• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

المشاكل النفسية

التوافق النفسي

التوافق النفسي

1- لمحة عن ظهور مصطلح التوافق:

        لقد أشتق مصطلح التوافق من مصطلح التكيف، وذلك بعد ظهوره كمفهوم مستمد أساسا من علم البيولوجيا على نحو ما حددته نظرية النشوء والارتقاء (1859). ويشير هذا المفهوم عادة إلى أن الكائن الحي يحاول أن يوائم بين نفسه والعالم الطبيعي الذي يعيش فيه محاولة منه من أجل البقاء.

        "وعندما حدد أوبرت Aubert مفهوم التكيف سنة (1860) كان يعني به ما يحدث لحدقة العين من تغير نتيجة لشدة الضوء الذي يقع عليها".

        ثم أصبح هذا المفهوم يصف سلوك الإنسان كردود أفعال لعديد من المطالب والضغوط البيئية التي يعيش فيها، كالمناخ وغيره من عناصر البيئة الطبيعية، ففي شهور الصيف يحاول الإنسان أن يخفف من ملابسه كي يتلاءم مع الجو الحار، بينما في شهور الشتاء يحاول أن يتدثر في ملابس ثقيلة تقيه غائلة البرد، وكذلك الحال بالنسبة للمسكن والطعام وغيرها. وقد استعار علم النفس المفهوم البيولوجي للتكيف واستخدم في المجال النفسي الاجتماعي تحت مصطلح التوافق. ومن الطبيعي أن ينصب اهتمام علم النفس على البقاء السيكلوجي، والاجتماعي للفرد أكثر مما ينصب على البقاء الطبيعي والبيولوجي.

        والتوافق مصطلح مركب وغامض إلى حد كبير، لأنه يرتبط بالتصور النظري للطبيعة الإنسانية وبتعدد النظريات والأطر الثقافية المتباينة. وربما كان أحد أسباب غموض هذا المصطلح هو الخلط بين المفاهيم، ففي الإنجليزية نجد كلمات Conformity-Adjustment-Accomodation-Adaptation وفي العربية نجد كلمات: توافق، تكيف، تلاؤم، مسايرة، مجاراة، ويمكن أن نفرق بين المفاهيم السابقة اعتمادا على الآتي:

1- Accomodation وترجمتها العربية تلاؤم، وهو مصطلح اجتماعي يستخدم باعتباره عملية اجتماعية وظيفتها تقليل أو تجنب الصراع بين الجماعات.

2- Conformity وترجمتها العربية مسايرة وهو أيضا مصطلح اجتماعي يعني الامتثال للمعايير والتوقعات الشائعة في الجماعة.

3- Adaptation وترجمتها العربية تكيف، ويفضل أن يقتصر استخدام هذا المصطلح –كما قصد بذلك دارون- على اعتباره مصطلحا بيولوجيا يعني قدرة الكائن الحي على أن يعدل من نفسه أو يغير من بيئته إذا كان له أن يستمر في البقاء، بحيث يؤدي الفشل في هذا التعديل إلى انقراض الكائن أو اختفائه من الحياة.

4- Adjustment: والترجمة العربية لهذا المصطلح هي "توافق" وهو المفهوم النفسي الذي يرتبط بدراستنا والذي سنوليه قدرا من الأهمية.

        ورغم تعدد تعريفات التوافق، إلا أنه يمكن حصرها في ثلاثة اتجاهات رئيسية:

-       الاتجاه الأول: يرى أن التوافق عملية فردية تبدأ وتنتهي بالفرد.

-       الاتجاه الثاني: يرى أن التوافق عملية اجتماعية تقوم على الانصياع للمجتمع بصرف النظر عن رضا الفرد عن هذا الانصياع.

-       أما الاتجاه الأخير فهو الاتجاه التكاملي وهو يوفق بين ما هو فردي وما هو اجتماعي.

ويمكن دراسة التوافق من إطارين على الأقل: الإطار الشخصي والإطار الاجتماعي، ويشير الإطار الشخصي أساسا إلى الجانب الذاتي من التوافق ويتضمن المعيار الرئيسي للتوافق الجيد الإشباع الكافي لحاجات الفرد وتوافر حالة من التوازن الداخلي لديه، ويعني الإطار الاجتماعي بمعناه العام توافق الفرد كما يقيم من الخارج بمعايير شكلية أو غير شكلية يقوم بوضعها الآخرون، كما يستخدم المصطلح بمعناه الضيق فيشير إلى التوافق مع الآخرين. (عبد الحميد محمد شاذلي، 2001، ص ص 62-67)

ومما سبق ترى الباحثة على أنه بالرغم من اختلاف آراء الباحثين حول مفهومي التوافق والتكيف إلا أنه يمكن ملاحظة أن هناك اتفاق على أنهما بعملات معا للوصول الإنسان إلى مستوى أفضل من الصحة النفسية، لأنه يصعب على الفرد تحقيق التوافق النفسي أو الاجتماعي في ظل ظروف لا يستطيع معها التكيف، فالإنسان يتكيف بيولوجيا ويتوافق نفسيا واجتماعيا.

2- مفهوم التوافق النفسي:

        وسيتم فيما يلي عرض بعض التعاريف والمفاهيم لمصطلح التوافق النفسي حسب وجهة نظر بعض العلماء في المجال النفسي والإجتماعي.

        ونظرا لما يتضمنه هذا المصطلح من معان كثيرة ليس من السهل تقديم تعريف للتوافق النفسي تحاول الباحثة عرض بعض التعاريف التي وردت في بعض المعاجم، والتعاريف التي قدمها بعض علماء النفس الأجانب والعرب

أولا- التعريفات التي وردت في بعض المعاجم:

1- المعجم الشامل للمصطلحات السيكولوجية والتحليل النفسي: انجلس إكلش 1958

        يعرف التوافق النفسي على أنه: "التوازن المنسق بين الكائن وما يحيط به، بحيث تعمل كل الوظائف التي تحافظ على استمرارية الكائن بشكل سوي ولا يمكن التوصل إلى هذا التوافق التام فهو مجرد نهاية نظرية لمتصل (تدريج) من درجات التوافق الجزئي. (English  and engli et a-c. 1958) معجم العلوم السلوكية ولمان (Wolman, 1973):

عرف التوافق على أنه:

التغيرات في السلوك التي يقتضيها إشباع الحاجات ومواجهته المتطلبات حتى يستطيع الفرد أن يقيم علاقة منسقة مع البيئة.

        علاقة منسقة مع البيئة تتضمن القدرة على إشباع معظم حاجات الفرد ومواجهة معظم متطلباته الجسمية والإجتماعية التي تفرض نفسها عليه.

(Benjama B.wolmanled, 1973, pp9-10)

أما قاموس علوم التربية (1993): فيحدد التوافق بأنه إمكانية التعديل الذي يقوم به الفرد في تفاعله لضمان حياته. (Legendre relad, 1993, p 20)

ويعرف قاموس علم النفس (1994): التوافق مجموع التعديلات التي تقوم بها العضوية لتجعل التكيف مع المحيط متلائم. (Bloch.h chenana Reland et all, 1994, 25)

2- دائرة المعارف النفسية: أيزنك وآخرون 1975:

التوافق هو:

-       حالة يتم فيه إشباع حاجات الفرد من جانب ومطالب البيئة من جانب آخر، إشباعا تاما، وهي تعني الاتساق بين الفرد والهدف أو البيئة الاجتماعية.

-       هو العملية التي تتحقق بها هذه العلاقة المتسقة وهذه الحالة يمكن التعبير عنها من الناحية النظرية فقط، أما من الوجهة العملية فلا تصل إلا إلى توافق نسبي للإشباع الكامل لحاجات الفرد والعلاقة غير المضطربة مع البيئة.

-ويأخذ التوافق شكل تغيير البيئة وتغير الكائن الحي عن طريق استيعاب الاستجابات المناسبة للمواقف. (H.J. eysenck and al, 1975, p25)

ثانيا: تعريفات بعض علماء النفس الأجانب والعرب: (مرتبة حسب تسلسلها التاريخي)

1- شافر Shaffer(1956): يعتبر شافر الحياة سلسلة من عمليات التوافق التي يعدل فيها الفرد سلوكه في سبيل الاستجابة للمواقف المركب الذي ينتج عن حاجته وقدرته على إشباع تلك الحاجات، ولكي يكون الفرد سويا لابد أن يكون توافقه مرنا وينبغي أن تكون لديه القدرة على استجابات منوعة تلائم المواقف المختلفة.

(L.F. Shaffer and E.J.Shoben, Il, 1956, pp 159-160)

2- شوبن Shoben (1956):

يعني شوبن (Shoben)بالتوافق السلوك المتكامل ذلك السلوك الذي يحقق للفرد أقصى حد من الاستغلال للإمكانيات الرمزية والاجتماعية التي ينفرد بها الإنسان وتؤدي إلى بقائه وتقبله للمسؤولية وإشباع حاجاته وحاجات الغير، وهذا التوافق يتميز بالضبط الداخلي والتقدير للمسؤولية الشخصية والاجتماعية وهو توافق إيجابي بتضمن النضج الإنفعالي.

 (L.F.Shaffer and E.J. Shoben, Il, 1956, pp 159-160)

3- جورج لينر إلاكوب George Lehner et Elakube (1964): التوافق هو عملية تفاعل مستمرة غير مكتملة تلاحظ فيها العلاقات بين السبب والنتيجة، فالتوافق عملية تفاعل بيننا وبين بيئتنا يتضمن إما التوافق معها أو تعديلها فنعدل ما يحيط بنا من ظروف أو نعدل في سلوكنا، وهذا التفاعل بين أنفسنا وبين بيئتنا جزء مكمل لحياتنا، ويعتمد التوافق السليم على التفاعل الناجح والتوافق عملية مستمرة فلا الفرد ولا العالم من حوله جامدا فكل منهما يتغير والاعتراف بعملية استمرارية التفاعل يؤدي بنا إلى التحقق من أنه ليس هناك توافق بشري كامل أو مثالي فالتوافق محاولة لإقامة علاقة مرضية مع البيئة، والتوافق عملية أسباب ونتائج فعند دراستنا للتوافق نفترض أن هناك علاقة منظمة وقانونية بين أي سلوك وظروفه السابقة أي بين الأسباب والنتائج (George. F.J. Lenhner and Ellakube, 1964, pp 3-6)

4- كاتل R-B-Cattel(1966):

حاول كاتل أن يضع تعريفا أكثر تحديدا للتوافق عندما قرن بين ثلاثة مصطلحات: التكيف والتوافق والتكامل.

أما التكيف: فيستخدم بمعنى اجتماعي فيعني انسجام الفرد مع عالمه المحيط به.

أما التوافق: فيعني العمليات النفسية والتحرر من الضغوط والصراعات وانسجام البناء الدينامي للفرد ويربط كاتل بين التكيف والتوافق، فالشخص الذي يسلك سلوكا يرضى عنه المجتمع ولكنه يتعارض مع ما يؤمن به هذا الشخص متكيف لكنه غير متوافق.

أما التكامل: فيعني مدى تكاتف وتآزر طاقات الفرد في سبيل هدف معين، فيكون الفرد متكيفا ومتوافقا، وبالتالي في حالة تكامل، ذلك أن هناك اتساقا في سلوكه ودوافعه وأهدافه (عباس محمود عوض، 1977، ص 14)

5- مصطفى فهمي (1979):

        يعني التوافق عند مصطفى فهمي الانسجام (المؤازرة)، المشاركة، التضامن، فهده كلها مترادفات تقابل المصطلح الانجليزي (Conformity) وهناك أوجه للتوافق هي: التوافق الاجتماعي، التوافق الشخصي، والتوافق النفسي.

