• email contact@educapsy.com
  • Telephone +(213) 0555555555

المشاكل النفسية

مدخـل إلى علـم الإجـرام (مقتبس)

 علـم الإجـرام (مقتبس)

مقدمة

    يحتاج الطالب في علم الإجرام إلى الإطلاع على هذا العلم لأهميته في حياته المهنية والعملية. ولعل أول اللذين يهمهم الأمر هنا هم طلبة الحقوق وطلبة علم النفس، (التخصص العيادي )وطلبة علم الاجتماع، وطلبة الطب (تخصص الطب الشرعي)، وطلبة الشرطة الجنائية، والمراكز العلمية المتخصصة، وأخيرا وليس آخرا طلبة علم الإجرام الذي بدأت فروعه تفتح كتخصصات منفصلة عن بقية المعارف العلمية الأخرى في معظم الجامعات العربية .

   ونظرا لحداثة علم الإجرام في العالم العربي بالخصوص، فإنه يحتاج إلى مراجع علمية وبحوث متخصصة تضاف إلى تراثه الذي تشترك فيه معظم العلوم الإنسانية والاجتماعية.

    ذلك أنه علم يقع على حدود معظم العلوم التي تدرس الإنسان وبذاك يمكن أن نطلق عليه "علم حدودي" يأخذ من هذه العلوم المختلفة وتأخذ منه. فهو يأخذ من علم القانون باعتبار السلوك الإجرامي سلوك تضبطه قواعد القانون الجنائي، والإجراءات الجزائية. ويأخذ من علم الاجتماع باعتبار أن السلوك الإجرامي يأخذ معناه من الجماعة التي يتم فيها. ويأخذ من علم النفس باعتبار السلوك الإجرامي سلوك يمتاز بالخصوصية والفردية والذاتية (الفروق الفردية). وبالتالي فهو معبر عن شخصية الفرد وخصوصيتها. كما يأخذ من علم البيولوجية والدراسات الميكروبيولوجية عن طريق تحليل "أ.د.ن A .D .N"، والبصمات...الخ. وكما يستعين بالطب العقلي، ذلك أن الإنسان يسير سلوكه ما يطلق عليه مفهوم العقل وهذا قد يضطرب مما ينعكس أثره على سلوك الفرد. الشيء الذي يجعله قد يقترف الجريمة....

   وسنعرض محتوى هذا الكتاب على النحو التالي:

الفصل الأول:  - تطور وعلاقة علم الإجرام بالعلوم الأخرى

مصادر علم الإجرام                         

               تطور وعلاقة علم الإجرام بالعلوم الأخرى

      1ـ تطور علم الإجرام:  

ظهرت الجريمة بظهور الإنسان وهي مازالت مستمرة معه، بل هي صفة من صفاته

ظلت ملتسقة به منذ أول جريمة وقعت في تاريخ البشرية والتي أشارت إليها كل الأديان

 السماوية ( قابيل وهابيل أبناء آدم عليه السلام). وظل معها كذلك التفكير في كيفية تفسيرها وكيفية ردعها وما هي الوسائل للقضاء عليها، أو التقليل منها على الأقل.

      1-1- التفكير البدائي في الجريمة:

    أن بداية التفكير في الجريمة ظهر على شكل تفسير ميتافيزيقي غيبي. حيث بدأ الإنسان ينظر إلى وقائع الجريمة على أساس "تأثير قوى سحرية غيبية. أو أرواح شريرة غيبية تسيطر على الفرد على نحو ما وتجعله يسلك السلوك الإجرامي". (سعد المغربي، السيد الليثي، 1967). وهذه بداية كل المعارف البشرية، التي نطلق عليها حاليا علوم.

   عرف هذا التفسير لدى كل المجتمعات البشرية في مختلف المراحل التاريخية التي مرت بها. وهو ما أصبح بعد ذلك " بمثابة المادة الأساسية للنظريات المفسرة للجريمة.

حيث شارك في ذلك رجال الدين والفلاسفة ورجالات الإصلاح الاجتماعي..." (محمد عارف، 1981).

   يرى " علي عبد السلام 2000" أن المجتمعات البدائية عرفت صور التحريم وأن التحريم في نظرهم التصق بالدين، وأن الدين كان أول مصدر من مصادر التحريم باعتباره قواعد لها صفات غيبية تعمل على تنظيم صلة الإنسان بمن يعبد، وصلة الإنسان بالإنسان".

   ظلت فكرة التحريم ملتصقة بالدين التصاقا وثيقا. إلى أن جاءت الأديان السماوية لتنظيم العلاقات الاجتماعية بين الأفراد في المجتمع ونادت بفكرة الثواب والعقاب أو القصاص، والتأكيد على كثير من المحرمات وتحديدها.

   كما التصقت فكرة التحريم بالأخلاق، ويعتبر التحريم خلقيا إذا استند إلى قاعدة خلقية تصف الأفعال والنوايا بأنها خير أو شر. فالأخلاق عبارة عن قواعد مقبولة من المجتمع ومعترف بها وأساسها التفريق بين الخير والشر، وهي قواعد تأمر وتحث، وتستلزم بذل الجهد في قهر النفس، كما تعكس من جهة أخرى الخوف من غضب الجماعة واستنكارها. بتصرف عن (على عبد السلام، 2000).

   ارتبط بما سبق فكرة أخرى مهمة في علم الجريمة الآ وهي فكرة العقاب. وهي فكرة أيضا قديمة بقدم الجريمة وبداية وجود الإنسان. وهي مرتبطة بنشوء أبسط المجتمعات. فقد استعمله الأفراد والدولة كرد فعل عن الجريمة وتعتبر فكرة " الدية" أول عقاب منظم بالمعنى الصحيح في داخل المجتمعات البدائية. وتطور الدية كان له أثر كبير في إقرار حق العقاب.

    ظهرت أشكال مختلفة من الجرائم نتج عنها أشكال مختلفة من "العقاب أو الجزاء " في المجتمعات البدائية لخصها "سذرلاند Sutherland" في ثلاث أشكال وهي:

ـ جرائم الاعتداء على القبيلة ومقدساتها كالخيانة والسحر وانتهاك حرمة الأشياء المقدسة والتسميم، وهي أول جرائم البشرية. يقابلها العقاب عن طريق التخلص من المجرم بقتله أو نفيه، أو إبعاده عن المجتمع باعتباره عدو له.

ـ جرائم الاعتداء على حقوق الأفراد( قبائل أو عشائر أخرى): كالقتل أو السرقة...الخ يقابلها عقاب الأخذ بالثأر.

ـ جرائم الاعتداء على فرد من نفس الأسرة: يقابلها أسلوب التعزير Ridicule .

   من المفكرين الأوائل الذين حاولوا تفسير الجريمة ضمن الفكر البدائي هم:

   1ـ " سقراط " حيث ربط بين السلوك المنحرف والفضيلة والرذيلة، وربط بينهما وبين الجهل والعلم. فالفرد في رأيه يسلك طريق الشر عن جهل، ولا عن قصد وتعمد. ولو عرف طرق الفضيلة لما اقترف جريمة. وهو يرى أن الجهل هو أساس الرذيلة، وأساس السلوك الإجرامي.

   2ـ "أفلاطون "  يذهب إلى أن سبب الجريمة لا يرجع إلى سبب طبيعي في الإنسان، ولكنه يرجع إلى شيطان يحمله الإنسان معه، يوحي له بالمشروعات والخطط الإجرامية.

يفرق أفلاطون بين نوعين من المجرمين، مجرم يقوم بعمله بشكل إرادي أو طوعي، وآخر يقوم بعمله بشكل لاإرادي.

   يتفق هؤلاء الفلاسفة في تقسيم المجرمين إلى فئتين :

-       الفئة الأولى: مجرمين خيرين يمكن إصلاحهم وإرشادهم إذا زلوا أو سقطوا في الجريمة.

-       الفئة الثانية: شررين لا يمكن إصلاحهم ومن ثم يمكن للمجتمع أن يتخلص منهم.

وهكذا إذا تتبعنا الطابع العام السائد في العصور الأولى لتفسير الجريمة إننا نجده متأثرا إلى حد كبير بالتفسيرات الغيبية البدائية.

    1-2- بداية التفكير العلمي في الجريمة:

إن التطور الذي مرت به كل المعارف العلمية، وتداخلها مع بعضها البعض، أثر في شكل فهم علم الجريمة. مما جعله في بداية القرن العشرين يتأثر بالجو العلمي السائد وبالخصوص بالدراسات الموضوعية المختلفة التي تبحث في تفسير السلوك الإنساني.

    وكان أن ظهرت اتجاهات مختلفة لتفسير السلوك السوي ، والسلوك اللاسوي على أساس تناول جانب واحد، أو عامل واحد هو الذي يفسر به السلوك مع إغفال جوانب وأسباب عديدة أخرى يتضمنها غالبا أي فعل إجرامي. (سعد المغربي، السيد الليثي، 1967).  

      وعليه سادت النظرية الفردية منذ بداية القرن التاسع عشر، مما شجع هذه النظرة (تفسير السلوك بمتغير واحد فقط) في تفسير السلوك الإجرامي. وهذا ما جعل للحتمية البيولوجية جاذبية تفوق ما تلقاه الحتمية الاجتماعية. إلا أن هذه النظريات فشلت في تفسير بعض الجوانب التي لا تتطابق ما تأخذ به هذه الدراسات من وحدة للتحليل، أو من طرق للبحث للإحاطة بها. ويمكن ذكر أمثلة من هؤلاء المنظرين في هذا المجال:

   * نادى الطبيب الفرنسي "موريل Morel " بفكرة سقوط الإنسان في الخطيئة ، وأن المجرم صورة ناقصة ممسوخة.

   * ظهرت فكرة الطبيبان الفرنسيان للأمراض العقلية " دسبين Despine و مورم دي تور Moreau De Tours ، حيث ذهبا إلى اعتبار الجريمة والجنون ناشئين عن مصدر واحد هو التركيب المعيب للمخ، ثم تم التفسير على أساس أن المجرم هو انبعاث للإنسان الناقص الذي أصلا ينتمي للماضي البعيد عن (رمسيس بنهام و علي القهوجي، 1986). يظهر أن التفسير الأحادي لم يستمر طويلا نظرا لابتعاده عن الموضوعية والحقيقة. وهذا ما جعل بعض الباحثين يتوجهون نحو "العوامل الاجتماعية" حاولوا بها كذلك تفسير السلوك الإجرامي.

