية المستحدثات التربوية أو عدم فاعليتها وتوجيه جهود الباحثين في المستقبل على نحو منظم.

و من جهته دعا سكنر Skiner  (1969) إلى ضرورة دراسة أنشطة المتعلمين و تطوير المبادئ التي تتصل بالتدريس بدلا من الاكتفاء بفهم العمليات النفسية الكامنة في التعلم، و يرى ان المواقف العملية أساس سليم تشتق منه المبادئ ثم تختبر صحتها في ضوء هذه المواقف              (Skiner, 1969 p 275).

 و بدوره نادى اوزوبل Ausubel  (1978) إلي ضرورة التكامل بين نظريات التعلم ونظريات التدريس و اعتماد كلا منها على الآخر و صاغ في ضوء ذلك نظريته التي اهتمت بالأساس بالتعليم المدرسي ذي المعنى ليبتعد عن التيار السائد في صياغة نظريات التعلم.

و من جانب آخر ميز جوردون Gordon (1963) بين نظريات التدريس و نماذج التدريس  حيث أن النماذج تتآلف من أمثلة معينة لإجراءات تعليمية آما النظريات فتتضمن صياغات اكثر تجريدا  و اقترح مجموعة من المعايير و المحكات لصياغة نظريات التدريس و تقويمها كما يلي:

1- أن تشتمل على مجموعة من المسلمات و تعرف المصطلحات التي تتضمنها.

2- أن توضح مجال اهتمامها و حدودها و نواحي القصور التي تعمل في إطارها.

3-  أن تتميز بنوع من الاتساق الداخلي، أي مجموعة من العلاقات البينية المنطقية.

4-  أن تتطابق مع البيانات الامبريقية و تشتق تعميمها النظري من تلك البيانات.

5-  أن تكون قادرة على توليد الفروض التي يمكن اختبارها تجريبيا.

6-  أن تشتمل على تعميمات و أن تكون قابلة للتحقيق.

7-  أن تصاغ بطريقة تسمح بجمع البيانات لإثبات صحتها أو خطئها.

8-  أن تكون قادرة على التنبؤ بالوقائع المستقبلية.

9-  أن تكون نوعا من التأليف الكيفي تتيح للتطورات المستقبلية التعبير عن متغيراتها كميا.

تصلح هذه المعايير لصياغة و تقويم نماذج التدريس مما يؤكد التداخل القائم بين  نظريات التدريس و نماذجه، إلا انه يمكن القول أن نماذج التدريس تمثل الصياغة المبدئية لنظريات التدريس او هي نظرية للتدريس لم تتضح بعد على حد تعبير محمد الدريج (محمد الدريج و آخرون ،  1988 ).

يتضح مما تقدم التفاعل القائم بين عمليتي (التدريس) التعليم و التعلم  ، فإذا كان التعلم تغيير في السلوك أو البنية المعرفية يتصف بنوع من الديمومة النسبية ينتج عن الخبرة  و التفاعل مع البيئة فان التدريس (التعليم) مجموعة نشاطات تهدف إلى إحداث هذا التغيير و تبدو بذلك عملية التعليم اكثر تحديدا من عملية التعلم خاصة في أوضاع التعلم المدرسي حيث يأخذ التعليم شكلا من التدريب الواعي   و المنظم و يؤدي إلى إنشاء بيئة مشتركة بين المعلم و المتعلم (عبد المجيد النشواتي 1985. ص 547).

من جانب آخر يتضح آن نماذج التدريس تستندا أساسا إلى نظريات التعلم التي تمثل القاعدة الأساسية التي تشتق منها مبادئها و تعميماتها لاقتراح افضل الاستراتيجيات التي يمكن اتباعها لتحقيق أهداف تعليمية محددة. و في ضوء ذلك اتجه العلماء إلى صياغة العديد من النماذج التدريسية المختلفة. تعكس هذه النماذج وجهات نظر معينة حول جوانب التعلم الهامة               و استراتيجيات تعلمها و تعليمها. و رغم الاختلاف الظاهري بينها إلا أن هناك بعض المظاهر المشتركة التي تقارب بينها خاصة اعتمادها على المبادئ السيكولوجية للتعلم و استخدام مفاهيم أساسية هادفة لتحقيق تعلم افضل.

4-عوامل التدريس و متغيراته و عملياته :

انقسم الباحثون في نظرتهم للتدريس، فمنهم من اعتبره فنا يقوم المعلم خلاله بصقل شخصيات التلاميذ و تطوير عادات جديدة لديهم، و منهم من اعتبره علما تطبيقيا يقوم حسب مبادئ و قوانين و نظريات نفسية و تربوية محددة. و منهم من يعتبره علم و فن في آن واحد. فهو فن لان المدرس يظهر من خلاله قدراته الإبتكارية و الجمالية في التفكير و اللغة و الحركة       و التعامل (بن بريكة، 1994. ص 16) و هو علم تطبيقي يستند إلى عدد من العلوم الإنسانية      و الطبيعية و ما تقدمه من تضمينات نظرية و تطبيقية (زياد حمدان 1984.ص 27) و في ضوء النظرة العلمية للتدريس حاول بعض العلماء دراسة عوامل التدريس و متغيراته و عملياته للتحكم فيها و كشف تأثير بعضها على بعض و في هذا الإطار حدد محمد زياد حمدان عوامل التدريس في أربعة عوامل هي: المعلم و المتعلم و المنهج و البيئة الصفية، و هي عوامل متكاملة يؤثر كل منها سلبيا أو إيجابيا بنصيب واضح في توجيه و إنتاج البيئة المدرسية، تتفاعل هذه العوامل بعضها مع بعض حيث يتفاعل المعلم مع التلاميذ من جهة، و يتفاعل المعلم و التلاميذ مع المنهج من خلال معطيات البيئة الصفية و خصائصها من جهة اخرى. فاذا كانت مواصفات هذه العوامل بناءة و ايجابية فان تفاعلها يكون مؤثرا و نتائجها التربوية تكون متكاملة و العكس صحيح (زياد حمدان، 1984. ص45، 46) كما يمكن الاسترشاد بنموذج العالم الالماني فرانك H.G.Frank

(1970)  في تحديد عوامل التدريس حيث صاغها في ستة عوامل هي:

أ/البنية النفسية للتلميذ. ب/البنية الاجتماعية لبيئة التعلم. ج/الوسائل. د/المحتويات هـ/الأهداف.    و/ لوغاريتم التعلم أي مجموع القواعد التي تتحكم في العملية (DE Corte et all 1990, p 32).

انطلق فرانك من أساس نظري ملخصه أن التعلم يعني: استقبال المعلومات و تجميعها     و استيعابها ثم إنتاج معلومات جديدة فركز بذلك على العوامل التي تتمحور حول النشاط التعليمي اكثر مما تتمحور حول المحتوى التعليمي و أولى نظريات التعلم أهمية خاصة، و بذلك يمكن القول أن عوامل التدريس تمثل جملة الأطراف المساهمة في التدريس و المشكلة للموقف التدريسي تمتاز بنوع من التفاعل الدينامي و التكامل.

أما بالنسبة للمتغيرات فقد لخصها محمد زياد حمدان في:

1- المتغيرات السابقة للتدريس و تتضمن خصائص المعلم مثل الجنس و العمر و الخلفية الاجتماعية و الوظيفية.

2- متغيرات البيئة التعليمية و تتضمن مستوى التلاميذ المدرسي و عمرهم و معرفتهم السابقة و المادة المستخدمة و نوع الطبقة الاجتماعية التي ينتمون إليها و حجم الفصل و خصائص الفرقة الدراسية.

3- المتغيرات التنفيذية و تتضمن طرائق التدريس و وسائل التعليم و أساليب التفاعل بين المعلم و المتعلم و بين التلاميذ بعضهم بعض.

4- متغيرات الإنتاج و التحصيل و تتضمن نوع و مقدار التعلم الذي حصل من جراء عملية التدريس.

و ينظر منهج النظم إلى متغيرات التدريس على أنها مكونات لنظام متكامل له عناصره ومكوناته و علاقاته و عملياته التي تسعى إلى تحقيق الأهداف المحددة داخل هذا النظام و يتألف من أربعة أجزاء هي:

1-المدخلات (Input) و هي مكونات نظام التدريس و تشمل جميع العناصر التي تدخل في التدريس من اجل تحقيق هدف أو عدة أهداف محددة و يمثل المدرس و خصائصه و المتعلم 

 و مواصفاته و المنهج و مكوناته و البيئة المدرسية و مواصفاتها أهم المدخلات.

2-المخرجات (Output) و هي النتائج النهائية التي يحققها التدريس و تظهر في المتعلم ذو المواصفات المرغوبة في ضوء أهداف التدريس.

3-العمليات (Process) و هي مجموعة الأفعال و التفاعلات و العلاقات التي تحصل بين مكونات التدريس و تشمل كل ما يقوم به المعلم من شرح و توضيح   و مناقشة و كل ما يقوم به المتعلم من نشاط و تعلم.

4-التغذية الراجعة (Feed- Back) و تمثل مجموع المعلومات التي تأتي نتيجة تصنيف المخرجات و تحليلها في ضوء الأهداف الموضوعة للتدريس، و تقدم المؤشرات عن مدى تحقيق الأهداف     و تبيين مراكز القوة و الضعف في أي جزء من الأجزاء الأخرى، و من خلال ذلك يمكن إجراء التغيير و التطوير، كما تمكن التغذية الراجعة من مراقبة سير كل عملية و التأكد من أن المدرس   و المتعلم يقومون بالأفعال المحددة لهم. أما عمليات التدريس فيلخصها محمد زياد حمدان في نوعين رئيسيين هما :  عمليات تحضيرية، و عمليات تنفيذية كما يلي:

1- العمليات التحضيرية: و هي مجمل السلوك و المهام التي يقوم بها المعلم لتخطيط التدريس    و الاستعداد لتنفيذه مع التلاميذ، تحدث هذه العمليات في العادة خارج الغرفة الدراسية، و هي تنبئية في طبيعتها يشرح من خلالها المعلم معالم التربية الصفية (او غير الصفية) مقترحا مكوناتها

 و مجرياتها و متطلبات حوادثها العامة و الطارئة ، تشمل العمليات التحضيرية المهام التالية :

- اختيار و تحضير الأهداف التربوية العامة و السلوكية.

- تقييم معارف التلاميذ قبل التدريس.

- تخطيط و تحضير أنشطة التعلم و التعليم.

- تخطيط و تحضير الأنشطة الإضافية

- اختيار و تحضير الوسائل و المواد التعليمية.

- اختيار إجراءات و وسائل تحفيز التعلم.

- اختيار إجراءات و وسائل توجيه التعلم و الانضباط الصفي.

- تحضير البيئة الصفية.

2- العمليات التنفيذية، و هي السلوك و الحوادث التنظيمية و التربوية و الاجتماعية التي تصنع معا التدريس و التربية الصفية، و يقوم المعلم بها بناء على العمليات التحضيرية السابقة.          و تشمل تحفيز التلاميذ و تهيئتهم نفسيا و ادراكيا للتعلم و استعمال أنشطة التعليم و التعلم         و الأنشطة الإضافية المناسبة و توجيه التلاميذ و ضبطهم و إدارة الفصل و توظيف الخدمات المساعدة و تقييم تعلم التلاميذ أثناء التدريس و عند انتهائه. (زياد حمدان، 1984. ص 69)    كما تشمل العمليات التنفيذية كل ما يقوم به المدرس من شرح و توضيح و برهنة و مناقشة و تفاعل لتحقيق أهداف التدريس.

و من جانب آخر يعبر البعض عن عمليات التدريس باستخدام مفهوم مراحل التدريس        (Jonnaert et al, 1999, Gauthier et al, 1997) و يربطونها بالأنشطة التي يقوم بها المدرس       و يحددونها في ثلاث مراحل هي :

- ما قبل النشاط       Pré-Active        

- أثناء النشاط      Inter-Active   

- بعد النشاط        Post-Active

و يعتبرون هذه المراحل متكاملة و تتفاعل فيما بينها بحيث تؤثر كل مرحلة على التي تسبقها  و تأتى بعدها(Gauthier, et al 1997 p 127)  ففي مرحلة ما قبل النشاط يمارس المدرس نشاطه الأساسي على المعرفة المدرسية بحيث يحدد موضوع التعلم المدرسي و يقوم بتحضيره بالبحث عن المصادر التي تسمح للتعلم لان يحدث تسمح مجموعة أنشطة هذه المرحلة بتحضير الشروط الضرورية للتعلم في المرحلة التالية(Jonnaert et al, 1999 p 295).

و في مرحلة أثناء النشاط فان المدرس يخلق الشروط التي تسمح للمتعلمين من أن يحققوا التعلم المرغوب و يتوقف نجاحها على المرحلة التي سبقتها كما يتركز النشاط الأساسي للمدرس على التعلم بحيث يصبح المتعلم الفاعل الأساس في تعلمه من خلال ما يوفره له المدرس من ظروف    و توضيحات و شروح و بعبارة أخرى قيام كل طرف في العملية التدريسية بالدور المنوط به حسب العقد التعليمي(Jonnaert, et al, 1999, p 330). 

أما مرحلة ما بعد النشاط فتبدأ مبدئيا بعد انطلاق التدريس و مباشرة التعلم من طرف التلاميذ حيث يقوم المدرس بإلقاء نظرة على صورة ما يحدث (Retour sur image)  و يحلل ما حدث بالفعل وفهم النتيجة واتخاذ القرار الضروري لبدء نشاط آخر (Jonnaert et al. 1999 p 374) و بعبارة أخرى يتعلق الأمر بما يقوم به المدرس من تقويم تشخيصي و تكويني وحتى نهائي من خلال جمع المعلومات و المعطيات الضرورية لإصدار الأحكام الملائمة .

من العرض السابق لعوامل التدريس و متغيراته و عملياته يمكن القول أنها تتفاعل جميعا في نسق متكامل لتحقيق الأهداف المحددة للتدريس و بالتالي ضرورة مراعاة هذا التكامل على مستوى المدخلات و العمليات و المخرجات.

 

5- أسس التدريس

هناك خلاف حول الأسس التي يستند إليها التدريس، بحيث يرى بعض العلماء أن التدريس كعلم تطبيقي يستند إلى نظريات التعلم التي ثبت فعاليتها. و أنها تشكل افضل أساس لتطوير نظريات التدريس، بل و تعتبره المصدر الأول الذي تشتق منه مبادئها (Gage 1964, Ausubel, 1968) في حين يرى البعض الآخر أن التدريس كعلم مستقل قائم بذاته يمكنه أن يساهم في توليد نظرياته الخاصة انطلاقا من النتائج التي تم التوصل إليها في العلوم المختلفة التي يعتمد عليها كعلم النفس التربوي و علم الاجتماع التربوي و الفلسفة و علم المنطق و الابستمولوجيا.

(Mialaret, 1987, DE corte et al, 1990, Develay, 1994) و من جانب آخر يرى البعض أن البحث السيكولوجي الذي يتناول نظريات التعلم يختلف اختلافا منهجيا عن البحث التربوي الذي يتناول التدريس و لا يمكن أن توجد علاقة بين نظريات التعلم و نظريات التعليم، بينما يرى البعض الآخر أن هذين النوعين من النظريات يعتمد الواحد منهما على الآخر مع أن لكل منهما نموه المستقل و لكنهما يتبادلان الأفكار (عبد الحميد جابر ، 1989 ، ص 261) و مهما يكن من آمر هذا الخلاف فان هناك اتجاه عام يقول باستناد نظريات التدريس إلى نظريات التعلم حيث تطرق جابر عبد الحميد جابر إلى خمس اتجاهات مختلفة يرى دعاة كل واحد منها أن اتجاههم هو افضل استخدام لسيكولوجية التعلم في صياغة نظريات التدريس نلخصها كما يلي:

1- اتجاه تطويع السلوك و تعديله و يعتمد على نظريات التعلم السلوكية و استخدام مبادئ التعلم الاشراطية ، و اعتبار التدريس يسعى إلى تعديل السلوك عبر التطبيق التربوي لمبادئ التعلم المشتقة من نظريات بافلوف، واطسون، ثورنديك، سكنر…

2- اتجاه مبادئ التعلم و يرى أصحابه انه لا ينبغي الاعتماد على نظرية تعلم واحدة مهما كانت طبيعتها، و انه يمكن صياغة نظريات التعليم على نحو افضل إذا أفاد واضعوها من بحوث التعلم على اختلاف أطرها النظرية طالما أن هذه البحوث يمكن أن تسهم في حل مشكلة تربوية و يمثل هذا الاتجاه بوجالسكي.

3- اتجاه تحليل العمل و يرى أصحابه ضرورة اتباع أسلوب منظم لتحليل أنواع الأعمال المتضمنة في التدريس الفعلي و المواقف التربوية و يعتبر روبرت جانييه (Gagné 1977) من أعلامه.

4-الاتجاه الإنساني و يقوم على ضرورة مراعاة النظرة التكاملية للشخصية الإنسانية و نظرية العلاج النفسي و يمثله كارل روجرز.

5-اتجاه التكوينات المعرفية و يستند إلى علم النفس المعرفي و يرى أن مبادئ التدريس ينبغي أن تدخل في حسابها التغيرات المعرفية التي تحدث أثناء التعلم ذي المعنى و من أعلام هذا الاتجاه برونر و اوزوبل.

إن ما نجده في معظم كتابات علم النفس تحت عنوان نظريات التعلم لا يقدم للمعلم توجيهات محددة تصلح للاستفادة منها أو العمل بمقتضاها في المواقف التعليمية، كما أن معظم الكتابات حول نظريات التعليم أو التدريس لا تقدم مبادئ واضحة و محددة حول كيف يحدث التعلم، يرجع هذا إلى التباين بين العمل في إطار نظرية التعلم و نظرية التدريس، و رغم هذا التباين و الخلاف إلا انه يمكن تصنيف الأسس التي يستند إليها التدريس في صنفين هما : الأسس السيكولوجية و الأسس التربوية و الفلسفية.