وأن التوافق النفسي: تلك العملية الديناميكية المستمرة التي يهدف لها الفرد إلى أن يغير من سلوكه، لبحث علاقة أكثر توافقا بينه وبين نفسه من جهة وبينه وبين البيئة من جهة أخرى، وبالبيئة هنا تمثل كل المؤثرات والإمكانيات للحصول على الاستقرار النفسي والبدني في معيشته، ولهذه البيئة ثلاثة جوانب: البيئة الطبيعية، والمادية والبيئة الاجتماعية، ثم الفرد ومكوناته، واستعداداته وميوله، وفكرته عن نفسه.

(مصطفى فهمي، 1979، ص 21-23)

6- بودسكا (1980): يتضمن التوافق عند "بودسكا" تحقيق علاقة مرضية مع بيئة الفرد، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة التوصل إلى حالة من الجمود أو الرضا أو الطمأنينة وليس معنى أن يكون الفرد متوافقا ألا يشعر بالإضطراب او الغضب أو الحزن أو الإحباط أو الخوف، إن التوافق هو قدرة الفرد على اختيار الوسائل المناسبة والفعالة لمواجهة متطلبات البيئة مع المحافظة على الاتجاه السليم نحو عالمه المحيط به. (Bernanrd Poduska, 1980, p16)

7- عبد الله عبد الحي موسى (1980): عرف عبد الله عبد الحي موسى التوافق النفسي بأنه العملية الدينامية المستمرة التي يقوم بها الفرد مستهدفا تغيير سلوكه، ليحدث علاقة أكثر توافقا بينه وبين نفسه من جهة وبينه وبين البيئة من جهة أخرى.

يقوم هذا التعريف على ابراز أهمية تقبل الذات من جهة وتقبل الآخرين من جهة أخرى في العملية التوافقية.

تقبل الذات : هو الأساس الذي يقوم عليه التوافق الشخصي أي أن يكون الفرد راضيا عن نفسه، غير كاره، ويكون خالي من الصراعات والتوترات وتقبل الآخر هو الأساس الذي يقوم عليه التوافق الإجتماعي. (عبد الله، 1980، ص 472)

يعرفه لازاروس "بأنه مجموع العمليات النفسية التي تساعد الفرد على التغلب على متطلبات الحياة العديدة.

ويرى لازاروس أن الشخص المتوافق هو الذي يتسم بالإرتياح النفسي، الكفاية في العمل، التقبل الذاتي وتقبل الآخر. (Lazarus, E et Folkman, 1984, p76)

وهنا ما أكدته دراسة جابر عبد الحميد جابر (1969) عن العلاقة بين تقبل الذات والتوافق النفسي على عينة قوامها [90 طالبا من الجامعات]، وتبين أن النتائج التي توصل إليها جابر أن هناك علاقة موجبة بين تقبل الذات والتوافق النفسي أي كلما زاد تقبل الفرد لذاته زاد توافقه النفسي. (عبد الفتاح دويدار، 1992، ص 74)

وهذا الأخير (تقبل الفرد لذاته وتقبله للآخر) تبنته الباحثة كمكون لأحد الأبعاد للتوافق النفسي المتمثل في بعد : "التوافق مع الذات" من خلال تقييم أداة قياس التوافق النفسي.

8- تعريف كارل روجرز C.Rogers: التوافق هو قدرة الفرد على تقبل الأمور، التي يدركها بما في ذلك ذاته، ثم العمل بعد ذلك على تبنيها في تنظيم شخصيته.(القذافي، 1998، ص110)

9- تعريف الين Allen: يشير التوافق إلى فهم الإنسان لسلوكه وأفكاره، ومشاعره بدرجة تسمح برسم إستراتيجية لمواجهة ضغوط ومطالب الحياة. (Allen, 1990, p5)

        تعريف ألين يشير إلى أن التوافق النفسي يتحقق في البداية بالتوافق الشخصي، ومدى فهم الفرد لنفسه بما ينعكس على توافق الفرد مع الحياة بشكل عام، فالتوافق الاجتماعي للفرد لا يتحقق إلا إذا تحقق التوافق الشخصي توافق الفرد مع ذاته.

10- تعريف ستون ونيل Stone & Neale: تلك السلوكات والأفكار التي يستخدمها الفرد بوعي تام، ليسيطر على تأثيرات المواقف الضاغطة التي يمر بها الفرد، حاليا أو تلك التي من المتوقع أن يمر بها في المستقبل. (درويش، 1996، ص8)

يبين هذا التعريف أن التوافق النفسي لا يتضمن العمليات السيكودينامية التي لا يعيبها الفرد، وهي العمليات اللاشعورية أو ميكانيزمات الدفاع التي يتحدث عنها بعض الباحثين كإستراتيجيات للتوافق النفسي بتأكيده أنها عملية تتم بوعي تام.

        ويشير التوافق النفسي إلى تلك العمليات النفسية التي تساعد على التعامل مع المشكلات الحياتية والتغلب عليها، وتزويد الفرد بالقدرة على التحدي لمتطلبات الحياة بشكل عام، وهو بذلك يعني تطوير عادات جيدة وهذا يشمل توافق الفرد مع الحياة العملية
أو الدراسية، وتوافقه مع رفاق العمل. (Simons Kalichman & santrock, 1998)

        وتضيف باري (Barry, 2006)أن :التوافق حالة ضرورية وخاصية مهمة يجب أن يمتلكها الفرد للتأقلم والعيش بسلام، لذلك فالتوافق يظهر في المواقف المختلفة من حياة المرء، فهو يظهر في المنزل، الجامعة، الأصدقاء، وفي أماكن العمل.

        وفي ذات السياق أشار علي (2010) إلى أن التوافق النفسي عملية دينامية مستمرة بين الفرد وذاته، وما يحيط به من مؤثرات داخلية وخارجية، وأن يكون فعالا متوازنا ومنتجا في بيئته بمختلف جوانبها (العمل، المدرسة...).

عرفه:

  • ·        الدلي (2004): التوافق حالة من الاستقرار الإنفعالي للفرد وتقبله لذاته وتوازنه في العلاقات الإجتماعية الأسرية منها والمهنية. (الدلي، 2004، ص 17)
  • ·        مجدي عزيز ابراهيم (2009): التوافق بأنه: "عملية ايجابية ديناميكية مستمرة يهدف بها الفرد مواجهة مطالب الظروف المتغيرة ليحدث علاقة أكثر إيجابية بينه وبين البيئة. (مجدي عزيز إبراهيم، 2009، ص 497)
  • ·        الخضري (1987): مفهوم يشير إلى محصلة لعلاقة جدلية بين الذات بكل خبراتها السابقة وإمكاناتها العقلية والنفسية وطموحاتها العملية، كما يدركها الإنسان في المواقف المختلفة. (عن: مهنا بشير، 2010، ص 367)
  • ·        ويعرفه كوهين (Cohen) بأنه: عملية تكيف يقوم بها الفرد للإستجابة للمواقف الجديدة أو أن يدرك الموقف إدراكا جديدا. (عن مصطفى، 2010، ص 85)
  • ·        حامد زهران (2005): التوافق النفسي هو مرادف للتوافق الشخصي ويعني السعادة والرضا عن النفس واشباع الدوافع الفطرية الأولية (الداخلية) والدوافع الثانوية المكتسبة ويعبر عن سلام داخلي. (حامد زهران، 2005، ص08)

من خلال العرض السابق يمكن استخلاص بعض النقاط:

ــ أن التوافق النفسي مجموعة سلوكات ومحاولات متكررة ، يسلكها الفرد من خلال التفاعل مع الآخر، من أجل الانسجام وتحقيق الاستقرار مع نفسه أولا ومع الآخر ثانيا وتحقيق أهدافه. ويظهر في مدى رضا الفرد عن ذاته وقبول الآخرين له، والخلو من الحزن والفشل وتقبله لذاته.

 ـــ كما نلاحظ أن هناك اختلافا في نظرة هذه التعريفات للتوافق، فهناك من يعتبره "عملية ديناميكية في تعريف كل من: لازاروس، كوهين ومصطفى فهمي ...إلخ.

وهناك من يعتبر التوافق "حالة كتعريف: آيزنك، راجح، الدلي، وهناك من يعتبره معيار ومظهر للسواء النفسي و الاجتماعي.

و من وجهة نظر الباحثة ترى: يأن التوافق النفسي ما هو إلا استجابة لمؤشرات ايجابية يعيشها الفرد ذاتيا و انفعاليا من خلال التفاعل مع الآخر .

2-1 التوافق وعلاقته ببعض المفاهيم:

        يرى مجموعة من الباحثين أن دراسة الصحة النفسية ما هي إلا دراسة للتوافق، وأن حالات عدم التوافق تعتبر مؤشرا أساسيا لاختلال الصحة النفسية.

        كما يرى باحثون آخرون أن السلوك التوافقي ليس هو الصحة النفسية، بل أحد مظاهرها، فالصحة النفسية حالة أو مجموعة شروط والسلوك التوافقي دليل توافرها.

        إن العلاقة بين التوافق والصحة النفسية علاقة وطيدة ،حيث أن الكائن الحي والبيئة متغيران ولذلك يتطلب كل تغيير تغيرا مناسبا للإبقاء على استمرار واستقرار العلاقة بينهما، وهذا التغيير هو التكيف والموائمة والعلاقة المستمرة بينهما هي التوافق. وكثيرا ما يستعمل اللفظان تكيف ،وتوافق كما لو كان مترادفان ولكن الكلمة الأولى تشير إلى الخطوات المؤدية للتوافق، والثانية إلى حالة التوافق التي يبلغها الفرد. والصحة النفسية ما هي إلا قدرة الفرد على التوافق مع نفسه ومع المجتمع الذي يعيش فيه ،وهذا يؤدي إلى التمتع بحياة خالية من التأزم والاضطرابات، حياة مليئة بالسعادة والحماس ومعنى هذا أن يتقبل ذاته كما يتقبل الآخرين، فلا يبدو منه ما يدل على عدم التوافق الاجتماعي بل يسلك سلوكا معتدلا يدل على اتزانه الانفعالي والعاطفي والعقلي، في ظل مختلف المجالات وتحت تأثير جميع الظروف. (صالح حسن الداهري، 1999، ص 21)

ومن ثمة يمكن أن نخلص إلى إن التوافق والصحة النفسية هما جانبان في الإنسان لا يمكن فصلهما، فالصحة النفسية تعني اتزان الوظائف النفسية والعقلية والخلو من الأمراض، يجعل الفرد يشعر بالسعادة والرضى والأمن، أما التوافق فهو استثمار التفاعلات النفسية الداخلية بصورة إيجابية وفعالة بهدف مواجهة المشكلات وتلبية الحاجيات النفسية والاجتماعية، إذن فالصحة النفسية كل متكامل، بحيث لا نستطيع أن نفصل هذه الأخيرة عن التوافق، باعتبارها مؤشرا إيجابيا للتوافق النفسي والتوافق بصفة عامة.

ويعتمد مفهوم التوافق على مجموعة من المؤشرات المختلفة على أساسها نستطيع أن نطلق أحكاما موضوعية على مدى توافقه أو عدم توافقه، وهذه المؤشرات تتباين ولكن في مجملها تأخذ بعين الاعتبار نقطتين أساسيتين: وهما الفرد في تفرده وذاتيته وحياته النفسية و وظائفها وكذا جملة انفعالاته وأحاسيسه، أما النقطة الثانية فهي تؤكد على المجتمع الذي يعيش ضمنه هذا الفرد، وأهم المكنز مات التي تتحكم فيه، وكيفية اكتساب الفرد لجملة القيم والمعايير الاجتماعية الذي تؤهله إلى التوافق والذوبان في المجتمع.