     ظهر أن "العوامل الاجتماعية" والتي أقر بها " لومبروز" في كتاباته الأخيرة، والتي أكدها الإيطالي "فيريي" الذي أعطى أهمية أكبر ودلالة أكثر لترابط العوامل الاجتماعية والسياسية في التأثير على موقف ما، يتألف من عوامل كثيرة. عن (محمد عارف، 1981).

   غير أنه في القرن العشرين ظهر رد فعل شديد ضد البحوث النظرية البحتة والمناقشات الفقهية العقيمة والمتعارضة في أكثر الأحيان. مما أدى بالباحثين الأميركيين إلى الاتجاه نحو البحوث ذات الأهداف العلمية المباشرة والتي تطبق المناهج العلمية كـ استعمال الملاحظة والفرضيات والتجربة والقوانين وتعميمها على نفس الظواهر. وبذلك صارت للبحوث الإجرامية منهجا ميدانيا موضوعيا يحاول أن يتحرى التجريب ويبتعد عن الذاتية.

    ولقد تعددت الأبحاث والدراسات بعد ذلك في علم الإجرام، وظهرت نظريات حديثة ، ومدارس جديدة، ساهمت كلها في تطور علم الجريمة. (كعلم البيولوجيا وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والأنتروبولوجيا، والطب النفسي...الخ.

    2-علاقة علم الجريمة بالعلوم الأخرى:

قبل التعرض إلى الكشف عن العلاقة بين علم الجريمة بالعلوم الأخرى. يتحتم علينا تعريف مصطلح "الجريمة. المجرم، السلوك الإجرامي، الانحراف، علم الإجرام ".

   1_ تعريف مصطلح الجريمة:

بالرجوع إلى بعض قواميس اللغة (القاموس المحيط، .....) يظهر أن هذا اللفظ يشير إلى أي فعل من أفعال الشر، أو أي خطأ يرتكب ضد المجتمع، ومن معانيها المحاسبة والمعاقبة، أو أي فعل مضاد للقانون سواء كان إنسانيا أو إلاهيا.

 _ تعريف الجريمة إطصلاحيا:

* تعريف بهنام: الجريمة هي إشباع لغريزة إنسانية بطريقة شاذة، لا يسلكها الرجل العادي. وذلك حسب أحوال نفسية شاذة انتابت مرتكب الجريمة في لحظة ارتكابها بالذات.

* تعريف "بدوي" : حسب معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية "كل فعل يعود بالضرر على المجتمع ويعاقب عليه القانون. والجريمة ظاهرة اجتماعية تنشأ عن اتجاهات وميول وعقد نفسية، وعن التأثر بالبيئة الفاسدة. كما قد تنشأ عن نقص جسمي أو ضعف عقلي، أو اضطراب انفعالي، وتختلف الأفعال التي تجرم من مجتمع إلى آخر" عن (معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية).

* تعريف "رزق سند إبراهيم ليلى 1991". " فعل غير مشروع صادر عن إرادة جنائية يقرر له القانون عقوبة أو تدابير احترازية " .

* تعريف " عبد الرحمن العسوي 1992 ". " كل فعل يخالف أحكام قانون العقوبات، أو يكون تعديا على الحقوق العامة، أو خرقا للواجبات المترتبة نحو الدولة أو المجتمع بوجه عام ".

* تعريف " أحمد محمد الزغبي 2001". " فعل ينتهك القواعد الأخلاقية ويعاقب عليه القانون نتيجة لما يترتب عليه من ضرر يلحق الفرد أو المجتمع ".

* تعريف محمد ربيع وآخرون 1995 ". " سلوك ينتهك القواعد الأخلاقية التي وضعت لها الجماعة جزاءات سلبية تحمل صفة الرسمية".

    إن الجريمة من هذا المنطلق تعبر فعل (فردي/جماعي) اجتماعي يتضمن خرقا لقواعد الجماعة وعاداتها ومعاييرها. ولذلك فإن معظم تعريفات الجريمة ركزت على الفكرة القانونية للجريمة، بالرغم من كون الجريمة في تغير مستمر من وقت لآخر، ومن مكان إلى آخر، فبعض الأفعال تعد جريمة في دولة ما، في حين أنها ليست كذلك في دولة أخرى، بل حتى في الدولة الواحدة ، يتغير وصف السلوك من وقت لآخر. غير أنه يمكن القول بأن هذا التغيير مهما حدث في أي مكان أو زمان، فإنه تغير نسبي وليس مطلقا. فالأفعال لإجرامية التي تحدث حاليا تشبه إلى حد كبير الإجرام الذي حدث في الماضي، وما سيحدث مستقبلا مع تغير في وسائل الإجرام. فالإجرام عمل نسبي غير قابل للتعريف بصورة عامة ومختلفة، وكل محاولة ترمي إلى إعطائه طابعا عاما ومطلقا تؤدي إلى غموض وتناقض لاستحالة جمع عناصر ثابتة وشاملة للمجرم.        

2- تعريف السلوك الإجرامي: هو أي سلوك مضاد للمجتمع، وموجه ضد مصلحة عامة، أو هو أي شكل من أشكال مخالفة المعايير الأخلاقية التي يرتضيها مجتمع معين، ويعاقب عليها القانون، أي عبارة عن "ممارسة الفعل الإجرامي".

- خصائص السلوك الإجرامي:

للحكم على السلوك بأنه إجرامي أوضح "هول T .Hall" بأن هناك سبع خصائص يمكن تلخيصها كالتالي:

  • الضرر : وهو المظهر الخارجي للسلوك، فالسلوك الإجرامي يسبب الضرر بالمصالح الفردية أو الاجتماعية أوبهما معا.
  • يجب أن يكون هذا السلوك الضار محرما قانونا بنصوص في قانون العقوبات.
  • لا بد من وجود تصرف يؤدي إلى وقوع الضرر، سواء كان إيجابيا أو سلبيا، عمديا أو غير عمدي، أي توافر عنصر الإكراه.
  • توفر القصد الجنائي أي يكون للفرد وعي تام بما أقدم عليه من سلوك إجرامي ومسؤوليته عنه. أي أن لا يكون الإنسان مكرها في ارتكابها.
  • يجب أن يكون هناك توافق بين التصرف والقصد الجنائي .
  • يجب توفر العلاقة الفعلية بين الضرر المحرم قانونا وسوء التصرف أو (السلوك) حتى يمكن تجريمه. فالجاني لا يسأل عن نتيجة فعله، إلا إذا كانت هناك رابطة سببية بين الفعل والنتيجة.
  • يجب النص على الفعل المحرم قانونا، وهذا وفق مبدأ"لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص"

(محمد شحاته ربيع وآخرون، 1995).

 - مراحل تنفيذ السلوك الإجرامي: يمر السلوك الإجرامي بأربع مراحل هي :

  • مرحلة الموافقة المخففة: حيث تولد الفكرة الإجرامية وتنمو فتكون أحيانا غامضة وأحيانا أخرى واضحة.
  • مرحلة الموافقة المبيتة والموضحة: حيث يتأرجح الفرد بين رغبة الفعل وبين الخوف منه .
  • مرحلة الأزمة: حيث تتم الموافقة على التنفيذ.
  • مرحلة التنفيذ: حيث يقدم على فعلته مع كل ما يحتمل من شناعة وقبح.(خليل وديع شكور، 1997).

-       تعريف الانحراف : وهو عدم مسايرة المعايير الاجتماعية السائدة في المجتمع (محمد شحاته ربيع، 1995).

- تعريف علم الإجرام: تعددت تعار يف علم الإجرام نظرا لتعدد الزوايا التي ينظر منها إلى نطاق ذلك العلم (الخارجية/ الداخلية: العضوية والنفسية). وعلى ضوء ذلك يمكن تعريف علم الجريمة بأنه "العلم الذي يدرس الجريمة كظاهرة اجتماعية احتمالية في حياة الفرد وحتمية في حياة المجتمع ويتقصى أسبابها الفردية والاجتماعية للتوصل إلى القضاء عليها أو الحد منها". (اسحق إبراهيم منصور، 1991).

  يمكن النظر إلى علم الإجرام حسب التعريف أعلاه إلى أنه علم (نظري) ينتمي أكثر إلى العلوم الاجتماعية، تمتد فروعه في كثير من المعارف الأخرى. غير أنه من جانب آخر مرتبط إلى حد كبير بالقانون وبالأخص منه قانون العقوبات والإجراءات الجنائية.

أ‌-             علم الإجرام وقانون العقوبات:

   ينظر إلى قانون العقوبات على أنه النظام القانوني الذي يشتمل على "مجموعة من القواعد الملزمة التي تفرض على المخاطبين بها تحت تهديد الجزاء الجنائي الامتناع عن أعمال معينة أو القيام بها، بينما علم الإجرام علم نظري تتحدد مهمته في تقصي أسباب الإجرام وتحديد كل سبب منها في خلق ظاهرة الجريمة وذلك بدراسة شخصية المجرم وكافة الظروف المحيطة" (اسحق إبراهيم منصور، 1991).

وهكذا يلاحظ العلاقة القوية بين العلمين التي تتمركز في وحدة الموضوع وهو (الجريمة). من هذا يظهر أن العلمين متأثران إلى حد كبير ببعضهما في عدة نقاط.

نلخصها فيما يلي:

- بالنسبة لعلم الإجرام:

  • يأخذ علم الإجرام تعريف الجريمة من قانون العقوبات باعتبارها واقعة قانونية، وكذلك اجتماعية.
  • إن القاضي الجنائي هو الذي يحكم على الجاني ومن ثم فهو الذي يمد الباحث في الجريمة بالمجرمين الذين هم (مادة بحثه).

-       بالنسبة لقانون الجنايات:

  • يتأثر قانون الجنايات بنتائج البحوث التي تتم في علم الإجرام. ففي كثير من الأحيان ما تغيرت بعض القوانين الجنائية نتيجة لهذه البحوث. مثل تجريم أفعال التشرد والتسول قصد حماية المجتمع منها، تغير تشريعات الأحداث عبر العالم...الخ.
  • يعتبر استبدال التدابير بالعقوبات من أهم مظاهر تأثر قوانين العقوبات الحديثة بنتائج الأبحاث في علم الإجرام.