5-1- الأسس السيكولوجية :

و تمثل الخلفية النظرية التي يتم اشتقاقها من نظريات التعلم و التي توضح كيفية حدوث التعلم و الشروط التي يجب توفرها ليتم على نحو افضل، و يمكن أن نتصور نظريات التعلم على متغير متصل مستمر عند أحد طرفيه النظرية السلوكية الكلاسيكية و عند الطرف الآخر النظرية المعرفية و تقع النظريات الأخرى في موقع ما بين هذين الطرفين، نعرض بعض هذه النظريات باختصار من خلال التركيز على أسس كل منها و مضامينها و فروضها و مبادئها واسهامها في فهمنا للتدريس على صورة مداخل كبرى كما يلي :

 

5-1-1- المدخل السلوكي في التعلم :

يركز هذا المدخل على العوامل الخارجية التي تقوي التعلم و تدعمه (المكافآت، الحوافز، المساعدات الخارجية…) و يفترض أصحابه آن كل المتعلمين متساوون بشكل أولي  و لكن الظروف التي يخضعون لها تتغير، و هذا ما يفسر التغيرات اللاحقة في السلوك (أمل الأحمد 2001 ص 176) فالإنسان يتأثر بالبيئة و هي التي تسبب إنتاج السلوك التعلمي الذي هو عبارة عن استجابة خارجية يمكن ملاحظتها و من ثم دراستها (W. Barais et al, 1993, p 37).

 تعرف النظريات السلوكية التعلم باعتباره تغيرا في السلوك ثابتا نسبيا يرجع إلى الخبرة  و ينظر إليه على شكل نظام يتكون من مدخلات (Imputs Ou Stimulus) و مخرجات             (Outputs Ou Réponses) تتم دراسته من خلال تحليل خصائص المدخلات و المخرجات دون الاهتمام بما يحدث داخل النظام، لذلك يمكن اعتباره بمثابة العلبة السوداء، و المشكلة الأساسية تتصل بتحديد العلاقة بين مدخلات النظام و مخرجاته، أي  بين المثير و الاستجابة (W. Barais et al 1993 p 37).

يعتبر العالم الروسي ايفان بافلوف Ivan Pavlov  (1849- 1936) أول من صاغ نظرية الارتباط الاشراطي الكلاسيكي للتعلم ، رغم أن الحقائق الأساسية عن الإشراط كانت معروفة قبله. و يرجع إليه الفضل في اكتشاف العديد من العلاقات التجريبية التي تحكم عملية الإشراط باستخدام إجراءات الضبط التجريبي الدقيق (فتحي الزيات 1996. ص 155)   أتاح استخدامه للاتجاه الموضوعي الدقيق أن يقيس المتغيرات التي يدرسها مستخدما الوصف الكمي لها. فسر بافلوف التعلم بأنه عبارة عن استجابة شرطية لمثيرات البيئة الطبيعية، و ميز بين الاستجابة الشرطية     و الاستجابة الانعكاسية الطبيعية، فليست كل استجابة انعكاسية استجابة شرطية بالضرورة لأنها مجرد استجابة للعضوية إزاء العالم الخارجي. (Pavlov – cité in le NY, 1980 p 15). و بذلك استخدم مفهوم الانعكاسات أو الارتكاس réflexe بمعناه العام ليرادف مفهوم الاستجابة. تتصف الاستجابة الشرطية بأنها مبنية على استجابة طبيعية سابقة تأتى في الغالب كرد فعل على مثير مدعم، و تأتي من حيث الترتيب الزمني تالية للمثير على نحو مثير شرطي استجابة شرطية  و ليحدث التعلم ينبغي العمل على إكساب المثير المحايد (الشرطي فيما بعد) قوة المثير الشرطي الطبيعي في انتزاع الاستجابة الشرطية.

انطلق بافلوف من مجموعة من الفروض من أهمها:

يمكن تحويل أية مثيرات محايدة إلى مثيرات شرطية تستثير الاستجابة الشرطية عن طريق عملية الاشراط وفق محددات منهجية لعدد من مرات الاقتران أو المزاوجة. كما اعتمد على الوقائع التجريبية خاصة على الكلاب ليشتق مجموعة من القوانين الهامة في التعلم منها: قانون التدعيم، قانون الانطفاء التجريبي، قانون الاسترجاع التلقائي، قانون درجات الاشراط أو الارتباط، قانون التعميم، قانون التمييز.

ساهمت هذه النظرية في العديد من التطبيقات التربوية الهامة في التعلم و في العلاج النفسي خاصة ما تعلق بالثواب و العقاب و أهمية الحوافز و المساعدات الخارجية في التعلم إلا أنها تعرضت مع ذلك لكثير من الانتقادات منها صعوبة تطبيق مبادئها في الصف الدراسي و أن استخدام أسلوب الاشراط الكلاسيكي في تعديل السلوك يكون أشبه بغسيل المخ اكثر منه نوعا من التعلم (فتحي الزيات، 1996 ص 175).

و يعد ادوارد لي ثورنديك E.L.Thorndike  (1874-1949) من أعلام السلوكية، استخدم منهجا مغايرا يختلف تماما عن المحاولات التي سبقته، اطلق على الترابط بين انطباعات الحواس و الاستجابة للمثيرات مفهوم الوصلة او الرابطة العصبية كما استخدم مفهوم التعلم بالمحاولة      و الخطإ، و فسر بموجبه التعلم، فالاستجابات الخاطئة يعقبها إما استجابات خاطئة أو صحيحة       و أن السلوك العشوائي للكائن الحي يجعل عدد الاستجابات الخاطئة اكبر من عدد الاستجابات الصحيحة. أقام ثورنديك نظريته على مجموعة من الفروض منها:

- يتعلم الكائن الحي حل الموقف المشكل عن طريق المحاولة و الخطإ.

- يحدث التعلم بصورة تدريجية مع تكرار المحاولات و يقاس بتناقص زمن المحاولات و عدد الأخطاء .

- تكون الاستجابات الأولى للحل عشوائية ثم تتحول تدريجيا إلى قصدية عن طريق الاختيار      و الربط.

- يعمل التعزيز على تقوية الروابط العصبية (الوصلات) بين المثير و الاستجابة.

- يعمل التكرار على تقوية الروابط العصبية بين المثير و الاستجابة و يؤدي الإهمال إلى ضعف  هذه الروابط.

- قوة الاستجابة دالة لكل نمط من نمط المثير و درجة استعداد و تهيؤ الكائن الحي والتفاعل بينها.

- تعتمد الفعالية النسبية للمعززات على أهميتها النسبية للكائن الحي و ليس على نوعها أو حجمها أو توقيتها.

كما أكد ثورنديك على المظاهر الوظيفية للسلوك و صاغ بذلك مجموعة من قوانين التعلم قسمها إلى مجموعتين :  الأولى القوانين الرئيسية و تشمل ثلاثة قوانين هي: قانون الاستعداد، قانون التمرين قانون الأثر. و الثانية القوانين الثانوية و تشمل خمسة قوانين و هي : الاستجابات المتعددة، التهيؤ العقلي، النشاط الجزئي، الاستيعاب أو التمثيل، التحول الارتباطي. كان لنتائج ثورنديك آثرا مهما في التطبيقات التربوية داخل الفصل الدراسي و ما يزال آثرها قائما حتى اليوم. و رغم هذه الآثار الإيجابية إلا أنها تعرضت بدورها لمجموعة من الانتقادات منها تركيزها على البعد الفسيولوجي لتفسير التعلم…

و ينتمي العالم الامريكي جون واطسون J.B.Watson (1878-1958) بدوره إلى السلوكية، حيث استخدم مبادئ الاشراط في محاولة لتفسير السلوك، و ميز بين نوعين من المنعكسات : المنعكسات غير الشرطية (الفطرية) و المنعكسات المكتسبة (المتعلمة) أو الشرطية واعتبر السلوك مجموعة من العادات و العادة مجموعة من الأفعال المنعكسة الشرطية، و أن التعلم رباط بين المثير و استجابته ، كما أكد أهمية المؤثرات البيئية في النمو مقابل العوامل الوراثية، فالذكاء حسبه مجموعة من الاستجابات المتعلمة.

       ساهمت جهود واطسون في تفسير الكثير من الأمور المتعلقة بالتعلم و كان لها أثرا واضحا في التطبيقات التربوية. إلا أن الضعف الرئيسي في سلوكية واطسون يكمن في كونها "ذرية" تماما بحيث ينسب السلوك المعقد إلى سلسلة من المكتسبات الشرطية، و رغم الانتقادات التي تعرضت لها نظرية واطسون إلا أن اتجاهها الموضوعي المنظم استمر متبعا في علم النفس الموضوعي المعاصر من طرف اتباعها و أنصار السلوكية الحديثة (حلمي المليجي، 1972 أ ، ص 49).

    و من بين الذين اسهموا في المدخل السلوكي سكنر B.F.Skiner (1904-1990) الذي ساهم في تطوير أساليب التعلم و له بصماته في التعليم المبرمج و تكنلوجيا التعليم، صاغ أفكاره النظرية في كتاب بعنوان تحليل السلوك سنة 1961 و يرجع له الفضل في التمييز بين نوع التعلم الذي أنتجته تجارب بافلوف الذي أنتجته تجارب ثورنديك (فتحي الزيات 1996 ص 21) اعتبر سكنر التعلم نوع من الاشتراط الإجرائي التي تصبح فيها الاستجابة اكثر احتمالا أو اكثر حدوثا

 و تكرارا. أي أن الإجراء تقوى آو تعزز، و استعمل مصطلح "إجرائي" لوصف مجموعة من الاتجاهات و الأفعال التي بتالف منها العمل الذي يقوم به الكائن الحي (عبد الحميد جابر 1989 ص 207).

يعتقد سكنر أن جميع أنواع السلوك الإنساني تقريبا نتاج للتعزيز الاشراطي. و كلما تدعم او تعزز شكل من أشكال السلوك ازدادت فرص هذا السلوك للتكرار. و عمل علماء النفس هو التوصل إلى فهم افضل للظروف التي يعمل في ظلها التعزيز بكفاءة، و من هنا كان تركيزه على التعزيز حتى سميت نظريته بنظرية التعزيز.

انطلق سكنر من مجموعة من الافتراضات منها:

- معدل عدد الاستجابات التي تصدر عن الكائن الحي في ظل التعزيز المتقطع اكبر منه في ظل التعزيز المستمر.

- اختلاف معدل الاستجابة باختلاف جدول التعزيز.

- يمكن برمجة سلوك الكائن الحي من خلال عمليتي التسلسل و التشكيل.

- يمكن تشكيل الاستجابات التي تصدر عن الكائن الحي في الاتجاه المرغوب باستخدام أساليب التعزيز الملائمة.

- تتوقف استجابات الكائن الحي للمثيرات المعززة لا على نوع التعزيز و حجمه و إنما على أهميته النسبية.

- التعزيز القائم على التغير اكثر فاعلية في تشكيل السلوك من التعزيز القائم على الثبات.

كما استخدم عددا من المفاهيم منها: الاشراط الإجرائي، التعزيز المستمر، التعزيز المتقطع، جداول التعزيز، التسلسل، عملية التشكيل، تعميم المثير، تمييز المثير، المعززات الإيجابية ، المعززات السلبية، المعززات الأولية و الثانوية… و ميز من جهة أخرى بين الاشراط الإجرائي والاشراط الكلاسيكي حيث يتميز الأول بتأكيده على السلوك و نتائجه و إعطاء أهمية للمثير الذي يتبع الاستجابة مباشرة عكس الاشراط الكلاسيكي الذي يركز على المثير الذي يسبق الاستجابة.

أسفرت نظرية سكنر على الكثير من التطبيقات التربوية خاصة ما تعلق منها بالتحديد الإجرائي للأهداف و المبادئ المتعلقة بالتدريس و الانتقال من الاستجابات المألوفة إلى الاستجابات غير المألوفة .

بيد أن أهم اثر تركته هذه النظرية ما تجسد في تيار التعليم المبرمج حيث يعتقد سكنر أن كفاءة التعلم تعتمد على المبادئ التالية:

- أن تقدم المعلومات المراد تعلمها في وحدات صغيرة.

- أن يعطي المتعلم تغذية راجعة فورية عن مدى دقة تعلمه بالمعرفة الفورية لنتائج التعلم.

- أن يتاح لكل تلميذ أن يتقدم في تعلمه و فقا لسرعته الخاصة تطبيقا لمبدأ الفروق الفردية.

إضافة إلى تركيزه على الدور الإيجابي للمتعلم و التقدم الذاتي. كما أفادت هذه النظرية في الكثير من التعميمات التربوية خاصة أهمية التعزيز في التعليم، و قد أشارت الكثير من الدراسات إلى فاعلية التعليم المبرمج القائم على مبادئ سكنر (فتحي الزيات 1996 ص 233) إلا أنها تعرضت مع ذلك لبعض الانتقادات لعل اهمها النظرة الذرية و الآلية للسلوك.

و من جهته قدم كلارك هل K.Hull ( … 1952 ) نظرية سلوكية متكاملة في التعلم، حيث تأثر بداروين في فهمه للسلوك باعتباره عملية تكيف، و تأثر بشرطية بافلوف فاعتبر فكرة الاشراط كمنهج عام لدراسة السلوك و دراسة التعلم على وجه الخصوص، كما تأثر بسلوكية واطسون و الأسس التي تقوم عليها، و اتفق مع ثورنديك في أهمية قانون الأثر و جعل منه المحور الأساسي لنظريته و عممها على كل الروابط الحادثة (مصطفى زيدان 1983 ص 130).

ادخل هل Hull   المنهج الفرضي الاستدلالي و اعتبر السلوك ليس ظاهرة بسيطة و انما هو ظاهرة على درجة كبيرة من التعقيد لتأثره بالعديد من العوامل الداخلية و الخارجية، و أن الوظيفة الأساسية للنظرية السلوكية هي أن تعزل هذه العوامل بعضها عن بعض و أن تضع الطرق التجريبية لقياس هذه العوامل كلا على حدة، و من حيث علاقتها بالعوامل الأخرى.

افترض هل وجود عدد من العمليات المتوسطة غير المشاهدة أطلق عليها اسم المتغيرات المتوسطة و عمل على نمو القوانين التي تربط هذه المتغيرات بمتغيرات البيئة من جهة، و بعضها البعض حتى تنتهي إلى الاستجابة التي تحدث من الكائن الحي في البيئة الخارجية و التي يمكن قياسها.

قسم المتغيرات إلى ثلاثة أنواع : المتغيرات المستقلة و هي التي لها طبيعة المثير، المتغيرات التابعة و هي التي توضح صفات الاستجابة الناتجة التي تعلمها الكائن الحي و التي تحدث نتيجة تأثير المتغيرات المستقلة، و المتغيرات المتوسطة و هي التي تتوسط المتغيرات المستقلة من جهة  و المتغيرات التابعة من جهة أخرى، آي أنها تعمل على ربط جزئي السلوك المشاهدين. يعتقد هل آن التعلم عبارة عن عملية اكتساب عادة تتكون بالتدريج عن طريق تكوين رباط شرطي بين مثير  و استجابة حدث أن أرضت الكائن الحي و أشبعت فيه حاجة. فركز بذلك على أهمية الحاجة و إشباع الحاجات في التعلم من ناحية و أهمية التعزيز من ناحية أخرى.

أقام هل نظريته على عدد من المفاهيم منها: جهد الاستجابة و هو مفهوم جديد أضافه ويعتبر إلى حد ما مقياسا لقوة العادة (مصطفى زيدان، 1983- ص 138)، عتبة الاستثارة واختلاف الأفراد فيها، الكف الخارجي أو التشتت الذي ينتج عن تداخل مثيرات أخرى من مناطق مختلفة في الحواس على المثير الشرطي، و انتقال التعلم إلي مواقف مغايرة عبر التعميم          و التضاؤل أو الانطفاء و التذبذب الذي فسره حسب جهد الاستجابة المؤثرة عند لحظة الاستثارة. 

كان لنظرية هل آثرا واضحا في الكثير من التطبيقات التربوية و حققت نجاحا واسعا لم تصله أية نظرية من نظريات التعلم على حد قول مصطفى زيدان (1983، ص 143)، ورغم هذا النجاح إلا أنها تعرضت لمجموعة من الانتقادات منها: أن معادلاته و قياساته الكمية ورسومه البيانية كانت نتيجة تجارب محدودة، و بعضها نتيجة تجربة واحدة بالإضافة إلى انه بالغ في الاتجاه الإحصائي و استخدامه في شرح و تفسير نظريته و تركيزه على الطريقة الكمية.

من العرض السابق لأهم نظريات المدخل السلوكي في التعلم يمكن القول أن هذا المدخل وفر أساسا طيبا للتدريس من خلال جملة المبادئ و القوانين التي تم الاستعانة بها في تصميم المواقف التدرسية و توجيه النشاط التدريسي، و قد سيطرت السلوكية لمدة تزيد عن نصف القرن في توجيه الممارسات التربوية و أكدت الكثير من الأبحاث  و التجارب فعاليتها. حيث أكد الكثير من الباحثين على فعالية تطبيق آليات الاشراط في التعليم و لكنهم أكدوا أيضا على محدودبة هذا التطبيق فإذا كان الاشراط الكلاسيكي قابلا للتطبيق على السلوكات الأولية عند الحيوان و الإنسان معا، فان تطبيقه على سلوكات ثانوية أعلى يبقى مسالة غير ملائمة نظرا لما تتميز به هذه السلوكات من دينامية و خصوصيات ترجع في معظمها إلى الخاصية السيكولوجية المعقدة للإنسان ككائن مفكر.