فالتفاعل والواقعية وتحديد الأهداف والسعي إلى تحقيقها من طرف الفرد ،والإحساس بالراحة والأمان والقدرة على التحكم في انفعالاته ،والابتعاد عن الاستثارة والاتزان واكتساب سلوكات مرنة واجتماعية من خلال مراحل التنشئة، وتقديره لذاته وإحساسه بالمسؤولية، والمرونة في التفاعل، وتبني اتجاهات إيجابية اتجاه ذاته واتجاه الجماعة التي تعيش فيها، واحترام القيم والعادات وتبني سلوكات أخلاقية إيجابية، كل هذا يعتبر إرث نفسي واجتماعي وقيمي. يدفع بالفرد إلى أن يكون متوافقا مع ذاته وكذا مع المحيطين به وينعم بالدفء الاجتماعي.

الشكل رقم (07) يوضح خصائص وسمات الشخصية المتمتعة بالصحة النفسية (حامد زهران، 1997، 12)

التوافق والتكيف:

        إن لفظة التكيف تستخدم للدلالة على مفهوم عام يتضمن جميع ما يبذله الكائن الحي من نشاط من أجل البقاء، أما لفظة التوافق فتشير إلى الجانب النفسي من نشاط الإنسان. (محمد عبد الظاهر الطيب، 1994، ص 83)

        ويرى كل من –السيد سلمان، وعبد التواب أمين حرب- أن هناك فرق بين التوافق والتكيف يمكن إجماله فيما يلي:

-       التوافق مفهوم خاص بالإنسان أساسا، إذ يسعى لتنظيم حياته ومواجهة مشكلاته، وإشباع حاجاته كي يصل إلى النجاح سواء في مجال الأسرة أو العمل أو مع الأصدقاء، أما مفهوم التكيف فيشمل كل من الإنسان أو الحيوان والنبات إزاء البيئة الفيزيقية التي يعيشون فيها.

-       التكيف مرتبط بإشباع الحاجات البيولوجية، وخض التوتر الناتج عن أثارها دون النظر إلى النتائج التي قد يترتب عن هذا الإشباع، أمل السلوك التوافقي، فيتحدد باعتبارات اجتماعية بالدرجة الأولى حتى يكون مناسبا ومقبولا. (أحمد محمد، 2000، ص 27)

وهذا يعني أن التكيف يشمل كل من الإنسان والحيوان والنبات بعلاقته مع البيئة التي يعيش فيها، وقد يحدث تحويلات في كيانه لمواجهة المشكلات وصعوبات مفروضة عليه في البيئة، أما التوافق فهو مفهوم خاص بالإنسان في سعيه لتنظيم حياته وحل صراعاته ومواجهة مشكلات حياته من توترات وصولا إلى الرضا النفسي فالتوافق إذا هو مفهوم إنساني فقط.

3- أبعاد التوافق:

        اختلفت الآراء حول تحديد أبعاد التوافق تبعا لنظرة العلماء إلى المعنى الحقيقي لهذا المصطلح، فالبعض أشار إلى وجود بعدين فقط للتوافق هما البعد الشخصي والبعد الاجتماعي على راسهم أصحاب المنحى التكاملي في دراسة التوافق النفسي (سوبر). (فوزي، 2010، ص 245)

        والبعض أشار إلى وجود ثلاثة أبعاد للتوافق هي التوافق الشخصي، التوافق الاجتماعي والتوافق المهني. (زهران، 1997، ص 29)

        وهناك من حدد أربعة أبعاد وهي التوافق الشخصي، التوافق الاجتماعي، التوافق التعليمي، التوافق الأسري، وهناك من حدد خمسة أبعاد هي التوافق الشخصي والتوافق الاجتماعي والتوافق المنزلي والتوافق المدرسي والتوافق الجسمي.

(الصويط، 2008، ص 54)

        والبعض الآخر عده بأنه يقوم على أساس الشعور بالأمن الذاتي، ويتضمن عدد من الأبعاد: كالاعتماد على النفس، والإحساس بالقيمة والحرية والإنتماء، بالإضافة إلى عدم الميل للإنفراد والخلو من الأعراض العصابية.

(سليمان، 2008، ص 44)

وهناك من الباحثين من يقتصر على عرض الأبعاد التي يتناولها في دراسته فقط.

ولقد حاولت الباحثة عرض أهم الأبعاد التي تغطي التوافق النفسي وتشمل الصحة النفسية للفرد وهي على النحو التالي:

3-1- التوافق الشخصي والانفعالي:

        يتمثل التوافق الانفعالي في إدراك الشخص للجوانب المختلفة للمواقف التي تواجهه، ثم الربط بين هذه الجوانب وما لديه من دوافع وخبرات وتجارب سابقة من نجاح وفشل ،تساعده على تعيين وتحديد نوع الاستجابة التي تتفق ومقتضيات الموقف الراهن، وتسمح له بتكييف استجابته تكييفا ملائما ينتهي به الفرد إلى التوافق مع البيئة والمساهمة الإيجابية في نشاطها، وفي نفس الوقت ينتهي إلى حالة من الشعور بالرضا والسعادة.

(الصويط، 2008، ص 55)

        فالتوافق الشخصي يعني :أن يتميز الفرد بالثبات والاتزان الانفعالي مما يؤثر إيجابا على نظرته لنفسه، وهذا لم يتوفر للفرد إلا إذا كان على وعي بانفعالاته وقدرته الكاملة على إدارتها وتوجيهها الوجهة الصحيحة.

  إن توافق الفرد لا بد أن يكون محوره الأساسي ومركزه هو الجانب الانفعالي، فالتوافق الانفعالي ليس شيئا قائما بنفسه منفصلا عن غيره، لأن انفعالية الفرد تتداخل في مجاله المهني و الأسري أو غير ذلك من المجالات، فقد تمثل انفعالية الفرد صورة من صور الاضطراب. فالثبات الانفعالي بمثابة الصميم و اللب للعملية التوافقية كلها(السيد فهمي،2009، ص78).

        ويتضمن التوافق الشخصي السلوك الانفعالي الناضج والتعبير الانفعالي المناسب لمثيرات الانفعال ،وحل المشكلات وقد ذكر (دانيال جولمان) أن الفيلسوف اليوناني "أرسطو "أكد أن الانفعالات يجب أن تناسب الموقف والظرف تماما، وفي حالة كبت الانفعال فذلك يؤدي إلى العزلة، والخروج عن إطار السيطرة، ويتحول إلى اضطراب نفسي (القلق، الإكتئاب، الغضب...) إن ذلك مؤشر لسوء التوافق (جولمان، 2000، ص 87)

        كما أن الاتزان والثبات الانفعالي يلعبان دورا كبيرا في توافق الفرد مع نفسه، وشعوره بالرضا مما ينعكس إيجابا على حياته، وفعاليته اليومية، وقد أكدت الدراسات أن العواطف السلبية كالغضب والقلق... تؤثر سلبا على صحة الإنسان، وتوافقه. (المبيض، دون، ص168)

كما يتضمن التوافق الشخصي، التوافق العقلي الذي يتحقق بقيام كل العمليات العقلية بوظائفها كالإدراك والتفكير والقدرات بدورها كاملا وبالتنسيق مع باقي العمليات.

        ويقول مايرو سالوفي "Mayer salovey" أن الأشخاص الذين يتميزون بالوعي الذاتي واعين بحالتهم المزاجية، يتمتعون برؤية إيجابية لانفعالاتهم ويتمتعون بصحة نفسية جيدة ولديهم رؤية إيجابية للحياة. (حسني، محمد عبد الهادي، 2006، ص 40)

 3-1-1- شروط تحقيق التوافق الشخصي:

        أ- إن الإنسان المتوافق هو ذلك الشخص الصحيح عقليا، هذا وتتطلب الصحة النفسية توافقا داخليا تمام مثل التوافق الخارجي أي ضرورة التوافق بين الدوافع والرغبات الشخصية المتصارعة ومنه فإن الشخص المتوافق هو الشخص الذي يتمتع بصحة نفسية.

        ب- ضرورة تقبل الذات وأن يكون للشخص ثقة كبيرة بنفسه واحتراما لذاته وكذا القدرة على تقبل النقد والاستفادة منه وذلك حتى يتعرف على نقاط الضعف والقوة لديه وأن يقوم نفسه بواقعية وهذا ليصل بقدراته إلى الفعالية.

        ج- أن يؤمن الفرد بقدرته على التعامل مع مشاكل الحياة وشعوره بالقبول من طرف الآخرين الذين يدفعه إلى الاعتماد على مبادئه الخاصة في توجيه سلوكه وتصرفاته بدلا من الاعتماد على معتقداته وأفكار الآخرين.

        د- إشباع الفرد لدوافعه المختلفة بصورة ترضي الفرد والمجتمع في آن واحد ولا تتنافر مع معايير المجتمع ومعتقداته.

        هـ- قدرة الفرد على مواجهة الواقع أي يتعامل الفرد مع مشاكل الشخصية مباشرة وذلك لتحقيق توافقه الشخصي الكفء. (صالحي، 2013، ص 75)

ويشمل التوافق الشخصي النواحي التالية:

أ- الاعتماد على النفس: ويتمثل في أن تبين أفعال الفرد الظاهرة أنه يستطيع القيام بالأعمال مستقلا عن الآخرين، وأنه يعتمد على نفسه في المواقف المختلفة ويوجه نشاطه وسلوكه بنفسه دون ان يخضع في ذلك لأحد غيره، والشخص الذي يعتمد على نفسه يتميز أيضا بالثبات الانفعالي وبمسؤوليته عن سلوكه.

ب- الإحساس بالقيمة الذاتية: وتتمثل في أن يشعر الفرد أن الآخرين يقدرونه، وأن لديهم إيمانا بنجاحه في المستقبل، وحينما يعتقد أن لديه قدرة على القيام بما يراه جديرا به غيره من الناس، وأنه له قبول من الآخرين.

ج- الإحساس بالحرية الشخصية: وذلك عندما يسمح للفرد بقسط معتدل في تقدير سلوكه، وتوجيه السياسات والخطط العامة التي تحكم حياته وتشمل الحرية المرغوب فيها، على السماح له بان يختار أصدقاءه وأن يكون له مصروف خاص به لديه حرية إنفاقه.

د- الشعور بالانتماء: يشعر الفرد بالانتماء عندما ينعم بحب أسرته له ،وبالتمنيات الطيبة من قبل أصدقائه الأوفياء، وبالعلاقات الودية مع الناس عامة، مثل هذا الشخص يحسن مسايرة مرءوسيه ويعتز بعمله.

هـ- الخلو من الميول الإنسحابية: إن الفرد الذي يقال عنه منسحب أي (منطو أو منعزل) هو الذي يستبدل النجاح الفعلي في الحياة الواقعية بالمتع الخيالة، وهذا الشخص يتميز بالحساسية والإنفراد والإهتمام بذاته والتوافق السوي يتميز بخلوه من هذه الميول.