ب- علم الإجرام وقانون الإجراءات الجنائية:

  * يتفاعل علم الإجرام مع الإجراءات الجزائية في أخذ القاضي بنظام الفحص السابق على الحكم كإجراء من إجراءات المحاكمة (الفحص الاجتماعي، النفسي، الطبي للمتهم).

* يظهر هذا التفاعل في نتائج بحوث الإجرام التي دعت إلى تخصص القاضي الجنائي بحيث يكون ملما بالعلوم التي لها علاقة مباشرة بالإنسان كعلم الإجرام وعلم النفس، وعلم الاجتماع...الخ.

* الأخذ بنظام قاضي التنفيذ كوجوب الاعتداد بشخصية الجاني لا عند الحكم عليه بالعقوبة أو بالتدبير الوقائي، فحسب وإنما أيضا طوال الفترة التي يستغرقها تنفيذ هذا الحكم (فقد يكون قاضي الحكم لم يطلع بصورة جيدة على شخصية الجاني مما يتيح الفرصة لتعديل الحكم حسب الظروف المستجدة).

 علم الإجرام وعلم العقاب:

يظهر أن العلمين (علم الإجرام/ علم العقاب) مساعدان لقانون العقوبات والعكس كذلك صحيحا. فعلم الإجرام علم يبحث عن أسباب الجريمة، أما علم العقاب فهدفه تحديد الأغراض الاجتماعية للعقوبات والتدابير الوقائية، واستخلاص القواعد التي ينبغي مراعاتها في تنفيذ تلك العقوبات والتدابير. ومن هنا تظهر الصلة بين الجريمة والعقوبة. إن العقوبة أثر يرتبه القانون على الجريمة، وهدف العقوبة هو مكافحة الجريمة لذلك يطلق مقولة أن " العقوبة هي ظل الجريمة" فهما ظاهرتان متلازمتان. وعلى ذلك فإن نتائج الدراسات في علم الإجرام تؤثر في أفكار علماء العقاب. وتتطلب دراسة علم العقاب الاهتمام بنظريات ومبادئ علم الإجرام. بتصرف عن (اسحق إبراهيم منصور، 1991).

فروع علم الإجرام

     إن اهتمام علم الإجرام بشخصية المجرم، وبالجريمة وأسبابها، والظروف المحيطة وكيفية الوقاية منها، ومعالجتها، وأنجع الطرق الخاصة بالكشف عن السلوك الإنحرافي، والتحكم فيه وتقليل معدلاته أو القضاء عليه. يجعله في علاقة وطيدة مع بعض العلوم كعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الحياة، والأنتروبولوجيا، والطب السايكاتري والطب العام. هذه العلاقة نجم عنها فروعا مشتركة بين علم الإجرام وهذه العلوم المشار إليها، وهذا ما أطلقنا عليه فروع علم الإجرام. حيث تتضح هذه العلاقة المهمة من خلال ما يلي:

  • علاقة علم الإجرام بعلم النفس:

يهتم علم النفس بدراسة سلوك الإنسان من خلال فروقه الفردية ومن خلال علاقاته بالآخرين ضمن البيئة الفيزيائية والاجتماعية والثقافية التي يعيش فيها. وباعتبار أن الجريمة سلوك يقوم به فرد أو مجموعة من الأفراد ضمن معطيات ثقافية واقتصادية والاجتماعية وحالة نفسية معينة، يجعل العلمان يتبادلان المعارف فيما بينهما. حيث ظهر ذلك على شكل تخصص مشترك بين العلمين هو (علم نفس الجريمة). وبناء على ذلك يمكن تعريف علم نفس الجريمة على أنه علم يهتم بتطبيق المعارف النفسية في المجال الجنائي الإجرامي. كاهتمامه بالكشف عن بعض أنماط الشخصية، (الشخصية السايكوباتية، ومن هذه العلوم المساعدة علم النفس العلاجي، وعلم نفس الشواذ، والإرشاد النفسي وعلم النفس القياسي،...الخ.

  • علاقة علم الإجرام بعلم الاجتماع:

يهتم علم الاجتماع بالبنية الاجتماعية التي يعتبر الفرد نتاج لها ومتأثر بها إلى حد كبير هذا التأثر يبدأ بالتعلمات الأولى (عملية التطبيع الاجتماعي) ضمن بيئة متعددة ومتداخلة المعالم. وباعتبار أن الجريمة سلوك يقوم به الفرد داخل وضد هذه البنيات المكونة للمجتمع. وهي نتاج تفاعل الفرد مع البيئة الاجتماعية بكافة مؤسساتها ونظمها. فإنه ظهر توجه جديد يجمع بين العلمين أطلق علية (علم اجتماع الجريمة). الذي يهتم بتحديد العلاقة بين الظروف الاجتماعية المختلفة وبين الظاهرة الإجرامية، ويحاول أن يبيّن إلى أي حد تساهم هذه الظروف الجغرافية والعائلية والاقتصادية والثقافية والدينية والسياسية في ارتكاب الجرائم.

  • علاقة علم الإجرام بعلم البيولوجيا (علم الحياة):

يخدم هذا المجال عدة علوم تمد علم الإجرام بوقائع مهمة حول التكوين البيولوجي

 والوظائف الفيسيولوجية للمجرمين. ومن هذه العلوم علم الحياة وعلم وظائف الأعضاء، والطب البشري، والوراثة وعلم الأجناس البشرية، وغيرها. ويساعد هذا العلم بالخصوص في مرحلة التحقيق الجنائي اللجوء إلى الطب الشرعي، والكيمياء الجنائية (التحاليل المخبرية) والتصوير الجنائي، وأساليب طرق حفظ بصمات المجرمين... الخ.

  • علاقة علم الإجرام بالأنتروبولوجيا:

ويهتم بإجراء الدراسات العلمية المقارنة عن مفهوم الجريمة وفكرة العقاب بين مختلف الشعوب بالأخص الآن (الجرائم العابرة للقارات).

  • علاقة علم الإجرام بالطب السايكاتري:

وتظهر هنا العلاقة واضحة بين المعرفتين فالطب السايكاتري يهتم بشخصية المجرم من الجانب العقلي (السواء /الاضطراب) ويمد القضاة بنتائج اختبار السلوك، ويعتم بمعالجة المجرم.

     ملاحظة:   تشير الخطوط المزدوجة إلى علاقة وثيقة بين العلوم التي تصل بينها. وتشير الخطوط   الفردية إلى علاقة أقل ارتباطا. بينما تشير السهام إلى علاقة خاصة أو ثنائية بين علمين على أكثر من هذه العلوم.

                      الشكل رقم (1) مأخوذ من كتاب (د/ محمد شحاتة ربيع وآخرون،2003 ، ص 51)

خلاصــة: يمكن القول أنه بتضافر جهود العاملين والمتخصصين في العلوم أعلاه. يمكّن هذا فهما أكثر للظاهرة الإجرامية، إن النتائج المشتركة التي يكمن الحصول عليها من التكامل بين هذه الاختصاصات. قد تمكننا اكثر من فهم الظاهرة، وتحديد وسائل الوقاية، والتنبؤ بمآلها. وهي كلها عناصر تساهم في القضاء أو التقليل من السلوك الإجرامي وحماية بذلك الأفراد والجماعة والمجتمع والممتلكات.           

مصـادر علـم الإجـرام

     إن التطور الحالي لعلم الإجرام، يرجع الفضل فيه أساسا إلى ازدهار الآراء والأفكار الفقهية بمختلف أنواعها من جهة. وما تمخضت عنه نتائج الدراسات في العلوم الإنسانية والسلوكية والطبية من جهة أخرى. مما سمح بظهور مدارس وتناولات مختلفة لعلم الإجرام. ظهرت أول ما ظهرت في أوروبا (إيطاليا، فرنسا). ثم تطورت أكثر وأخذت الجانب العلمي التطبيقي لها في الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا التطور يعزى إلى الكم الهائل من البحوث والتجارب في ميادين علم الاجتماع وعلم النفس، وعلم العقاب، والطب السايكاتري...الخ.

   يمكن تقسيم مصادر علم الإجرام بحسب مكان النشأة إلى : علم جريمة أوروبي، وعلم جريمة أمريكي (الولايات المتحدة الأمريكية).

           1- علم الجريمة الأوروبي:

     مر الفقه في هذا الجانب بمراحل حسب مختلف النظريات التي حاولت أن تجتهد في التفسير لتقترح الوقاية والعلاج وذلك كالتالي:

    مع ظهور فكرة "العقد الاجتماعي " في القرن السابع عشر. بدأت أول صيحة للمناداة بحرية الفرد، وحرية التفكير. نادى "جون لوك Lock 1704-1632 " باستخدام فكرة العقد الاجتماعي لتأكيد الحريات الفردية مستندا إلى أن الحكومة تستمد سلطانها من الشعب، كما قال "جون جاك روسو Rousseau" بسيادة الشعب على أساس أن أفراد المجتمع قد اتحدوا فيما بينهم بمقتضى عقد اجتماعي يضمن لهم حكومة تحافظ على حقوقهم في الحرية والمساواة. بتصرف(يسر أنور، أمل عثمان، 1982).  على ضوء هذا الفكر ظهرت مدارس فقهية (أصبحت فيما بعد تكون مصادر لعلم الإجرام) حاولت توجيه الدراسات في عالم الجريمة والعقاب.

من بين هذه المدارس المهمة:

1- المدرسة الكلاسكية القديمة: (سيزار بيكاريا، جيرمي بنتام،وآخرون،).

2- المدرسة الكلاسكية الحديثة:(ادولف جاكوس كتليه، هنري مياهوى، وآخرون).

3- المدرسة الوضعية:(سيزار لمبروزو، رافييل جارفالو، إنريكو فيريي وآخرون). 

4- حركة الدفاع الاجتماعي (مارك أنسال وآخرون)

      أولا - المدرسة التقليدية (الكلاسكية): ظهرت هذه المدرسة على يد الفقيه "بكاريا " في أوضاع ساد فيها ألا عدل وألا استقرار. "فالعقوبات كانت قاسية ، والجرائم غير محددة، وسلطات القضاء مطلقة، والمساواة بين الناس كانت معدومة..." (جلال ثروت، 1983،ص83).