أما الاشراط الفاعل فقد فتح إمكانية جديدة لإعادة النظر في الطرق و الوسائل التي ينبغي التعامل بواسطتها مع السلوكات المعقدة و من بينها التفكير سواء بهدف تحليلها أو تعديلها أو محوها، و من الخصائص الرئيسية للنظريات السلوكية تأكيدها على أهمية المتغيرات المحيطة في آي نشاط أو فعل تعلمي، و من ثم تصورها الواضح بان هذا الفعل يقتضي التوجيه و التنظيم بواسطة فعل آخر خارج عنه و هو فعل التعليم، أي تنظيم و ترتيب الشروط الأساسية و تركيزها في اتجاه تحقيق هدف معين ألا و هو إكساب سلوك ما للمتعلم أو تعديله. (عبد الكريم غريب وآخرون، 1992. ص 78).

و عموما يمكن القول أن المدخل السلوكي مثل أساسا متينا للكثير من الممارسات التدريسية الفعالة  و التي لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.

5-1-2- المدخل الاجتماعي في التعلم

و يدعى أيضا المدخل التفاعلي، لأنه يقيم التفاعل بين المدخل الاجتماعي و المدخل المعرفي من ناحية، و بين المدخل الاجتماعي و المدخل السلوكي من ناحية ثانية. و هو تفاعلي لأنه يركز على العلاقة التبادلية بين الفرد و بيئته و كذلك التفاعل بين المعرفة و السلوك. يحدد هذا المدخل العوامل الأساسية لهذه العلاقة التبادلية  بثلاث عوامل هي: معلومات الفرد، مثيرات البيئة، العلاقة التبادلية بين الفرد و البيئة، من أعلام هذا المدخل البرت باندورا و روتر.

5-1-2-1- نظرية باندورا للتعلم الاجتماعي بالملاحظة

ولد باندورا Albert Bandura  في 24 ديسمبر 1925 بكندا ، بدا اهتمامه بالأصول الاجتماعية للتفكير و آجري منذ 1962 بحوثا حول التعلم بالتقليد و أدرك أننا نتعلم كثيرا عن طريق اعتبار الآخرين كنماذج و أن للبيئة اثر كبير على سلوكاتنا، انتقد النظريات السلوكية مثل نظرية سكنر باعتبارها لا تأخذ في اعتبارها تأثير العالم الرمزي الذي يبنى بواسطة المحيط الواقعي، كما انتقد نظريات التربية باعتبارها تصاغ انطلاقا من تجارب أجريت في المخابر        و تعزل متغيرات السياق أو المحيط و اقترح بذلك الخروج من المخبر و الذهاب إلى المحيط الواقعي للمتعلم.( Y. Bertrand, 1993, p 11) كما انتقد النظريات الإنسانية التي تركز على الشخص    و تهمل التفاعل مع المحيط و خرج بذلك بنظرية تتصف بالصبغة الاجتماعية للتعلم نشرها أول مرة سنة 1971 في كتابه Social learning theory   ثم أعاد نشره سنة 1977، ثم اقترح سنة 1986 نظرية الأصول الاجتماعية للتفكير و الفعل Social fondation of throught and action     و هي نظرية اجتماعية معرفية تفاعلية تفسر استخدام الخبرة الاجتماعية المعرفية و تأثير التفكير على الدافعية و الوجدان و العاطفة. (Y. Bernadet, 1993. P 11).يقصد بالتعلم الاجتماعي اكتساب الفرد أو تعلمه لاستجابات أو أنماط سلوكية جديدة من خلال موقف أو إطار اجتماعي. تؤكد هذه النظرية على أهمية التعلم القائم على الملاحظة و التفاعل الحتمي المتبادل و المستمر للسلوك       و المعرفة و التأثيرات البيئية. و بان السلوك الإنساني و محدداته الشخصية و البيئية تشكل نظاما متشابكا من التأثيرات المتبادلة و المتفاعلة و لا يمكن إعطاء أي من هذه المحددات الرئيسية الثلاثة أية مكانة متميزة على حساب المحددين الآخرين (فتحي الزيات، 1996. ص 362).

يعتقد باندورا أن السلوك لا يتأثر بالمحددات البيئية فحسب و لكن البيئة هي جزئيا أيضا نتاج لمعالجات الفرد لها. فالأفراد يمارسون بعض التأثير على أنماط سلوكهم من خلال معالجتهم للبيئة  و من ثم فهم ليسوا فقط مجرد ممارسين لردود الفعل إزاء المثيرات الخارجية و لكنهم قادرون على التفكير و الابتكار و توظيف عملياتهم المعرفية لمعالجة الأحداث و الوقائع البيئية.               (R. Viau, 1997, p 30).

و يرى باندورا أن المعرفة تلعب دورا رئيسيا في التعلم الاجتماعي القائم على الملاحظـة و تأخذ عملية المعرفة شكل التمثيل الرمزي للأفكار و الصور الذهنية و هي تتحكم في سلوك الفرد و تفاعله مع البيئة كما تكون محكومة بهما. كما يعتقد أن معظم أنماط السلوك الإنساني لا تكون محكومة بالتعزيزات الفورية الخارجية التي يؤكد عليها السلوكيون، حيث تتحدد توقعات الأفراد في ضوء خبراتهم السابقة، و أن أنماطا أخري تحدث نتائج غير مرغوبة. كما قد يكون تقدير الأفراد لبعض الأنماط السلوكية الأخرى اكثر إيجابية و من ثم فان السلوك على هذا النحو يتحدد الى حد كير باثاره المتوقعة المبنية على خبرات الفرد الماضية، كما يمكن أن تكتسب أنماط جديدة من السلوك في غياب التعزيز الخارجي من خلال ملاحظة سلوكيات الآخرين و النتائج المترتبة عليها  و كذا أنماط تفاعلهم مع المتغيرات و المثيرات البيئية أو ما اسماه الاقتداء بالنموذج(Y. Bernadet, 1993, p 13).

تتميز نظرية باندورا بخاصية تنظيم أو ضبط الذات Self Régulation  و هي خاصية ينفرد بها الإنسان عن طريق ترتيب المتغيرات البيئية الموقفية و ابتكار أو خلق أسس معرفية     و إنتاج الآثار المرغوبة التي يمكن اشتقاقها من هذه المتغيرات البيئية الموقفية.

أقام باندورا نظريته على عدد من الافتراضات منها:

- إن معظم أنماط التعلم الإنساني تحدث من خلال الملاحظة و التقليد و المحاكاة.

- يقوم التعلم بالملاحظة على عمليات من الانتباه القصدي بدقة تكفي لاستدخال المعلومات        و الرموز و الاستجابات المراد تعلمها في المجال المعرفي الإدراكي للفرد.

- تتأثر عملية التعلم بالملاحظة بعدة عوامل بعضها يرجع إلى الفرد الملاحظ و البعض إلى النموذج الملاحظ و البعض الآخر إلى الظروف البيئية التي يتم فيها التعلم.

- تشكل عمليات الاحتفاظ بسلوكيات النموذج في الذاكرة بعيدة المدى و استيعابها و تمثلها        و ترميزها و تحويلها إلى صيغ رمزية إحدى الأسس الهامة للتعلم بالملاحظة.

- تؤثر الدافعية و التعزيز على التعلم من خلال الانتقاء الذاتي لأنماط السلوك المعززة.

- تشكل المعرفة أساسا هاما من الأسس التي يقوم عليها التعلم بالملاحظة.

- تختلف الآثار التي ينتجها التعلم بالملاحظة باختلاف الأهداف التي يسعى المعلم إلى نمذجتها لملاحظتها و الاقتداء بها (R. Viau, 1997 p 29)

و من جهة أخرى استحدثت نظرية التعلم الاجتماعي، عددا من المفاهيم و المصطلحات منها: التعلم الاجتماعي، التعلم بالملاحظة و النمذجة، التنظيم أو الضبط الذاتي، العمليات المعرفية، الحتمية التبادلية، عمليات الانتباه القصدي، عمليات الدافعية…

كما أولى باندورا أهمية خاصة لدور التعزيز في التعلم بالملاحظة و اعتبره ميسرا لعملية التعلم لكنه ليس ضروريا لإتمامها أو لاكتساب التعلم، لان هناك العديد من العوامل الأخرى غير التعزيز و مرتباته تقف خلف ما يعمله الأفراد أو يسلكونه فقد يجد الفرد نفسه مدفوعا لأداء نمط سلوكي دون سبب أو تفسير واضح على الأقل.                                                                

قدمت هذه النظرية تأكيدات هامة لعدد من القضايا الأساسية التي يمكن في ضوئها اشتقاق العديد من التطبيقات التربوية لكل من المعلم و المتعلم منها:

- محددات اكتساب أو تعلم الاستجابات الجديدة.

- الميكانيزمات أو العمليات التي تحدث بين الملاحظ و الاحتفاظ و بين الاحتفاظ و الاستجابات أو الأداء.

- العوامل التي تقف خلف الخاصية الانتقائية للتعلم بالملاحظة.

- المحددات الدافعية و الانفعالية للاقتداء أو النمذجة أو التقليد أو الأداء القائم على محاكاة النموذج.

يرى الكثير من العلماء أن نظرية باندورا قدمت إطارا تفسيريا ذا قيمة نظرية و تطبيقية للسلوك الإنساني في سياقه الاجتماعي و البيئي الذي يحدث فيه، و هو ما أغفلته غيرها من النظريات و مع ذلك فان هناك عدة تساؤلات ما زالت تحتاج إلى إجابة علمية مقنعة حول التعلم بالملاحظة منها:

- هل تخضع عملية اكتساب الاستجابات الجديدة القائمة على الملاحظة لمجرد الملاحظة القائمة على الانتباه.

- ما دور ذكاء الفرد و قدراته و استعداداته و دوافعه التي تتوسط ملاحظة النماذج   و الأنماط السلوكية التي تصدر عن الفرد الملاحظ؟ و أسئلة أخرى لا تزال في حاجة إلى إجابة.

5-1-2-2- نظرية روتر للتعلم الاجتماعي    J. Rotter  

ولد جوليان روتر في 22 أكتوبر 1916 بالولايات المتحدة الأمريكية. تأثر بكل من ادلر فرويد، كيرت ليفين. و تأثر في صياغة نظريته للتعلم بثورنديك و هل و كانتور و ليفين.

تتميز هذه النظرية بتأكيدها على الجمع بين ثلاثة اتجاهات رئيسية في علم النفس هي السلوك و المعرفة و الدافعية بالإضافة إلى السياق الذي يحدث فيه التعلم. كما تتميز بأنها أضافت إلى معادلات التنبؤ بالسلوك القائمة على المعززات الموجبة   و السالبة مفهوم التوقع و المعرفة أو الإدراك القائم على الموقف المركب الذي يحدث فيه التعلم (فتحي الزيات، 1996. ص 338).

أقام روتر نظريته على مجموعة من الافتراضات منها:

- إن السلوك الإنساني هو دالة لنمط من التفاعل بين الفرد المدرك و بيئته المعنوية المدركة او ذات المعنى.

- إن الشخصية الإنسانية متعلمة، و هي وحدة أساسية تقوم على التماسك و الاتساق.

- إن الدافعية موجهة للهدف، فسلوك الأفراد لا يكون محكوما بدوافعهم الأولية فقط  و لكن بتوقعاتهم التي تحدد مدى تقدمهم نحو الهدف الموجه بالدوافع.

تعتبر نظرية روتر متعددة المحاور بتعدد المتغيرات التي تعالجها و هي:

أ- التعزيز و قيمة التعزيز: ميز روتر بين التعزيز و قيمة التعزيز، و مع انه يسلم بان التعزيز يزيد من احتمال حدوث الاستجابة أو السلوك عند تكرار نفس الموقف في ظل نفس الظروف إلا انه يعطي أهمية اكبر للقيمة المدركة من قبل الفرد للتعزيز و تتوقف على عدة محددات هي:

- مدى إشباع المعزز للحاجة المباشرة الأكثر إلحاحا في طلب الإشباع.

- ترتيب الحاجة على سلم الحاجات.

- ارتباط الحاجة التي يجري إشباعها من خلال التعزيز بغيرها من الحاجات و في ضوء ذلك فان فهم حاجات المتعلم و تحديد أشكال التعزيز المشبعة لها من العوامل المؤثرة على اكتساب السلوك و تعلمه و التنبؤ به.

ب- التوقعات و تعميم التوقعات: عرف روتر التوقع بأنه احتمال ذاتي مدرك يرى الفرد من خلاله وجود علاقة بين سلوك ما و تعزيز ما و يتحدد وفق محددين هما:

- الاحتمالية القائمة بين السلوك و التعزيز و ما تنطوي عليه من عوامل الارتباط و السببية       و الحداثة و النمذجة التي تقف خلف قوة هذا الاحتمال.

- تعميم التوقعات المرتبطة بأنماط السلوك و التعزيز الأخرى ذات العلاقة في الموقف أو المواقف المشابهة.

ج- مركز الضبط أو مركز التحكم: يعد مفهوم مركز الضبط  Locus Of  Control  من أهم مفاهيم نظرية التعلم الاجتماعي لروتر طور هذا المفهوم كل من فارس و جيمس Phares Et Gemes        و احتل مكانة هامة في دراسات التعلم و الشخصية. يشير هذا المفهوم إلى كيفية إدراك الفرد للعوامل التي تتحكم بالأحداث و المواقف التي يخبرها  و الشروط التي تضبط أحداث البيئة من حوله  و توجيهها، فالفرد يعزو سلوكه غالبا في المواقف المختلفة أما إلى أسباب داخلية شخصية  و بذلك يكون مركز الضبط لديه داخليا، أو يعزوه إلى أسباب خارجية لا علاقة لها بقدراته        و إمكاناته مثل: القدر و الحظ و الصدفة و نفوذ الآخرين… و بذلك يكون مركز الضبط لديه خارجيا. مع العلم انه يصعب تصنيف الأفراد إلى نمطين متمايزين إذ أن مركز الضبط كغيره من الأبعاد النفسية التي يتوزع الأفراد بموجبها على مقياس مستمر مما يجعلهم يختلفون اختلافا كميا على هذا المقياس (عبد الله احمد و عسكر علي، 1994. ص 33-55) يفسر هذا الاختلاف بعوامل عديدة تربوية و اجتماعية و اقتصادية و غيرها.

يتلقى الفرد جراء سلوكاته المختلفة في المواقف و الظروف المتباينة التي يتعرض لها تعزيزا، يكون هذا التعزيز إيجابيا عندما يعزو نجاحاته أو فشله إلي قدراته المعرفية   و مهاراته  و إمكاناته الخاصة. و يكون التعزيز سلبيا عندما يعزوها إلى الصدفة و الحظ أو غيرها من العوامل الخارجية. و بذلك يكون الفرد أمام نوعين من المواقف التي يتم من خلالها اكتساب السلوك أو تعلمه، فالمتعلم الذي يدرك العلاقة البينية بين سلوكاته و المعززات الداعمة لها سواء كانت إيجابية أم سلبية ينشا لديه اعتقاد بالضبط الداخلي و يولي المهارة مكانة هامة في تعلمه مختلف أنماط السلوك و أساليبه في معظم المواقف التي يمر بها، أما المتعلم الذي لا يدرك هذه العلاقة البينية و المعززات الداعمة لها ينشا لديه اعتقاد بالضبط الخارجي و يولي الصدفة و الحظ الدور الأكبر في تعلمه. حظي مفهوم الضبط فيما بعد بالكثير من الدراسات قدرها البعض بالآلاف حيث أجريت بين سنة 1969 و سنة 1977 حوالي 1345 دراسة حول هذا المتغير مكنت من الوصول إلى عدد من المؤشرات منها :

- ارتباط الدرجات على مركز الضبط الداخلي ارتباطا دالا موجبا بالذكاء و الحرية السياسية      و المرغوبية الاجتماعية.

- ارتباط الضبط الداخلي بالتحصيل المرتفع.

- يرتبط الضبط بالطبقة الاجتماعية و المستوى الثقافي و العمر العقلي و الزمني.

- يكون الأطفال من ذوي الضبط الخارجي في مراحل نموهم الأولى ثم يحدث تحول تدريجي لديهم في اتجاه الضبط الداخلي مع تزايد عمرهم الزمني (فتحي الزيات، 1996. ص 346) .

كما وضع روتر فيما بعد مقياسا عرف بمقياس الضبط الداخلي/ الخارجي للتعزيز حظي بدوره بالكثير من التطبيقات و الدراسات.

د- الحاجات/ الأهداف : ينظر روتر إلى التعلم على انه حاجة أو هدف يسعى الفرد إلى إشباعها أو تحقيقه، و بقدر أهمية هذه الحاجة الهدف بالنسبة للمتعلم تكون حركته و استجاباته في اتجاه إشباعها، و على ذلك يمكن التنبؤ بسلوك المتعلم حيال موقف التعلم من خلال حرية الحركة و قيمة الحاجة و يكونان ما أطلق عليه قوة أو جهد الحاجة.

هـ- موقف التعلم: تتحدد استجابات المتعلم  إزاء موقف التعلم بالتفاعل الدينامي بين المحددات الشخصية للمتعلم من حيث حاجاته و أهدافه و قيمة التعزيز كما يدركها، و المـحددات البـيئيـة و المتمثلة في المعلم و المادة موضوع التعلم و غيرها. و من ثم فان موقف التعلم هو موقف دينامي متفاعل يحدد درجة فعالية كل من المجموعتين من المحددات.