و- الخلو من الأمراض العصابية: إن الشخص الذي يصنف على أن له أعراضا عصابية هو الشخص الذي يقاسي من عرض أو أكثر من الأعراض الجسمية، مثل فقدان الشهية وإجهاد العين المتكرر، وعدم القدرة على النمو ،والشعور بالتعب باستمرار، والأفراد من هذا النوع قد يظهرون تعبيرات جسمية من صراعات انفعالية والتوافق السوي يتميز بخلوه من هذه الأمراض. (عن: عبد الله، 2012، ص 62)

3-2- التوافق الاجتماعي:

        ويتعلق بالعلاقات بين الذات والآخرين ،إذ أن تقبل الآخرين مرتبط بتقبل الذات ومما يساعد على ذلك قدرة الفرد على عقد صلات اجتماعية راضية مرضية، وعلاقات تتسم بالتعاون والتسامح والإيثار ، وتعتمد على ضبط النفس وتحمل المسؤولية والاعتراف بحاجته للآخرين ،والعمل على إشباع حاجاتهم المشروعة ويجب ألا يشوب هذه العلاقات العدوان أو الارتياب أو الاتكال أو عدم الاكتراث لمشاعر الآخرين". (شاذلي، 2001، ص 52)

3-2-1- شروط تحقيق التوافق الاجتماعي:

-       أن يتقبل الفرد الآخرين كما يتقبل ذاته وأن يضع نفسه في مكان الآخرين ،بمعنى أن يكون قادرا على التفكير والشعور والتصرف بنفس الطريقة التي يعقلها الآخرين.

-       أن يكون الفرد متسامحا مع الآخرين ، متغاضيا عن نقاط ضعفهم ومساوئهم ويمد لهم يد المساعدة إلى الذين يحتاجون إلى المساعدة.

-       إن الشخصية المتكاملة المتوافقة تؤدي وظيفتها كجهاز يتمتع بمرونة كافية للتفاعل مع متطلبات الواقع المتجدد دائما ومن وجهة نظر شاملة لحياة فرد ما ولثقافته،فإن الحياة ككل تستمر حيث تتكامل الحقيقة والقيم بطريقة مرضية .

ولهذا يمكن القول بأن القدرة على التغيير والمرونة في السلوك تتفق مع متطلبات الواقع والتكامل الشخصي.

-       نجاح الفرد في إقامة علاقات اجتماعية سوية مع الآخرين ،يتيح له أن يشارك بحرية في أنشطة الجماعة، كما يتطلب منه أن يسخر مهاراته وإمكاناته لصالح الجماعة وهو لن يتراجع ،وإنما سيكون قادرا على التنازل عن بعض الحاجات وفي المقابل سيحظى بقبول الجماعة واحترامها كما أنه سيستفيد من نتائج مهارات وأنشطة الأفراد الآخرين.

-       أن تكون أهداف الفرد متماشية مع أهداف الجماعة ،حيث لا تتعارض مع الهدف الإنساني الكبير وإلا حدث تناقض وتضارب بين أهداف الفرد وأهداف الجماعة ومن هنا ينشئ الصراع والتضارب بين الفرد والجماعة، ومن ثمة اضطراب في عملية التوافق الاجتماعي.

-       شعور الفرد بالمسؤولية الاجتماعية ,أي أن الفرد يجب أن يكون في تعاون وتشارك مستمر مع أفراد الجماعة ليصلوا إلى حل مشكلاتهم الاجتماعية، والتنظيمية التي تخص بناء الجماعة وتسييرها، إضافة إلى أن المسؤولية الاجتماعية تهدف إلى ضرورة احترام الفرد لآراء الآخرين والمحافظة على مشاعرهم. (حسين أحمد حشمت، مصطفى حسن باهي، 2006، ص 57)

 4- طبيعة التوافق النفسي:

4-1- التوافق كحالة:

        سبقت الإشارة في مناقشتنا للتعاريف أنها اختلفت في اعتبار التوافق النفسي عملية أو حالة، ويقصد بالتوافق النفسي: أنه حالة من التوازن والاستقرار والاتساق النفسي والاجتماعي، التي يصل إليها الفرد فمعظم سلوك الفرد، هو محاولات من جانبه لتحقيق حالة التوافق، إما على المستوى الشخصي أو الاجتماعي، وكذلك فإن مظاهر عدم السواء في معظمها، ليست إلا دليلا على سوء التوافق وفشل الفرد في تحقيقه. (كفافي، 2012، ص158)

        ويمكن الاستدلال على حالة التوافق من خلال التوفيق والتوازن الذي يحققه الفرد بينه وبين بيئته، ومدى تميزه بالضبط الذاتي، وتحمل مسؤوليته الشخصية والاجتماعية والتقبل الاجتماعي، والقدرة على تكوين علاقات متوافقة مع الآخرين، والكفاءة في العمل والإنجاز، وتوفير قدر من الرضا والراحة النفسية.

 4-2- التوافق كعملية (Processus):

        وحسب تعريف "محمد السيد الهابط" فالتوافق أكثر شمولية وهو: العملية التي يسعى الفرد عن طريقها إلى التوفيق بين مطالبه وظروفه ومطالب وظروف البيئة المحيطة به".

(السيد الهابط، 1990، ص 29)

        وبناءا على دراسات "لازاروس" فإن التوافق يشمل على نوعين من العمليات التوافقية هما:

-       تلاؤم الفرد مع ظروف معينة.

-       تغيير الظروف البيئية لتناسب وتلاؤم مطالب الفرد.

التوافق بوصفه عملية (Processus):

        الهدف هو فهم التوافق بوصفه عملية في حد ذاتها، ويتصل بهذا الاستخدام الإجابة عن السؤال: كيف يتوافق الأفراد في ظل ظروف مختلفة ومتباينة، وما هي العوامل التي تؤثر في هذا التوافق؟.

4-3- التوافق من حيث هو إنجاز (Achievement):

        ويشير هذا الاستخدام إلى كفاءة التوافق، فينظر إليه بوصفه إنجاز يحققه الفرد، ويتحدد ذلك بأحد الشكلين، إما أن يكون التوافق جيدا وإما أن يكون سيئا. (أحمد عبد الخالق، 1993، ص 55)

5-  مظاهر التوافق النفسي:

5-1- مظاهر التوافق النفسي عند ريتشارد سوينر:

        قسم ريتشارد سوينر مظاهر التوافق النفسي إلى سبع مظاهر أساسية كالآتي:

أ- الفعالية: الشخص المتوافق يصدر عنه سلوك أدائي فعال، محدد الهدف وموجه نحو حل المشاكل والضغوط، عن طريق المواجهة المباشرة لمصدر هذه المشاكل والضغوط.

ب- الكفاءة: إن الشخص المتوافق يستخدم طاقاته بواقعية، مما يمكنه من تحديد المحاولات غير الفعالة والعقبات، التي لا يمكن تخطيها فيجتنبها ليضمن نواتج جهوده دون تبديلها.

ج- الملاءمة: إن الفرد المتوافق غالبا ما يوائم بين أفكاره ومشاعره وسلوكياته، بحيث لا يصدر سلوكا يتناقض مع أساليب تفكيره، لأن إدراكاته تعكس واقعه، وكل استنتاجاته مستخلصة من معلومات مناسبة.

د- المرونة: إن الشخص السوي قادر على التكيف والتعديل، وفي فترات الأزمات والمواقف الضاغطة يستطيع البحث عن الوسائل الفعالة للخروج من هذا النوع من المواقف، بحيث يتميز بحثه هذا بالتجديد والتغيير.

هـ- القدرة على الإفادة من الخبرات: إن الفرد المتوافق يعتبر المواقف التي يمر بها خبرات يستفيد منها في المواقف المستقبلية، فهو لا يجتاز الماضي بألم، بل يدرسه كخبرات وكتراكمات يستفيد منها في المستقبل.

و- الفعالية الاجتماعية: ذلك أن الفرد المتوافق نفسيا أكثر مشاركة في التفاعل الاجتماعي، وتتسم علاقاته الاجتماعية بالصحة، ذلك أنه يبتعد في أسلوبه العلائقي على أنماط التعلق غير الصحية بالآخر، فهو يبعد عن الاتكالية المفرطة، أو النفور والانسحاب.

ز- الإطمئنان إلى الذات: يتسم الشخص المتوافق بتقدير عالي لذاته، وإدراكه لقيمتها كما يتميز بالأمن والاطمئنان إلى الذات. (المطيري، 2009، ص 159-160)

5-2- مظاهر التوافق النفسي عند رالف تندالRalf Tendall:

        قام رالف تندال Ralf Tendalبدراسة في جامعة أوهايو في الولايات المتحدة الأمريكية، حاول من خلالها استخلاص سبعة مظاهر للتوافق لنفسي، واتفق معظم الباحثين على أهميتها وتتمثل هذه المعايير فيما يلي:

أ- امتلاك شخصية متكاملة:

ويتضمن ذلك تآزر حاجات الفرد وسلوكه الهادف، وتفاعلها تفاعلا سهلا ومباشرا.

ب- مسايرة الفرد لمطالب المجتمع:

لا يمكن أن يحقق الفرد توافقه النفسي دون تحقيق توازن مع البيئة الاجتماعية، التي يعيش فيها وينسجم مع الجماعة التي ينتمي إليها، وإلا اتسمت حياته بالصراع والإحباط.

ج- التكيف للظروف الواقعية:

ذلك أن الظروف الواقعية، تستدعي أن يجد الفرد نفسه بين الحين والآخر، أمام صعوبات وعوائق وإحباطات عليه أن يتوافق معها بإيجاد الحلول لها، أو إدارة ضغوطها من اجل تحصيل مكاسب، في السعي نحو أهدافه ومعانيه في الحياة.

د- الإتساق مع النفس:

بمعنى أن يتسم الفرد بالثبات والاتزان الانفعالي، والإنسان آرائه واتجاهاته وسلوكياته وتكوين مفهوم إيجابي نحو نفسه.

هـ- مسايرة الانفعال للمواقف:

ويقصد بذلك أن يتخذ الفرد موقفا انفعاليا مناسبا للظروف التي يتعرض لها.

و- الإسهام في خدمة المجتمع بروح متفائلة وفاعلية متزايدة.

5-3- مظاهر التوافق النفسي الذاتي:

        يقصد بها المؤشرات الذاتية الخاصة بالفرد وفعاليته في الحياة وهي كما يلي:

أ- الإيجابية:

وتساعد الإيجابية والرونة النفسية الفرد، على الوقاية من الآثار الضارة للتوترات والضغوط والمواقف المحيطة والصراعات، التي قد يتعرض لها الفرد مما يؤكد فعاليته في المجتمع.

ب- التفاؤل:

تعد هذه السمة من السمات التي تشير إلى توافق الفرد أو عدم توافقه، والتفاؤل يعني أن يمتلك الفرد توقعات قوية الاحتمال، أن الأمر في النهاية سينتهي إلى خير، بالرغم من الصعوبات والعراقيل والإحباطات، وأهم ما يتميز به الشخص المتفائل قناعة بأن الفشل يعود لأسباب قابلة للتعديل والتغيير، وهذا ما يوفر له ويمكنه من النجاح في المحاولات التالية: "مما يحقق له السعادة؛ ذلك أن الشخصية السوية هي التي تعيش في سعادة دائمة، وخالية من الصراع أو المشاكل والاحباط، أما التشاؤم مظهر من مظاهر انخفاض الصحة النفسية للشخصية. (عزوان، 2012، ص 116)

        إن التفاؤل يمنح للفرد قوة وقدرة متدفقة على إنجاز الأعمال أكثر، مما يحفز دافعيته للانجاز مهما قابلته العوائق، ويحدد سليجمان Seligman التفاؤل من زاوية، كيف يفسر الناس لأنفسهم نجاحهم أو فشلهم، فالمتفائلين يرون أن الفشل يعود إلى شيء يمكن تغييره أو تعديله، مما يمكنهم من النجاح في المرات القادمة، بينما يتناول المتشائمون الفشل على نحو ينسبونه إلى بعض الخصائص الدائمة لديهم، التي لا يستطيعون لها دفعا أو تغيير. (حسين، محمد عبد الهادي، 2007، ص 141)

        إن الفرد المتوافق غالبا ما يكون متفائلا في عمله، وفي فعاليته في الحياة، والتباينات التي تجعله يختلف عن المتشائم، تظهر في كيفية استجابة كل منها في مواجهة خيبة أمل، أو المشكلات التي قد تعترض كل منها، فالمتوافقون يحاولون الاستجابة بنشاط ويعملون على صياغة خطط عمل جديدة بالبحث عن النصيحة والمعونة من الآخرين، من منطلق أن لديهم فكرة فحواها أن النكسات والاحباطات هي عوائق يتعرض لها كل الناس ولكن المهم أن تعالج، عكس الأفراد الذين يعانون من سوء التوافق فهم يستجيبون للإحباطات والنكسات والصدمات.