       غير أن ذيوع أفكار " روسو" في ذلك الوقت كان لها صدى كبيرا على الأفكار التي صاغها  "بكاريا ". حيث ظهرت على شكل مبادئ نادى بها في كتابه المعنون " الجرائم والعقوبات عام 1764) وهي:

     - إن التشريع هو أساس الجريمة والعقاب، فعلى القاضي أن يلتزم حدود وظيفته.(مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات).

     - إن هدف العقوبة لا يمكن أن تكون في صالح المجموع، ومصلحة المجموع لا تتحقق بعقوبة قاسية لا تتناسب وجسامة الجريمة. أي اعتماد ضابط موضوعي ينظر إلى مدى ما حققته الجريمة من ضرر المجتمع لا إلى شخص المجرم وعليه يجب ربط العقوبة بالجريمة لا بالمجرم فتشدد أو تخفف تبعا لما إذا كانت الجريمة جسيمة أو بسيطة (مبدأ شخصية العقوبة).

     - إن المجرم حر الإرادة إلا أنه أساء باختياره وإرادته استعمال حريته، ما عدى عديم التمييز أو فاقد الإرادة كلية، وعلى ذلك فلا مجال لعقاب المجنون والصغير غير المميز، كما أنه لا مجال للاعتراف بمسؤولية مخففة..."  (صبحي نجم ،1988، ص ص 60-61 ). أي عدم مسئولية المصاب بالمرض العقلي، وذلك على أساس أن المسؤولية الجنائية تتطلب توافر عنصر الإرادة.(يسر أنور، وآمال عثمان، 1982).

    يعتبر الفقيه " بكاريا " بأفكاره هذه من المجددين في الفكر الجنائي ،والتغييرات التي نتجت في سياسة التجريم والعقاب مقارنة بما كان جاريا في ذلك الوقت.

حيث انتقد القانون الجنائي السائد في ذلك الوقت بأنه يستعمل العقوبات القاسية، مليء بالتهم السرية، كما يقوم على تنفيذ العقوبات بقسوة، ويتسم بالردع الشديد والتعذيب لضحاياه، والعقوبات الغير المتسقة، كما طالب بإلغاء عقوبة الإعدام فيه عن (علي عبد السلام، 2000).

    إلا أن المدرسة التقليدية (الكلاسكية) هذه وقعت في تناقض من حيث أنها أهملت شخص المجرم وعوامل انحرافه كما رفضت المسؤولية المخففة. ونادت بالمسؤولية المطلقة في العقوبة بين مرتكبي نفس الجريمة، وأغفلت فكرة الردع الخاص، أي أن يكون للعقوبة هدف إصلاح المحكوم عليه ومنعه من العودة للإجرام.( صبحي نجم،1988،ص 64). كما أنها لم تستخدم الأسلوب العلمي الدقيق الأمر الذي شكك فيما وصلت إليه، مما حدا بالباحثين في علم الجريمة إلى عدم ربط نشوء علم الجريمة بتلك الدراسات، وإن كانت قد مهدت لنشوئه ( مأمون سلامة، 1978).

ونتيجة لهذه النقائص ظهر ما يسمى بالمدرسة التقليدية (الكلاسكية) الجديدة.

     ثانيا - المدرسة التقليدية الكلاسكية (الجديدة): ومن مؤسسيها الفقهاء "ارتولان، كرار، هوس " حيث نادت إلى اتجاه توفيقي ، وأسست العقوبة على فكرتين العدالة والمنفعة، أي أن الجزاء يوقع ضمانا لانتظام الحياة الاجتماعية، بيد أنه يلتزم حدود العدالة.

وهكذا فإن المقياس الصحيح للعقاب أساسه العدالة بشرط أن لا يزيد على مقتضيات المنفعة الاجتماعية. وبناء على ذلك جاءت مبادئها كما يلي:

- إقرار مبدأ العقوبة بين حدين أقصى وأدنى.

- إقرار مبدأ المسؤولية المخففة حسب القدرة الحقيقية للشخص على الإدراك والتمييز، والقدرة على الاختيار.

- ساوت بين جسامة الإثم والعقوبة بما يحقق العدالة.

    رغم ما جاءت به من جديد مقارنة بالمدرسة التقليدية، من حيث أنها اهتمت لأول مرة بشخص المجرم، وتقدير الظروف الدافعة على الجريمة . وتوسعت في فكرة موانع المسؤولية، وجمعت بين العدالة والمحافظة على النظام الاجتماعي كهدفين للعقوبة .

    إلا أنها أغفلت أن هدف العقوبة هي إصلاح المنهج. كما ساوت بين جسامة الإثم والعقوبة دون أن تضع معيارا لهذه الجسامة. وهذا ما جعل أصحاب المدرسة الوضعية يردون على أصحاب المدرسة التقليدية ويعملون على تطوير المدرسة التقليدية الحديثة.

 

       ثالثا - المدرسة الوضعية : تعتبر المدرسة الوضعية كرد فعل على أفكار المدرسة التقليدية وكتطوير لما نادت به المدرسة التقليدية الحديثة .

    حيث ظهرت على يدي كل من "شيزاري لمبروزو، وجارفالو، وفيريي " وكلهم من إيطاليا. إذ كان لهم الفضل في إقامة صرحها. وسميت بالمدرسة الوضعية لإتباعها المنهج العلمي التجريبي ومحاولة ابتعادها عن الغيبيات التي نادت بها المدرسة التقليدية، حيث اعتبرت القانون ليس وحيا يوحي مستمد من أعلى يتصوره العقل، ولكنه يجب أن يكون نتاج الحاجات الملحة للحياة في الجماعة وان علاقته بالبيئة هي علاقة سبب بمسبب. ولذلك نظرت المدرسة الوضعية، إلى أن الظاهرة الإجرامية مجرد ظاهرة قانونية. فلابد من ردها إلى أسبابها الموضوعية والشخصية التي أفضت إليها.

  - ذهب "لمبروزو" إلى إرجاع الجريمة إلى أسباب بيولوجية تظهر على جسم الإنسان بالإضافة إلى طباع بدائية.

أكد على أن "المجرمين يتميزون عن غيرهم بوجود بعض الخصائص الجسمية الشاذة تشبه سمات الإنسان البدائي. وبهذا يعلن لمبروزو رأيه في وجود صلة بين الإجرام والخلل العضوي والعيوب النفسية في الأفراد". (عبد السلام علي، 2000).

   غير أن لمبروزو – بعد إطلاعه على أعمال " فيريي" وهو أحد تلامذته – أدخل العوامل الاجتماعية في سببية السلوك الإجرامي، ولكن بصورة محتشمة.

خلص في الأخير إلى أن الإنسان المجرم يختلف عن الإنسان العادي في التكوين الجسمي والوظيفي الداخلي. هذا النقص في التكوين يؤثر في التكوين النفسي. مما يؤدي إلى اقتراف الجرائم. " إن النقص الجسمي في رأي لمبروزو يؤثر في الشخص من حيث القدرة على التجاوب، والتفاعل مع البيئة الخارجية فيقدم على ارتكاب الجرائم " بتصرف (مأمون سلامة، 1978 ).

   لقد لاقى طرح "لمبروزو" تقبلا في البداية ساعده في ذلك انتشار المنهج الوضعي. غير أن هذا تغير فيما بعد. حيث تعرضت أفكاره إلى نقد متعدد الجوانب (محتوى الأفكار، المنهج، وسائل القياس...الخ.

 

  • عارض (طارد) بشدة آراء لمبروزو، وراي أن أنماط الجريمة وصورها تنتقل من شخص إلى آخر، وتنتشر من المدن الكبرى إلى المدن الصغيرة، ومن الطبقات العليا إلى الطبقات الدنيا، ومن الجيل السابق إلى الأجيال اللاحقة طبقا لقوانين المحاكاة والإيحاء (محمد عارف، 1981).

 وجه "قورنج" كثير من الانتقادات إلى  "لمبروزو " منها أنها أعمال سطحية، تفتقد إلى تطبيق المنهج العلمي، وإلى أدوات القياس، ولأن افتراضات نظريته مشكوك في  صحتها، حيث لم تؤيد بالحقائق العلمية، وتفتقد إسهاماته إلى المنطقية. بتصرف عن (علي عبد السلام علي، 2000).   

       في حين أرجع " فيريي" الجريمة إلى عوامل اجتماعية مناوئة محيطة بالإنسان وأن وجود هذه العوامل المضادة يفضي حتما إلى نشوء الظاهرة الإجرامية. لذلك نادى "فيريي " بضرورة الدفاع عن المجتمع وذلك باتخاذ التدابير المناسبة قبل المجرم.

    وعليه انتهت المدرسة الوضعية إلى مجموعة من المبادئ الجديدة وهي كالآتي :

- إن الإنسان مسير في تصرفاته وبالتالي المجرم كذلك إذ توجهه سلوكيات داخلية وخارجية مما يجعله يعيش تحت قوة الحتمية وبالتالي يجب التخلي عن فكرتي المسؤولية الأخلاقية والعقاب لأن أساسها حرية الاختيار والخطأ " (نظير فرج مينا،1985،ص 151).

وهذا ما يحتم النظر إلى الجاني من مختلف الجوانب سواء الظروف الشخصية الذاتية الداخلية أو الظروف الموضوعية الخارجية.

 - صنفت المدرسة الوضعية المجرمين إلى فئات ليسهل على القاضي إيقاع التدابير المناسبة لكل فئة  وذلك وفقا لمدى تغلب العوامل الداخلية أو البيئة وهذا هو أساس تفريد المعاملة (نفس المرجع ، ص152).

 - صنفت الدراسة التدابير إلى وقائية وهي بدائل للعقوبة، كما يسميها "فيريي" وقد تكون هذه التدابير سابقة على الحرية وتسمى عندئذ " تدابير الوقاية " والقصد منها مجابهة الحالات الفردية الخطرة مثل حالات التشرد والصعلكة  ( د/جلال ثروت، مرجع سابق ، ص 206 ).

  - كما أن التدابير قد تكون تالية على وقوع الجريمة وعندئذ تسمى تدابير الأمن وهذه التدابير لها صورة مختلفة إما استئصاليه كالإعدام، أو عازلة كالسجن مدى الحياة، أو علاجية كـ الوضع في المستشفى، أو اجتماعية كحضر الإقامة في مكان معين أو التزام بعمل أو حضر ممارسة، وذلك طبقا لكل حالة على حدة (نظير فرج مينا، مرجع سابق ،ص153).