أسفرت هذه النظرية على الكثير من التطبيقات التربوية منها ضرورة مراعاة المرونة في بيئة التعلم بحيث تستجيب لتوقعات الطلاب القائمة على الارتباط بين السلوك و معززا ته ، و أن تنطوي على نوع من الاتساق بين الأنماط السلوكية الموجبة، و أن يبنى موقف التعلم على حاجات المتعلم و أهدافه و تدعيم مسؤولية المتعلم عن الأنماط السلوكية التي تصدر عنه في إطار العلاقة البينية بين الفعل و نتيجته.

5-1-3- المدخل المعرفي في التعلم

ترجع جذور المدخل المعرفي إلى علماء النفس الجشتالتيين، و نظرية المجال لكيرت ليفين         و المعرفيين الأوائل مثل بياجيه و برونر و اوزوبل. يرى المعرفيون إن السلوك وظيفة للفرد      و يؤكدون أن البنية المعرفية لا تتألف من المعرفة السابقة للمتعلم فقط و لكنها تتضمن أيضا الاستراتيجيات التي يوظفها لمعالجة الموقف التعليمي الراهن، و هذا يعني أن هناك تفاوتا بين المتعلمين على الرغم من تشابه ظروفهم الخارجية، لان شبكة المفهومات و الاستراتيجيات المكونة لديهم هي المسؤولة عن معالجة الموقف التعلمي الراهن و استدخاله في بناهم العقلية. يركز المعرفيون على إمكانات المتعلم الداخلية (ذكاءاته) و يولون اهتماما كبيرا لمسالة الفروق الفردية لدى المتعلمين (أمل الأحمد، 2001. ص 176).

سنقتصر في هذا المدخل على نظرية التعلم الجشتالتي و نظرية المجال و التعلم المعرفي من منظور نظرية معالجة المعلومات، في حين سنتطرق للتعلم عند برونر و اوزوبل في نموذجيهما للتدريس اما التعلم عند بياجيه فسنتناوله في فصل لاحق.

5-1-3-1- نظرية الجشتلت    Le Gestaltismeأو نظرية الشكل

تناول كل من ماكس ورتهيمر Werthemeir  (1880-1943)  و كيرت كوكفا K. Koffka (1886-1941) و ولفقانج كوهلرW. Köhler (1887-1967) التعلم من منظور مختلف عن التصورات التي كانت سائدة خاصة السلوكية (W. Barais et al, 1993 p 43) و بنوا نظريتهم على ثلاثة محاور رئيسية هي :

- طبيعة عملية الإدراك، علاقة الكل بالأجزاء التي تكونه و موقف العقل من المثيرات التي يستقبلها.

- بالنسبة لطبيعة عملية الادراك يعتقد الجشتالتيون أن الإدراك هو عملية تأويل  و تفسير للمثيرات و إكسابها المعنى و الدلالة. فما يدرك ليس مجموعة الاحساسات أو المثيرات الحسية التي تفتقر إلى المعنى، و ليست مجرد رموز خالية من المعنى، بل لها معنى خاص يدرك نتيجة نشاط عقلي يقوم به العقل للربط بين هذه الاحساسات و المثيرات مكونا ما يسمى بشكل الإدراك. تخضع عملية الإدراك لمجموعتين من العوامل المتمايزة هما: مجموعة العوامل الموضوعية التي تنظم من خلالها المثيرات الحسية وفق قوانين التنظيم الحسي، و مجموعة العوامل الذاتية التي تضفي على المثيرات الحسية المدركة المعنى و الـدلالة، ترتبط بالفرد المـدرك في ضوء خبراته السـابقة  و المفاهيم التي تكونت لديه و حالته النفسية لحظة الإدراك. تحدث عملية الإدراك في مرحلتين: تتضمن الأولى تنظيم المثيرات الحسية في وحدات متمايزة، و تتضمن الثانية تأويل و تفسير المثيرات الحسية.

- و بالنسبة لعلاقة الكل بالأجزاء التي تكونه فهم يرون أن الكل لا يساوي مجموع الأجزاء التي تكونه، بل يختلف عن مجموع أجزائه. فهو بالإضافة إلي مجموع الأجزاء يضاف إليها الشكل أو الخاصية الجشتالتية و أن الجزء لا يكتسب معناه ألا من خلال وجوده في الكل. و قد تناول فرتهيمر علاقة الكل بالأجزاء التي تكونه معترضا على فكرة الجمع للأجزاء التي تكون الكـل   و أن تنظيم هذه الأجزاء اكثر أهمية من مجرد جمعها. أما بالنسبة لموقف العقل من المثيرات التي يستقبلها فهم يؤمنون بأهمية النشاط الإيجابي للعقل في استقبال المثيرات الحسية و إكسابها المعاني و الدلالات و لا يقوم بدور إذعانيا جامدا أو سلبيا كما يرى السلوكيون                          (فتحي الزيات، 1996. ص 244). كما أن العقل يستوعب المعلومات التي تدخل في خبرات الفرد بعد تحويلها عن طريق المخ وفقا لقانون إضفاء المعاني أو الامتلاء   و الإكمال، و أن نشاط المخ يقوم على التفاعل الدينامي مع محتواه أي ما يكتسب   و يصبح جزءا من خبرات الكائن الحي فضلا عن أن هذا التفاعل ينسحب على المثيرات التي يستقبلها الكائن الحي، و من جانب آخر استخدم الجشتالتيون بعض المفاهيم التي ميزتهم مثل مفهوم الجشتلت Gestalt (الشكل) و الاستبصار  و المعنى و التوازن و إعادة التنظيم الادراكي و التي يمكن اعتبارها بمثابة مبادئ أساسية في التعلم الشكلي.

- يمثل التعلم بالاستبصار أهم النتائج التي جاءت بها مدرسة الجشتالت و يعتمد على إعادة التنظيم الادراكي لعناصر و محددات الموقف المشكل، يرتبط حدوثه بعدد من العوامل و الشروط منها ما يتعلق بالموقف المشكل و خصائصه و منها ما يتعلق بالكائن الحي و تكوينه العقلي و من هذه العوامل:

ا-  أن تكون المشكلة او الموقف المشكل قابلا للحل و في مستوى إدراك المتعلم و تكوينه العقلي.

ب- ان تتضمن عناصر المشكلة إمكانات الحل أي تكون هناك علاقات كامنة تقبل إعادة التنظيم.

ج- ان يستثير الموقف المشكل دافعيه المتعلم بحيث يكون هناك حد أدنى من الدوافع التي تضمن استمرار المتعلم في العمل على حل المشكلة.

د- لا يحدث الاستبصار مستقلا عن الخبرات السابقة حيث ينقل المتعلم خبراته و يوظف ما سبق تعلمه في موقف الاستبصار و نزعته إلى إعادة التنظيم الادراكي لعناصر الموقف المشكل.

كما أشار أصحاب هذه النظرية إلى خصائص التعلم بالاستبصار و منها  أن الاستبصار يحدث بصورة مفاجئة و منحنى التعلم بالاستبصار ذو بداية بطيئة و أن الحل القائم على الاستبصار يكتسب كلية من محاولة واحدة إضافة إلى انه يقوم على الفهم و القابلية للتعميم و انه معزز ذاتي. و من جانب آخر أشاروا إلى مبادئ الإدراك و منها: مبدأ علاقة الشكل بالأرضية      و مبدأ الاستمرار و مبدأ التقارب و مبدأ التماثل أو التشابه و مبدأ القدر المشترك و مبدأ الإغلاق. إضافة إلى عدد من المبادئ التي تحكم عملية التعلم و منها :

- استعادة التوازن المعرفي دافع أساسي للتعلم.

-  الكل يحدد الجزء بحيث لا ندرك جزئيات أو احساسات منفصلة أو غير مرتبطة  و إنما ندرك ما يسمى بالكل المدرك و هو ايسر في الإدراك من جزئيا ته المكونة له.

- يساعد البناء على المألوف المتعلم على الاستمرار في التعلم، بحيث تكون الخبرات الجديدة مرتبطة عضويا بالخبرات السابقة و مبنية عليها. و تكون مهمة كل من المعلم والمتعلم إحداث نوع من التكامل بين نوعي الخبرات.

أسفرت نظرية الجشتالت عن العديد من التطبيقات التربوية الهامة التي تم إدخالها في الممارسات التربوية و منها:

- ربط المادة العلمية بالواقع و استثارة دافع الفضول و حب الاستطلاع لدى المتعلم  و تنظيم موقف التعلم بحيث يمكن للمتعلم اكتشاف و إدراك العلاقات و ترتيب مهام  و مواقف التعلم       و عرض المادة العلمية في شكل بنية جديدة التركيب عضويا و وظيفيا و الانتقال من المألوف إلى غير المألوف مع مراعاة خصائص البناء المعرفي للمتعلم.

 تتفق الكثير من مبادئ الجشتالت مع المبادئ التي توصل إليها علماء علم النفس المعرفي فيما بعد خاصة بياجيه و برونر في نظرتهما إلى البناء المعرفي للفرد و خصائصه.

 

 

5-1-3-2- نظرية المجال لكيرت ليفين     Kurt lewin  (1890- 1947)

تقوم نظرية ليفين على فكرة أساسية مفادها أن السلوك يتحدد بالمجال النفسي المدرك الذي يوجد فيه الفرد في لحظة ما و من ثم فان تفسير السلوك يرتبط بالمجال الذي يحدث فيه. تأثر ليفين بعلماء النفس الجشتالتيين في نظرتهم إلى الإدراك الكلي للموقف أو المشكل حيث صاغ مبدأ التعامل مع كلية الموقف ككل. و التي تمثل قوى المجال الحيوي، و كل جزء من هذا المجال يتفاعل مع باقي الأجزاء في تزامن واحد، و استخدم لذلك مفهوم الحيز الحيوي الذي مثل مفهوما أساسيا في نظريته. وقد أقام ليفين نظريته على عدد من الافتراضات منها:

- أن كل شيء يوجد في مجال من القوى التي تحركه آو تغيره أو تحدده أو التي تعطيه درجة من الثبات و الوجود.

- إن سلوك الفرد في أي موقف هو محصلة تأثير القوى الفاعلة المتزامنة في المجال النفسي له.

- إن اتجاهات الفرد و توقعاته و مشاعره و حاجاته تشكل القوى الداخلية التي تتفاعل مع القوى الخارجية في تحديد الاستجابة التي تصدر عن ذات الفرد.

- إن التغيرات التي تحدث في هذه القوى تنتج تغيرا في السلوك الذي يصدر عن الفرد أي أن هذه التغيرات دالة للسلوك.

- يمثل المجال النفسي المحددات أو المكونات البيئية كما يستقبلها الفرد أو كما يدركها متفاعلة مع المحددات الداخلية الذاتية.

- يسهل فهم مشاعر المتعلم و اتجاهاته و مجاله النفسي التنبؤ بالسلوك.

كما حدد ليفين عدد من العوامل التي تؤثر في المجال النفسي للفرد و هي:

- البنية المعرفية للفرد، أهداف الفرد و طموحاته و توقعاته، ميول الفرد و اتجاهاته  و نسقه القيمي، عمره الزمني و جنسه، مهنته، الوضع الاجتماعي و الاقتصادي للفرد، بحيث يختلف الأفراد في المجال النفسي لكل منهم رغم وحدة تواجدهم المكاني أو البيئي أو الزماني.  و من جهة أخري استخدم بعض المفاهيم تعكس تأثره الواضح بعلوم الفيزياء  و الرياضيات و منها:

- الحيز الحيوي و يشير إلى مجموعة القوى الفاعلة المتزامنة التي توجد في المجال النفسي للفرد المحددة لسلوكه في لحظة ما.

- طوبولوجيا الحيز الحيوي و تشير إلى هندسة المجال النفسي التي تحكم الفرد و ما يرتبط منها بالفرد و البيئة المدركة و التفاعل بينهما.

- التكافؤ الموجب و يشير إلى منطق الجذب و الاهتمام التي تمثل قوى الإقدام لدى الفرد.

- التكافؤ السالب و يشير إلى منطق النفور التي تمثل قوى الإحجام لدى الفرد.

و فسر طبيعة التعلم بأنه تغير في السلوك يرتبط بالتغير في الحيز الحيوي الذي يرتبط بدوره بعدد من الأبعاد و هي:

- التغير في البنية المعرفية و التغير في النسق الدافعي و التغير في أهداف الفرد و طموحاته     و توقعاته و نسقه القيمي و التغير في الضبط الإرادي أو اكتساب المهارات و فيما يلي توضيحا لها :

أ- التعلم كتغير في البنية المعرفية: يشير مفهوم البنية المعرفية إلى المحتوى الشامل للحصيلة المعرفية للفرد و خواصها التنظيمية بما تمثله من خبرات و معلومات التي تميز المجال الحيوي للفرد و هي ذات طبيعة نمائية متغيرة كميا بتراكم الخبرات  و المعلومات و كيفيا بالتفاعل المستمر بين مكوناتها. هذا التغير في بنية الحيز الحيوي يحدث تغيرا في السلوك، كما يحدث التغير في البنية المعرفية من خلال ثلاث عمليات هي:

- التمايز: يحدث التعلم حين تصبح الخبرات و المعلومات متمايزة بدقة و محددة بوضوح        و مرتبطة وظيفيا ببعضها البعض داخل البنية المعرفية للفرد.

- التعميم: يحدث التعلم من تجميع وحدات الحيز الحيوي في فئات اكثر عمومية.

- التكامل: يحدث التعلم عندما ينجح الفرد في إحداث قدر من التكامل بين مناطق الحيز الحيوي بما تشمله من خبرات و معلومات و إدراك ما بينها من علاقات.

ب- التعلم كتغير في النسق الدافعي للفرد: لا يقتصر التعلم على إحداث تغير في البنية المعرفية للفرد بل يواكبه و يدعمه تغير في النسق الدافعي للفرد، لان الحيز الحيوي يكون محكوما بدافعية الفرد، قيمه، ميوله، اتجاهاته و مستوى طموحه، و قد حدد ليفين محددات النسق الدافعي في فئتين الأولى يجد فيها الفرد نفسه محكوما بعدد من القوى في نفس اللحظة و تمثل ثلاثة أنواع من الصراع: إقدام/ إقدام ، إقدام/ إحجام ، إحجام/ إحجام. يكون سلوك الفرد في اتجاه القوة الاكبر. اما الثانية فتمثل مستوى الطموح الذي يكون محكوما بأربعة محددات هي:

- الأهداف التي يسعى الفرد إلى تحقيقها.

- مستوى الأداء السابق للفرد المرتبط بتلك الأهداف (الخبرات السابقة).

- مدى انحراف الأداء اللاحق للفرد عن المستهدف تحقيقه.

- رد الفعل النفسي للفرد و تقويماته لانحراف الأداء اللاحق عن المستهدف.

ج- التعلم كتغير في أهداف الفرد و طموحاته و توقعاته : تؤثر خبرات النجاح و الفشل التي يمر بها الفرد على أهدافه اللاحقة و طموحاته و توقعاته من خلال تأثيرها على المجال النفسي و الحيز الحيوي للفرد، فيرتفع مستوى أهدافه و طموحاته إذا حقق نجاحا ملموسا في الخبرات المرتبطة بالأهداف، و يؤثر على تحديده لأهدافه اللاحقة و توقعاته للنجاح.

أسفرت نظرية ليفين على العديد من التطبيقات التربوية منها:

- توجيه أنظار المدرسين إلى أهمية الوعي بخصائص البنية المعرفية للمتعلم و النسق الدافعي الذي يحكم المجال النفسي.

- تكامل التغيرات الكمية و الكيفية في البنية المعرفية، و تكامل الخبرات السابقة مع الخبرات اللاحقة و ارتباطها الوظيفي.

- ضرورة تشجيع المتعلمين على اختيار أهداف تتناسب مع إمكاناتهم المعرفية و تشجيع حاجاتهم الدافعية و مراعاة التفاعل الاجتماعي الذي يحقق اكبر قدر من التوازن النفسي المعرفي عبر أنماط الصراع بينهم.

5-1-3-3- نظرية معالجة المعلومات

تتناول هذه النظرية التعلم باعتباره طريقة الفرد المميزة و مستوى استقباله و معالجته للمادة المتعلمة، و كيفية تعميمه و تمييزه و تحويله و تخزينه لها، و كم و كيف الترابطات التي يستخدمها او يشتقها او ينتجها بين المعلومات الجديدة و المعلومات القائمة في بنائه المعرفي (الزيات، 1996، ص 394) فالتعلم هو تغير في معرفة الفرد أو بنائه المعرفي. تقوم هذه النظرية على التطبيقات الحادثة في علوم الحاسوب و بصفة خاصة ما يعرف ببحوث الذكاء الاصطناعي، حيث كان للنظريات المنبثقة عن الحاسوب تأثيرا مباشرا و ذا دلالة في علم النفس المعرفي بتوظيف كم كبير من مفاهيم علوم الحاسوب في النظريات السيكولوجية (سولسو، 1996).

كانت البداية الأولى لهذه التطبيقات في الخمسينات، و يحدد جورج ميللر G. Miller يوم 11 سبتمبر 1956 كتاريخ لظهور علم النفس المعرفي و هو أول أيام مؤتمر ميت "Mit" حيث قدم كل من آلن نوويل Allen Nwell  و هوبرت سيمون Herbert Simon  الابوين الروحيين لعلم النفس المعرفي رغم انهما لم يكونا عالمي نفس فالاول تلقى تكوينا في الرياضيات و تلقى الثاني تكوينا في علم الاقتصاد و اشتغلا معا بالإعلام الآلي قدما النظرية المنطقية للآلة "The logic theory machine" و قدم ميللر G. Miller نظريته "سبعة الرقم السحري"  "Magical Number Seven"      و قدم نعوم شومسكي N. Chomsky  نموذجه في وصف اللغة  "three models of the discription of language" و في نفس السنة ظهر كتاب برونر Bruner و رفاقه "دراسة التفكير" "A Study of thinking" (H. Gardner, 1993, p 42)

تقوم هذه النظرية على فكرة التشابه بين الحاسوب و الإنسان في معالجة المعلومات، حيث ان عمليات المدخلات، العمليات، المخرجات، التي يقوم عليها عمل الحاسوب تحاكي او تماثل التعلم الإنساني. (W. Barais, 1993, p 47). فالتعلم نوع من معالجة المعلومات "Information Processing System" يمكن ترتيبها حسب المراحل أو العمليات التالية:

1-الاستقبال :Capter يستقبل المتعلم المعلومات من خلال حواسه و يستقبل الحاسوب المعلومات من خلال قارئ البطاقة.