ج- الثقة بالنفس وبالآخرين:

تعتبر الثقة بالنفس وبالآخرين مظهرا من مظاهر التوافق والتمتع بالصحة النفسية، فالفرد المتوافق لا يشك في كل شيء إلا بالقدر الذي تقتضيه الطبيعة، فالشك المعقول أمر طبيعي، وكذلك الثقة بالآخرين وخصوصا منهم أهل لهذه الثقة مظهرا مهما من مظاهر الصحة النفسية حتى تصبح تواصلا وجدانيا وتفاعلا اجتماعيا دائما. (أحمد محمد صالح، 2000، ص 16)

د- الاتزان الانفعالي:

ونعني به قدرة الفرد على السيطرة على انفعالاته المختلفة والتعبير عنها بحسب ما تقتضيه الظروف، وبشكل يتناسب مع المواقف التي تستدعي هذه الانفعالات، كما أن ثبات الاستجابة الانفعالية في المواقف المتشابهة هو علامة الصحة النفسية، والاستقرار الانفعالي، ذلك أن تباين الانفعالات في هذه الحالة دليل على الاضطراب الانفعالي. (سهير كامل، 1999، ص 22)

هـ- مفهوم الذات:

        تعد هذه السمة من السمات التي تشير إلى توافق الفرد أو عدم توافقه، فإذا كان مفهوم الذات يتطابق مع واقعه كما يدركه الآخرون كان متوافقا، وإذا كان مفهوم لديه متضخما أدى به إلى الغرور والتعالي، مما يفقده التوافق مع الآخرين، كما قد يتسم فرد بمفهوم ذات متدني عن الواقع إدراك الآخرين له، وهنا يتسم سلوكه بالدونية وبتضخيم ذوات الآخرين، ويؤدي به هذا أيضا إلى سوء التوافق. (حسن الداهري، 1999، ص 59)

ويتفق ماسلو، ماكدوجال في تحديد معنى مفهوم وتحقيق الذات كدافع للإنسان لفهم نفسه وفكرته عنها، وعندما يعبر بصدق عن نفسه يستشعر الجدارة وينطلق للعمل بكل طاقاته ويبدع في إنتاجه، ويحقق الكفاءة. (ربوح صالح، 2013، ص 320)

و- القدرة على العمل والإنتاج الملائم:

        ويقصد بذلك قدرة الفرد على الإنتاج المعقول في حدود ذكائه وحيويته واستعداداته الجسمية، إذ كثيرا ما يكون الكسل والخمول دلائل على شخصيات هددتها الصراعات، واستنفذت طاقتها المكبوتة. (أحمد محمد صالح، 2000، ص 15)

ز- القدرة على ضبط الذات وتحمل المسؤولية:

        الشخص السوي هو الذي يستطيع ضبط ذاته، وأن يتحكم فيها وفي انفعالاته تجاه المواقف المختلفة، وأن يتحكم أيضا في حاجاته ورغباته، فيختار من هذه الحاجات تلك التي يستطيع إشباعها، فيؤجل أو يلغي تلك الحاجات التي يرى استحالة تحقيقها، فهو لذلك يستطيع أن يوجه سلوكه الوجهة الصحيحة طبقا لخطة مستقبلية يصفها لنفسه على أساس ما يتوقعه من نجاح. (مصطفى فهمي، 1987، ص 50)

ح- الراحة النفسية:

        من المعروف أن الاكتئاب والقلق والاحباط والصراع او مشاعر الذنب أو الوسواس كله تؤدي إلى سوء التوافق وإلى عدم الراحة النفسية، ولذلك فمن سمات الفرد المتوافق قدرته على الصمود تجاه المواقف والمشكلات التي تؤدي إلى سوء توافقه، ولذلك متى شعرنا بأن الفرد قد حقق لنفسه الراحة النفسية كان ذلك دليلا على تكيفه وتوافقه. (فوزي محمد جبل، 2000، ص 73)

ط- الإحساس بإشباع الحاجات النفسية:

        حتى يتوافق الفرد مع نفسه، مع الآخرين، فإن أحد مؤشرات ذلك أن يحس بأن حاجاته مشبعة، ويتمثل ذلك في إحساسه بالأمن، وبالقدرة على الانجاز، وبالحرية والانتماء، وإذا ما أحس الفرد بعدم الإشباع حتى ولو كان ذلك وهما، فإنه يقترب من سوء التوافق. (محمد الطيب، 1994، ص 33)

ي- العلاقات الاجتماعية:

        من المؤشرات التي تدل على توافق الإنسان هي علاقته الاجتماعية مع الآخرين، وسعيه في مساعدتهم، والعمل من أجل المصلحة العامة، وأن العلاقة بينه وبين الآخرين وثيقة الصلة، يتفاعلوا معهم ويتحمل المسؤولية الاجتماعية ويحقق التعاون البناء، كما أنه يحظى بحب الناس له، وحبه إليهم، لأن الانطواء والانعزال، والبعد عن الناس دلالة قاطعة عن عدم التكيف والتوافق السليم، وهي سمة الإنسان اللاسوي. (فوزي محمد جبل، 2000، ص77)

من خلال ما سبق نفهم أن الفرد السوي يسعى للانخراط والمشاركة الاجتماعية ويتم ذلك بالفعاليات التي يقدمها للجماعة، أي يشارك محيطه الاجتماعي بفعالية وهذا ما سماه "Steven" في كتابه العادات السبع للناس الأكثر فعالية، بالاعتماد وبالتبادل للخبرات بعيد ا عن الاتكالية كمرحلة يصل إليها المرء بعد أسلوب الاستقلالية.

و نواصل فيما يلي الكفاءة في العمل حيث:

ك- الكفاءة في العمل:

        تعتبر قدرة الأفراد على العمل والإنتاج والكفاية فيهما وفق ما تسمح به قدراتهم وتوقعاتهم حول ما يمتلكونه من مهارات، من أهم دلائل الصحة النفسية فالعمل هو صورة طبيعية في الإنسان.

        فالفرد الذي يزاول مهنة أو عملا فنيا تتاح له الفرصة لاستغلال قدراته وتحقيق أهدافه. وهذا ما يؤدي به إلى السعادة والرضا، ولا شك أن الأثر القوي للعمل على التوازن النفسي يرجع إلى العمل له صلة وثيقة بالأهداف التي تكمن وراء السلوك الإنساني، إذ يعتبر في حد ذاته وسيلة للتأثير في البيئة التي يعيش فيها، وعن طريقها يحقق لنفسه مركزا مرموقا في المجتمع المنتمي إليه، ولهذا فغن هناك علاقة بين العمل والسلوك وهناك علاقة واضحة بين الصحة النفسية وما يتركه العمل من آثار، فالفشل والإحباط في العمل يؤدي إلى اضطرابات الاتزان النفسي لدى بعض الأفراد الذين يكونون راضين عن أنفسهم. ومن المعروف أن الاستقرار النفسي وكذا توافق الفرد يؤديان إلى زيادة الإنتاج. (مصطفى فهمي، 1976، ص 40)

        من خلال هذا الأخير نستطيع القول أن نقص الكفاية في العمل هو دليل على ظهور حالات الاضطراب النفسي عند الفرد وبالتالي تعيق قدراته على العمل كما تجدر الإشارة إلى أن الهواجس والصراعات تعيق نشاط الفرد وتعطله ويصبح غير قادر على التوافق مع المجتمع.

بما أن للتوافق النفسي مظاهر كذلك لسوء التوافق النفسي مظاهر و مؤشرات نذكرها كالآتي:

5-4- مظاهر سوء التوافق النفسي:

        لسوء التوافق عدة مظاهر فقد يعيش الفرد أزمة نفسية، وفي كثير من الحالات يعد سوء التوافق بداية المرض النفسي، فاتخاذ أنماط شاذة من السلوك، وعدم الاتزان الانفعالي، والتهيج والتأثر السريع، وغيرها من مظاهر سوء التوافق يكون منبئا لبداية الاضطراب النفسي.

ومن أبرز مظاهر سوء التوافق ما يلي:

-       الشخص غير المتوافق لا يجد طعما للحياة لكثرة ما يعانيه من توترات موصولة وصراعات نفسية غير محسومة، وما تنطوي عليه هذه الصراعات من مشاعر القلق والذنب والنقص السخط والرثاء للذات.

-       الشخص غير المتوافق غير ناضج من الناحية الانفعالية (أناني، غيور).

-       الاستجابة الشاذة للمواقف.

-       سوء الصحة الجسمية، التي أخذت تأثيرها من معاناته النفسية واضطرابه الانفعالي فنجد الشخص سيء التوافق يشكو من الأرق أو فقدان الشهية للطعام، أو خفقان القلب أو ضيق التنفس والإرهاق.

سوء العلاقات الاجتماعية مع الآخرين، كون الشخص سيء التوافق كثيرا ما يرتاب في سلوكيات الآخرين ومقاصدهم. (عن: فطيمة ونوغي، 2014، ص 110)

5-5- سوء التوافق:

        السلوك غير المتوافق هو ذلك السلوك الذي يعجز فيه صاحبه عن تحقيق التناغم والانسجام والتآلف بين ذاته والآخرين، وهو ما يتمخض عنه من عدم الإمكانية والفشل في خفض التوتر وعدم استغلاله لإمكانياته المتاحة، وما يترتب عن ذلك من مشاعر عدم الأمن والرضا والسعادة مع نفسه ومع الآخرين.

        إن الشخصية المتوافقة تكون سوية بقدر ما تنطوي عليه من حرية ومرونة تجاه المتطلبات الغريزية البيولوجية، ومتطلبات العالم الخارجي الاجتماعية والأخلاقية، إلا أن هذه المرونة تفتقدها الشخصية السيئة التوافق غير المتزنة، الأمر الذي يجعل صاحبها يتخبط بصورة عشوائية وغير عقلانية من أجل الوصول إلى غايته التي يفشل في الوصول إليها في نهاية المطاف، وهذا هو ما نسميه بالسلوك الشاذ غير السوي.

(جنان سعيد الرحو، 2005، ص373)

ويشير "سليم أبو عوض" (2008) إلى أن سوء التوافق ينشأ عندما يكون هناك عقبات في وجه الفرد لا يوافق عليها المنطق أو المجتمع أو العادات أو القيم، أي عندما تتعارض حاجات الفرد ورغباته مع الواقع ومع حاجات ورغبات الآخرين، مما يؤدي إلى حدوث صراع نفسي واحباطات وأمراض نفسية. (سليم أبو عوض، 2008، ص 225)

فالإنسان غير المتوافق هو الإنسان الذي لا يبالي في تحقيق أهدافه بغيره أي الوسط الاجتماعي الذي يوجد فيه، ويسعى دائما وراء تحقيق هذه الأهداف (الحاجات والرغبات) بشتى الطرق والوسائل الممكنة فتنشأ صراعات وعقبات تحول دون الوصول الكلي أو الجزئي في تحقيق ذلك، في هذه الحال ينشأ ما يسمى باللاتوافق  أو سوء التوافق ((Jeroni de moragas, 1964, p 192-195 .   