 - نادت المدرسة بالقضاء على البؤس وإقامة المدارس، ومراعاة التهذيب في مسائل الثقافة وتشجيع البحث العلمي. وكان لها الفضل في إظهار أهمية التدابير التي كانت خافية من قبل واهتمت ببحث شخصية المجرم والعوامل التي دفعته إلى الإجرام حيث نالت الفضل في المناداة بسياسة التفريد القضائي لتتفق التدابير مع خصائص شخصية المجرم.

  - إلا أنها أهملت ماديات الجريمة كما أهملت فكرة المسؤولية الأخلاقية ذلك أن الإنسان يتمتع بقدر من حرية الاختيار يجعله يميز بين الخير والشر. هذه الحرية هي عماد الحياة الاجتماعية .

      يضاف إلى أنها أخلطت من حيث التدابير فمن الظلم اتخاذ تدابير كالإعدام والاعتقال المؤبد ضد شخص ارتكب الجريمة لأول مرة بدعوى أنه مجرم بالتكوين.

   - أهدرت قيمة العقوبات، لدرجة كادت تقضي عليها. مع بالغ أهميتها إذ توقع على عدد كبير من المجرمين، الذين يتمتعون بقدر كبير وافر من حرية الاختيار. مما يؤكد أنها تجاهلت إلى حد كبير، فكرة الردع العام والمنع العام. حيث اقترحت نتيجة لذلك مثلا كجزاء للضرر المترتب عن الجريمة التي يقوم بها كل من المجرم بالعاطفة والمجرم بالصدفة، مجرد تعويض مادي.(د/نظير فرج مينا، مرجع سابق ،ص153).

   أن نقائص هذه المدارس الفقهية المختلفة سواء انصبت على شخصية المجرم، أو اهتمت بالمجتمع، أو اهتمت بماديات الجريمة مهملة بقية عناصر الجريمة كلها. لاشك فيه أنه يلقي في الحقيقة الضوء على فكر فقهي كان يجتهد بالوسائل التي توفرت له في زمانه من تطور علمي وفكري جعله يعتني بجهة من الجريمة وينسى جهة أو جهات أخرى. ولعل هذه أحد العناصر التي تركت " حركة الدفاع الاجتماعي " بما توفر لها من تراث فقهي في ميدان الجريمة عامة. جعلها تقترح إعادة النظر في إصلاح عميق بل تجديد شامل. انطلاقا لما كان سائدا آن ذك من تشابك إجراءات المحاكمة، وسوء استعمال الأحكام الغيابية، والحبس قبل المحاكمة، والأحكام المتعجلة للمتهمين لم يسمعوا ولم يعطوا الفرصة لإيضاح موقفهم... وضد ارتباك "العدالة القمعية"  الذي يعتبر عاملا مولدا للجريمة – لا بد من سياسة جنائية و "عدالة دفاع اجتماعي " حقيقية لمواجهة كل ذلك. بتصرف عن (مارك أنسل، 1981).

رابعا- حركة الدفاع الاجتماعي: امتازت حركة الدفاع الاجتماعي بأنها حركة إصلاحية ، حيث نادت بمبدأين هما :

      - أن حماية الفرد هو حماية المجتمع.

      - إعادة النظر في أسس القانون الجنائي.

     ذهب "مارك أنسال Marc Ancel,1981 " وهو من واضعي الأسس الجديدة للدفاع الاجتماعي في كتابه المعنون ب " الدفاع الاجتماعي الجديد ".

 - أن الدفاع الاجتماعي يقوم بفحص انتقادي وإعادة طرح لمشكلة نظام حماية المجتمع من الأعمال الإجرامية.

- يزمع الدفاع الاجتماعي تحقيق هذه الحماية بواسطة مجموعة تدابير غير عقابية، وموجهة إلى إبعاد المجرم عن جنوحه إما بالاستبعاد أو العزل، وإما بتطبيق طرق علاجية أو تربوية.

- ينمي الدفاع الاجتماعي سياسة جنائية تعلق أهمية خاصة على منع الجريمة ومعالجة الجانحين(المنع والحماية). وتنزع هذه السياسة الجنائية المتعلقة نتيجة لذلك إلى حركة منظمة لإعادة المجرم إلى حظيرة المجتمع أو إعادة تأهيله اجتماعيا.

إن حركة إعادة التأهيل الاجتماعي لا تستطيع مع ذلك أن تنمو إلا بتأكيد متزايد للصفة لإنسانية لقانون العقوبات الجديد الذي عليه أن يحاول أن يعيد للفرد ثقته بنفسه وأن يمنحه مرة أخرى الإحساس بمسئوليته الفردية، سواء تعلق الأمر بالمجرم المتهم أو المدان.

- إن هذه السياسة بهذا الشكل ليست فقط ذات طابع إنساني أو عاطفي، بل تعتمد اعتمادا قويا على دراسة الواقعة الإجرامية وشخصية الجانح. مثل تلك الدراسة التي تعتمد عليها علوم الإنسان. (Marc Ancel,1981,pp152-155 ).

 - يجب أن يتقيد القانون الجنائي باحترام حقوق الإنسان، فيراعي دائما جانب الحرية الشخصية ومبدأ الشرعية.

 - يجب أن تعتبر الإجراءات القضائية والمعاملة داخل السجون عملية واحدة تتابع مراحلها على ضوء الدفاع الاجتماعي وفلسفته.

     بهذا يكون الدفاع الاجتماعي وضع " مشكلة الإنسان والمجتمع وطبيعة كل منهما والعلاقة بينهما".

    إن الملاحظ على هذه الأفكار أنها استوحت التجربة العلمية, وأنها اكتشفت ما يتجاوز الإشكال والتصورات الخيالية الحقيقة الإنسانية الاجتماعية التي يتضمنها أو يكشف عنها كل نوع من الإجرام. إلى حماية المجتمع وحماية المجرم في نفس الوقت، وتهدف إلى توفير معاملة مناسبة مع حالته الفردية وذلك في ظروف وبطرق معينة. ولذلك يمكن استنتاج إلى حد كبير أن الدفاع الاجتماعي استبدل بالعقوبة الرادعة سياسة تقوم على الوقاية للفرد وللمجتمع. وبذلك ظهرت فلسفة جديدة للعقاب سرعان ما اعتنقتها الأمم المتحدة وشرعت بتنميتها بموافقة ومساهمة الدول الأعضاء فيها. بتصرف عن (مارك أنسل، 1981).  

    وهكذا ومع التغيرات الجديدة التي أتت بها حركة الدفاع الاجتماعي ومن خلال نظرتها الجديدة إلى المجرم والمجتمع. تبنت أغلب التشريعات وخاصة التشريعات الخاصة بالأحداث، والصادرة بعد الأربعينات، آراء حركة الدفاع الاجتماعي ومنها التشريع الجزائري الصادر في فيفري 1966 وبالأخص النصوص الخاصة بالأحداث الجانحين.

   هذه بصفة عامة المدارس الفقهية التي اعتمد عليها علم الإجرام في ظهوره وانفصاله عن القانون الجنائي والمعارف الإنسانية الأخرى من جهة، والتي رسمت الطريق للقانون الجنائي، وكانت لها تأثيرات هامة وكبيرة عموما على التشريع وبالأخص على تشريع الأحداث الجانحين، حيث كان هؤلاء قبل هذا يحاكمون جزائيا أمام المحاكم الجزائية الجنائية وفقا للقانون العام، ويعاقبون مثل المجرمين الآخرين باستثناء الأطفال الغير المميزين من جهة أخرى. كما تم تصنيف المجرمين إلى فئات حسب معايير معينة، وأدخلت إصلاحات على السجون، وأصبحت المعاملات داخل السجون أكثر إنسانية...الخ. حيث يكرس قانون تنظيم السجون وإعادة الإدماج الاجتماعي للمسجونين في الجزائر في أحكامه التمهيدية وفي المادة الأولى منه أن هذا القانون " يهدف إلى تكرسي مبادئ وقواعد لإرساء سياسة عقابية قائمة على فكرة الدفاع الاجتماعي التي تجعل من تطبيق العقوبة  وسيلة لحماية المجتمع بواسطة إعادة التربية والإدماج الاجتماعي للمحبوسين". (وزارة العدل، 2005)

الأساليب الأساسية للبحث في علم الجريمة

   يتناول علم الإجرام الفعل الإجرامي والمجرم وموقف الجريمة ووسائلها في آن واحد، والتفاعل بين كل ذلك.

ذلك أن علم الإجرام يهتم بالجريمة باعتبارها واقعة إنسانية اجتماعية وقانونية. فهو يهتم بها من حيث القائم بها والظروف والعوامل المختلفة التي أحاطت بالموقف الإجرامي، وقد تكون هذه الظروف داخلية متعلقة بشخص المجرم، وقد تكون خارجية مصدرها البيئة وغيرها من الظروف المحيطة بالمجرم. وتهدف هذه الدراسة إلى بيان علاقة هذه الظروف والعوامل بالجريمة، وإلي تصنيف المجرمين وفقا لذلك تمهيدا لتحديد أسلوب المعاملة المناسبة لكل فئة من المجرمين.

    ما هي طرق وأساليب البحث في علم الجريمة:

تختلف عادة طرق وأساليب البحث في علم الجريمة حسب طبيعة الموضوع المعالج، وحسب معطيات الظاهرة المطروحة ، وحسب الهدف المراد الوصول إليه. غير أنه عادة ما يدور البحث في هذا العلم حول شخصية الفاعل وعلاقته بفعله وأثر البيئة(العوامل الخارجية) والعوامل الذاتية (الداخلية) في ذلك.

وشخصية المجرم عادة ما تشمل (الجسم/ والنفس) باعتبار شخصية كل إنسان هي الوحدة الجامعة بين الجسد والنفس وبتفاعلهما مع بعضهما يتركان أثرا هو (الفعل أو السلوك) وهو موضوع بحث العلوم الاجتماعية والإنسانية. وعلم الجريمة علم ينتمي لهذه الفئة من العلوم.

   مما يحتم وسائل منهجية متنوعة للتصدي لكل هذه العناصر كل حسب طبيعته. وفي هذا الإطار ينقسم البحث في الجريمة إلى قسمين إن صح التعبير. بحث يطلق عليه (التحريات) تقوم به أجهزة الأمن المختلفة وجهاز العدل. وبحث يطلق عليه (البحث الأكاديمي) وهذا عادة ما تقوم به المخابر والفروع الجامعية المختصة في علم الجريمة.