2-المعالجة Traiter: يعالج المتعلم المعلومات عبر عمليات التلخيص و الفهم و الفرز             و استخراج الأفكار و غيرها من العمليات المعرفية… و يعالج الحاسوب المعلومات آليا عبر الترميز و الفرز و التصنيف…

3-التخزين Stocker: يخزن المتعلم المعلومات في الذاكرة قصيرة المدى و طويلة المدى          و يخزن الحاسوب المعلومات الكترونيا.

4-الاستعمال Utiliser يستخدم المتعلم المعلومات في السلوك أو بناء الإجابة أو استخدام المعارف في وضعيان جديدة و يستعمل الحاسوب المعلومات في معالجة المعطيات حسب برنامج محدد. (Noël Et Parmentier, 1998, P 76)

يمكن تلخيص هذه المراحل على شكل مدخلات، عمليات، مخرجات، فتأخذ المعلومات شكل مدخلات صادرة عن البيئة الخارجية يعالجها المتعلم عبر سلسلة العمليات المعرفية ثم يصدرها على شكل مخرجات.

تسعى هذه النظرية إلى محاولة الإجابة على الأسئلة المتصلة بكيف يكتسب العقـل المعلومات ؟  و كيف يعالجها ؟ و ما هي محددات كم المعلومات التي يمكن اكتسابها  و تعلمها ؟ وكيف يسترجع المعلومات ؟ و لماذا يسهل استرجاع بعضها و يصعب استرجاع البعض الآخر؟   و ما هي أنماط المعلومات التي يسهل استرجاعها؟…

تقوم نظرية معالجة المعلومات على مجموعة من الافتراضات منها:

- إن الاستقبال و المعالجة القائمة على المعنى و عند مستوى اعمق يؤديان إلى تعلم  و احتفاظ اكثر ديمومة و فاعلية من الاستقبال و المعالجة الحاسية عند المستوى السطحي.

- إن الاستقبال و المعالجة الأعمق للمعلومات تقوم على إيجاد و استنتاج أنماط من العلاقات بين محتوى البناء المعرفي للفرد و المعلومات الجديدة المراد تعلمها و من هذه العلاقات التكامل و الترابط و التوافق.

 

 

 

أعطت هذه النظرية أهمية خاصة للدور الذي تلعبه العمليات المعرفية و الميكانيزمات التي تحكم عملها من ناحية و المحتوى المعرفي الذي تعالجه من ناحية أخرى، و على الرغم من الصعوبات النسبية التي تمثلت في كون العمليات المعرفية غير محسوسة  و غير مرئية و صعوبات قياسها إلا أن العلماء حاولوا تجاوز هذه الصعوبات من خلال مدخلين : تمثل الأول في بناء نماذج توضح تصور كيفية عمل هذه العمليات المعرفية و علاقة كل منها بالأخرى مثل نماذج الانتباه، الذاكرة، الفهم… و تمثل الثاني في ما قدمته المدرسة الإجرائية من أساليب قياس هذه العمليات. و توصلوا عبر ذلك إلى تحديد العديد من الخصائص التي تشكل أهم الأسس التي يقوم عليها التعلم المعرفي  و العمليات المعرفية، و تحديد العلاقة الوثيقة بين التعلم المعرفي و ما وراء المعرفة حيث ظهر مفهوم ما وراء المعرفة "Metacognition"[1] على يد  فلافل Flavell 1976)  اشتقه من خلال سياق البحث حول عمل الذاكرة و عرفه بأنه: معرفة الفرد لما يتعلق بعملياته المعرفية والخصائص المتعلقة بطبيعة المعرفة و المعلومات لديه و ينطوي على نوعين من الأنشطة المعرفية هما: وعي الفرد بتكوينه او بنائه المعرفي و طبيعته أو خصائص المعرفة لديه و وعي الفرد بتنظيم و ضبط المعرفة.

 

كما يمثل مفهوم البنية المعرفية مفهوما أساسيا يقوم عليه التعلم المعرفي و هو من المفاهيم المستقرة في كافة النظريات المعرفية حيث اشار اليه كل من علماء الجشتالت و ليفين و بياجيه واوزوبل   و برونر… ، عرف اوزوبل البنية المعرفية بأنها المحتوى الشامل للمعرفة البنائية للفرد و خواصها من حيث التنظيم و التمايز و التكامل و الترابط التي تميز المجال المعرفي للفرد و تمثل العامل الرئيسي المؤثر في معنى التعلم و مبناه و الاحـتفاظ به و تغييره و نمـوه        و استرجاعه وتوظيفه.

و يرى كل من فوس و كيل (1984Voss 1981 and Keil ) أن البنية المعرفية تلعب دورا اكثر أهمية من دور العمليات المعرفية في إحداث التغيرات المعرفية لدى الفرد.

فالعمليات المعرفية أيا كانت كفاءتها، و عمليات المعالجة أيا كانت خصائصها يتعين أن تجد محتوى معرفيا تتعامل معه أو تقوم بمعالجته، هذا المحتوى و ما ينطوي عليه من خصائص تميزه أشبه ما يكون بالبرامج بالنسبة للحاسوب، و لا تكفي مكونات الجهاز (العمليات المعرفية) لإتمام عمليات التجهيز و المعالجة (فتحي الزيات، 1996. ص 402) و من جانب آخر تناولت نظرية معالجة المعلومات أهمية الاستراتيجيات المعرفية في التعلم المعرفي باعتبارها من أهم أسس التعلم المعرفي، و تمثل نواتج لكل من البنية المعرفية للفرد و خصائصها و مهارات ما وراء المعرفة.

أسفرت هذه النظرية على العديد من التطبيقات التربوية في التعلم و أسهمت في ظهور الكثير من نماذج التعلم و التدريس، التي أثبتت الكثير من البحوث و الدراسات أهميتها و فاعليتها في فهم عملية التعلم و النتائج الإيجابية التي حققتها على الصعيدين النظري و التطبيقي، و لا تزال تستقطب اهتمام العلماء و الباحثين باعتبار التطورات الحاصلة في الإعلام الآلي.

5-2- الأسس التربوية و الفلسفية:

خضع مجال التربية بصورة عامة لنظريات عديدة في الماضي و الحاضر كانت لها تطبيقاتها التربوية التي لعبت دورا أساسيا في صبغ هذا المجال بصبغة أو بأخرى، مثلت هذه النظريات الأسس التي تم الاعتماد عليها في صياغة أساليب التدريس و نظرياته. حيث قدمت تصورا عن الإنسان و المجتمع و الحياة، و من ثم المرتكزات الأساسية التي يقوم عليها التدريس لتحقيق الأهداف المرجوة. تشتق هذه النظريات عادة أفكارها من الفلسفة التربوية التي تم تبنيها، ويتحدد في ضوئها دور كل من المعلم    و المتعلم و المادة و أساليب نقل المعارف و اكتسابها. و تعنى فلسفة التربية بتحديد المنطلقات الأساسية التي يقوم عليها التدريس و تندرج عادة تحت ما يسمى في العلوم التربوية بأصول التربية، بل قد تتطابق عند البعض معها (سعيد اسماعيل، 1995. ص 42) و تعني الأصول الفلسفية، الاجتماعية، الاقتصادية، التاريخية، النفسية… للتربية، و قد اصبح كل اصل من هذه الأصول علما قائما بذاته.

تمثل هذه العلوم منطلقا أساسيا لفهم عملية التدريس و توجيهها. كما تعنى فلسفة التربية بنظرية المعرفة، حيث أن من مهام التربية التعليم، و التعليم يعني موقفا من مصدر المعرفة  ما هو؟ و هل هي ممكنة أو لا؟ و ما درجة اليقين فيها؟ و بأي الوسائل تتم المعـرفة؟ و ما طبيعتها؟… و هكذا فإن عملية التدريس لا تعنى بمادة المعرفة و محتواها فقط، و إنما تعنى كذلك بالطريقة، إذا قلنا الطريقة نجد أنفسنا قد طرقنا باب المنطق أيا كان المنحنى الذي نتناوله به.

في نفس السياق يرى احمد شبشوب انه يستحيل فهم عملية التدريس إن نحن حصرناها في قضايا المحتوى و طرق تبليغها، فالعلاقة التربوية التي تربط الأستاذ بالتلميذ مثلا تتعدى العملية الظاهرة للتواصل كي تندرج في إطار نسق واسع من العلاقات ينطلق من الفصل ليربط هذا الأخير بالمجتمع و بالثقافة و القيم و الحضارة السائدة (احمد شبشوب 1986، ص 10).

و من جانب آخر تقوم فلسفة التربية بمناقشة و تحليل و نقد جملة المفاهيم الأساسية التي يرتكز عليها العمل التدريسي، مثل الطبيعة الإنسانية، النشاط المدرسي، الخبرة، الحرية، الثقافة، المعرفة، مكانة المعلم و المتعلم و المادة…الخ. بالإضافة إلى تحليل و نقد المشكلات التربوية بالمنهج نفسه و بالطريقة ذاتها (سعيد إسماعيل، 1995. ص 27) و فضلا عن كل ذلك تسعى الى مناقشة الافتراضات الأساسية التي تقوم عليها نظريات التربية، سواء من حيث التعلم، طرق التدريس، تنظيم المنهاج، إدارة القسم، تخطيط التعليم…الخ و هي كلها متغيرات و عوامل للتدريس.

تؤثر الأسس التربوية و الفلسفية تأثيرا بالغا في التدريس و يتجلى ذلك خاصة في المناهج وطبيعة المعرفة، لان جزءا كبيرا من اهتمام المدرس يدور حول المعرفة و التعلم. فتتأثر مثلا أهداف المنهج و محتواه بالمعتقدات الفلسفية لواضع المنهج، فقد يرى ان المعرفة الحقة يمكن أن توجد في عالم الحقيقة و الواقع، او يؤمن بان المعرفة الحقة لا توجد إلا في العقل، في الحالة الأولى يركز  على النشاطات و الدراسات العملية و الموضوعية و على تعلم افكار و مفاهيم ترتكز على الخبرة   و التجربة، أما في الحالة الثانية فيركز على الدراسات الرمزية و المجازية و الفلسفية (ابراهيم بسيوني ، 1987 ، ص 18).

و تؤثر الأسس التربوية و الفلسفية التي تتضمن النظرة إلى طبيعة الكائن البشري كفرد على التدريس، من حيث مراعاة طبيعته البيولوجية و النفسية التي تضع حدودا معينة لأهداف       و لمحتوى و تنظيم المنهج، فما يدرس ينبغي أن يراعي الخصائص البيولوجية و النفسية للمتعلم في كل مرحلة من مراحل عمره المختلفة.

تتضمن الأسس التربوية و الفلسفية أيضا الأفكار المتصلة بالكيفية التي يتعلم بها الإنسان واثر تلك الأفكار على التدريس، فنظرية الملكات التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر ترى أن العقل يتألف من ملكات متمايزة يمكن تقويتها من خلال تدريبات معينة شانها في ذلك شان العضلات، أدت إلى مناهج تؤكد على التدريب و المران بواسطة المواد الأكاديمية الصعبة، واعتبرت التدريس مرادفا للتدريب (O. Reboul, 1993 ). أما النظريات التي نادت بان التعلم يحدث عن طريق العمل و النشاط فقد أدت إلى ظهور مناهج تعرض على التلاميذ المشكلات وتوفر لهم وسائل و مواد تتطلب منهم ان يسعوا بانفسهم الى التوصل الى حلول لها و اكتشاف ما يساعدهم على ذلك من معرفة و مهارات و اساليب للبحث و التقصي، بما يتطلبه هذا من مهارات العمل الجماعي و خصائص نفسية و اجتماعية (ابراهيم بسيوني، 1987، ص 20). و لعل المتتبع للمفاهيم التربوية التي سادت في الماضي، و التي مازال البعض منها يعيش في الحاضر ويساهم في رسم خطوط المستقبل ، يجد ان التركيز كان في بعض الاحيان على المعرفة، و بالتالي اتجه الاهتمام الى عقل التلميذ و ادى ذلك الى ظهور طرق تدريس تتسم بالاصرار على التلقين والحفظ و الاستظهار و الاسترجاع. و في احيان اخرى كان الاهتمام منصبا على تهذيب السلوك وتكوين الخلق، مما ادى الى التركيز على وسائل العقاب و التاديب الصارمة. ثم اتجه الاهتمام في مراحل أخرى إلى الخبرة المباشرة و اصبح التركيز على التفكير و النشاط الذاتي للتلميذ، ثم ظهر اتجاه يؤكد على المستقبل و بالتالي اتجه الاهتمام الى الخبرة غير المباشرة، و على سلطان الكبار في صياغة المستقبل، و حينا اخر ظهر الاهتمام باعداد الفرد لكسب العيش، مما ادى الى تغليب الصفة النفعية على التعليم واهمال وظائفه الفكرية و الخلقية والثـقـافية(الهادي عفيفي ، 1973، ص34).

يتضح من كل ما سبق أن التدريس كنشاط هادف ينبني على تصور فلسفي للإنسان المتعلم و للمعلم و للمادة المتعلمة، يرتبط هذا التصور عادة بالقيم الحضارية السائدة داخل مجتمع ما وثقافة ما تعمل الفلسفة على مساعدة التربية و من خلالها التدريس على إجلاء ملامح الإنسان الذي تروم العملية التربوية تحقيقه، و على جعل الممارسة التدريسية متجانسة مع التصور العام للمتعلم الذي تركز عليه.

بالإضافة إلى الأسس التربوية الفلسفية تستند عملية التدريس إلى أسس نفسية تربوية و هي تلك التي تشتق من علم النفس التربوي في مواجهة المشكلات التي تواجه المدرس أثناء قيامه بعملية التدريس، و قد حددها اوزوبل في المشكلات التالية:

- جوانب التعلم التي تؤثر في اكتساب المعارف و الاحتفاظ بها.

- الخصائص الشخصية و المعرفية للمتعلم ذات العلاقة بالتعلم و اكتساب المعرفة و الجوانب الاجتماعية و العلاقات الشخصية المتبادلة في البيئة التعليمية التي تؤثر في نتائج تعلم المادة الدراسية.

- عوامل دافعية التعلم و الطرق النموذجية لاستيعاب المادة، و الطرق الأكثر كفاءة في تنظيم المواد التعليمية و تقديمها و كيفية توجيه التعلم و استثارته نحو أهداف محددة. (عبد المجيد النشواتي 1985 ، ص 21). و موازاة مع الأسس المشتقة من علم النفس التربوي نجد الأسس المشتقة من علم نفس النمو من حيث مراعاة خصائص نمو المتعلم و قدراته و جوانب نمائه المختلفة، من خلال اكتشاف الأسس و المبادئ التي توجه عملية التدريس و جعلها اكثر مرونة في مواجهة المشكلات المرتبطة بها ، و النظريات النمائية كثيرة في هذا المجال و التي أصبحت تمثل أساسا قويا للتدريس مثل نظرية بياجيه، فيجوتسكي، برونر، جانيه…

 

6-نماذج التدريس

تستند فكرة النموذج التدريسي إلى افتراض أن تحقيق نواتج التعلم المختلفة يتطلب توفير مجموعة من الإجراءات و النشاطات يقوم المدرس بتخطيطها وفق شروط تعليمية محددة و منظمة  و يستخدم طريقة محددة تستند إلى أسس نفسية لتهيئة المواقف و الظروف و الخبرات لتساعد المتعلم على التعلم و يتحقق المدرس عادة من ملاءمة ما ورد من خلال ما يحصل عليه من تغذية رجعية مرتدة على صورة ادعاءات يظهرها المتعلم في مواقف مختلفة. لذلك يعتبر النموذج بمثابة الاستراتيجية التي يوظفها المدرس في الموقف التدريسي بهدف تحقيق نواتج تعليمية لدى المتعلمين مستندا فيها إلى افتراضات يقوم عليها النموذج و يتحدد فيها دور كل من المدرس و المتعلم         و أسلوب التقييم المناسب. و قد قام عدد من الباحثين بوضع العديد من النماذج التدريسية معتمدين على مصادر متنوعة، كنماذج التعليم و ما انبثق عنها من مبادئ   و تعميمات، أو التأملات        و الآراء النظرية، أو الخبرات التجريبية و العملية في التعليم (عبد المجيد النشواتي ، 1985. ص 548). و رغم العدد الهائل من النماذج التدريسية المقترحة إلا أن الطرائق التقليدية في التعليم      و العمل باقية، رغم ما يوجه إليها من نقد عنيف و رغم ما تصيبه عامة من إنكار ( غي افانزيني ، 1981، ص 573).