كما يؤكد "فرج طه" بأن سوء التوافق يحدث عندما تتعارض أهداف الفرد مع متطلبات المجتمع، أو عندما يراد تحقيقها بطريقة لا يوافق عليها المجتمع، وعلى هذا فإن كثيرا من جوانب سوء التوافق لا تحقق إشباعا بطريقة كلية أو جزئية، وبالتالي عدم التحقيق المرضي للحاجات.

6- مستويات التوافق:

        تميز الكثير من الآراء والكتابات السيكولوجية بين مستويات مختلفة من التوافق:

6-1- مستوى التوافق الشخصي:

        ويشير هذا المستوى إلى التوازن بين الوظائف المختلفة للشخصية وما يترتب عليه، وأن تقوم الأجهزة النفسية بوظيفتها بدون صراعات شديدة ،وتحقق السعادة وإشباع الدوافع والحاجات ،الداخلية الأولية (الفطرية، العضوية والفيزيولوجية) والحاجات الثانوية المكتسبة ويعبر عن سلم داخلي حيث لا صراع داخلي وهذا ما يحقق الأمن النفسي.

6-2- مستوى التوافق الاجتماعي:

        ويعني أن ينشأ الفرد علاقة منسجمة مع البيئة التي يعيش فيها كما يقول "ولمان" في تعريفه: "إن تحقيق الانسجام الداخلي في الشخصية شرط لتحقيق الانسجام مع البيئة الخارجية، ويتضمن السعادة مع الآخرين والالتزام بأخلاقيات المجتمع ومعاييره الاجتماعية ،وتقبل التغير الاجتماعي والتفاعل الاجتماعي السليم والعمل لخير الجماعة والمشاركة في النشاط الاجتماعي، مما يؤدي إلى تحقيق الصحة النفسية.

(صبري محمد علي، ارف محمد عبد الغني شريت، 2006، ص 125)

6-3- مستوى التوافق المهني:

        ويتضمن التوافق المهني الاختيار المناسب للمهنة والاستعداد علما وتدريبا لها والدخول فيها ،والانجاز والكفاءة والإنتاج والشعور بالرضا، والنجاح والعلاقات الطيبة مع الرؤساء والزملاء والتغلب على المشكلات، والتوافق المهني هو توافق الفرد مع واجبات عمله المحددة ،ويعني أن التوافق المهني أيضا توافق الفرد مع بيئة العمل.(عوض، 2006، ص 54)

        و عليهإذا حاولنا أن نفحص ونحلل مفهوم التوافق النفسي، لوجدناه منتشرا في كل مجالات الحياة التي تحبط بالفرد، بدءا بذاته ومدى توافق هذا الأخير مع حياته الداخلية و وظائفه النفسية والفزيولوجية، كما نستخلص أن التوافق المهني هو قدرة الفرد على الانسجام مع البيئة المهنية بما فيها طبيعة العمل ،والظروف المادية والفيزيقية المحيطة به وكذا رفاق العمل من الزملاء والرؤساء المشرفين.

فيما يلي نعرض كيف يتحقق "التوافق" من و جهة نظر بعض أصحاب الإتجاهات التالية:

7- اتجاهات التوافق:

7-1- الاتجاه النفسي (الفردي):

        يرى أصحاب هذا الاتجاه أن التوافق يمثل إشباعا لحاجات الفرد التي تثيرها دوافعه سواء كانت حاجات عضوية أو اجتماعية ،والتوافق عندهم أيضا هو المرونة في مواجهة الظروف المتغيرة وهي عملية دينامية ومستمرة ما دامت الحياة، والشخص المتوافق هو الشخص الذي يستطيع تغيير دوافعه أو تغيير البيئة أو تغيير الاثنين معا. (دمنهوري رشاد صالح، 1996، ص85)

كما يرى كل من شافر وشوبن Shaffer & Shoben أن الكائن الحي يحاول في البداية إشباع دوافعه بأيسر الطرق فإذا لم يتيسر له ذلك، فإنه يبحث عن أشكال جديدة للاستجابة، إما بإحداث تعديل في البيئة، أو تعديل دوافعه نفسها، وبهذا تكون الحياة عبارة عن عملية توافق مستمرة بالنسبة للكائن الحي. (قريشي عبد الكريم، 1988، ص 67)

 7-2- الاتجاه الاجتماعي:

        إن التوافق حسب انصار هذا الاتجاه لا يتحقق إلا بمسايرة الفرد لمعايير وثقافة المجتمع، وفي هذا المجال يرى الدكتور أحمد عزت راجح (1976) أن التوافق حالة من الانسجام والتواؤم بين الفرد وبيئته التي تبدو في قدرته على إرضاء أغلب حاجاته وتصرفه التصرف المرضي إزاء مطالب البيئة المادية والاجتماعية والثقافية.

        كما يتضمن التوافق قدرة الفرد على تغيير سلوكه وعاداته عندما يواجه موقفا أو مشكلة تغيره تغيرا مما يناسب الظروف الجديدة.

        ويرى كل من "دافيز ولوقست" (Davis & logost) بأن التوافق عملية مستمرة يحاول الفرد من خلالها التحصيل أو المحافظة على انسجامه مع البيئة الخارجية. (أوزايد، 2002، ص 48)

        من العرض السابق يتضح أن الاتجاه الاجتماعي يعاكس الاتجاه النفسي الذي يركز على الفرد الذي يغلب عليه التكوين النفسي، وهذا ما جعل هذا الاتجاه يركز على المجتمع، ويرى أن الشخصية السوية هي التي تساير المجتمع وثقافته ومعاييره، لكنه قلل من قيمة الإنسان التي تقف في وجه تلك المعايير وتغيرها، وعليه فالتوافق هو إشباع لمطالب وحاجات الفرد نفسه، وسنتطرق إلى الاتجاه التكاملي الذي يربط بين الاتجاه النفسي والاجتماعي.

7-3- الاتجاه التكاملي (النفسي الاجتماعي):

        لقد كان للتطرف الذي ابداه كل من أنصار الاتجاهين النفسي والاجتماعي أثر في ظهور اتجاه توافقي بين هذين الاتجاهين المتعارضين، فالتوافق حسب هذا الاتجاه لا يحدث إلا بواسطة التكامل بين حاجات الفرد والظروف البيئية المحيطة به.

        وفي هذا الصدد ترى سمية فهمي: أن التوافق يتضمن تفاعلا مستمرا بين الشخص وبيئته، فالشخص له حاجات وللبيئة مطالب، وكل منهما يفرض مطالبه على الآخر، ويتم التوافق أحيانا عندما يرضخ الشخص ويتقبل الظروف البيئية التي لا يقوى على تغييرها، ويتحقق التوافق أحيانا أخرى عندما يعبئ الشخص إمكانياته البناءة فيعدل الظروف البيئية التي تقف في سبيل تحقيق أهدافه، وفي أغلب الأحيان يكون التوافق حلا وسطا بين هذين الطرفين، وينشأ سوء التوافق عندما يفشل الشخص في تحقيق مثل هذا الحل الوسط فتسوء صحته النفسية، فالصحة النفسية إذن هي قدرة الشخص على التوفيق بين رغباته وأهدافه من جهة، وبين الحقائق المادية والاجتماعية التي يعيش في وسطها من جهة أخرى. (قريشي عبد الكريم، 1988، ص 70)

8- خصائص التوافق:

        قام العلماء بتحديد مجموعة من الخصائص المشتركة للتوافق التي تنطبق بشكل خاص على التوافق النفسي والاجتماعي وهي:

8-1- التوافق عملية دينامكية:

        ويعني ذلك أن عملية التوافق تمر بعدة مراحل يتحقق خلالها للفرد إشباع حاجاته النفسية والاجتماعية كما تعني أنه لا يتم مرة واحدة وبصفة نهائية لأن الحياة سلسلة من الحاجات والدوافع والرغبات التي تتطلب إشباعها وغيرها من التوترات التي تهدد اتزان الفرد، وبالتالي محاولة لإزالة هذه التوترات واستعادة الاتزان من جديد.

8-2- التوافق عملية وراثية ومكتسبة:

        حيث يتعلم الفرد عبر التنشئة والاجتماعية من خلال التفاعل الاجتماعي القدرة على كيفية مواجهة التوترات وتحقيق الانسجام والتواؤم بين عناصر البيئة المختلفة وبين دوافعه وحاجاته. (دبيس، 2010، ص 29)

        وقد تؤثر العوامل الوراثية على عملية التوافق كوراثة النقص العقلي أو الحساسية الانفعالية والتي تجعل الفرد قاصرا على التكيف وتعوقه على ممارسة حياته والاختلاط بالناس. (جبل فوزي، 2000، ص 78)

8-3- التوافق عملية فردية:

        حيث تختلف استجابات الأفراد التوافقة مع مجتمعاتهم وتبرز الفروق الفردية لاختلاف الأجهزة العصبية واختلاف مستويات النمو الاجتماعي ومستويات الإدراك الحسي والعقلي للمثيرات التي يتعرض لها الأفراد. (دبيس، 2010، ص 29)

8-4- التوافق عملية كلية:

        أي أن التوافق خاصية لا تقتصر على السلوك الخارجي للفرد فهي تأخذ في الاعتبار تجاربه الشعورية وما يستشعره من رضا اتجاه ذاته وأفعاله.

8-5- التوافق عملية تطورية ارتقائية:

        وهذا يعني أن عملية التوافق تنمو وترتقي بنمو حاجات الفرد ودوافعه أي أنها عملية مرتبطة بمراحل نموه المختلفة وخصائصها ومتطلباتها حيث ترتقي من الدوافع والحاجات البسيطة إلى الأكثر تعقيدا.

8-6- التوافق عملية وظيفية:

        أي أن عملية التوافق سواء كان سويا أو مرضيا يقوم بوظيفة إعادة الاتزان وتخفيف التوتر الناشئ عن الصراع بين الذات والموضوع وهو لا يتوقف على خفض التوترات فقط بل يشمل مجال الصحة النفسية للإنسان.

8-7- التوافق عملية اقتصادية:

        أي أن التوافق عملية اقتصاد من طاقة الإنسان والتي تتأثر بالظروف البيئية والظروف المادية وكل ما يحيط بالإنسان.

8-8- التوافق عملية نسبية:

        وذلك لأنه ليس هناك توافق عام فالتوافق التام يؤدي إلى الجمود وهو ما يمثل الموت فالتوافق إذن مسألة نسبية معيارية زمانا ومكانا وظروفا. (فحجان سامي، 2010، ص 15-16)

8-9- التوافق عملية مستمرة:

        تبدأ عملية التوافق منذ بداية حياة الفرد أي منذ ولادته وتستمر باستمرارها حيث لا تتوقف عملية التوافق عند إشباع الدوافع والحاجات المختلفة إلا بتوقف حياة الفرد أي بموته. (السنبل، 2005، ص9)

8-10- التوافق عملية تدل على الصحة النفسية:

        تتوقف درجة تمتع الإنسان بالصحة النفسية الجيدة على مدى قدرته على تحقيق التوافق في المجالات المختلفة من حياته. (جبل فوزي، 2000، ص 79)

 9- أهمية التوافق:

        ذكرنا فيما سبق أن التوافق مفهوم واسع الاستعمال لدى المختصين السيكولوجيين، وما جعله مركز اهتمام الباحثين هو الأهمية التي يكتسيها في مختلف المجالات وفيما يلي نستعرض أهم المجالات التي تبين لنا أهمية هذا المفهوم.