  البحث (التحريات) :

  هي مجموعة تحريات أولية، يقوم بها جهاز (الشرطة، الدرك، العدل، إدارة السجن) كل حسب تخصصه ووظيفته. وتتم كالتالي:

    إن أول ما يمكن فعله مع المجرم هو القيام بفحص شخصيته من الجانب الجسمي والنفسي.

   * فحص جسم المجرم:

يتناول فحص المجرم جسميا الإطلاع على سلامة أعضاء الجسم ووظائفها، وتحديد الجنس الذي ينتمي إليه والفصيلة الجنسية، وهي تختلف في كل بلد باختلاف البيئات الإقليمية. فهذا التحديد كثيرا ما يفسر وجود طابع معين في أخلاق المجرم يعزى إلى جنس ما أو إلى فئة معينة. فإذا لم تكن طباع المجرم راجعة إلى العامل الجنسي(ذكر/ أنثى) بهذا المعنى، فيمكن أم تنتسب إلى العامل الوراثي الخاص بالمجرم شخصيا أو بأسرته. بتصرف عن (رمسيس بهنام، علي عبد القادر قهوجي، 1986 ).

    * فحص الذات (النفس):

   ويتناول فحص الجانب المعرفي (العقلي) ويشمل طريقة الإدراك، وطريقة التفكير، والتصورات (التخيل)، ومستوى الذكاء، والدافعية، ومستوى الإرادة، وكيفية رده على المثيرات الخارجية، ... الخ. ذلك أن كل هذه الآليات المعرفية يترجمها السلوك (الفعل الإجرامي) في الميدان الواقعي.

     يظهر من العناصر السابقة أن البحث (التحري) في علم الجريمة يرتبط مباشرة - سوى لدى الشرطة القضائية، أو لدى قاضي التحقيق، أو غيرهم. بشخصية المجرم وما ينتج عنها من سلوك. وإن امتد البحث إلى وسائل الجريمة وكيفيتها، ومدتها، ومكانها، وخلفياتها، ومآلها. إلا أنها عناصر كلها تربط بشخصية الفاعل.

       تستعمل أجهزة التحري المختلفة في ذلك. ما يسمى  بالفحوصات الأولية مثل (الفحص الطبي العام/ الفحص البيوكيمياوي/ فحص عصبي/ فحص نفسي/ فحص الظروف الاجتماعية). وهذا حسب المقام المطلوب. كما نجد هذه الفحوصات تمتد لتشمل بالإضافة إلى شخص المقبوض عليه كل الموقف والظروف، والوسيلة المستعملة ...الخ. وتتعدد هذه الفحوصات بتعدد الجهات المستقبلة للمجرم منذ القبض عليه إلى غاية الحكم عليه. وذلك كالتالي:

1-1-    الفحص الطبي العام: يتناول هذا الفحص جسم المجرم بشكل كامل ، من

حيث مدى صحته، والعاهات الدائمة، ومدى تأثير العجز الجسمي في تكوين السلوك الإجرامي. بصفته عاملا دافعا للسلوك الإجرامي. كما يعني هذا الفحص بدراسة مراحل النمو الطبيعي لمختلف الوظائف العضوية لجسم المجرم . بتصرف( محمد خلف، 1978).

 

1-2- الفحص الطبي العقلي: ويهتم الطبيب السايكاتري بفحص الجهاز العصبي للمجرم. ذلك أن الدراسات ( التي أقيمت في كل من إيطاليا وبريطانيا وفرنسا...الخ، جول  المجرمين. بينت وجود حركات في العيون، وفي اللسان، ورعشات في اليدين، والجفون أكثر مما هي عند الإنسان العادي) مما يفيد أن هناك علاقة بين الجهاز العصبي للإنسان وسلوكه.بتصرف (أحمد محمد الزغبي وآخرون، 2001 ).

1-3- الفحص البيوكيمياوي: يهتم نوع هذه الفحوص بدراسة وظائف العدد الصماء( الغدة النخامية والدرقية)  تفرز الهرمونات في الدم وتؤثر مباشرة على خلايا الجسم، حيث تعمل بمثابة منبهات داخلية للفرد)  إن مفرزات الغدد الصماء تسهم في تحديد النتاج السلوكي والوظائف التكيفية واللا تكيفية.(عبد المطلب أمين القريطي، 1989). حيث أثبتت "الدراسات أن إفرازاتها الهرمونية لها تأثير على تكوين السلوك الإجرامي".

بتصرف( أحمد محمد الزغبي، 2001).

1-4- الفحص النفسي: ويقوم به المختص النفساني التابع للهيئة العقابية. ويشمل كل شخصية المجرم في علاقاتها مع المحيط. ويلتجأ النفساني عادة بالإضافة إلى إجراء الملاحظة الإكلينكية، والمقابلة الموجة، إلى استعمال أنواع الاختبارات النفسية سواء الإسقاطية منها أو الموضوعية. وكل ذلك من أجل معرفة مدى عمل البنيات الشخصية الداخلية (الدينامية الداخلية، والقدرات المعرفية المختلفة في علاقتها مع الاستجابة للمثيرات المحيطة) وعلاقتها بالسلوك الإجرامي للمفحوص. إن عناصر بناء الشخصية من معطى فيزيولوجي ومورفلوجي، وذكاء، وإدراك، وانتباه، وذاكرة، وتصور، وخيال ، وانفعال، وعواطف، واستراتجيات، وآمال مستقبلية. كلها عناصر تدخل في تكوين الشخصية ككل. فقد أثبتت بعض الدراسات " أن المجرم لا يتمكن من الإحاطة إلا بما يتصل بحاجاته الغريزية دون الانتباه إلى المثيرات الأخرى. وهذا الوعي عادة ما يكون وعيا بليدا متجمدا يتميز بتركيز الانتباه على كل ما يؤدي إلى العمل الإجرامي. وهذا ما يظهر بشكل خاص في جرائم العنف العاطفي. حيث تتسلط  على المجرم فكرة معينة تستحوذ عليه وتلاحقه أينما ذهب، وتبعد تفكيره عما يترتب من نتائج بسبب فعله" الإجرامي (أحمد محمد الزغبي، 2001).

 

1-5- الفحص الاجتماعي/ الاقتصادي : يتناول المختص الاجتماعي بالفحص المجرم في علاقته ببيئته الاجتماعية (الأسرة وعلاقة أفرادها فيما بينها، المهنة ومدى تلبيتها للحاجيات، المكانة الاجتماعية ....الخ)  والاقتصادية (الدخل الشهري ومدى استجابته لمتطلبات الحياة...).

حيث وجد كل من " سوذر لاند وكريسي 1960 Sutherland &    Cress، و وليام هايلي W. Healy " أن البيوت المتصدعة لها تأثير في شخصية المجرم، وأن المهنة و المكانة الاجتماعية لهما أثر واضح عل شخص الفرد عموما. وكان لـ " وليام هايلي السبق في استعمال فكرة "التحقيق الاجتماعي " على نطاق واسع في دراساته العديدة على فئة الأطفال الجانحين.

    إن الفحوصات من هذا النوع تعتبر ضرورية. إلا أنها كما يلاحظ تنصب مباشرة على المجرم كفرد. ولذلك تعطينا نتائج تخص ذلك الفرد بعينه (كحالة) دون الآخرين. وهذا إن ساعد على أخذ القرارات السريعة من الجهات المخولة كـ ( الشرطة، الدرك، قاضي التحقيق، إدارة المؤسسات العقابية...الخ. إلا أن الفحص بهذا الشكل، لا يفيد كثيرا في دراسة الجريمة كظاهرة منتشرة بين فئات المجتمع المختلفة.

   بينما البحث الأكاديمي في علم الإجرام يهدف إلى فهم السلوك الإجرامي كسلوك منتشر بين فئات كثيرة في المجتمع، وكيفية معالجته كظاهرة نفس اجتماعية. مما يحتم استعمال طرائق ووسائل أخرى أكثر ملاءمة لدراسة الظواهر الممتدة.

فكيف يتم البحث في علم الجريمة ؟ وما هي طرائقه ؟ وما هي وسائله ؟.

2- البحث الأكاديمي:

يعتبر البحث الأكاديمي في علم الجريمة، وأسباب السلوك الإجرامي حديث العهد. مقارنة بالبحوث في العلوم السلوكية والإنسانية عموما. فلقد سبقته محاولات دينية وفلسفية، ومهد له التقدم الهائل الذي مس العلوم الطبيعية، وما صاحبه من تقدم في منهج العلوم الاجتماعية.

   ونظرا لاعتبار السلوك الإجرامي ظاهرة اجتماعية، فإن البحث في أسبابه ودافعه، ينبغي أن يعتمد على المنهج التجريبي القائم على الملاحظة والتجربة. "غير أن حظ التجربة – إلى حد الآن – عكس ما هو عليه في العلوم الطبيعية ضئيل، إن لم نقل نادر وذلك راجع إلى صعوبة التحكم في الظروف الإنسانية والاجتماعية المرتبطة بالجريمة" (على عبد القادر القموحي، فتوح عبد الله، 2003). (وهذه قاعدة يمكن تعميمها على كل العلوم الإنسانية، وليس خاصة فقط بعلم الإجرام).

   لذلك توجه الباحثون في علم الإجرام إلى استعمال مناهج العلوم السلوكية والإنسانية

في دراسة الظاهرة الإجرامية. وعلى رأس هذه المناهج الأكثر فعالية مع السلوك الإجرامي هي " الملاحظة العلمية " بالإضافة إلى كثير من الطرائق الأخرى في دراسة الجريمة. ولذلك يستند علم الإجرام في بحوثه على المنهج الإستقرائي والاستنباطي معا. حيث أن الباحث يعتمد على الملاحظة والتجربة والوصف والتفسير. ومن ثم يخلص إلى تأصيل الحقائق وصياغتها في قالب علمي. بتصرف (محمد خلف، 1978).