و من جانب آخر حظيت بعض النماذج التدريسية المقترحة باهتمام الكثير من البحوث             و الدراسات لاختبار فعاليتها بينما لم يحظى البعض الآخر بنفس هذا الاهتمام (جودة سعادة         و يعقوب اليوسف، 1988. ص 445). و قد صنف جابر عبد الحميد (1998، ص 278) النماذج التدريسية في أربع مجموعات (اسر) على أساس أنماط التعلم التي تعمل على تحسينها. و على أساس توجهها نحو الناس، و كيف يتعلمون و أساس الاتجاه النظري الذي تستند إليه و فيما يلي توضيحا لذلك:

6-1-1- النماذج المعرفية أو نماذج معالجة المعلومات: و تضم النماذج التي تهدف إلى مساعدة التلاميذ على أن يتعلموا كيف يبنون المعرفة و يكونونها، تركز على القدرة العقلية و الفكرية على نحو مباشر، و هي تساعد التلاميذ على أن يتناولوا و يعالجوا المعلومات التي حصلوا عليها من الخبرة المباشرة و من المصادر الوسيطة، بحيث ينمون السيطرة المفاهيمية و التصورية على المجالات التي يدرسونها، يختلف كل نموذج من هذه النماذج في الجانب الذي يؤكد عليه، لأنه يهدف إلى تنمية و تحسين أنواع معينة من التفكير (جابر عبد الحميد، 1998. ص 284). و من أمثلة النماذج المعرفية نذكر: نموذج التفكير الاستقرائي لـ هيلدا تابا، و نموذج التصنيف لـ بروس جويس، و نموذج اكتساب المفهوم لـ جروم برونر، و نموذج البحث العلمي و الاستقصاء لـ جوزيف شواب و آخرون، و نموذج التدريب على البحث و الاستقصاء لـ هاورد جونز،     و نموذج النمو المعرفي لـ اير فنج سيجل، و كونستانس كامي و ادموند سوليفان، و نموذج المنظمات التمهيدية لـ اوزوبل، و نموذج معينات الذاكرة لـ ميشيل بريسلي و جويل لفن        و آخرون، و نماذج أخرى كثيرة.

6-1-2- النماذج الاجتماعية: و تضم النماذج التي تعمل على مساعدة التلاميذ على أن يتعلموا كيف يشحذوا تكويناتهم المعرفية من خلال التفاعل مع الآخرين، و كيف يعملون على نحو منتج مع أفراد يمثلون مدى عريضا من الشخصيات، و كيف يعملون كأعضاء في جماعة، و تساعدهم كذلك على استخدام منظورات الآخرين سواء كانت منظورات فردية أو جماعية و أن يستوضحوا تفكيرهم و ينمونه و أن ينموا أيضا تصوراتهم و مفاهيمهم (جابر عبد الحميد، 1998. ص 306). و من أمثلة النماذج الاجتماعية نماذج البحث الاجتماعي لـ هربرت شيلين، و شلومو شاران.      و راشيل هيرتز لازارد فيتز، و نموذج الاستقصاء لـ جيمس شير و دونالد اولير، و نموذج طريقة المختبر لمسهمون كثيرون. و نموذج لعب الدور لـ فاتي شافتيل، و نموذج الاعتماد المتبادل الموجب ل دافيد جونسون و روجرز جونسون و اليزابت كوهن، و نموذج الاستقصاء الاجتماعي المنظم ل روبرت سلاين و زملاؤه.

6-1-3- النماذج الشخصية: و تولي اهتماما كبيرا لمنظور الفرد، و تسعى لتشجيع الاستقلال المنتج، بحيث يصبح المتعلم و على نحو متزايد واع بذاته و مسؤول عن مصيره، و تنصرف إلى التأكيد على الطبيعة الفردية لكل إنسان و إلى الكفاح لينمو كشخصية متكاملة واثقة كفئـة          و مساعدة كل شخص بحيث يملك نموه و يحقق إحساسا بالجدارة و التناغم الشخصي، و تسعى أيضا إلى أن تنمي و تحقق التكامل ما بين الجوانب الانفعالية و الجوانب العقلية للشخصية (جابر عبد الحميد، 1998. ص 318). و من أمثلة النماذج الشخصية نذكر: نموذج التدريس غير الموجه لـ كارل روجرز، و نموذج تدريب الوعي لـ فرينتز برلز، و نموذج اللقاء و الاجتماع الصفي لـ وليم جليزر، و نموذج تحقيق الذات لـ ابراهام ماسلو، و نموذج الانساق التصورية لـ دافيد هنت.

6-1-4- النماذج السلوكية : و تستمد أساسها النظري من النظريات السلوكية و نظرية التعلم الاجتماعي و تعديل السلوك و العلاج السلوكي و السبرنطيقي Cypernetic، و تعتمد على الدراسات المتعلقة بالتعليم المبرمج و المحاكاة و التدريب و الطرق المشتقة على نحو مباشر من العلاج، كما ترتكز على السلوك القابل للملاحظة و المهام الواضحة التحديد و طرق توصيل المعرفة للتلميذ (جابر عبد الحميد، 1998. ص 328).   و من أمثلة النماذج السلوكية: نموذج التعلم الاجتماعي لـ البرت باندورا و كارل ثورسن، و نموذج التعلم للإتقان لـ بنيامين بلوم، و نموذج التعلم المبرمج لـ سكينر، و نموذج المحاكاة لـ كارل سميث، ماري سميث، و نموذج التدريس المباشر لـ توماس جود و جيرد بروفي، و نموذج انقاص القلق لـ جوزيف ولبه و جون ماسترز.

و الجدير بالذكر أن هناك تصنيفات عديدة أخرى لنماذج التدريس وهي تختلف باختلاف الأسس النظرية التي تستند إليها و الإجراءات التي تتبعها و الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، كما انه من الصعوبة وضع حدود فاصلة بين فئات هذه النماذج لاشتراكها في الكثير من القواسم المشتركة و يبقى التصنيف لأغراض البحث و الدراسة فقط. إلا أننا سنقتصر على عرض ثلاث نماذج تدريسية شاع استخدامها في أوضاع تعليمية متعددة و حظيت بالكثير من البحوث            و الدراسات من جهة، و علاقتها بالنموذج التدريسي الذي نسعى إلى تصميمه من جهة أخرى، مع محاولة الوقوف على بعض المظاهر المشتركة و عناصر التشابه و الاختلاف بينها دون التقيد بتصنيف محدد.

6-2-1- نموذج برونر Bruner J. (1915- …)   :

اقترح جيروم برونر نموذجا للتدريس الاكتشافي (Discovery Teaching  Model) استنادا إلى نظريته في النمو المعرفي، و توظيف أفكاره بتطوير استراتيجيات تدريسية تسهل هذا النمو    و تعززه. عرف التعلم بأنه إعادة تنظيم محددات الموقف المشكل أو موقف التعلم في صيغ   أو نماذج إدراكية أو تعميمات أو علاقات جديدة، (فتحي الزيات، 1996. ص 327)  كما اعتبره نموا عقليا و زيادة في قدرة الفرد على إيجاد تكامل بين المعلومات القائمة  و استخدام معلومات جديدة ، و يتضمن ثلاث عمليات متأنية هي: اكتساب المعلومات الجديدة، تحويل المعرفة، و التقويم. كما يمتاز التعلم بالاكتشاف بالخصائص التالية:

ا- الديمومة: بحيث تبقى نواتج التعلم داخل البناء المعرفي للمتعلم لمدة أطول من نواتج التعلم القائمة على الطرق التقليدية كالحفظ و التلقين.

ب- إيجابية المتعلم: بحيث يكون دور المتعلم نشط و إيجابي و مشارك في عملية التعلم.

ج- المرونة: بحيث يساعد التعلم بالاكتشاف على تكوين تعميمات و مبادئ و علاقات جديدة، و ينمي المرونة الذهنية للمتعلم.

       يشكل مفهوم البنية (Structure) حجر الأساس في نموذج برونر حيث يرى أن هناك بنية متأصلة في صلب أية مادة دراسية أو حقل دراسي، تتبدى في المبادئ الأساسية التي تضبط العلاقات المتبادلة بين مفاهيم هذه المادة و عناصرها المختلفة. تهدف عملية التدريس بصورة أساسية إلى مساعدة المتعلمين على التبصر في هذه العلاقات و تكوين نظرة واقعية وصحيحة حول المبادئ الأساسية المنظمة لبنية المادة الدراسية بغض النظر عن مضمونها أو محتواها (1960 Bruner,). و يرى أن المتعلم إذا فهم بنية المعرفة فان هذا الفهم يتيح له التقدم معتمدا على نفسه   و لن يحتاج الى مواجهة كل ما في الطبيعة من ظواهر و أشياء لكي يفهمها، ذلك أن الإلمام ببعض المبادئ العميقة يمكنه من التقدير الاستقرائي للجزئيات التي يحتاجها    و استخدام استراتيجيات بارعة في المعرفة تمكنه من معرفة الكثير عن أشياء كثيرة   و متنوعة مع التركيز على جزئيات قليلة (جابر عبد الحميد، 1989. ص 287).

إن التمكن من البنية في حد ذاتها يسهل التعلم و الانتقال و يزود بالقدرة على مقاومة النسيان و تتوقف فعالية الخبرات التعلمية إلى حد كبير على البنية التنظيمية للمادة الدراسية        و تسلسلها المنطقي، و تزويد المتعلمين بالتغذية الراجعة التصحيحية المناسبة. و يرى برونر انه في الإمكان تكييف بنية أية مادة دراسية طبقا للوظائف المعرفية التي يحددها مستوى النمو العقلي للطفل، أي انه باستطاعة أي طفل اكتساب بعض أنواع التفكير الحدسي حول أي موضوع مهما كان مستوى نموه المعرفي، كما يكتسب تفكيرا حدسيا اكثر تعقيدا حول الموضوع ذاته عند ارتقاء هذا المستوى مستقبلا، و دعا بذلك إلى الأخذ بما اسماه المنهاج اللولبي (Spiral Curriculum) في تعديل بنية المنهاج الدراسي على نحو يتفق و طبيعة الوظائف المعرفية للمتعلم (عبد المجيد النشواتي، 1985. ص 561). و قد حدد برونر ثلاث مراحل لنموذجه الاكتشافي كما يلي:

المرحلة الأولى: طرح المشكلة بطريقة مثيرة (استفزازية) على نحو يضمن استثارة دافعية الطلاب و اهتمامهم و يقودهم إلى إيجاد المرغوب فيه، و يتطلب ذلك تخطيط المشكلة بطريقة تمكن الطلاب من التبصر في المبادئ التي تؤسس بنية المشكلة.

المرحلة الثانية: الحث على المساهمة و الاكتشاف بطرح الأسئلة الموجهة التي تقود إلى إنتاج الحل، و تزويد الطلاب بالقرائن المناسبة التي تسهل عملية إدراك المبادئ واستبصار البنية       و التأكد من معرفة الطلاب للمتطلبات السابقة التي يستلزمها الحل.

المرحلة الثالثة: اكتساب استراتيجيات الحل بتقديم مدى عريض من الخبرات أو المشكلات المنظمة و توفير المناخ الصفي الملائم الذي يتيح للطلاب شعورا بالحرية و التعبير عن أفكارهم بتلقائية و طلاقة.

كما اقترح برونر رفقة جودناو و اوستين (Goodnow et Austin) (1956) نموذجا آخر لتدريس المفاهيم و اكتسابها ، تم التركيز فيه على عملية تعلم المفاهيم بالتساؤل عن ما هو المفهوم؟ و ماذا يعني التعرف على المفهوم؟

تم الانطلاق في هذا النموذج من التأكيد على تنوع البيئة بدرجة كبيرة، و قدرة الأفراد المحدودة على التمييز بين الأشياء و مظاهرها المختلفة لتحديد الفروق بين الأشياء                و الاستجابة لكل حادثة كوحدة متكاملة و مواجهة الإرباك الناجم عن تعقيدات البيئة نفسها (Bruner et al, 1956. P 12) لذلك يلجا الأفراد إلى استخدام عملية التصنيف للتعامل مع البيئة، و تعني معالجة الأمور المختلفة بالتساوي و الاستجابة لها في ضوء المجموعة أو الصنف الذي تنتمي إليه بدلا من الاعتماد على استقلاليتها أو كينونتها (Bruner et Al, 1956. P 12) و من ثمة أعطى برونر و رفاقه أهمية خاصة لعملية التصنيف في تشكيل المفاهيم و اكتسابها. يتضمن التصنيف جميع نشاطات تحديد الحوادث و وضعها في مجموعات أو فئات في ضوء معايير محددة سلفا، ثم إهمال غيرها، يتم اكتساب المفهوم (Concept Attainment) عبر البحث عن الخصائص التي يمكن استخدامها للتمييز بين الأمثلة و اللا أمثلة لمختلف الفئات و وضع تلك الخصائص في قوائم       و يتضمن اكتساب المفهوم التعرف على الصفات Adjectives و الأمثلة Exemples و الخصائص Attributs.

 آما تشكيل المفهوم (Concept Formation) فيتضمن عملية تشكيل فئات أو تصنيفات جديدة، أي أنها عملية اختراع في الواقع، و بذلك فان لعملية التصنيف شقان هما:

تشكيل المفهوم ثم اكتسابه، و تمثل عملية تشكيل المفهوم الخطوة الأولى نحو اكتسابه (جودت سعادة و يعقوب اليوسف، 1988. ص 343).

كما حددوا عدة متطلبات لتدريس اكتساب المفهوم منها :

البحث عن الأمثلة المتشابهة و المختلفة، و الأمثلة الإيجابية و السلبية، و تشكيل فرضيات تتعلق بالمفهوم، أو إعادة تشكيلها من جديد. و تقديم معلومات أساسية عن الصفات و الخصائص والقيم التي تعزى للمفهوم أو توضحه، و أن لكل مفهوم خمسة عناصر هي: الاسم، الأمثلة الإيجابية و السلبية، الخصائص الأساسية و غير الأساسية، القيمة المميزة، القاعدة أو التعريف،    و أن ما يجعل مفهوما يختلف عن الآخر هو الخصائص أو الصفات المجمعة لكليهما و اختلاف العناصر الأخرى.

      يهدف هذا النموذج بالإضافة إلى تشكيل المفاهيم و اكتسابها إلى معرفة المتعلم بعملية تعلم المفهوم نفسها، عبر فهم العلاقة بين الأمثلة و الخصائص و الصفات و المفاهيم   و أنماط التفكير التي يتم استخدامها لاكتساب المفهوم. كما أن الأفراد يتخذون قرارات متتابعة عندما يواجهون يوميا كل مفهوم من المفاهيم و يستخدمون استراتيجيات مختلفة لأنماط متنوعة من المفاهيم و بمواد تعلمية   و معلومات و بيانات مختلفة.

تتغير الاستراتيجيات حسب طبيعة المفهوم الذي يتم البحث عنه، و ضمن أنواع من الضغوط التي تظهر في المواقف المختلفة و حسب التوابع المترتبة على السلوك و غير ذلك من المتغيرات المتعددة (Bruner et al 1956 p 55) انطلاقا من ذلك ميز برونر بين نوعين من استراتيجيات التفكير حسب ظروف التعلم و هما : استراتيجيات التفكير الاختياري                و استراتيجيات التفكير الاستقبالي، بحيث يؤثر نوع الظرف التعلمي سواء الاختياري منه أو الاستقبالي في استراتيجية التفكير التي سوف يقوم الطالب بتطبيقها   و فيما يلي توضيحا لذلك :

1-استراتيجيات التفكير الاختياري thinking strategiesSelection  

تشير إلى اكتساب المفهوم تحت ظروف الاختيار و تتضمن هذه الفئة أربع استراتيجيات هي:

- استراتيجية التدقيق المتزامن.

- استراتيجية التدقيق المتتابع.

- استراتيجية المغامرة المركزة.

- استراتيجية التركيز الدائم.

2-استراتيجيات التفكير الاستقبالي Reception thinking strategies  

تشير إلى اكتساب المفاهيم تحت ظروف الاستقبال و تضم استراتيجيتان فرعيتان هما:

- الاستراتيجيات الكلية: و يتم فيها اخذ أول مثال إيجابي عن المفهوم و استخدامه كدليل ثم مقارنة جميع خصائص المثال الأول بتلك الخصائص المتعلقة بالأمثلة التالية  و العمل على تعديل الفرضيات تبعا لذلك.

- الاستراتيجيات الجزئية: و يتم فيها اختبار الفرضية اعتمادا على جزء واحد فقط من المثال الأولى، و العمل على تعديل الفرضية أو تغييرها.

و قد لاحظ برونر و رفاقه أن معظم الناس تسيطر عليهم الاستراتيجية الكلية في تعاملهم الأولي مع المشكلة و ذلك تحت الظروف الخاصة باستراتيجيات التفكير الاستقبالي بينما يسعى أصحاب الاستراتيجيات الكلية إلى التركيز على الإجراءات المعرفية.

حدد برونر و رفاقه ثلاثة مراحل لنموذج اكتساب المفهوم و هي:

- المرحلة الأولى: تقديم البيانات أو المعلومات و تعريف المفهوم حيث يقدم المدرس أمثلة مصنفة إلى إيجابية و سلبية في شكل أزواج.

- المرحلة الثانية: اختبار عملية اكتساب المفهوم: و يقوم فيها الطلبة بتحديد المزيد من الأمثلة غير المصنفة إلى إيجابية و سلبية.

المرحلة الثالثة: تحليل استراتيجيات التفكير و يقوم فيها الطلبة بوصف الأفكار و شرح دور الفرضية و خصائص المفهوم و مناقشة نوع الفرضيات (جابر عبد الحميد، 1998. ص 292).

و قد مكن هذا النموذج من طرح أفكار جديدة تتعلق بالمفاهيم و التي يمكن أن تتبعها عمليات البحث و التمحيص التي يقوم بها الأفراد أو الجماعات، بما يمكنهم من التعامل المباشر مع الخبرات الجديدة التي يمرون بها عبر عمليتي التعميم و التحويل. كما يمكن لاستراتيجيات اكتساب المفهوم أن تؤدي إلى تحقيق عدد من الأهداف التدريسية اعتمادا على نوعية الاهتمام الذي يتم التركيز فيه لكل درس أو وحدة تدريسية معينة، حيث تم تصميم هذه الاستراتيجيات حول مفاهيم محددة و حول طبيعة المفاهيم بصورة عامة، كما تشجع على التدريب في مجال الاستقراء و تتيح الفرصة للتعديل و تطوير استراتيجيات تشكيل المفهوم ، و تعمل من جانب آخر على تنمية و تطوير نوع من الوعي و الاهتمام بأهمية الأسباب و تبريرها و تحمل الغموض أثناء التعامل مع المشكلات خاصة بالنسبة للمفاهيم المجردة (جودت سعادة و يعقوب اليوسف، 1988. ص 368).