أ- أهمية التوافق في مجال التربية:

        إن التوافق الجيد يعتبر مؤشرا إيجابيا عن مستوى التحصيل إذ يخلق دافعا قويا لتحقيق أعلى درجات التحصيل الدراسي من ناحية، ويولد لديهم رغبة في الدراسة ويساعدهم على إقامة علاقات متناغمة مع زملائهم ومعلميهم من ناحية أخرى.

        فالتلاميذ سيؤوا التوافق يعانون من التوتر النفسي، ويعبرون عن هذه التوترات النفسية بطرق عدة، كاستجابات التردد أو القلق أو أنهم يسلكون مسالك العنف في اللعب والأنانية والتمركز على الذات وفقدان الثقة بالنفس. (عبد الحميد شاذلي، 2001، ص58)

ب- أهمية التوافق في ميدان الصناعة:

        إن التوافق الجيد للعمال أمر ضروري لزيادة الإنتاج كما يمكن للقليل من العلاقات الإيجابية ومشاعر الحب والود مع الزملاء والرؤساء والمشرفين الرفع من كمية ونوعية الإنتاج داخل المؤسسة.

ج- أهمية التوافق في ميدان الصحة النفسية:

        إن سوء التوافق يمثل واحدا من الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى الاضطرابات النفسية بأشكالها المختلفة ومن هنا دراسة الشخصية قبل المرض ومدى توافق الفرد مع أسرته وزملائه تمثل نقطة هامة من نقاط الفحص النفسي والطبي وللوصول إلى تشخيص الحالة المرضية وبالتالي تتوقع الأشخاص سيئي التوافق أكثر من غيرهم عرضة للتوتر والقلق والاضطراب النفسي. (قبش حكيم، 2009، ص72)

10- النظريات المفسرة لعملية التوافق النفسي:

        يكمن الاختلاف في تحديد مفهوم التوافق باختلاف وجهات النظر حسب الاتجاه النفسي لكل مدرسة، فيما يلي تحاول الباحثة عرض مختصر لأهم وجهات النظر المفسرة للتوافق كما يلي:

 10-1- النظرية البيولوجية:

        تؤكد هذه النظرية على أن الأمراض النفسية هي نتاج لإصابات دماغية وأمراض عضوية، ويهتم المنشغلون بالطب النفسي بالجوانب المرضية المرتبطة بالاضطراب النفسي من الناحية الفيسيولوجية على أساس أنها اضطرابات وظيفية ناجمة عن اضطراب التنظيم الهرموني أو الكيميائي لدى الفرد مع إسهام العوامل الوجدانية والبيئية، وإذا تعين الخلل وعولج انتظمت الصحة النفسية، ويهتم أصحاب هذا الاتجاه باستخدام الأدوية والتدخل الجراحي لإزالة الأعراض بغض النظر عن ديناميكية الصراعات النفسية باعتبارها ذات طبيعة كيفية. (يوسف، 2001، ص87)

        نستخلص في ضوء هذه النظرية (البيولوجية) أن عملية التوافق تعتمد على سلامة وظائف الجسم المختلفة، بمعنى انسجام وظائف الجسم أما حدوث أي خلل على مستوى الهرمونات و وظيفة من وظائف الجسم يؤدي إلى حدوث مشكلات على مستوى التوافق ويحدث سوء التوافق.

10-2- نظرية التحليل النفسي: Psycho-analyse theory

        يرى رواد هذه النظرية وعلى رأسهم "سيجموند فرويد "أن عملية التوافق لدى الفرد غالبا ما تكون لا شعورية بحكم أن الأفراد لا يعون الأسباب الحقيقية لكثير من سلوكاتهم فالشخص المتوافق هو الشخص الذي باستطاعته اتباع المتطلبات الضرورية بوسائل مقبولة اجتماعيا. (عبد الحميد محمد الشاذلي، 2001، ص 70)

        كما يشير فرويد أن السمات الأساسية للشخصية المتوافقة والمتمتعة بالصحة النفسية تتمثل في قوة الأنا، القدرة على العمل، القدرة على الحب.

        أما يونغ (Yong) فيعتقد أن مفتاح التوافق والصحة النفسية يكمن في استمرار النمو الشخصي دون توقف، كما أشار أن التوافق السوي يتطلب الموازنة بين ميولنا الإنطوائية والانبساطية ويتطلب هذا ضرورة التكامل بين العمليات الأساسية في تغيير الحياة والعالم الخارجي، هي الإحساس، الإدراك، التفكير...).

        أما فروم "Fromm" فيعتقد أن الشخصية لديها القدرة على التحمل والثقة.

        أما إريك سون (Erikson) يعتقد أن الشخص المتوافق لابد أن يتسم بالثقة والإحساس الواضح بالهوية والقدرة على الألفة والحب، الشعور بالاستقلالية، التوجه نحو الهدف والتنافس والقدرة على ملائمة الظروف المتغيرة دليل على النضج وسهولة التوافق. (نبيل سفيان، 2004، ص 166)

        من خلال عرض آراء رواد النظرية التحليلية نجد أن: فرويد يرى أن التوافق عملية لا شعورية تحدث للفرد دون إن يدرك ذلك، أما بالنسبة للباحث "يونج" فقد أهتم بنمو الشخصية، وبأهمية معرفة الذات والموازنة بين الميولات الإنطوائية والانبساطية لتحقيق التوافق والتمتع بالصحة النفسية؛ أما "إريك سون" فقد أشار إلى الشخصية المتوافقة والمتسمة بالثقة والتوجه نحو الهدف والقدرة على الألفة والحب.

10-3- النظرية السلوكية:

        أكد رواد هذه النظرية إلى أن التوافق عملية مكتسبة ومتعلمة عن طريق الخبرات التي يمر بها الفرد، والسلوك التوافقي يشتمل على خبرات تشير إلى كيفية الاستجابة لتحديات الحياة والتي يتم مقابلتها بالتعزيز أو التدعيم.

        وأن عملية التوافق الشخصي لا يمكن لها أن تنمو عن طريق الجهد الشعوري عن طريق تلميحات البيئة وإثباتها ويتم ذلك بطريقة آلية وهذا الاعتقاد حسب كل من "سكينر" و"واطسون" وهذا التفسير الكلاسيكي رفضه كل من "باندور Bandura" وماهوني "Mahoney". (مدحت عبد الحميد عبد اللطيف، 1990، ص 88)

        وأكد بان السلوك وسمات الشخصية نتاج للتفاعل المتبادل بين ثلاثة عوامل هي المثيرات وخاصة الاجتماعية منها (النماذج) والسلوك الإنساني، والعمليات العقلية والشخصية، كما أعطى وزنا كبيرا للتعلم عن طريق التقليد ولمشاعر الكفاية الذاتية وما لها من تأثير مباشر في تكوين السمات التوافقية أو غير التوافقية. (عبير بنت محمد، 2005، ص38)

وعلى هذا النحو يكون ألبرت باندورا((Bandura  قد جمع بين عدة عوامل منها(البيولوجية والبيئية والمعرفية) واعتبر أن قدرا من سلوكياتنا يتم اكتسابه عن طريق التعلم بالملاحظة والاقتداء، وبالتالي دلل على أن أنماط التوافق وسوء التوافق مسألة متعلمة و مكتسبة من خلال ما يعايشه الفرد من خبرات تؤدي به الى الصحة النفسية أو المرض.

        و أوضح كل من "يولمان Ulman" و "كراسنر L.Krasnar" أنع عندما يجد الأفراد أن علاقاتهم مع الآخرين غير مثابة، فإنهم ينسلخون عن الآخرين، فيؤدي إلى ظهور السلوك الشاذ أو غير المتوافق. (مدحت عبد الحميد عبد اللطيف، 1990، ص 86)

        وفي ضوء هذا يحدد "Philips"التوافق بكونه قدرة الفرد على أن يستجيب لفعاليته اتجاه المشكلات الاجتماعية التي تواجهه تبعا لسنه وجنسه.

        كما يحدد "Phy.Reshly" أن التوافق يتحدد بدرجة الفعالية التي يقابل بها الفرد مستويات الاستقلال الشخصي والاستجابة الإجتماعية المتوقعة ممن في مثل عمره وجماعته الثقافية. (الضبع نادية، 2005، ص 81)

10-4- النظرية الإنسانية:

        ينظر رواد هذا الاتجاه إلى الإنسان ككائن فعال يستطيع حل مشكلاته وتحقيق توازنه وأنه ليس عبدا للحتميات البيولوجية كالجنس والعدوان حسب "فرويد" أو المثيرات الخارجية كما يرى السلوكيون أمثال "سكينر" و "واطسون"، وأن التوافق يعني كمال الفعالية وتحقيق الذات وأن سوء التوافق ينتج عن تكوين الفرد لحكم مفهوم سالب عن ذاته. (عبير بنت محمد حسن، 2005، ص 38)

        حيث ظهر هذا الاتجاه الإنساني كرد فعل للنظريتين الأساسيتين في علم النفس "التحليلية-السلوكية" حيث يقوم هذا الاتجاه على رفض المسلمات التي تقوم عليها هاتين النظريتين. (صلاح أحمد الجماعي، 2007، ص 102)

        ومن أنصار هذا الاتجاه "كارل روجرز Carl rogers" و "إبراهام ماسلو Abrahammalow" حيث ارتبط مفهوم الذات عند "روجرز" بمفهوم التوافق السليم وحدوث أي خلل في مفهوم الذات يعد إشارة لسوء التوافق لدى الإنسان. (حامد عبد السلام زهران، 1995، ص 88)

        كما يرى أن معايير التوافق تكمن في الإحساس بالحرية، الانفتاح على الخبرة والثقة بالمشاعر الذاتية. (نعيمة الشماع، 1987، ص 50)

        ولقد حدد ذات الإنسان في أنها المحرك الأساسي للسلوك لأنها تعتبر حجر الزاوية في بناء شخصية الفرد والتي تتكون من:

‌أ-     الذات الواقعية: وهي مجموعة القدرات التي تحدد الصورة الحقيقية للفرد.

‌ب-الذات الاجتماعية: وهي مجموعات مدركات وتصورات يحملها الفرد من خلال تعامله مع المجتمع.

‌ج-  الذات المثالية: هي مجموعة أهداف وتصورات مستقبلية يسعى الفرد للوصول إليها.

فإذا اتفقت الذات الواقعية للفرد مع الذات الاجتماعية والذات المثالية فإنه يشعر بتوافق مع نفسه ومع المحيط الذي يعيش فيه، أما إذا تنافر بين الذوات الثلاث فإن سوء التوافق وعدم الاتزان هو الذي يسود حياته. (أحمد الجماعي، 2007، ص103)

أما "ماسلو Maslow" فيرى أن أصحاب الشخصية السوية، هو الشخص الذي يحقق ذاته، وتحقيق الذات يعني تحقيق القوى الكامنة الفطرية عند الشخص الذي يستطيع أن يحقق ذاته. وعليه قام "ماسلو Maslow" بوضع عدة معايير للتوافق تتلخص في الآتي: الإدراك الفعال للواقع، قبول الذات، التلقائية، التمركز حول المشكلات المهمة، الاهتمام الاجتماعي القوي والعلاقات الاجتماعية السوية، الشعور باللاعداوة تجاه الإنسان.(كفافي، 1997، ص35)

كما يؤكد "بيرلز F-Perls" على أهمية الوعي بالذات وتقبلها والوعي بالعالم المحيط وتقبله، ومنه فالشخص المتوافق هو من يتقبل المسؤوليات ويتحملها على عاتقه دون القذف بها إلى الآخرين. (عن ربوح، 2013،ص123).