    يقتضي دراسة الظاهرة الإجرامية دراسة حركة الإجرام وما تتعرض له تغير باختلاف

 الزمان والمكان، وذلك من أجل التوصل إلى معرفة الأماكن والجماعات التي تتركز فيها

 الظاهرة، ومن ثم معرفة العوامل التي تساهم فيها،والظروف التي أدت إلى انتشارها في

 فترة زمنية معينة، وانحسارها في فترة أخرى، وينبغي كذلك دراسة المجرمين لجميع

 أنماطهم والوقوف على الظروف المحيطة بهم لمعرفة العوامل الخاصة المتصلة

 بإجرامهم، لذا فإن تطبيق المنهج التجريبي في مجال الدراسات الإجرامية يقتضي

 تحديد طرقه وأساليبه التي تلاءم موضوع هذه الدراسات باعتبار أن للجريمة وجهين:

-       وجه اجتماعي: وفيه تبدو الجريمة كظاهرة اجتماعية

-       وجه فردي (نفسي) وفيه تبدو الجريمة كظاهرة فردية (فريدة). بتصرف ( محمد شلال العاني، علي حسن محمد طوالبة، 1998).

إلا أن الوجهين في الجريمة يتكاملان ومن الصعوبة بمكان فصلهما عن بعضهما.

-      مناهج البحث في علم الجريمة:

تتبع مناهج البحث الأكاديمي في علم الجريمة عموما نفس المناهج التي تتبعها كثيرا من العلوم السلوكية. مع بعض الخصوصيات التي تجعل علم الجريمة متفرد عن غيره من العلوم السلوكية والإنسانية الأخرى.

   هناك تصنيفات متعددة للمناهج عموما وذلك إما حسب الزمان (المنهج التاريخي والواقعي، والتنبؤي). وإما حسب المبحوثين ( دراسة الحالة، منهج العينة، منهج الأصل الإحصائي العام). وإما حسب متغيرات الدراسة (المنهج التجريبي، والشبه التجريبي الميداني). وإما حسب الهدف من المنهج (المنهج الوصفي، والمنهج التفسيري). بتصرف (محمد شحاتة ربيع وآخرون، 2003).

   تستعمل مناهج البحث الأكاديمي مجموعة من الأدوات التي تساعد على جلب البيانات المرتبطة بالظاهرة قيد البحث. مثل ( الملاحظة،المقابلة، دراسة الحالة، الاختبارات النفسية بأنواعها الموضوعية والإسقاطية، الاستبيانات، الإحصاء...الخ). وكل أداة من هذه الأدوات لها القدرة على جلب مجموعة من المعلومات دون غيرها. ولذلك نجد البحوث في علم الجريمة تستعمل أكثر من أداة واحدة وذلك حسب طبيعة البحث.       تظهر المناهج عموما في علم الجريمة كالتالي:

 *المناهج الوصفية:

والباحث في الجريمة وفق هذا المنهج يحاول أن يجاوب على ماذا يحدث؟ وكيف يحدث؟ حيث يحقق الباحث فهما أفضل للظاهرة موضوع البحث. ذلك أنه بدون الوصف يعجز العلم على التفسير والتنبؤ والتحكم أو الضبط.

مثل: ما هي وقائع السرقة؟ كيف حدثت؟ و ما هي الوسائل المستعملة فيها...الخ.

*المناهج الاستكشافية:

   وهي مجموعة إجراءات يقصد بها إلقاء الضوء على أهم جوانب إحدى الظواهر. وكما تهدف إلى اكتشاف أهم المتغيرات التي ترتبط بظاهرة معينة، أو التي يتوقع أن ترتبط بها مما يساعد على إجراء دراسات تالية أكثر دقة وإحكاما في ضوء البيانات التي تم الحصول عليها. وبذلك تمدنا البحوث التي تستعمل المنهج الاستكشافي بالإحصائيات الضرورية التي تمس جانبا معينا لأحدى الظواهر. كأهم دوافع الإقبال على تعاطي المخدرات ؟ ما هي أسباب الجنوح في بيئة معينة؟ لماذا جرائم القتل؟ لماذا تظهر جرائم الزنا في عمر الشباب أكثر من فترة الشيخوخة؟...الخ.

 * الدراسات الإرتباطية:

   تتعدد العوامل المشاركة في السلوك الإجرامي. ولتحديد أي العوامل أو (المتغيرات) التي إن تواجدت أو ارتبطت في علاقة ما ببعضها يمكن أن تؤدي إلى الجريمة. وهذا ما يدخل فيما يسمى بالدراسات الإرتباطية.حيث تعتمد هذه المناهج على دراسة معاملات الارتباط التي تمثل أسلوبا كميا يعبر عن التلازم في التغير ويعني التلازم في التغير هنا، حيث تدل العلاقة الموجبة (+1وما هو أقل منه) على أن العلاقة طردية بين المتغيرين، بحيث إن الزيادة في المتغير الأول تقترن بزيادة في المتغير الثاني، وأن النقص في المتغير الأول يقترن بنقص في المتغير الثاني. أما العلاقة السالبة (-1 وما أكبر منها) فتدل على أن العلاقة عكسية ، وتعني أن الزيادة في أحد المتغيرين تقترن بانخفاض المتغير الثاني. بينما تدل العلاقة الصفرية أو العلاقات غير الدالة إحصائيا بين المتغيرات إلى عدم وجود أي شكل من شكلي التلازم السابقين سواء الإيجابي أم السلبي. فكلما اقترب معامل الارتباط من الواحد الصحيح كان مؤشرا على قوة العلاقة، وكلما اقترب معامل الارتباط من الصفر كان مؤشرا على ضعف هذه العلاقة. بتصرف (محمد شحاته ربيع وآخرون، 2003).

    ضمن هذا المنظور الإحصائي أقيمت عدة دراسات في مجال علم الجريمة وفروعه المختلفة كعلم النفس الجنائي وعلم اجتماع الجريمة. للوقوف على مقدار الارتباط واتجاهه بين السلوك الإجرامي من ناحية وبعض المتغيرات الأخرى مثل العلاقة بين جنس المجرم أو الجانح وعمره. أو بين عمره ودرجة ذكائه، أو بين جنسه ومستواه الاقتصادي، أو بين مستواه التعليمي ونوعية الجريمة المقترفة... الخ.

    غير أن الذي يجب أن ينبه له أنه يجب أن توضع المناهج الإرتباطية في سياقها الصحيح. فهي لا تتضمن أي معنى للسببية بين المتغيرات بحيث نقول إن أحد المتغيرين سبب للآخر. وإنما تنطوي هذه المناهج على مجرد التغير الاقتراني بين المتغيرين.( محمد شحاته ربيع، 2003).

  * الدراسة الوبائية:

يقصد بالدراسات الوبائية في علم الجريمة هو مدى انتشارها في محيط معين أو فئة أو بيئة معينة ومحاولة الكشف عن العلاقات فيما بينها (الجريمة) وبين كثير من المتغيرات التي يمكن أن تؤثر بطريقة أو أخرى. وتحديد تاريخ بدايتها، والعوامل المسببة لها أو المفاقمة لها،والوسائل المستعملة فيها، وتحديد مدى الأخطار التي يحتمل أن تترتب عنها سواء بالنسبة للفرد أو المجتمع، وإمكانية وضع الأسس اللازمة لصياغة سياسات أو برامج معينة للوقاية من الأخطار.والمآل الذي يمكن أن تصل إليه.

  * المناهج التجريبية أو (التفسيرية):

ينصب الاهتمام هنا على الظواهر القابلة للملاحظة والتجريب عليها كالجواب مثلا على: لماذا تحدث ظاهرة معينة على النحو الذي تحدث به؟، ولماذا تستمر في الحدوث؟

وتنقسم المناهج التجريبية إلى مناهج تجريبية ومناهج شبه تجريبية.

   تقوم الدراسات التجريبية على أساس الضبط التجريبي، وإجراء معالجة يقوم بها الباحث للتحكم في مقدار ونوع ثلاثة متغيرات هي:

   - المتغير المستقل (I.V ) وهو الذي يراد معرفة تأثيره في متغير آخر هو المتغير التابع.

   - المتغير التابع (D.V) وهو الذي يراد قياس درجة تأثره بالمتغير المستقل.

   - المتغيرات الدخيلة (E.V) وهي المتغيرات التي يراد عزل أثرها عن تأثير المتغير المستقل، يحيث يعزى الأثر أو التغيير الذي حدث في المتغير التابع إلى المتغير المستقل وليس إلى أي متغير آخر. وذلك باستخدام أحد أساليب الضبط التجريبي المناسبة.

   - تصميم البحوث التجريبية: يسخدم عادة مجموعة من المبحوثين متكافئة أو متساوية في معظم خصالها الشخصية. وتستخدم على الأقل مجموعة تجريبية واحدة، وأخرى ضابطة متكافئة لها تماما في خصال أفرادها، وفي كافة ظروف التجربة فيما عدا التعرض للمتغير المستقل.

   - المعالجة التجريبية: يتم فيها تقويم أثر تعرض المجموعة التجريبية للمتغير التجريبي ( المتغير المستقل) الذي يراد الكشف عن تأثره، بينما تترك المجموعة الضابطة دون أن تتعرض للمتغير المستقل.

ثم تقويم أثر تعرض المجموعة التجريبية للمتغير المستقل عل سلوك الأفراد (المتغير التابع)، مقارنة بالمجموعة الضابطة التي لم تتعرض للمتغير المستقل.

    * منهج دراسة الحالة:

يقصد بالحالة هنا وحدة فردية معينة قد تكون أحد الأفراد، أو مجموعة من المجرمين، أو أسرة، أو مؤسسة... الخ. وباستخدام عدد من الأدوات البحث يستطيع الباحث جمع البيانات الملائمة عن الوضع الحالي للوحدة موضوع الدراسة، وخبراتها الماضية، وعلاقتها مع البيئة الاجتماعية التي تعيش فيها، والتعمق في العوامل والمؤثرات والقوى التي تحكم سلوكها، وتحليل نتائج تلك العوامل وعلاقتها، يستطيع الباحث أن يكون صورة شاملة لتلك الوحدة كما تعمل في المجتمع.

 

    وفي الجريمة تعتبر وحدة الدراسة أو التحليل هو الفرد المجرم. فيتجه التحليل نحو تسجيل مختلف البيانات عنه كـ: تاريخ حياة المجرم، ومن أشرفوا على تربيته، تاريخ حياته الصحية (الجسمية والنفسية) ، وصحة أسرته كذلك، نوع العلاقات السائدة في الأسرة، العلاقات بين الأبوين (الزوجين)،انفصالهما أو موتهما، مع من يعيش الفرد المنصب عليه الدراسة، المستوى الاجتماعي والاقتصادي والمهني، البيئة السكنية، عدد أفراد الأسرة ، العلاقة بين الوالدين والأبناء، وبين الأبناء فيما بينهم. التاريخ الدراسي للمنحرف، مستوى تحصيله الدراسي، قدراته العقلية واستعداداته وميولاته، وسماته الشخصية...الخ.