      سمحت البحوث و الدراسات التي أجريت لتطبيق نموذج برونر لاكتساب المفهوم خاصة بحوث تنيسون و زملاؤه   Tnyson et al (1986) بالتوصل إلى الكثير من المزايا منها أن التلاميذ يتوصلون إلى تكوين مفاهيم أوضح و الاحتفاظ بها لفترة أطول، و انهم ينمون و يكتسبون معرفة إجرائية، أي كيف يكتسبون المفاهيم بالممارسة، و انه كلما ازدادت المعرفة الإجرائية التي يمتلكونها كلما ازدادت فاعليتهم في اكتساب المعرفة المفاهيمية أو التصورية و في تطبيقها. (جابر عبد الحميد، 1998، ص 292) كما مكنهم النموذج من تحليل عمليات تفكيرهم و ساعدهم على تنمية استراتيجيات اكثر فاعلية، و مكنهم من ممارسة الاستقصاء و الاستكشاف و الاستدلال الاستقرائي   و أتاح لهم الفرص لتحسين استراتيجيات تكوين المفاهيم و تعديلها و تنمية و عيهم بالمنظورات البديلة.

6-2-2- نموذج اوزوبل David Ausubel   (1918- )

اقترح اوزوبل (1978) نموذجا تدريسيا ضمنه الأفكار الأساسية التي نادى بها في نظريته للتعلم الاستقبالي ذي المعنى. و هو نموذجا استدلاليا لمعالجة المعلومات و لتدريس مجموعة أجزاء محتوى مترابطة ذات علاقات متبادلة في المحتوى. و قد استند اوزوبل في نظريته إلى أفكار كل من بياجيه المتصلة بالنمو المعرفي و عمليتي التمثيل و المواءمة، و مبدأ التوازن الذاتي بصفة خاصة. و افكار برونر المتعلقة باكتساب المفاهيم و مستويات النمو المعرفي. كما انتقد اصحاب النظريات و الممارسات الذين راوا ان التعلم بالاكتشاف هو اهم عملية في التعلم، و ميز تمييزا حادا بين التعلم الصم و التعلم ذي المعنى. و بين التعلم بالتلقي و التعلم بالاكتشاف، و اختلف مع الذين يرون أن التعلم بالاكتشاف خطوة سابقة على فهم المعرفة أو اكتسابها و ضرورية لها. بحيث يمكن ان يكون التعلم بالتلقي ذا معنى إذا كان لدى المتعلم تهيؤ له و درس مواد لها معنى (جابر عبد الحميد، 1989. ص 310).

       يهدف النموذج إلى مساعدة المدرس في تصميم و إعداد المادة الدراسية و طريقة تقديمها، بحيث يتمكن من إيصال اكبر كمية ممكنة من المعلومات إلى المتعلمين على نحو فعال و ذي معنى       و يعتقد أن غاية التعليم المدرسي هي تمكين المتعلم من اكتساب المعلومات و الاحتفاظ بها و نقلها إلى أوضاع جديدة، و أن أسلوب الشرح القائم على تنظيم المادة الدراسية    و عرضها بشكل هرمي واضح بدءا بالمفاهيم الأكثر عمومية و شمولا و الانتهاء بالحقائق المحددة هو انسب الأساليب التي تحقق هذه المهام على نحو فعال، (عبد المجيد النشواتي، 1985. ص 550)

           أقام اوزوبل نموذجه على مجموعة من الفروض منها:

- تختلف مواد التعلم الجديدة التي يتعلمها الفرد في درجة ارتباطها بمحتوى البناء المعرفي لديه، ويصبح التعلم اكثر يسرا كلما كان حجم هذا الارتباط كبيرا.

- لكل فرد أسلوبه الخاص المميز في استقبال و معالجة المعلومات و تكتسب المعلومات معناها الخاص في ضوء ما لدى المتعلم من خبرات شعورية و معلومات سابقة.

- تعتمد سرعة و فاعلية التعلم على قدرة المتعلم على أحداث ارتباطات جوهرية بين المعلومات الجديدة و المعلومات القديمة، و يتم تعلم المعلومات الجديدة اعتمادا على المعنى أو اعتمادا على الحفظ الصم أو الاستظهار.

- استخدام المنظمات المسبقة يرفع من كفاءة عمليتي التعليم و التعلم و ييسر عملية إحداث ترابطات لشبكة المعاني داخل الذاكرة (عن فتحي الزيات، 1996. ص 305-307).

و في ضوء هذه الفروض يتحدد دور المدرس حسب هذا النموذج في دور المحاضر و الشارح    و المفسر، حيث يعرض المعلومات الجديدة بصيغتها النهائية و على نحو مباشر، في حين يقتصر دور المتعلم على استقبال هذه المعلومات و دمجها في بنيته المعرفية للتمكن منها. (عبد المجيد النشواتي 1985 ، ص 551).

كما اقام اوزوبل نموذجه على مجموعة من المفاهيم الأساسية التي أضفت صبغة خاصة عليه      و منها:

1-مفهوم المعنى (Meaning) و عرفه بأنه خبرة شعورية متمايزة بدقة و محددة بوضوح تنبثق لدى الفرد حين تتفاعل العلامات و الرموز و المفاهيم و الوظائف المرتبطة بمضمون المعنى      و يتم استيعابها و تمثلها في البناء المعرفي للفرد، يشكل المعنى أساس هام للتعلم الفعال حيث تختلف مواد التعلم الجديدة التي يتعلمها الفرد في درجة وضوح عامل المعنى فيها، و يصبح اكثر يسرا كلما تشبعت هذه المواد بعامل المعنى. و قد برر اوزوبل الاهتمام بالمعنى بسيادة أنماط التعلم اللفظي في المدارس بحيث يصبح من الضروري إضفاء معنى على المواد التي تعلمها في ضوء الخبرات الشعورية و المعلومات السابقة (فتحي الزيات، 1996، ص 301). تختلف المواد المتعلمة في مدى وضوح عامل المعنى فيها، و هناك الكثير من المعلومات الهامة في العديد من المجالات يبدو عامل المعنى فيها اقل وضوحا و هي ما يطلق عليها المعلومات اللفظية منعدمة المعنى، و التي تشكل عبئا على كل من المعلم و المتعلم و ما لم يسعى كل منهما لاستخدام الاستراتيجيات الملائمة لتعلمها، يصبح اكتسابها صعبا و اكثر قابلية للانطفاء و النسيان (فتحي الزيات، 1996. ص 301)

2-مفهوم البنية المعرفية (Cognitive structure) و يقصد بها المحتوى الشامل للمعرفة البنائية للفرد و خواصها التنظيمية المتميزة التي تميز المجال المعرفي للفرد أو هي العامل الرئيسي المؤثر في مبنى التعلم و معناه و الاحتفاظ به و استرجاعه (عن فتحي الزيات، 1996. ص Ausubel et al 1978 ) فتمثل بذلك البنية المعرفية ما يعرفه المتعلم عن مادة أو موضوع ما، في وقت معين، و مدى تنظيم هذه المعرفة في عقله. يتحدد دور البنية المعرفية في التعلم من خلال إعطاء الفكرة أو المادة الجديدة معنى إضافيا يتحدد في ضوء خصائص البنية المعرفية و تخفيض احتمالية فقدان أو نسيان الفكرة الجديدة عن طريق ارتباطها بغيرها، و جعل الفكرة أو المادة الجديدة اكثر قابلية للاسترجاع عندما تصبح جزءا من المحتوى الدائم للبناء المعرفي للفرد.

      تتأثر فاعلية البنية المعرفية بعدة عوامل هي:

ا- التنظيم: أي التنظيم الهرمي للبنية المعرفية من المستوى الأكثر عمومية إلى المستوى الأقل عمومية.

ب- التمايز: بمعنى أن فئات المعلومات في مستويات تنظيمها السابقة تتمايز داخل البنية المعرفية بحيث تكون هذه الفئات و وحداتها اقل قابلية للفقدان و النسيان و اكثر قابلية للاحتفاظ              و الاسترجاع.

ج- الترابط: بحيث تكون البنية المعرفية بوحداتها و فئاتها و مستوياتها مترابطة معرفيا بحيث يؤدي هذا الترابط إلى علاقات بينية حية و فعالة و عالية. و بذلك فان البنية المعرفية تتكون من مفاهيم و أفكار شبه ثابتة و منظمة بدرجة ما في وعي المتعلم أو شعوره و يفترض أن طبيعة هذا التنظيم هرمية متدرجة تكون فيها المفاهيم و الأفكار و القضايا الأكثر شمولا أو عمومية في القمة    و المفاهيم الأكثر تخصصا أو نوعية في القاعدة (عن الزيات، 1996.ص298 Ausubel et al 1978 ).

3-مفهوم المنظمات المسبقة او المتقدمة Advance Organizers  و يقصد بها مجموعة من العبارات التنظيمية التي تكون على درجة عالية من التجريد و العمومية، و التي تستوعب أو تضم موضوع ما، و ترتبط عضويا بتفاصيل ذلك الموضوع، كما ينظر إليها على أنها مواد مدخلية تقدم في بداية التعلم تتصف بمستوى من التجريد و الشمولية أعلى من مستوى تجريد و شمولية المادة التعلمية ذاتها، تهدف الى تزويد المتعلمين بمجموعة من المفاهيم الشاملة التي توضح و تشرح مفاهيم المهمة التعلمية و تسهل عملية احتوائها و دمجها في البنية المعرفية، لكنها لا يمكن ان تؤدي وظيفتها بشكل فعال الا اذا تم تعلمها و فهمها على نحو جيد لانها تنطوي على مادة تعلمية في حد ذاتها (عبد المجيد النشواتي، 1985. ص 553).

تمايز المنظمات المسبقة في نمطين هما:

نمط المنظمات الشارحة Explicative Advance Organizers  و تستخدم حين تكون المادة المراد تعلمها جديدة تماما و غير مألوفة للمتعلم، حيث تزوده ببناء تصوري لموضوع التعلم يمكن ربطه بتفاصيل ذلك الموضوع.

نمط المنظمات المقارنة Comparative Advance Organizers  و تستخدم حين تكون المادة موضوع التعلم مالوفة و من خصائص هذا النمط مساعدة المتعلم على إيجاد تكامل بين المفاهيم الجديدة و المفاهيم المشابهة لها في البناء المعرفي للفرد و مساعدته على التمييز بين الأفكار الجديدة و الأفكار القديمة الموجودة في بنائه المعرفي (فتحي الزيات، 1996. ص 304).

بالإضافة إلى مفاهيم أخرى مثل: مفهوم التلقي و الاستقبال، مفهوم الاكتشاف و مفهوم الحفظ الصم و التعلم ذو المعنى، و استيعاب المفهوم و تكوينه و غيرها من المفاهيم الأساسية في نظرية اوزوبل و نموذجه لن يتسع المجال لتوضيحها.

و من جانب آخر ميز اوزوبل بين أنماط التعلم و حددها في أربعة أنماط هي:

ا- نمط التعلم بالاستقبال القائم على المعنى.

ب- نمط التعلم بالاستقبال القائم على الحفظ.

ج- نمط التعلم بالاكتشاف القائم على المعنى.

د- نمط التعلم بالاكتشاف القائم على الحفظ.

و قد اعتمد في هذا التمييز على بعدين أساسيين هما:

- بعد العمليات أو الأساليب، أي أسلوب المتعلم في الحصول على المعلومات و هما الاستقبال    و الاكتشاف.

- بعد أساليب معالجة المتعلم و تفاعله مع المعلومات و هما: أسلوب الحفظ والاستظهار و أسلوب المعنى و الربط بين المعلومات.

أما بالنسبة لمراحل النموذج فقد حدد ثلاثة مراحل أساسية هي:

المرحلة الأولى: تقديم المنظم المتقدم و تتضمن النشاطات التالية:

- توضيح أهداف الدرس.

- تقديم المنظم المتقدم.

- استشارة وعي المتعلم بالمعرفة ذات العلاقة.

المرحلة الثانية: تقديم المادة الدراسية و تتضمن إجراءين هما:

- إظهار البنية التنظيمية للمادة الدراسية وبيان تسلسلها المنطقي.

- الاحتفاظ بانتباه الطلاب طيلة فترة تقديم المادة التعليمية.

المرحلة الثالثة: تقوية التنظيم المعرفي، و تهدف إلى تثبيت المادة الدراسية الجديدة في بنية المتعلم المعرفية و تتضمن مجموعة من النشاطات التعليمية قد يندمج بعضها في المرحلة الثانية أثناء تنفيذ عملية التعليم في سياق صفي طبيعي و أهم الإجراءات التي يجب أن يؤديها المدرس في هذه المرحلة هي:

ا- استخدام مبادئ التوفيق الدمجي.

ب- حث التعلم الاستقبالي النشط.

ج- استخدام المنحى النقدي.

د- التوضيح.

كما حدد اوزوبل مجموعة من المبادئ التي يقوم عليها التعلم القائم على المعنى و التي يمكن تطبيقها في مواقف التعلم المختلفة و منها:

- استخدام أطر مرجعية جيدة التنظيم يحسن التعلم و الحفظ و التذكر.

- استحضار البنية المعرفية المتعلقة في فكر المتعلم يرفع من كفاءة التعلم.

- إحداث نوع من المواءمة و الاستيعاب بين المعلومات الجديدة و المعلومات الماثلة في البناء المعرفي للمتعلم يجعل التعلم اكثر ديمومة.

لقد أسفرت الدراسات العديدة التي قام بها اوزوبل نفسه و باحثون آخرون على تأكيد فعالية هذا النموذج في الاكتساب و الاحتفاظ و الانتقال لدى تعليم مواد دراسية متنوعة و خاصة في الدراسات الاجتماعية و الإنسانية حيث يسود الكثير من المفاهيم العامة و الغامضة (عبد المجيد النشواتي، 1985. ص 558). و على الرغم من هذا التأكيد إلا انه تعرض إلى مجموعة من الانتقادات منها :

- تركيزه على التعلم اللغوي و اللفظي و إعطاء أولوية اكبر للتعلم بالتلقي على حساب التعلم بالاكتشاف، و تضمنه تكوينات فرضية يصعب تعريفها إجرائيا و اختبارها بالدراسات العلمية (جابر عبد الحميد، 1989. ص 315).  و مهما يكن من أمر إلا انه يمكن اعتبار نموذج اوزوبل من النماذج التي ساهمت بوضوح في مجال التدريس و التعليم اللفظي ذي المعنى، بتأكيد العلاقة بين نظريات التعلم و التربية الصفية، يضاف بدوره إلى العدد الهائل من النماذج التدريسية.

6-2-3- نموذج ريجيليوث     Charles Reigeluth  (1978)

طور شارلز ريجيليوث نموذجا موسعا للتدريس المفصل ركز فيه على البنى المعرفية وتفصيلها، بهدف اثراء خبرات المتعلم و ربطها و إدماجها في صورة قابلة للنقل و الاسترجاع عند الحاجة. شكل علم النفس المعرفي الخلفية الرئيسية لهذا النموذج حيث اشتقت منه افتراضات النموذج و الأسس النفسية التي استند إليها في تحديد مبادئ التعلم و تنظيم الخبرة، و اهمية الاستعدادات النمائية التطورية لدى المتعلم و تطور بناه المعرفية. و النظرة إلى التعلم و البنية التعلمية و الموقف التعلمي و المنهاج (قطامي و قطامي، 1998. ص 452).

استند ريجيليوث في تصميم نموذجه إلى نظريته للتدريس المفصل التي طورها رفقة ميرل (Merril)، تقوم على تحليل البنى المعرفية و فهم العمليات المعرفية، و نظريات (Gagné) المتعلقة بالتعلم الهرمي و المتطلبات السابقة، و برونر في مفهومه للمنهج الحلزوني و اوزوبل في مفهومه للتتابع و التدرج التدريسي و المنظمات المتقدمة، و نورمان (Norman) فيما اسماه التعلم العنكبوتي (Web teaching) و كيلر (Keller) في مساهمته المتعلقة بالدافعية و الاستراتيجيات المكونة لها في التعليم و التدريس.

يفترض هذا النموذج أن التدريس يبدأ بنظرة خاصة، يمكن أن تساعد على تعلم بعض العموميات البسيطة و الأفكار الأساسية، ثم تتوالى الإجراءات التدريسية لتتقدم اكثر متضمنة أفكارا تفصيلية لتوسيع الأفكار التي قدمت أولا و استخدام الفقرات المتتالية التي تعتبر متطلبات سابقة على صورة أجزاء متدرجة من السهولة إلى الصعوبة، و الاستخدام المنظم لعمليات المراجعة     و التركيب ضمن مواقف أو خبرات أخري (قطامي و قطامي، 1998. ص 412).

شبه ريجيليوث التدريس المفصل بالعدسة اللامة (Zoom lens) لذلك فان دراسة موضوع ما باستخدام النموذج المفصل هو أشبه بدراسة صورة عن طريق عدسة لامة في آلة تصوير متحركة (Reigeluth, 1983. P 340) إذ يبدأ الفرد بمنظور واسع كبير يسمح له برؤية العناصر الرئيسية للمنظر و العلاقات الأساسية ضمن هذه الأجزاء بدون إدراك تفاصيل ثم يبدأ بالتدرج في التركيز على جزء ما من الصورة و إدراك العلاقات بين الأجزاء و الانتقال من جزء إلى آخر.