10-5- النظرية الاجتماعية:

من روادها نجد [دنهام-ردليك-فريز-هولنجترهيد] ومنطلق هذه النظرية هو أن الفرد السوي هو المتوافق مع المجتمع أي من استطاع أن يجاري قيم المجتمع وقوانينه، ويرى مؤيدها "Denham" أن هناك علاقة بين الثقافة وأنماط التوافق وأن الطبقات الاجتماعية في المجتمع تؤثر في التوافق حيث صاغ أرباب الطبقات الاجتماعية الدنيا مشاكلهم بطابع فيزيقي كما أظهروا ميلا قليلا لعلاج المعيقات النفسية، في حين قام ذووا الطبقات الاجتماعية العليا والراقية بصياغة مشاكلهم بطابع نفسي، وأظهر ميلا أقل لمعالجة المعيقات الفيزيقية. (مدحت عبد اللطيف، 1990، ص 93)

ونخلص إلى أن كل المحاولات التي بذلت من أجل التنظير لتفسير التوافق ومدى قدرة الفرد على تحقيقه باعتبار الإنسان محصلة تفاعل بين العديد من القوى، والذي يتشكل بمجموعة من العوامل المرتبطة بالجهاز النفسي والذات حسب المنظور التحليلي، كما يمكن أن يتشكل عن طريق المحاكاة والتقليد لدى السلوكيون، في حين يرتبط التوافق بمدى تقبل الفرد لذاته حسب المنظور الإنساني.

وبالتالي فإنه من الضروري معرفة هذه العوامل كمؤدية إليه والاهتمام بوجهات النظر المختلفة للحصول على مفهوم متجانس يسمح لنا تفسيره من مختلف الزوايا في حالة سوءه أو سوائه.

فيما يلي الشكل الموالي يوضح نظريات التوافق.

 شكل رقم ( 09): يبين نظريات التوافق

 -11دورة الحياة النفسية للتوافق: تمضي حياة الإنسان في سلسلة من العمليات التوافقية بعضها يتحقق فيها أهداف الفرد بسهولة والبعض الآخر توافقات صعبة تواجهه فيها العقبات.

أ‌-      التوافق السهل: يختلف التوافق من موقف إلى آخر بحسب خبرة الفرد السابقة بالموقف والهدف المطلوب لتحقيقه، ففي المواقف البسيطة يتوافق بسهولة ويصل إلى أهدافه بجهد قليل وباستجابات تعود عليها وألف أدائها، ويمكن أن نوضح دورة الحياة النفسية في التوافق السهل تبعا للشكل الآتي:

 
  

 شكل رقم ( 10): يمثل رسم توضيحي للتوافق السهل (عطا الله فؤاد الخالدي، 2009، ص 15)

نلاحظ من خلال الشكل السابق عملية التوافق ضمن هذه الدورة تبدو أمراً سهلا، إذ يقوم بها الفرد بدون مشقة، حيث يوجد مثير يستثير دافع فتتولد حالة من التوتر وعدم الراحة تدفع الفرد للقيام بسلوك ما تجاه الهدف، مما يؤدي إلى تحقيق الهدف، فتتولد حالة من الإشباع وبالتالي التوازن، فالفرد في دورة الحياة النفسية في التوافق السهل يصل إلى أهدافه بجهد قليل واستجابات تعود عليها معتمدا على خبراته السابقة.

ب- التوافق الصعب:

نلاحظ أن عملية التوافق ضمن هذه الدورة تتطلب من الفرد الكثير من الجهد والمشقة، ففي كثير من الأحيان تعترض الفرد عوائق يصعب معها الوصول إلى حالة التوافق والاتزان، وقد يستخدم مجموعة من الأساليب التوافقية كخطوات يمر بها الفرد أثناء مروره بالتوافق الصعب تدرجها فيما يلي:

-       زيادة الجهد.

-       تعديل الهدف.

-       تبديل الهدف.

-       تأجيل تحقيق الهدف.

-       التخلي عن الهدف نهائيا.

-       الشعور بالفشل واللجوء إلى الحيل الدفاعية. (صبري محمد علي، أشرف محمد عبد الغني شريت، 2006، ص 113)

يمكن أن نوضح دورة الحياة النفسية في التوافق الصعب تبعا للشكل الموالي:

  الشكل رقم ( 11) : يمثل رسم توضيحي للتوافق الصعب

نلاحظ من الشكل السابق أن عملية التوافق ضمن هذه الدورة تبدو أمرا صعبا، إذ يقوم بها الكائن الحي بمشقة، حيث يوجد مثير يستثير دافع فتولد حالة من التوتر وعدم الراحة ويكون هناك عائق داخلي أو خارجي يقف حائلا دون القيام بسلوك نحو الهدف، وبعد التغلب على هذا العائق يقوم الكائن الحي بسلوك ما تجاه الهدف فتتولد حالة من الإشباع ويحدث التوازن.

12- معايير تحديد حسن أو سوء التوافق:

1- المعيار الإحصائي:

فمنحى التوزيع الاعتدالي يرشدنا إلى تحديد السواء والشذوذ في توزيع السمات والخصائص النفسية، حيث يتجمع معظم الأشخاص في التوزيع الاعتدالي عند منتصف المنحنى ويفترض أن هؤلاء هم الأسوياء، وأن الحالات القليلة المتطرفة هم الشاذون، ويفترض المعنى الإحصائي للتوافق أن المدى السوي يضم حوالي ثلثي المجتمع الأصلي.

2- المعيار الحضاري:

يعتبر هذا المعيار أن سلوك الفرد يقترب من السواء أو الشذوذ طبقا لاقترابه أو الابتعاد عن السائد في الوسط الاجتماعي الحضاري المنتمي إليه، فالمجتمع بقسوة معاييره الثابتة لا يرحم أي انحراف إلا بالقدر الذي يؤكد الفردية في التعبير.

3- المعيار الباثولوجي:

يفترض هذا المعيار أن الشخص الذي يمتلك شخصية سوية متوافقة هو شخص بلا أعراض، إلا أن واقع الحال أنه نادر ما يوجد مثل هذا الشخص، ولاسيما في ظل الظروف الضاغطة التي تميز حياتنا المعاصرة.

4- المعيار المثالي:

يتميز هذا المعيار بوجود اتفاق كبير في تحديد الجوانب المثالية في السمات والخصائص الشخصية، فارتفاع الذكاء سمة مثالية، وكذلك اكتمال الصحة وارتفاع مستوى الجمال وقول الصدق والاتزان الانفعالي، إلا أن وجهة النظر المثالية هذه متزمتة في تحديد السواء إلى درجة أننا لو أخذنا بها لاعتبر كل أفراد المجتمع غير أسوياء.

 5- المعيار الطبيعي:

تبعا لهذا المعيار يتحدد السواء في كل ما يعتبر طبيعيا من الناحية الاجتماعية أو الفيزيقية، وبالتالي تعتبر الجنسية الغيرية سوية مثلا، بينما ينظر إلى الجنسية المثلية على أنها شاذة. (غزوان ناصيف، 2012، ص70)

13-عوامل دينامية في عملية التوافق:

1- عوامل مؤثرة في الشخصية المتوافقة:

أ- إشباع الحاجات الأولية:

إذا لم تشبع حاجات الفرد العضوية أو النفسية فإنها تخلق نوعا من التوتر، وقد يلجأ إلى وسيلة تشبع الفرد وتختل عملية التوافق.

ب- توافر المهارات لدى الفرد لإشباع تلك الحاجات:

ولا شك أن هذه المهارات هي عادات تتكون في المراحل المبكرة من حياة الفرد، ولذا فإننا نجد التوافق عادة هو محصلة لتجارب الفرد وخبراته.

ج- معرفة الفرد لنفسه:

ويتضمن معرفته لإمكاناته وحدوده التي يستطيع بها إشباع رغباته بشكل واقعي ممكن التحقق.

د- تقبل الفرد لنفسه:

ويشير ذلك إلى وجود فكرة حسنة لدى الفرد عن نفسه، فالفرد الذي لا يتقبل نفسه سوف يتعرض لإحباطات كثيرة ويؤثر ذلك على توافقه ويدفعه إلى الإنطواء والعدوان، وبالتالي تكون الحاجة إلى اعتبار الذات دافعا إلى صون الذات والدفاع عنها حيال كل ما ينقص من شأنها في نظر الغير وفي نظر الفرد وذلك بإخفاء عيوبه ونواحي نقصه عن الغير وعن ذاته نفسها.

هـ- المرونة:

أي تقبل الفرد أي تغيير في حياته، فبقدر ما يفقد الفرد من مرونته يختل توافقه وتسوء علاقته بالآخرين. (غزوان، ص71)

2- عوامل مؤثرة في الشخصية غير المتوافقة:

أ- الإحباط:

وهي حالة يشعر بها الفرد نتيجة عدم إشباع حاجاته القائمة أو المحتملة، سواء أكانت داخلية أو خارجية، ومن أمثلة هذه العوائق العيوب الشخصية كنقص الذكاء والتوجسات والتوقعات أو قيام الكوارث وانتشار الأوبئة.

ب- الصراع:

ينشأ الصراع النفسي نتيجة تعارض دافعين لا يمكن إرضاؤهما في وقت واحد ليساويهما في القوة مثل التضاد بين رغبة الفرد في إرضاء دوافعه ورغبته في ارضاء الآخرين.

يمكن القول أن الاحباط والصراع وجهان لعملة واحدة فالصلة بينهما وثيقة، إذ أن مواقف الصراع النفسي تقوم عادة على تعارض دافعين لا بد وأن يحيط أحدهما.

ج- الضغوط:

غالبا ما يجد الفرد نفسه أمام مصدرين للضغوط أحدهما داخلي: ويتمثل في المستويات الخلقية غير الواقعية التي يؤمن بها.

أما الثاني: فيتمثل في ضغط الظروف الأسرية مثلا ويكون لكل ذلك قدرة على تعطيل وتعقيد مساعي الفرد نحو تحقيق توافقه. (غزوان، ص 72).

 خلاصة الفصل:

نستخلص مما سبق ذكره أن موضوع التوافق النفسي من المواضيع الهامة ،كمفهوم مركزي في علم النفس و محل إهتمام الكثير من الباحثين في هذا المجال، باعتباره عنصرا هاما و مؤثرا على البنية النفسية للفرد وكنتيجة لتفاعل سمات الشخصية التي بدورها تؤدي إلى حفظ التوازن النفسي أو ظهور المشكلات النفسية (سوء التوافق النفسي).

و بحكم أن التوافق عملية تتأثر بالظروف البيئية والظروف المادية وكل ما يحيط بالإنسان.

فإن معظم سلوك الفرد عبارة عن محاولات متكررة يسلكها لتحقيق توافقه الذاتي ( الشخصي)، و ذلك من

خلال التفاعل مع الآخر ، من أجل الانسجام وتحقيق الاستقرار مع نفسه أولا ومع الآخر ثانيا وتحقيق أهدافه ويظهر ذلك  في مدى رضا الفرد عن ذاته (التوافق مع الذات)، و تقبل الآخر( التوافق الانفعالي في القابلية للإستثارة أي ضبط النفس ، التعاون ...)، والخلو من الحزن والفشل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أرسلها إلى صديق