   وهناك مصادر عديدة يمكن أن نستقي منها كافة المعلومات السابقة وغيرها عند دراسة حالة المنحرف أو المجرم، وأهم هذه المصادر:

-       السلوك الحالي للمنحرف أو المجرم

-       الوثائق الشخصية للمجرم

-       السجلات المدرسية والحكومية

-       ذكريات المجرم عن حياته

-       معلومات الأخرين عن حياة المجرم

-       مصادر أخرى للمعلومات    

 

   

 

 

 

 

 

 

 

الجريمة في الجزائر

مقدمة:من الصعب التكلم عن الجريمة في الجزائر بصورة موضوعية، ذلك لنقص المعطيات الإحصائية الحقيقية، ولعدم تمركزها في جهاز واحد إن وجدت.

  تأثر نمو الجريمة في الجزائر إلى حد كبير بخصوصية عوامل نمو المجتمع الجزائري وهي عوامل تكاد تشترك فيها دول العالم الثالث. إن التغير التاريخي و الاقتصادي والصناعي والاجتماعي وما نتج عنهم من نزوح نحو المدينة وتفريغ الريف. جعل هذه الأخيرة تتضخم على شكل سرطاني ، مما خلق نوعا من القيتوهات يحتشد فيها البشر بشكل عشوائي. ومضاف إليه فقدان آلاف مناص العمل من جراء إعادة هيكلت الصناعة الجزائرية، والتحولات الاجتماعية السريعة والغير المخططة كالتحول الايديولوجي من النظام الاشتراكي إلى النموذج الرأسمالي. مضاف إليه التغيرات التكنولوجية السريعة والصراع العالمي على ثرواته. الشيء الذي نتج عنه مطالب وحاجيات كثيرة لم تستوعبهما التنمية المقترحة في السنوات الأخيرة. انعكست نتائج كل ذلك على سلوكيات الناس، فظهرت آفات اجتماعية عديدة من بينها تطور الجريمة في المجتمع كما وكيفا.

                      الجدول رقم (1) تطور عدد السكان في الجزائر وهجرتهم من الريف إلى المدينة

   الفئات

     1987

    1998

   2002

سكان المدن

    % 49.67

   %58.3

   %60.8

سكان الريف

    % 50.33 

  % 41.7

   %39.2

المجموع

      100

   100

    100

 

               

 

 

 

            المصدر: وزارة الداخلية

      يلاحظ تحول كبير من الريف إلى المدينة.  ففي مدة حوالي  15سنة أي ما بين 1987 إلى 2002 تحول من الريف إلى المدينة حوالي 10.53%  من السكان، حيث انخفض سكان الريف من 50.33 %إلى  39.2%  ، أي حوالي 07% ، وارتفع سكان المدينة من 49.67%  في سنة 1987 إلى 60.8  % في سنة 2002. وهذا سيحتاج بلا شك إلى تهيئة المدينة لاستقبال هؤلاء الوافدين أو بناء مدن أخرى بكل ما تتطلبه من المرافق الضرورية للحياة. وعلى ضوء النقص في الإمكانيات وعدم التخطيط الجيد لتوزيعها بدرجة من العدل بين المواطنين، مع التكدس السكاني في المدن الأساسية في البلاد. فبالضرورة سينتج عنه دعم لكل ما له علاقة بالآفات الاجتماعية المفضية بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الجريمة بأنماطها المختلفة.  

                 الجدول رقم (2) جرائم الراشدين وتجاوزات الأحداث التي تمت

في الفترة ما بين (2000 –2004 ) نموذجا

             السنوات

أنواع الجرائم

      2000

      2001

   2002

          2003

     2004

إجمالي

أحداث

إجمالي

أحداث

إجمالي

أحداث

إجمالي

أحداث

إجمالي

أحداث

جنايات وجنح ضد الأشخاص

10546

707

11150

851

13013

856

14201

957

12788

790

جنايات وجنح ضد الأملاك

9670

1318

9520

1192

11720

1503

12666

1442

12598

1363

جنيات وجنح ضد الأسرة

2544

442

2409

374

2516

388

2970

379

2278

264

التزوير

1605

23

1488

21

1827

18

1899

35

1695

20

جنايات وجنح ضد السلامة

3087

248

1477

198

3040

258

3248

246

2064

93

جرائم التعدي ضد الاقتصاد

0364

8

579

7

348

2

409

3

271

01

التجمهر

0026

00

38

3

204

15

247

14

650

62

إجمالي

27842

2745

27661

2646

32678  

3041

35640

3076

32344

2593

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جرائم المخدرات

2662

80

2005

60

2404

67

2863

104

2967

127

جرائم التهريب

16301

438

10662

228

3106

60

4718

132

4742

114

جرائم متعلقة بالأسعار

3648

053

1787

30

779

12

1019

12

854

17

أسلحة ومتفجرات

274

11

341

10

689

21

556

18

858

45

جرائم المشروبات الكحولية

471

07

468

4

466

7

675

08

633

06

جرائم قانون المياه

1312

14

1188

6

959

2

1269

08

800

05

                                   المصدر: قيادة الدرك الوطني  

 

   وهذه نماذج من الإحصائيات المحصل عليها من مصادر مختلفة تؤكد ذلك فالشكل رقم (2) يبين بوضوح تطور عدد الموقوفين  سواء كانوا جانحين أو غيرهم ويلاحظ ازدياد توقيف أكثر لعدد الجانحين ويظهر ذلك أكثر بين سنوات 2001 – 2002- 2003، كما ظهر تضخم فيما يخص نوع الجنوح فنجد ارتفاعا فيما يخص هذه السنوات يظهر في الجنايات والجنح ضد الأشخاص والجنايات والجنح ضد الأملاك. كما ظهر في غضون هذه السنوات المشار إليها متغير جديد لم يشار إليه في الإحصائيات قبل ذلك، وهي الجنايات والجنح ضد الأسرة والآداب العامة. وهي ظاهرة غريبة بدأت تنتشر في المجتمع الجزائري .

  كما يلاحظ مشاركة عدد معتبر من الجانحين في جرائم التهريب والمخدرات وهي كلها مظاهر جديدة على المجتمع الجزائري بدأت تتعمم وتأخذ لها مكانا في الساحة.

 كما يلاحظ ارتفاع نوعي إجماعي في الجريمة في سنتي 2002/2003

 

                      خلفيات السلوك الإجرامي في الجزائر

  على غرار بقية الدول تتأثر الجريمة بالجزائر بخصوصية متغيرات النمو الاقتصادي والصناعي والاجتماعي وعوامل تاريخية وثقافية. وهذه يمكن تقسيمها إلى عوامل إجرامية اجتماعية وعوامل إجرامية فردية.

    1ـ  عوامل إجرامية اجتماعية(خارجية): وهي مجموعة العوامل التي ترجع إلى البيئة المحيطة بالفرد. وتؤثر على سلوكه الإجرامي، وهي مؤشرات متعددة ويمكن تقسيمها إلى عدة تقسيمات بحسب الزوايا المختلفة المنظورة منها إلى تلك العوامل ، وهي كالتالي:

-       عوامل طبيعية: درجة حرارة الجو، حالة الطقس، الاختلاف ما بين المدينة والريف (عوامل طبوغرافية).

-        عوامل اقتصادية: وتقسم إلى عوامل اقتصادية عامة (التحولات الاقتصادية، تقلبات الأسعار والدخول،) عوامل اقتصادية خاصة ( الفقر، البطالة)

-        عوامل سياسية: فساد الإدارة ( الرشوة التي قد تمس كل أوصال الإدارة من منفذين إداريين إلى القضاة، والشرطة ومسؤولين، وغيرهم ...الخ). ضعف جهاز الشرطة (نقص العدد، عدم التدريب الجيد، نقص الروح المعنوية )، تأثير الحرب بصورة مباشرة وغير مباشرة (كنقص الثروات ، وزيادة الأعباء ...الخ

-        عوامل ثقافية: ( مستوى التعليم، نظرة المجتمع إلى الجريمة، القيم الدينية، أساليب التقدم العلمي... الخ).

-       عوامل البيئة العائلية( نموذج الأسرة، إجرام بعض أفراد الأسرة، إجرام الوسط العائلي للأسرة، تصدع العائلة، فساد نظام الأسرة ... الخ.

2-             عوامل إجرامية فردية (ذاتية): وهي مجموعة الأسباب التي تدفع فرد ما إلى

ارتكاب جريمة معينة، ويعني بالأخص بهذا علم نفس الجريمة الذي كما عرفناه في دروسنا السابقة على أنه العلم الذي يدرس السلوك الإجرامي لدى الفرد. حيث يتناول الفرد المجرم من زاويتين،  أولا :من الناحية العضوية أي دراسة أشكال أعضائه الخارجية واطراد سير أجهزته الداخلية وإفرازات الغدد لديه.ثانيا دراسة الفرد المجرم من الناحية النفسية العلائقية، أي البحث في غرائزه وميوله وعواطفه ومدى قابليته للإثارة، وكيفية بناء علاقاته مع الآخرين، وكيفية تقديره لذاته، ودرجة ذكائه... الخ.

      وهكذا يمكن تقسيم العوامل الذاتية (الداخلية) إلى عوامل إجرامية معينة في شخص ما فلا ينتج عنها بالضرورة حتما ارتكابه لجريمة معينة لأن الجريمة احتمالية في حياة الفرد وبتعبير آخر نقول أن الجريمة قد تقع نتيجة لتوافر عامل أو عدة عوامل معينة سواء كانت عوامل داخلية أو خارجية تطبيقا للمذهب التكاملي. وقد لا تقع تلك الجريمة مع توافر جميع العوامل التي تؤدي إلى وقوعها. وتظهر هذه العوامل على الشكل التالي:

-       التكوين الطبيعي للمجرم (الشذوذ الطبيعي)

-       الوراثة وتأثيرها في السلوك

-       الجنس (ذكر وأنثى)

-       الضعف والخلل العقلي

-       الأمراض العصبية والنفسية

أرسلها إلى صديق