بنفس الطريقة يبدأ التدريس وفق هذا النموذج بتقديم فكرة عامة بسيطة تتضمن أفكارا أساسية في موضوع دراسي محدد و إضافة كمية محددة من التفاصيل المعقدة لجانب من الجوانب في المقدمة العامة، ثم تتم مراجعة الفكرة و إظهار العلاقات بين الأفكار الأكثر جدة و الأفكار المقدمة أولا.     و يتقدم نموذج التدريس وفق هذا النمط من التوسع و يتبع بملخص و تركيب حتى يتم الوصول إلى المستوى المعقد المخطط له في كل الأجزاء ثم يساعد المتعلم على ضبط عمليات الاختيار و التتابع للمحتوى موضوع الدراسة.

يتعامل النموذج التدريسي المفصل مع الاستراتيجيات التنظيمية عندما تكون في المستوى الموسع أو المكبر (Macro level) و يتكون هذا المستوى من عمليات أربع رئيسية أشار إليها ريجيليوث بـ (Fours’s) و هي: الاختيار Sélection، التتابع أو التدرج Sequencing ، التراكيب Synthesizing، التلخيص Sumarizing. و يحاول النموذج وصف الطرق المثلى لاستخدام هذه العمليات.

يتضمن هذا النموذج سبع استراتيجيات رئيسية هي:

1-استراتيجية التدرج المفصل: و تشير إلى التدرج من العام إلى الخاص المفصل و من السهل إلى الصعب، و من المحسوس إلى المجرد و يسير وفق اتجاهات مختلفة و يمكن أن يسير في أحد الاتجاهات (Reigeluth, 1979. P 9).

فالتدرج من العام إلى المفصل يتضمن تقديم الأفكار العامة أولا  لا تلخيص الأفكار التالية، والتقديم العام الشامل القائم على مفردة واحدة من المحتوى (مفهوم إجراءات، مبادئ،…الخ) ويختلف التقديم الشامل عن التلخيص في أن الأول يقدم عددا قليلا من الأفكار التي يراد تدريسها وتقديم معرفة ذات مستوى محسوس ذي معنى و قابل للتطبيق، في حين يتضمن الثاني تقديم عدد كبير من الأفكار في صورة سطحية مجردة و مستوى حفظي.

 أما التدرج من السهل إلى الصعب فيشير إلى عملية للإضافة أو تحريك أجزاء من الأفكار        و يتضمن السهل أجزاء قليلة في حين يتضمن الصعب أجزاء متعددة. 

أما التدرج من المحسوس إلى المجرد فيتضمن مستويين رئيسيين : العموميات المجردة، والأمثلة المحسوسة. يفضي التدرج إلى تحقيق الهدف العام من تدريس الموضوع و يوصل إلى محتوى منظم و تقديم الأفكار على مستوى تطبيقي و ليس على مستوى سطحي أو حفظي مجرد. (Reigeluth, 1983. P 344) و ينتج عنه بنى معرفية اكثر ثباتا و يترتب على ذلك الاحتفاظ لمدة أطول و تقبلا للتعلم، و إبداع سياقات ذات معنى في كل المواضع التدريسية و يترتب عليه زيادة في الدافعية و جعل المتعلم قادرا على ضبط عمليات الاختيار و التدرج في المحتوى.

2-استراتيجية تدرج متطلبات التعلم السابقة: و تشير إلى تدرج بنية التعلم أو التعلم الهرمي      و تعني البنية التي تظهر الحقائق أو الأفكار التي ينبغي تعلمها قبل أي فكرة معطاة للتعلم. أي مراعاة متطلبات التعلم السابقة التي تعد ضرورية لتعلم لاحق، و يمكن أن تتضمن الأجزاء الرئيسية للفكرة كالمفاهيم التي تتضمنها و علاقاتها المتغيرة و تعريف الصفات والعلاقات الداخلية في المفهوم، و يمكن أن تتضمن الأجزاء الرئيسية للإجراءات كالتفاصيل والخطوات و العوامل و القواعد.

3-استراتيجية التلخيص: و هي ضرورية للتعلم الذي يسير وفق منحى منظم، تساعد على الاحتفاظ بالمعلومات، يتم التلخيص عبر الصياغة الدقيقة لكل فكرة أو حقيقة تم تدريسها،         و إعطاء مثال مرجعي لكل فكرة يسهل تذكره و بعض الفقرات التشخيصية أو الاختبارات الذاتية لكل فكرة و يضم التلخيص نوعين من الملخصات هما: الملخص الداخلي في نهاية كل درس و تلخيص الأفكار و الحقائق المتصلة به و ملخص الأفكار المتضمنة في مجموع الدروس أو المواقف.

4-   استراتيجية التركيب: و تشير إلى ربط و إدماج الأفكار المجزاة، مثل ربط  و إدماج مجموعة من المفاهيم أو مجموعة من الإجراءات أو مجموعة من المبادئ. يتم تقديمها في صورة معرفة لأنواع البنية المعرفية و استخدام بعض الأمثلة المرجعية و الفقرات التشخيصية   و يتضمن هذا النموذج نوعين من التراكيب: التركيب ذو النمط الداخلي الذي يظهر العلاقات بين الأفكار الجديدة التي تم تدريسها ضمن الدرس الواحد، و التركيب ذو النمط ضمن المواد الدراسية الذي يظهر ارتباط الأفكار الجديدة مع الأفكار التي سبق تدريسها في مجموعة من الدروس.

5-  استراتيجية المشابهة Analogy: و تعني كشف اوجه الشبه بين بعض الأفكار الجديدة       و بعض الأفكار المألوفة التي هي خارج الموضوع الذي يشكل الاهتمام الفوري. و تعتبر مساعدة عندما تكون المواد المراد تعلمها صعبة على الفهم و تفتقر إلى المعنوية المباشرة للمتعلم، حيث يربط هذه المواد الصعبة و غير المألوفة بالمعارف المألوفة في بعض المواضيع الدراسية، فتكتسب المواد الجديدة المعنى و تصبح مألوفة (Reigeluth, 1983. P 403) تكون استراتيجية المشابهة اكثر فاعلية كلما كانت اوجه الشبه اكبر و كلما كان عدد الأفكار التي ستصبح مألوفة خلال عمليات المقارنة التشابهية اكثر، و يمكن استخدام اكثر من حالة مشابهة في موقف محدد للتعلم.

6-   استراتيجية التنشيط المعرفي: و تشير إلى أن التدريس يكون اكثر فاعلية عندما يتطلب من المتعلم – بوعي أو بغير وعي- أن يستخدم الاستراتيجيات المعرفية ذات العلاقة (Bruner, 1966, Gangé 1977, Reigney 1978) لان الطريقة التي يعالج بها المتعلم المدخلات التدريسية تعتبر عاملا قويا في عملية التعلم، و تسمى الاستراتيجيات المعرفية (Cognitive strategy) مهارات عامة متضمنة مهارات تعلمية و تفكيرية يمكن أن تستخدم عبر مجالات مواضيع دراسية متنوعة. بحيث يجب أن تنشط الاستراتيجيات المعرفية أثناء عمليات التدريس و هي نوعين:

- استراتيجية المنشطات المتضمنة و تتضمن استخدام التدريس للأشكال و الصور                 و المخططات و مساعدات التذكر، و التشابهات و إعادة صياغة الجمل، و أي أدوات أخرى يستخدمها المتعلم أو يتفاعل مع مواضيع دراسية بطرق محددة.

- استراتيجية منشطات الحل و توجه المتعلم لكي يوظف الاستراتيجية المعرفية المكتسبة سابقا نحو إبداع الصور الذهنية للعمليات التي تم تعلمها. أو التفكير في التشبيه لهذا المفهوم بما يحقق تحسين اكتساب المتعلم و احتفاظه للمواد الجديدة، واستخدامه الواعي للاستراتيجيات المعرفية بما يزيد كفاءته للتعلم.

7- استراتيجية مخطط ضبط المتعلم : و تشير إلى حرية المتعلم للقيام بعمليات الاختيار والتتابع عبر ضبط المحتوى الذي يراد تعلمه، ضبط السرعة التي سوف يتعلم بها، و ضبط عملية العرض و أجزاء استراتيجية التدريس التي يختارها المتعلم و الترتيب المستخدم من اجل ذلك، و ضبط المعرفة الواعية المتضمنة لاستراتيجيات المعرفة التي يستخدمها المتعلم عندما يتفاعل مع المدرس. كما تتضمن استراتيجيات ما وراء المعرفة (Métacognition) بتوفير عدد من الفرص لتمكين المتعلم من اختيار و تدرج المحتوى التدريسي و الاستراتيجية لتنشيط الاستراتيجيات المعرفية و ما وراء المعرفية و إتاحة الحرية للمتعلم باختيار الاستراتيجية الأكثر ملاءمة و دفعا له في نقطة معينة من التدريس، و قد طور ريجيليوت إجراءات مفصلة لتصميم التدريس وفق النموذج المفصل و هي ثلاثة أنواع من الإجراءات كما يلي: ا- المنحى المفاهيمي. ب- المنحى الإجرائي.

ج- المنحى النظري.

حيث ينبغي أن يتم اختيار أسلوب تنظيم المحتوى، فآما أن يكون مفاهيميا أو إجرائيا أو نظريا تبعا للأهداف التدريسية و تطوير البنية المنظمة لتصور المحتوى بصورة مفصلة وفق علاقات يحتاج المتعلمون لتعلمها عبر تحليل المحتوى و وصف المهمة   و تقرير جوانب المحتوى المنظم التي يتم تقديمها في المقدمة أو في التوسيع و بناء هيكل الموضوع وفق مستويات تفصيلية مختلفة.

أما بالنسبة لمراحل التدريس فقد حدد ريجيليوث سبع خطوات يتبعها المدرس كما يلي:

1-اختيار طريقة تنظيم المحتوى (مفاهيمي، إجرائي، نظري).

2-تطوير بنية منظمة للموضوع أو الخبرات التعلمية.

3-تحديد موقع المحتوى المنظم بالنسبة لمستويات الفصل.

4-تحديد موقع المحتوى المدعم لمستوى التفصيل المحدد.

5-تحديد موقع المحتوى لكل درس منفرد.

6-متابعة المحتوى التعلمي ضمن كل درس و ضمان استمراره.

7-التزود بتصميم مصغر للدرس بهدف تطوير بنية عمومية.

و بذلك يقوم المدرس بعمليات تنظيمية و إدارية، كما يقوم بأعمال إعداد و تنظيم و إدارة ومساعدة الطلاب و إرشادهم حتى تتحقق أهداف التعلم. و يتطلب من المدرس أن يمارس هذه العمليات بقدرة واعية و فهم، لأنها تتطلب مهارات متخصصة، و بشكل خاص مهارات تتأسس في الاتجاه المعرفي، مثل التأكد من ضبط المتعلم لتعلمه و وعي تفكيره و استراتيجية إثارة الدافعية،  و حماية عمليات التفصيل بدقة، فيتحمل بذلك مسؤولية المعرفة و الإعداد و التدريس و التزود بمبادئ التعلم المعرفي، كما أولى التقويم أهمية خاصة من خلال عمله على التأكد من نجاح ممارساته عبر نواتج التعلم  و ممارسة الطلاب لعملياتهم المعرفية و الاستراتيجيات المحددة في معالجة المواضيع بهدف إتقان الطلاب لها و قدرتهم على نقلها إلى مواقف و خبرات جديدة.

يمثل نموذج ريجيليوث إسهاما متميزا في التدريس، و هناك الكثير من البحوث           و الدراسات التي اثبت فعالية مكوناته و أساسه النظري، خاصة تلك التي تناولت التعلم الهرمي لـ جانيه والمنهج الحلزوني لـ برونر و المنظمات المتقدمة لـ اوزوبل و التعلم العنكبوتي لـ نورمان والدافعية لـ كيلر. إضافة إلى السند النظري الذي حظيت به مفاهيمه خاصة مفهوم التدريس المفصل حسب العدسة اللامة، و مبادئ التدرج و المقارنة و التشابه و الاستراتيجيات المعرفية و ما وراء المعرفية و الضبط و التحكم الذاتي.

6-3- تعليق و مناقشة:

في ختام هذا العرض المختصر لنماذج التدريس بفئاتها الأربع (النماذج المعرفية، النماذج السلوكية، النماذج الاجتماعية، النماذج الشخصية) و العرض الموسع بعض الشيء لنماذج التدريس لكل من برونر، اوزوبل، ريجيليوث، يتبين أن هناك جهودا متزايدة بذلت و ما زالت تبذل لاقتراح و تصميم نماذج التدريس، خاصة بعد المناقشات التي دارت عن عجز اتجاهات التعليم في تزويد الموقف التعلمي بخبرات جاهزة للتطبيق، مما أدى إلى ظهور منحى اكثر تطبيقا و اكثر تلبية لحاجات الطلاب و المعلمين و المحتوى التعلمي و هو منحى نماذج التدريس (قطامي و قطامي 1998، ص 11).

يستند كل نموذج تدريسي إلى خلفية نظرية محددة حيث تشترك بعض النماذج في الخلفية النظرية، بينما يختلف البعض الآخر فيها. كما تتفق بعض النماذج في الكثير من العناصر والمكونات كالأهداف و الإجراءات و مراحل السير، و أساليب التطبيق و التقويم، و المفاهيم الأساسية و يختلف البعض الآخر في هذه العناصر أو بعضها أو في عناصر أخرى. و عموما يمكن اكتشاف بعض اوجه الشبه و الاختلاف بين النماذج التدريسية من خلال المقارنة بين نماذج برونر، اوزوبل و ريجيليوث. فمن حيث اوجه التشابه و الاتفاق نجد أنها:

1-تستند إلى خلفية علم النفس المعرفي، خاصة تصوره للعمليات المعرفية واستراتيجيات التعلم   و النظر إلى طبيعة التعلم من حيث هو اكتساب و بناء للمعلومات والمعارف الجديدة  و تحويلها  و نقلها إلى أوضاع جديدة.

2-تتفق في أن التعلم يحدث عبر استقبال المعلومات او اكتشافها و معالجتها ثم تخزينها           و استرجاعها، و توقف النتائج على الطريقة التي يتم بها هذا الاستقبال  و المعالجة والتخزين     و الاسترجاع و الشروط المرتبطة بها.

3-تعطي أهمية خاصة لمفاهيم بنية المعرفة، البناء المعرفي، باعتبارهما أساسيان في تنظيم المعرفة و بنائها و اكتسابها، و من ثم ضرورة تنظيم المحتويات الدراسية و تكييفها وفقا للوظائف المعرفية التي يحددها مستوى النمو المعرفي للمتعلم بما يمكنه من بناء معارفه بفاعلية.

4-تعطي أهمية خاصة لمفهوم استراتيجيات التعلم و الاكتساب بحيث يعمل المتعلم على اكتساب استراتيجيات محددة للتعامل مع معطيات البيئة المحيطة، ثم استخدام هذه الاستراتيجيات و تحليلها و الوعي بها، و التحكم فيها من خلال عمليات الضبط الذاتي.

أما من حيث الاختلاف فنجدها تختلف في العديد من النقاط منها:

1-تختلف من حيث الاهداف المحددة لكل نموذج، و نوع الاسلوب التدريسي المتبع، حيث ركز برونر على التدريس الاكتشافي و ركز اوزوبل على التدريس الاستقبالي و ركز ريجيليوث على التدريس المفصل و بلا شك أن هناك فروقا جوهرية بين هذه الأساليب رغم بعض الشبه بينها.

2-تختلف من حيث المكونات و العناصر التي تم التركيز علها حيث ركز برونر على أهمية الخصائص و الصفات و الأمثلة في تدريس المفاهيم و أهمية الاستراتيجيات المتبعة للتدريس و ركز اوزوبل على أهمية المعنى و المنظمات المتقدمة و الاستراتيجيات المحددة لتحقيق ذلك في حين ركز ريجيليوث على أهمية عمليات المشابهة و التراكيب و التلخيص والتدرج المفصل.

3-تختلف من حيث الإجراءات المحددة لتصميم التدريس و خطوات العرض والأدوار المنوطة بكل من المدرس و الطالب، بحيث يراعي برونر مبادئ الاكتشاف و الاستبصار ويراعي اوزوبل مبادئ المنظمات المسبقة، و يراعي ريجيليوث نوع المنحى و من ثم اختلاف طبيعة التدريس حسب كل نموذج، إذ يتبع المدرس أسلوب العرض و الاستبصار لدى برونر و أسلوب الشرح  و التفسير لدى اوزوبل و أسلوب التفصيل و التدرج لدى ريجيليوث.

و عموما يمكن القول أن نماذج التدريس و ما بينها من تشابه و اختلاف تستند إلى أصول مستمدة من نظريات نفسية لها تطبيقات صفية، و قد أصبحت تحتل مكانة متميزة في مجال التدريس  و تتوفر شواهد عديدة على أنها سوف تعمل على تحسين قدرة التلاميذ و الطلاب على التعلم و أنها تستند إلى قدر معقول من البحوث تختبر نظرياتها و قدرتها على تحقيق تعلم فعال.  و يتفاوت مقدار البحوث التي ترتبط بهذه النماذج فبعضها يقوم على بحوث و دراسات قليلة بينما نجد للبعض الآخر تاريخ طويل يضم مئات البحوث (جابر عبد الحميد، 1998. ص 278).         و يضيف البحث الحالي نموذجا عمليا لتدريس العمليات المعرفية العليا، يتفق بدوره في الكثير من النقاط مع النماذج الشهيرة، و يختلف معها في عناصر أخرى قد يمثل بعضها مجال الجدة في هذا النموذج.

 

أرسلها إلى صديق